islamaumaroc

العناصر الضرورية الصالحة لاستمرار حضارتنا الإسلامية

  دعوة الحق

169 العدد

ان السلبية الثقافية عقم مميت يقضي على الفكر وتتلاشى معه الحضارات وتنعدم معه طفرات التقدم.
ومفهوم السلبية في الثقافة مختلف باختلاف الاحوال والازمنة والظروف التي تعشيها بعض الدول المعاصرة، وليس أضر على الدول النامية من هذه السلبية التي تجعل بعض المسؤولين عن التوجيه وابراز الحقائق مكتفين بالعيش المادي في أبخس صوره دون أن يتحملوا المسؤولية الملقاة على عاتقهم كمثقفين وعاة.
ونحن في المغرب لا نستطيع أن ننفصل أبدا عن هذه الحقيقة التي تدفعنا الى الوعي ذاتي نخرج به من السلبية المميتة الى الايجابية البناءة المحركة عملية التطور الى المصير المشرق البراق.
ان الانسان في تطور مستمر وحركة دائبة ولكن المشكل ليس مشكل التطور أو مشكل الحركة وانما هو مشكل الزمام الذي يتحكم في مسار الحركة ومشكل الفكر الذي يوجه الارادة نحو الخير والعدالة.
ان كثيرا من الناس نراهم في أعمالهم دائبين يواصلون الليل بالنهار ولكنهم رغم ذلك يظلون متخلفين فما السبب في ذلك ؟
السبب في ذلك مرجعه الى أن الحركة عكسية أو سائرة في غير هدفها السليم فتتبدد القوى دون أن تصرف في وجهتها الصالحة ولهذا يجب علينا قبل التفكير في استعمال الطاقة ان نفكر في الاهداف التي سنوجه طاقتنا اليها لتكون مجهوداتنا ايجابية ولتكون أعمالنا غير ضائعة لا فرق في ذلك بين أعمال الفرد وأعمال الجماعة.
وهذه الاهداف ينبغي أن تكون منبعثة من كياننا غير منفصلة عن وجودنا لئلا نكون غرباء عنها فنقضي المسيرة في متاهات مظلمة تؤول بنا الى الضياع وتحول بيننا وبين الرفاهية والرخاء.
ولهذا أرى أن التخطيط ضروري لبناء المستقبل ولكنه تخطيط يجعل في حسابه الرصيد الحضاري الذي عشناه منذ مشاركتنا في السلسلة الحضارية الانسانية غير ناسين الحقبة الاسلامية التي هي من ألمع الحقب في تاريخنا المجيد وغير متجاهلين تعاليم الاسلام التي قضت على كثير من الرواسب وهدت الانسان الحائر وفتحت أمامه مجالات البحث والتفكير فصار يسببها ميالا الى الخير داعية اليه وأصبح بفضلها راغبا في الوحدة الايجابية التي تجعل المؤمنين اخوة لا فرق بين عربي وعجمي الا بالتقوى.
ومن هنا يجب أن يكون التخطيط متكاملا لا يفرق بين الجانب الروحي والجانب المادي فيسعى في خلق فلسفة اقتصادية ممزوجة بفلسفة اخلاقية ليعيش الانسان مطمئنا فلا يشعر بفراغ في روحه ولا بفزاع في معدته ويضم الى الكسب المادي كسبا أخلاقيا ينزهه عن الابتذال والانقياد الى الشهوات الى أبعد الحدود.
وأول العناصر في هذا التخطيط يجب أن يستمد وجوده من طبيعة الانسان الميالة الى الايمان بقوة فوق قوته وطاقة تتجاوز حدود امكانه.
وهنا يجب أن يكون لنا الاختيار بين وجهات الايمان لتتحدد لنا معالم الطريق وتتضح لنا أسرار الوجود.
فما هي هذه الوجهات ؟
هل هي الايمان بمظاهر الطبيعة دون تعليل لها ودون ابراز لسببيتها الا ما يتجلى فيها من القوة والتأثير ؟
هل هي ايمان بالقوى الغيبية من غير تحديدها في خالق أولي لا نهاية له ؟
أم هي ايمان باله عادل ليس كمثله شيء يتصرف في الطبيعة ومظاهرها ويتصرف فيما وراء الطبيعة له الملك في الدنيا وله الملك في الآخرة ؟
اننا حين تدرس بعض الفلسفات المادية نجدها ترجح الاتجاه الاول الذي يومن بالطبيعة وحدها ويكفر بخالقها، ومنذ النهضة العلمية التجريبية المتعلقة بربط الأشياء المحسوسة بالتصديق والحيرة متسلطة على النفوس خصوصا بعد أن صادفت تلك النهضة في أوربا تخلفا دينيا كاد يحول بين الدول الاوربية وتطلعها الى ذلك التقدم الصناعي الباهر.
