islamaumaroc

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي، للدكتور أحمد محمود صبحي

  دعوة الحق

169 العدد

تتعرض هذه الزاوية ـ في نطاق عناية المجلة برصد الإنتاج الفكري في المحيط العربي والإسلامي ، وتتبع مضامينه ـ إلى ما تنفتق عنه القرائح من عطاءات في شتي ضروب المعرفة ومناحيها ، وما تجلوه الأبحاث والدراسات المقدمة في هذا النطاق ، من وجهات في النظر والتحقيق والتمحيص ، وما تبرزه من خطوط فكر في التقييم والتنظير ، وما تحمله الصياغات الأدبية في طيها من تأملات ورؤى خلال الحياة ، على اختلاف الصور والأحوال . وجوهر المتوخي في هذه العروض ، اظهار القارئ على ما تنضح به دنيا الفكر هنا أو هناك ، مما يجد فيه المعنى بمواضيع الثقافة والمعرفة بعض ما يفيده : وأن كانت الفائدة في هذا المضمار مختزلة، تنبنئ عن اتجهات البحث والرأي في الموضوعات والقضايا ، دون تتغلغل في العمق الموفور ـ على أي حال ـ لمن شاء الرجوع إلى المصنفات المتطرق إليها في الحديث . وواضح من هذا ، أن النهج في هذه الموضوعات ، سوف لا يكون ـ بالضرورة ـ نهجا نقديا ، يتناول الأعمال المعروضة من زوايا نظر تستهدف إبراز الراجح والمرجوح في العمل ، وبلورة مواطن الضعف والقوة في محتواه ، ذلك أن القصد في الأساس هو التقديم والتعريف ، وليس الوزن ولتقييم.
على أن هذا الاجتزاء ، لا يمنع ـ مع ذلك ـ من مس الموضعات المتطرفة إليها ببعض اللمسات النقدية ، إن إقتضى الحال ، إلا أن الأمر في ذلك ، لا يعدو نطاقا محدودا ، يركز فيه خاصة على استجلاء مواطن الإجادة ، واستخلاص أجمع الخلاصات مما هو مفيد وممتع في الموضع المطروح ، وعلى الله ألإتكاء . 
تعددت الآراء على  نطاق واسع في مواضع الأخلاق ، تبعا لدقة مدلول هذا الموضوع ، وتشابك منازع التصور والرأي فيه لدقة هذه ، وتعدد المفاهيم حوله .
والأمر ـ كما يعلم ـ يتدرج في إطار البحث  عن الإنسان ، وبما يدخل في إطار هذا البحث من مناج يتصل بعضها ـ من زاوية النظر العلمي الحديث ـ يعلم النفس أو يعلم الاجتماع أو يغيرهما ، بينما يتصل بعضها الآخر بالعلوم المادية كالوراثة وعلم الأحياء وسوى ذلك .
وتمس الاختلافات من هذا القبيل ، مجال التعريفات الأولية نفسها ، مثلما تمس التفاصيل الأكثر تشعبا ، ومن ذلك ، تأرجحت الأقوال في تعريف الأخلاق بين مختلف المدارس الفكرية ، والمعنية بالموضوع ، وتباينت بقدر ذلك تصورات المنظرين عن الأصول المستمدة منها الأخلاق أهي العقل أم العاطفة أم الإدارة أو خلاف هذا ؟ وتنحدر جذور هذه الاختلافات في الموضوع ، عن الفلاسفة القدماء ـ منذ عهد الإغريق ، الذين خصبت حصيلة أطروحاتهم في أمر الأخلاق بجملة من الآراء والتنظيرات تتناقض بينهما من جوانب . فيما تتكامل من جوانب أخرى .
وقد كان سقراط ، من أوائل من نظروا في المسألة وتوسعوا فيها حتى اعتبر منشئ علم الأخلاق وجاء أرسطو وكانت له في الموضوع جولات تبلور من خلالها رأيه فيه أساس القول بعدم الارتباط بين فلسفة الأخلاق وما وراء الطبيعة .
وهو ما اختلف فيه أرسطو عن سقراط الذي كان يرى ـ على العكس ، إلا داعي لفصل الأخلاق عن ما وراء الطبيعة .