وحيث أن الفكر العربي اتصل بأوربا أثناء الامتزاج الذي فرضته على الامم العربية حينا من الدهر فرضا عسكريا ثم غزوا فكريا فاننا نرى ان كثيرا من هذه الآراء تسربت الى فكرنا العربي واستقرت جذورها على عقول البعض منا حتى ظنوها حقيقة ثابتة لا تتبدل الاحوال مع أنهم لو عللوها بزمانها ومكانها لو قارنوا بينها وبين الاتجاهات الدينية التي أهملت حين اصدار الحكم لكان لهم رأي آخر يخالف ما سار عليه هؤلاء الطبيعيون.
ومن المعلوم أن هؤلاء الماديين في عقيدتهم الطبيعية يربطون في العصر الحاضر بين آرائهم وبين  السلطة التجريبية التي بلغوا اليها عن طريق الايمان بالمادة وقيام التجارب حولها، وكأنهم بذلك يريدون ان يقولوا بحتمية النفي لان الاله الذي لا يستطعون أن يروه وأن يلمسوه ينبغي عندهم أن ينبذوه ويرفضوه.
ومن المؤسف أن هذه الافكار اكتسحت عددا كبيرا من الشباب وجعلت بعضهم عرضة للالحاد والاستخفاف بالقيم الدينية وجعلت آخرين حائرين لا يدرون الحقيقة لانهم ما زالوا يبحثون عنها وعساهم أن يجدوا في أبحاث المفكرين الاسلاميين سبيلا الى الهداية وطريقا الى الرشاد.
وبعد في العصر الحاضر المفكر الاسلامي الراحل عباس محمود العقاد رحمه الله من أشهر العلماء الذين استطاعوا ان يبرزوا هلهلة هذه الفكرة  وأن يصوروا ما فيها من خلل منطقي يجعلها بعيدة كل البعد عن الصواب.
ولقد ألف كتابا في تاريخ العقيدة سماه "الله" تعرض فيه للمراحل التي مرت على البشرية منذ بداية شعورها الديني الى اكتمال وعيها الايماني ويبين فيه ضعف الحجة عند الماديين حينما أرادوا البرهنة على الحادهم وعنادهم.
قال رحمه الله(1):
"ويجيء الماديون في الزمن الاخير فيحسبون أنهم جماعة تقدم واصلاح للعقول وتقويم لمبادئ التفكير، والواقع انهم في انكارهم كل ما عدا المادة يرجعون القهقرى الى أعرق العصور في القدم ليقولوا للناس مرة أخرى أن الموجود هو المحسوس وان المعدوم في الانظار والاسماع معدوم كذلك في ظاهر الوجود وخافيه وكل ما بينهم وبين همج البداوة من الفرق في هذا الخطأ أن حسهم الحديث يلبس النظارة على عينيه ويضع المسماع على أذنيه ويحسبون على هذا انهم يلتزمون حدود العلم الامين حين يلتزمون حدود النفي ويصرون عليه في مسألة المسائل الكبرى وهي مسألة الوجود بل مسألة الآباد التي لا ينقطع الكشف عن حقائقها في مئات من السنين ولا الوف من السنين ولا ملايين السنين.
لا.....الى آخر الزمان في هذه المسألة الكبرى....ونحن لا نستطيع أن نقول لا الى آخر الزمان في مسألة من مسائل الحجارة او المعادن او الاعثاب أو مسائل البيطرة وعلاج الاجسام..."
ومن هنا ينطلق العقاد في الربط بين حقيقة الانسان وحقيقة وجوده ليصل الى أنه ليس من المنطق في شيء أن ينكر الانسان انكارا بأنا وليس من الحقيقة العلم الاصرار على النفي لان هذا الموقف في حسد ذاته يعتبر تنكرا لحقيقة البحث العلمي.
وعليه فهل الانكار يعتمد على حجة دامغة أو أنه يدخل في باب من السذاجة أقل ما يقال فيه أنه لا ينسجم مع الرأي المفكر ولا مع الاتجاه المنطقي السديد ؟
ان الحقيقة أقرب الى القول بأن رأي الماديين هذا لا يستند على حجة ولا يرتكز على قانون لان الانكار الدائم نفي دائم والنفي الدائم ليس ظاهرة طبيعية من ظواهر الكون يتشبث بها الانسان في المواقف المجهولة لديه جهله بها ليس معناه عدم وجودها فتعلق النفي لا يمكنه عنده أي شخص أن يكون أبديا لان ذلك ينافى الحقيقة وبجانبها كما ينافي الواقع وبجانبه.
وهذا الاستنتاج يكاد يكون من البدهيات التي تحدث عنها المفكرون كثيرا ولقد قارن هؤلاء بين ارتباط حياة الانسان بالزمن وارتباطه باستيعاب الافكار وخلوص النتائج فرأوا ان عقله محدود وان الموجود الذي نتحدث عنه وجود كامل ليس له حدود فكيف نعطي الصلاحية للحكم لعقل محدود في موجود لا حدود له ؟!
اننا ان فعلنا ذلك فستكون النتيجة مضطربة وسنصل الى النتائج العكسية التي رددها الدهريون قديما وردد صداها المحدثون فكانت صورة طبق الاصل لمشكلة ادخلت قلقا كبيرا على شبابنا المعاصرين في حين انها لا تستحق هذا الاضطراب نظرا لوضوحها وتجليها في النفوس الواعية.
فمشكلة الايمان مشكلة شعورية يحس بها الانسان ويعيها وعلى أساس هذا الشعور وهذا الوعي ينبغي أن نعترف بالله وأن نقربه الاقرار اللائق بجلاله.
اذا اتضح ان هؤلاء المنكرين لا يستطيعون البرهنة على انكارهم وان هؤلاء الملحدين لا يؤيدهم برهان أو دليل فما علينا الا ان نعتز بوعينا الذي دفعنا الى الايمان وجعلنا أسمى من ان ننقاد لمن لا حجة له لو نقلد من لا يستحق التقليد.
وان هذا الايمان سيكون مركز الانطلاق الى العمل البناء وسيعيننا على الابتعاد عن القلق والفوضى والشقاق وسنجعله بلسما لكثير من التصورات القاتمة التي يضيق بها صدرنا ويتكدر بها صفاؤنا.
وان محاربة القلق وما ينشأ عنه لشيء نحتاج اليه في بداية الطريق لنزول الاشواك وتعيد المسالك خصوصا وان القلق أصبح سمة من سمات العصر في شتى المظاهر انه قلق على المصير وقلق على النفس وقلق من الواقع وبين أنواع القلق بنى الشقاق وجوده وفرض ذاته وأصبح البؤس والالم والضياع نغمات حزينة في كيان الانسان الحائر.
ولو درى هذا الانسان حقيقة نفسه لاستطاع ان يستخلص من أعماقه طريق الخلاص وان يثور على هذا الكابوس الجاتم الذي جعل سعادته شقاء ونعمته بلاء.
ان الانسان حيمنا يعي نفسه ويربط بين هذا الوعي والتدبير الالهي تخف أتعابه وتحل مشاكله وتنزاح اضطراباته وينساق توا الى محاسن الحياة فيراها براقة لامعة وضاءة ويقف بارادته ضد مظاهر البؤس والحرمان فلا يعتد بها ولا يبالي بتصرفاتها.
وهذا الوعي أصبح ضروريا في علاج هذا المصاب وينبغي أن يتعود الانسان عليه عن طريق التربية والممارسة وعن طريق نشر المبادئ التفاؤلية التي تجعل من الوجود انطلاقا الى تحقيق المثل العليا الهادفة الى تحقيق سعادة الفرد وسعادة البشرية.
وخير سبيل الى تركيزه في النفس الايمان بالله وبواسطة هذا الايمان لا يقع أي تناقض بين الارادة الانسانية وبين الاستجابة لها من طرف القوة العالية المدبرة للكون والمتصرفة فيه.
ومن هنا تكون قد رفضنا الاتجاه المادي لامرين:
أولا : لانه لا يستند على حجة معقولة.
ثانيا: لانه لا يحقق السعادة التي نشعر بها ونحن مؤمنون.
وبناء على ما تقدم نرى ان أي تخطيط يهمل الايمان سيكون منفصلا عنا لا ينتمي الى فطرتنا ولا الى أصالتنا.
ولكن اذا كان الايمان بعد أول عناصر التخطيط لتحقيق حضارتنا فما هو العنصر التالي ؟
انه الوعي الحضاري
والمراد به الشعور بدورنا في تاريخ الحضارات البشرية ليلا نعيش كالاقزام بين عمالقة الفكر المعاصر
وهذا الوعي الحضاري يجعلنا ننظر الى الامام في اتجاهنا البناء وننظر الى الوراء لتطلع على المجهودات الجبارة التي قام بها أجدادنا في كل المجالات وليس من العيب أن يكون لنا رصيد ولكن العيب أن تقتصر عليه وأن نجعله الوحيد في مجال الافتخار حتى نصدم بلواذع قارصة تنسج في عقول أعدائنا ثم نتداولها ونستهلكها بيننا في سخرية أشد من سخرية الاعداء فكم مرة سمعت من بعض الافراد قولهم أن العرب اخترعوا الصفر ولكنهم ظلوا فيه بلهجة تدل على التشفي والاحتقار والذلة والافتقار مما دعاني مرارا الى ان انيه هؤلاء بأن مواقفهم هاته لا تخدمهم في شيء وانما هي ترداد لمواقف الاعداء وانهم ينبغي لهم حين يسمعون مثل هذه الاقوال ان يجعلوها سبيلا لتغيير ما بهم لا سبيلا لليأس والاستسلام وان يدفعهم ذلك الى تقصي الحقائق ودراسة التاريخ الاسلامي في مختلف الاغراض.