ومثل اختلاف النظرية الأسطورية عن مذهب سقراط ، كان اختلافها أيضا عن الفكرة الأفلاطونية في الموضوع .
ويطالعنا كتاب الدكتور محمد محمود صبحي عن الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي " ليركز خاصة على هذا الفرع من المباحث الإسلامية ( فرع الأخلاق ) من وجهة نظر المفكرين الإسلاميين ، وليرسم ـ من خلال ذلك ـ لوحة معبرة عن شتى الاتجاهات التي تبناها هؤلاء المفكرون في القضية ، ووجه التعارض فيما أخذت به في شأنها مدارسهم المختلفة .
لكن هل تقوم فعلا ـ في نطاق الفلسفة الإسلامية ـ فلسفة أخلاق ذات ملامح فكرية كاملة ، على غرار ما يعرضه التراث الفكرية للأمم الأخرى ، العريقة فكرا ؟ يرى المؤلف " أن الفلسفة الأخلاقية من أقل فروع الفلسفة حظا من عناية الدارسين والمؤرخين (1) للثقافة الإسلاميــــــة " (13) ويستشهد على ذلك بابن خلدون وابن صاعد الأندلسي مثلا ، اللذين أغفلا الإشارة للأخلاق فيما استعرضاه من أصناف العلوم .
بل إن الاتجاه بين المؤرخين والدارسين المحدثين ـ كما يذكر في هذا السياق " أن ليس في الفكر الإسلامي مذاهب أخلاقية ، معللين ذلك باستغناء المسلمين بتعاليم القرآن والحديث عن النظر في المسائل الأخلاقية ..(14 ) " إلا أنه يعود بعد ذلك إلى التعقيب على مثل هذه الوجهة في الرأي فيذكر أنها تحتاج إلى مراجعة لأسباب كثيرة .
منها ، أن هؤلاء الدارسين قد دأبوا على إنكار أن يكون للمسلمين فضل في علوم أخرى غير الأخلاق ، الأمر الذي يفرض التشكك في نزاهة مثل هذه التحليلات التي يأتون بها ، سواء في هذا الموضوع أو نحوه .           
ومنها ، أن الأحوال السياسية والاجتماعية التي جدت في المجتمع الإسلامي بعد توسيع الفتح ، والاحتكاك بالحضارات الأخرى لم يكن من شأنها إلا أن تطرح عليهم من القضايا والمشكلات الأخلاقية ، ما يدعوهم إلى تناول الموضوع الأخلاقي من وجهة فلسفية متطورة ، وتنظر المعطيات المطروحة عليهم بصدده .
ومنها ، أي من الأسباب التي تدعو إلى نبذ الإدعاء بقصور المسلمين في البحث الأخلاقي لاستغنائهم بالدين عن مثل هذا البحث ، وما هو ملحوظ من أن الثقافة الإسلامية تشتمل على علوم لا تكاد ترتبط بالدين كالفلك والكيمياء والرياضيات فكيف يحول الدين دون البحث في المشكلات الأخلاقية مع أن الأخلاق بطبيعتها أقرب العلوم إلى الدين ؟
وحسبما يوعز إليه المؤلف ، فإن الظن في عدم وجود فلسفة أخلاقية عند المسلمين إنما يرجع إلى مؤثرات المذهب الأسطوري ، الذاهب إلى أنه يجب في البحث عن الأخلاق " الابتداء بالواقع المشاهدة الواضحة أي استبعاد صدور الأخلاق عم مبادئ أو عقائد أو على الأصح عن الميتافيزيقا ( 19) " وهذا عكس ما ذهب إليه المسلمون ، ومن ثم ، حسب المتأثرون ما ذهب إليه المسلمون ، ومن ثم ، حسب المتأثرون بالتفكير الأسطوري ، أنهم لم يأتوا بشئ يعتد به في الأخلاق ، طالما أنهم نهجوا نهجا ميتافيزيقيا في تصوراتهم حول هذا الموضوع .
ويذهب المؤلف في الفصل الثالث من كتاب ، إلى تحليل السند الميتافيزيقي للأخلاق ، ليخلص من ذلك ، إلى ما أراد التوصل إليه من القول ، بأنه كانت للمسلمين فلسفتهم الأخلاقية ، ولو أن منطلقها يختلف عن المنطلق الأرسطووي اختلافا جوهريا .