ولهذا أرى ان الانفصال عن أصالتنا والاستخفاف بدورنا في الوجود يعد جناية كبرى ما أجدرنا ان نبتعد عنها.
ان من أكد ما يجب ان يتجلى به الفرد في بلادنا صدق شعوره بوضاءة ماضيه ونصاعة حضارته ليستطيع بذلك ان يزيل هذا الاضطراب النفسي الذي أصيب به كثير من شبابنا حينما أصبحوا بعداء عن تصور حضارتهم قرباء من تصديق كثير من الافكار الهدامة الهادفة الى محو الشخصية الاسلامية من الوجود.
أليس من العار أن يردد كثير من طلبتنا الى الان أفكارا لبعض المتعصبين من الفلاسفة الاروبين ضد العروبة والاسلام في الوقت الذي انبثق من الاوربيين والامريكيين وغيرهم من يفضح تعصب هؤلاء المنحرفين فاذا كان ربتان مثلا (1823-1892) يقول: (2)ان الفلسفة العربية هي الفلسفة اليونانية مكتوبة بأحرف عربية" فهو في هذا متعصب جدا لانه يعطل المجهود الانساني الحضاري الذي شارك به العرب في التطور البشري في مختلف المجالات خصوصا اذا علمنا ان الفلسفة لم تكن منفصلة عن العلوم أيام ازدهارها عند الاغريق وعند العلماء العرب الذين كان يتحدث عنهم فهو بذلك اذن يحاول ان يمحو الوجود العربي في المجال الفكري والعلمي وهذا حكم لا يوافقه عليه النقد النزيه ولا يؤيده التاريخ الحي الذي اعترف بفضل العرب في الميدان العلمي والثقافي عامة ولقد اعترفت هيئة الاونسكو وهي المؤسسة الدولية في المجال الفكري والثقافي والعلمي بالقيمة الحضارية العربية في التطور كما اعترفت بفضل العرب على أوربا نفسها حينما خلصتها من طغيان الجهل وزودتها بأصول الفكر وأضاءتها بنور العلم (3) ولقد اختتم البروفيسور كويلسر يونج (Cuyler Young) رئيس قسم اللغات الشرقية وآدابها بجامعة برنستون بالولايات المتحدة بحثا له عن آثر الثقافة الاسلامية في الغرب المسيحي بتذكير مسيحيي أوربا المعاصرة بالدين الثقافي العظيم الذي عليهم من قبل العرب والمسلمين الذين كانوا يزودونهم بالعلوم والفنون وفلسفة الحياة.
ونحن حينما نتحدث عن الرصيد الفكري في الثقافة العربية لا نفرق بينه وبين الرصيد الفكري في الثقافة الاسلامية ولا نفرق أيضا بين أي موقع من المواقع ولا أي بلد من البدان لاننا نعتبر الثقافة العربية الاسلامية رصيدا مشتركا له دور فعال في ربط شعورنا بالماضي وفي تحديد سلوكنا في الحاضر وفي فتح مجال التخطيط لبناء المستقبل.
ويكفي دليلا على ضعف نظرية رينان انه بناها على أساس ضيق حينما ربط الاتجاه الفلسفي بالمنهج الاغريقي في التفكير دون أن يعتبر منهج الفلاسفة الاسلاميين الذين حققوا وجودهم على أساس فكري يكاد يكون مستقلا عن الاساس الاغريقي: فالأصوليون المتكلمون والاصوليون الفقهاء خطوا لانفسهم مجالات منطقية مبنية على منهجية خاصة في أغلبها تعتمد على المنطق الاستقرائي لا على المنطق الصوري زيادة على أن الغزالي جعل مراحل المعرفة تتجاوز الدلالة العقلية فرأى أن الحواس تخدع العقل أحيانا ولذلك أبطلها العقل كما لاحظ ان العقل الذي أبطل الحواس هو نفسه قد يكون سببا في التغليط ولهذا لا ينبغي الاعتماد عليه اعتمادا كليا خصوصا في الالهيات فاعترف بسبب ذلك بالحدس والكشف وجعل ذلك منفذا من منافذ المعرفة بحيث لا يمكن للانسان ان يحصر معارفه عن طريق الحواس أو عن طريق العقل بل قد يصل الى المعرفة عن طريق أخرى شعر بها في أعماقه دون أن تكون راضخة لتجربة الحاسة أو لتجربة العقل.
وشخصية أخرى كافية في أبطال رأي رينان انها شخصية ابن خلدون الذي بعد أبا علم الاجتماع باعتراف رجال الفكر وأساطينه ولقد استطاع ان يثور ثورة عارمة على المنطق الصوري، وتتبع الجزئيات العمرانية ليستخلص منها علما قارا عرف فيما بعد يعلم الاجتماع.
ويكفينا فخرا تلك القدرة الفكرية التي ظهرت منهجيتها في مقدمة كتابه العبر ودعوته الى التحري في قبول الاحكام وفي الربط بين الخير والاحوال الطبيعية والاحوال الاجتماعية فما جاء منها مناقضا لهاته الاحوال أبطلناه وما جاء غير مناقض لم نستعجل في قبوله أو رفضه وانما يجب آنذاك أن ننقده نقدا دقيقا نزيها لئلا يؤول تأويلا فاسدا أو يؤخذ عن شخص مغفل لم يميز في نقله للخير بين صورته وأبعاده.
ونحن لا نستطيع أن نتحدث في هذه النقطة دون أن تعود بنا الذكريات الى الحافظ المفكر الذي لا يقتصر في كتابه على عرض أفكاره وانما يدعو الى تأملها والى محاولة استخدام الطريقة الاستنباطية التي استعملها في جل أبحاثه ودراسته وانا شخصيا لا اقرأ كتابه البيان والتبيين دون أن تستوقفني هذه الملاحظة التي سجلها بعد أن روى عن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس انه ذكر بلاغة بعض أهله فقال اني لاكره ان يكون مقدار لسانه فاضلا عن مقدار عقله.
فقد قال الجاحظ بعد ذلك: "وهذا كلام شريف نافع فاحفظوا لفظه وتدبروا معناه".
وكأني بمتسائل يقول ما السر في أن الجاحظ يأمر بحفظ هذا القول واستيعابه ؟
الظاهر انه فعل ذلك للاسباب الآتية:
أولا: انه يدعو الى عدم الاكثار من الكلام دون علم ودراية ولو كان ذلك الكلام في صورته الشكلية جذابا لان العبرة بمضمونه لا بشكله.
ثانيا: انه يرى ان العلم وحده غير كاف اذا لم يكن معه تدبر وابداع، فالعالم الذي لا يستخدم فكره انما هو صورة طبق الاصل لغيره لا تستفيد منه الحضارة شيئا، وما أحسن جواب ذلك الذي أرى شخصا يتطاول بحفظه لكتاب علمي واستظهاره لما فيه فقال انما هي نسخة زيدت في البلد.
ثالثا: ان الجاحظ باستحسانه لهذا القول وحثه على حفظه واستيعابه يدعو الى الاستخدام الفكري والى ربط هذا الاستخدام بالمعلومات العامة التي يصل اليها الانسان فهو لا ينكر فضل العلم ولكنه يكره أن يكون مقدار العلم عند الفرد فاضلا على مقدار العقل لان العلم ميزان لكسب المعارف، أما العقل فهو الوسيلة لكسب الملكة وفرق كبير بين كسب المعارف وكسب الملكة.
فالتفكير اذن وليد الاستعداد وهذا الاستعداد يأتي عن طريق المعارف وينبغي بعد ذلك عند الدخول في مرحلته المباشرة أن يتصف المفكر بالتروي والاناة وهي المرحلة المعروفة بمرحلة الاختمار.
وفي هذه المرحلة يكون هناك انتظار لخطرات الاستنارة والانبثاق وفيها يتوصل الانسان الى الحل فاذا بلغ اليه عرضه على محك النقد والامتحان فيقبله حينئذ أو يرفضه وهذه المراحل التفكيرية هي التي تجعل الانسان مبدعا وتخرجه من اطار التقليد وهي مراحل أربعة، أبان قيمتها في العصر الحاضر العالم النفساني والاص (Wallas ) في كتابه فن التفكير.
ونحن لو قارنا بينها وبين ما كان يدعو اليه الجاحظ  لرأيناها صورة شبيهة بمنهاجه خصوصا اذا علمنا ان الجاحظ ينصح المفكرين باجتناب الرأي الفطير ويدعوهم الى التأمل في المعرفة والى استخدامها في سر أغوار الحياة.