" إن من غير المتوقع ـ كما يورد المؤلف ـ أن تقوم فلسفة أخلاقية في الفكر الإسلامي دون أن تكون مستقاة من أصول دينية ، وليست الأخلاق علما كالفلك أو الكيمياء أو الطبيعة أو الرياضيات ، ولكنها تشترك مع الدين في تعلقها بالإنسان وتنظيم حياته وسلوكه ومن ثم ، فإنه في الفكر الإسلامي ، لا بد أن يكون الإيمان هو الذي يحدد العمل ، والاعتقاد هو الذي  ينظم السلوك (24) " . وفي إيجاز لهذا المعنى يذكر المؤلف في خاتمة الفصل قوله : " خلاصة القول إن النظر سابق على العمل ، وأن الاعتقاد بتقدم السلوك ولا يتبعه ، وأن ما بعد الطبيعة موضوع استدلال عقلي ، وأن النسق اللازم لدراسة الأخلاق لدى مفكري الإسلام ، وأن استوجب استناد القيم الأخلاقية إلى أصول ميتافيزيقية ، فما ذلك إلا لان السلوك لا بد أن يتسق مع الاعتقاد ، وأن الأخلاق لازمة عن الميتافيزيقا لزوما منطقيا ، لاحقة عليها زمنيا " (30) .
وفي دائرة هذا التصور ، التصور الإسلامي لمنطلق فلسفة الأخلاق ، يبني المؤلف هيكل الموضوع الذي تناوله في رسالته والذي ينطبق عليه العنوان الموسومة به الرسالة ، وقد صدر سبيله إلى التغلغل في تفاصيل هذا الموضوع، بالكلام على النهج الذي يعتزم إتباعه ، ويرتكز النهج على عرض المشكلة الأخلاقية عند المسلمين من خلال اتجاهين رئيسيين من اتجاهات الفكر الإسلامي ، هما نزعة العقليين من جهة ، ونزعة الذوقيين.
والنزعتان ـ وفقا لما يراه الكاتب ـ تستقطبان في الأصول ، كافة الفرق الإسلامية " فالمعتزلة يلتقون عند الأصول الخمسة ، وأن جعلهم كتاب الفرق عشرين فرقة وقد تزيد أو تنقص ، وكذلك قد تتفاوت أقوال الصوفية بين متفلسفين ومعتدلين ، ولكنهم لا شك يلتقون عند بعض الأصول ، وإلا لما جمعهم اسم التصرف ..." (33) لكن ، في أي إطار يمكن أن تعرض المشكلات الأخلاقية التي دارت حولها اختلافات الفرق الإسلامية ؟ هل يمكن النظر إلى حصيلة فكر المعتزلة والمتصوفة المسلمين في الموضوع ، على أنه يمثل نسقا خاصا في الفكر معزولا عن تيارات الفكر العالمي ، أو أنه من الملائم إدراجها في نطاق هذا الفكر ، باعتبارها صورة من صوره ؟
يرد المؤلف على هذا التساؤل بصدد عرضه لمنهجه في البحث فيقول معترضا على من ينكرون على موضوعات الفلسفة الإسلامية أية منزلة عالمية: " إن عرض باحث لدراسة مشكلة الفلسفة الإسلامية ، فإن هذه المشكلات تبدو من دراسته كما لو كانت محلية وليست عالمية ، إسلامية وليست إنسانية ، إن هذا النهج في الدراسة ـ فضلا عن أنه قد عزل الفكر الإسلامي عن التيار العام للثقافة الإنسانية ـ فإنه يحمل في طياته التناقض ، إذ أنه بينما طبع المشكلات بطابع محلي بحث ، فإنه جد ويركز في موطن آخر على هذا المعنى فيشير إلى انه " قد تكون هناك عوامل متعلقة بالبيئة الإسلامية هي التي أثارة التيارات الفكرية والمذهب الكلامية بين المسلمين ، ولكن ذلك لا ينفي عن المذاهب جانبها الإنساني ، وطابعها العالمي ، وإلا لما تسنى لهؤلاء المفكرين أن يؤثروا فيمن بعدهم ، ولما استطاعت هذه الفلسفة أن تحمل مشعل الثقافة إلى الغرب لو كانت مشكلاتها وآراؤها مقصورة عليها تدور في فلك خاص بها ... " (36) وبإدخال المؤلف في الاعتبار فكرة المسلمين في الربط بين الأخلاق والعمل على أنهما متلازمان متكاملان(31) يخلص في خاتمة الفصل إلى بلورة عناصر منهجه في البحث وتستغرق ثلاث مراحل هي :
1) ميتافيزيقا الأخلاق ، أو أصول الاعتقاد
2) مقتضيات الأخلاق من الاعتقاد إلى النظر
3) أصول العمل وقواعد السلوك ـ من النظر إلى العمل (37) .