وأجمل بنا أن نردد أمام أولئك الذين يتبرمون من بعض الآراء التي لا تنسجم مع آرائهم في العصر الحاضر قول الجاحظ في كتابه الحيوان رادا على بعض الساخرين والملحدين حين انكروا ان تكون للملائكة أجنحة ثلاثة بدعوى فقدان التوازن وانعدام التعديل (4): "قد يجوز أن يكون موضع الجناح الثالث بين الجناحين فيكون الثالث للثاني كالثاني للاول وتكون كل واحدة من ريشه عاملة في التي تليها من ذلك الجسم فتستوي في القوي وفي الحصص، ولعل الجناح الذي أنكره الملحد لضيق الفطن ان يكون مركز قوادمه في حاق الصلب ولعل ذلك الجناح ان تكون الريشة الاولى منه معنية للحناح الايمن والثانية معينة للجناح الايسر وهذا مما لا يضيق عنه الفهم ولا يعجز عنه الجواب فاذا كان ذلك ممكنا في معرفة العبد بما أعاره الرب جل وعز كان ذلك في قدرة الله أجوز وما أكثر من يضيق صدره لقلة عمله".
فالجاحظ هنا يدعو الى عدم الاستعجال في الرفض والى وجوب استخدام العقل في الحكم و الى الاطلاع على المعارف اطلاعا لا يقتصر على صورها المجردة بل يتصل بصورها الايجابية المبدعة.
ان امثال الجاحظ والغزالي وابن خلدون في تاريخنا الحضاري كثير زيادة على الاهتمامات الاخرى المتعلقة بالعلوم التجريبية عند عدد كبير من علمائنا.
وهذا الرصيد الزاخر بالامجاد يجب أن يكون زاد لوعينا الحضاري وان يكون دافعا لنا لربط هذا الماضي بالحاضر وبالمستقبل.
ولن تكون فائدة من ذكر هؤلاء المفكرين ان لم نجعل ذلك وسيلة عملية لتطهير أفكارنا من التعفن وخلق عالم من الافكار يبعدنا عن الجمود والتقليد.
وهذه هي النقطة الثالثة في مخططنا وهي منبثقة من فلسفة المرحوم مالك ابن نبي الذي يقول ان المجتمع الاسلامي فقير الافكار في الوقت الذي أصبحت فيه الافكار ذات مفعول في توجيه العالم الحاضر.
والافكار هنا يجب ان تكون بناءة تهدف الى خلق عدالة اجتماعية تتجلى فيها تكافؤ الفرص وتبني على الاخلاص في العمل وتدعو الى تطهير النفس من الضغائن وتيسر للجهاز الاجتماعي تماسكا نواجه به كل انواع الاستغلال.
وفي هذه المرحلة يجب محاربة الغزو الفكري الأجنبي الذي كاد يجعل أفكارنا مشلولة لا تستطيع حركة أو مقاومة.
وكثير هي الافكار التي محت وجودنا وجعلتنا في مؤخر الطريق.
ومن أهم هذه الافكار فتكا ما يأتي:
1- فكرة الاستخفاف بالوجود الحضاري للامة العربية الاسلامية
2- فكرة الخنوع للدعوات الهدامة للعقيدة والايمان
3- فكرة الاستسلام للطغيان المادي
4- فكرة ربط التقدمية بالاطار التقني دون مراعاة الجانب الخلقي
5- فكرة الاستغناء عن اللغة العربية في التعبير العلمي والادبي
6- فكرة العبث بالقيم الدينية.
ان وضع هذه الافكار في محك النقد وربطها بالاتجاه الايجابي في البحث عن الحقيقة سيساعدنا
على التغلب على أكثرها باللين والاقناع لان أكثرها اتصل بنا عن طريق التقليد الاعمى، فاذا استخدم العقل في تجبنها وفي فهم أضرارها استطاع ان يتحرر منها.
ان الانسان العربي حينما يستطيع ان يهتم بعالم الافكار وحينما يستطيع ان يركز مقدرته العقلية في نقدها وتمييز طيبها من خبيثها سيقدر حتما على تغيير واقعه وعلى التوجه الى ما هو أحسن له كفرد وكجماعة.
وهذه الدعوة التي اقتبسناها من المفكر المرحوم مالك بن نبي هي التي ستخلق تغييرا جذريا في مفاهيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لانها هي التي ستعلمنا ان التسابق على الماديات في شكلها السلبي لا يفيد وان الاستجداء للدول الكبرى في حين ان رصيد الخير بأيدينا لا ينفع فلتتوجه ارادة الدول الاسلامية الى استغلال خيراتها والى فرض سيادتها من جديد لتتحرر من كل أنواع الاستعمار وانها لقادرة على ذلك ان شاء الله.
وأكبر دليل على ذلك موقف العرب من الحرب البترولية ضد الدول التي كانت تنزف خيراتهم ومع ذلك كانت توجه الطعنات لهم سرا وعلانية.
ان موقفهم هذا يعتبر فكرة ايجابية حققت للعرب كيانهم في الايطار الدولي وان الافكار البناءة اذا ما تكرر استيعابها وتطبيقها من وضعنا العام ولا شك في جميع الاتجاهات.
ان الانحراف الفكري خطير جدا وأمة لا تكسب رصيدا من الافكار الصائبة أمة فقيرة جدا مآلها الانهيار، واني لارى ان أهم الافكار التي يجب أن نملكها لهي الفكرة التي توضح لنا السبيل وتيسر لنا الكرامة في الحال والمآل..
وان العصر الذي نعيش فيه لهو عصر علم وتقنية ولا يمكننا ان نعيش عصرنا ان لم يكن لنا اهتمام بالعلم والعمل وهذه نقطة رابعة لابد من مراعاتها في المخطط الايجابي لتركيز حضارتنا، فاذا كان الوعي الحضاري يمنحنا قوة لكياننا و كانت الفكرة الصائبة تهدينا فان المشاركة العلمية لتجعلنا في ركاب الحضارة غير منفصلين عنها.
ان الاهتمام العلمي حسب ما أرى يجب أن يكون رصيدا للامة كلها وليس من المعقول في شيء ان نجد عددا من العلماء يتجرون بشهاداتهم العلمية وبخبراتهم على حساب المصلحة العامة فيجعلون العلم وسيلة للاستغلال لا وسيلة للنفع والإفادة.
ان التسابق على العلم في صفوف بعض الطلبة يكاد يكون في الغالب مجردا عن التوعية الوطنية ولكنه تسابق مادي محض فالشعب العلمية عندهم أحسن لانها تدر الربح أكثر، والشعب الادبية أو الاصلية دونها لان منافذ الرزق فيها ضيقة ومسالك الانتفاع ضئيلة، وهذا تقدير ما كان ينبغي أن يكون.
ولهذا أرى أن نقطة خامسة يجب أن تضاف الى التخطيط انها الوعي الخلقي، ان هذا الوعي يجب ان يربى في الشخص منذ البداية وان تشترك في تكوينه جميع مناهج التربية سواء كانت دينية أو خلقية أو وطنية.
ان هذه الحصانة التربوية اذا انعدمت ضاعت الامة واصابها ضرر عظيم ولذلك كانت العناية بالتربية واجبة وضرورية لا مناص منها لمن أراد الخلاص من التخلف والانحطاط.
تصور أيها القارئ أن وعيا بالمسؤولية الوطنية والدينية والأخلاقية انعدم في جماعة من الطلبة علمتهم الدولة ودفعت اليهم المنح وأرسلتهم الى أوربا حتى اذا اكتمل نضجهم وظهر نبوغهم رفضوا الرجوع الى بلادهم وشاركوا في استغلال تلك المعلومات لانفسهم أو لدول أخرى قد تكون من الدول التي تحمل عداوة لنا أو تسعى في عرقلة مسيرتنا.
ان انعدام هذا الوعي في بعض دول العالم الثالث هو الذي جعل كثيرا من الموهوبين في مختلف العلوم يبيعون أدمغتهم ومعارفهم لغير دولهم وهذا أمر قد يدخل في باب الخيانات وان كان أولئك الذين يقومون به يدخلونه في اطار التعاون الفكري العالمي
ان التقدم في العصر الحاضر يحتاج الى المهارات العلمية المختلفة سواء في الجهاز الطبيعي أو في الجهاز الاقتصادي وبمقدار ما تملك الدول من الادمغة المملوءة علما وكفاءة يكون وزنها الحضاري، ولهذا كان التسابق على المعرفة سلاحا عمليا تحاول به كل دولة اثبات وجودها وفرض سيطرتها.
وليس هناك من سبيل لاستقلال الدول النامية استقلالا تاما الا ان تعمل بكل حزم على اعلاء شأن العلم وعلى تأسيس المراكز العلمية المختلفة سواء كانت مراكز نظرية أو مراكز تطبيقية.
وبهذه الوسيلة تستطيع تصنيع بلادها واستغلال موادها الخام واستكشاف ثرواتها الطبيعية، وهذا هدف أصبح الان واضحا جليا أمام الرأي العام العربي وبموجبه أصبحت الدول العربية تسعى سعيا حثيثا لتحقيقه وتنفيذه، ويظهر ذلك في مخططاتها وتصميماتها، لكن يجب أن نضيف الى هذا الهدف خلق وعي شامل في نفوس العلماء الذين يجب عليهم ان يضيفوا الى تكوينهم العلمي شعورا بالمسؤولية وتقديرا للواجب، أما اذا كانت المعرفة تستغل للجانب الفردي فهذا ما لا نرتضيه ممن سيتعلمون لانهم اذا فقدوا الوعي ربما باعوا أدمغتهم ومواهبهم لاعدائهم وجعلوها ملكا لغيرهم فلا تستفيد منهم أمتهم شيئا.
ان الوعي الاخلاقي يجب ان لا يفصل عن الاهتمام العلمي نظرا للترابط الايجابي بينهما وينبغي ان يضاف الى ذلك وعي بالجمال ليكون المواطن ذا تربية ذوقية تسمو به عن المباذل وتبعده عن الرذائل. 
وهذه نقطة سادسة ضرورية في مخططنا هذا.
ان تربية الذوق احدى الدعائم التي تقوم عليها الحضارة الانسانية، والدولة التي لا تعني بهذا الجانب تبقى متخلفة بعيدة عن الازدهار والرفاهية رغم ما تحلول ان تتظاهر به من مظاهر الحضارات الاخرى.
ولهذا كانت العناية بالذوق داخلة في تصميم التكوين الاخلاقي والتكوين الفني واذا فقدت امة هذين العنصرين فقد فقدت المميزات الحضارية الكبرى التي تجعل الانسان الخليفة الصالح لتسيير شؤون هذه الحياة الدنيا.
واذا كان العلم مظهرا من مظاهر التقدم وكانت التقنية طابعا للحضارة المعاصرة فانهما معا لا يكفلان للانسان الحياة السعيدة اذا لم يحصنا بالذوق السليم الذي يرفع من قيمة الجمال والحق ويعني بالقيم المثلى وبتهذيب النفوس.
ان العناية بالذوق تتجلى في كل مرافق الحياة فهي تطبع الاخلاق بالفضيلة والانسان بالسلوك الصالح والحكومات بالعدالة والشعوب بالنظافة والفكر بالمنهجية والعواطف بالنضارة الى غير ذلك من المقارنات بين كل الاشياء وما فيها من عناصر الفن والجمال.
ان هذه النقط التي تحدثنا عنها نراها ضرورية في تحديد العناصر للحضارة الاسلامية ويجب ان تجعل في مخطط دقيق قابل للتطبيق والتنفيذ لان المسلم الحقيقي لا ينفصل عنها ولا يبتعد عنها فهو في حاجة الى سلامة العقيدة وحسن التقيد بأصول الدين وأنواع العبادات والى الاهتمام بالعلم والاخلاق.
و ينبغي للقارئ أن يعلم أن هذه النقط ليست حصرا لكل ما يجب أن يكون مظهرا لابراز الاتجاه الايجابي في حضارتنا التي نريد لها الاستمرار ولكنها تمثل فقط أهم العناصر التي لا نستطيع تكوين شخصيتنا دون وجودها فنحن بواسطتها نربط بين الاصالة والمعاصرة ونمحو سيطرة الغزو الفكري الاجنبي عنا اذا كان منحرفا وتخلق تجاوبا بين الفرد والجماعة وبين القادة والشعوب وبين القول والعمل وبين الصورة والمادة وبين الفكرة والواقع، فلا يبقى ذلك التصدع الذي نحس به في شخصيتنا متسلطا ولا يبقى ذلك القلق الذي نشعر به متغلبا فتبذل حيرتنا ايمانا وقلقنا سكونا وتشاؤمنا رجاء، وننطلق حينئذ الى الامام قدما لا نلتمس الا الفضيلة والسعادة والمجد والرخاء والعزة والنصر، ونصبح من جديد ملقنين مبادئنا الى العالم المتعطش لها، وناشرين دعوتنا نشرا يبعث الماضي المجيد وينير المستقبل للانسان الحائر المحتاج الى أسس هذه المبادئ الى أصولها.

(1)   "الله" للعقاد صفحة 56.
(2)  في كتاب العرب والفلسفة اليونانية للدكتور عمر فروخ تعليق على رأي رينان هذا ختمه بقوله اذا كنا لا نستطيع ان نكون فلاسفة فلا أقل من أن
نتشبه عند البحث في الفلسفة بالفلاسفة صفحة 18
(3)- ما نقلناه عن كويلر يونج مأخوذ من فقرة استدل بها الاستاذ توفيق الطويل في بحث له عن الخصائص التفكير العلمي بين تراث العرب وتراث   
الغربيين نشره بمجلة عالم الفكر المجلد الثالث العدد الرابع (يناير- فبراير- مارس 1973) صفحة 1125.
(4) - هذا النص مأخوذ من كتاب الحيوان الجزء الثالث صفحة 72 من الطبعة الحميدية المصرية ويتعلق بالرد على بعض الملحدين الذين طعنوا في  
أجنحة الملائكة في وقوله تعالى: "الحمد لله فاطر السموات والارض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here