وننتقل ـ بعد هذا ـ مع الكاتب ، إلى تحليله لجوانب المشكلة الأخلاقية عند العقليين ، ونموذجهم البارز المعتزلة . والمعتزلة ـ في سياق قوله : " هم المعبرون عن النزعة العقلية في التفكير الإسلامي ، ليس ذلك لأنهم استدلوا على العقائد السمعية بأدلة عقلية فحسب ، ولكنهم لأنهم وثقوا بالعقل إلى حد أن لو تعارض النص مع العقل ، رجحوا دليل العقل ، ولجاوا إلى تأويل النص ، لقد كان لهم الفضل في أن كانوا الأوائل في الإسلام الذين رفعوا العقل إلى منزلة أن يكون مصدرا للمعرفة الدينية (تأكيدات استقاها المؤلف من بعض المصادر ) (41) .
وفي هذا يختلف المعتزلة عن الاشاعرة" في جهة وجوب الأحكام بالشرع أو بالعقل ، فهي عند المعتزلة إنما تجب بالعقل " وهذا ، في نطاق انصباب همهم الخلقية "(42) .( فيما استقاه المؤلف عن بعض المصادر ) .
ويأتي في أثر هذا التمهيد عن العقليين الإسلاميين أو المعتزلة ، استعراض ، امتد على عدة فصول لاحقة ـ لإبراز المسائل الفلسفية التي خاضوا فيها زاوية رؤيتهم للأمور على ضوء هذا المنزع في التفكير .
ويختص الفصل الأول ، بمبدأ العدل الإلهي ، والعدل فيما ساقه المؤلف عن الشهرستاني الذي نقل عنهم بدور تعريفهم لهذا المبدأ بأنه " ما يقتضيه العقل من الحكمة ، وهو إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة ، فالعقل يقضي في نظرهم أن تكون جميع الأفعال الصادرة من الله والمعتقلة بالإنسان المكلف بمقتضى الحكمة ، وعلى وجه المصلحة ، وتتضح النزعة الأخلاقية في هذا الفهم للعدل ، إذا قورن بمفهوم العدل لدى الاشاعرة : إن الله متصرف في ملكة ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد " (46) .
ومشكلة فلسفية أخرى تتصل بالموضوع عالجها المعتزلة ، كما عالجها غيرهم، وهي مشكلة تحليل وجود الشر في الحياة .
وفي تحليل المؤلف لفلسفة المعتزلة في الموضوع ، يذكر في ذلك :
".. من الخطأ القول بأن كل ما ينفر الطبع عنه أو تكرهه النفس فهو قبيح ، فإن الألم وأن نفر الطبع منه يحسن ، بل قد يجب كما هو الحال في الحجامة والفصد ومن فقد وجب أن يطلب الإنسان الألم إذا لم يكن ضررا محضا .." (56) "... فالخير والشر والنعم والنقم كلها تستوي ، لا من حيث أنها قوانين الطبيعة التي تتحكم في مصير البشر ولا تعبأ بوجودهم أو بنظرتهم ، وإنما تستوي من حيث صلاحها للإنسان ذاته ، كما تستوي الرأفة والحزم من الوالد ، أيهما يصلح لتأديب ولده ..." (57)
ولإدراك مدلول وجود هذا التكامل بين الشر والخير في الحياة ، ويرى المعتزلة فيما ساقه المؤلف :
"... أن الإنسان ممتحن بالنعم والنقم معا ، وليس عليه إلا أن يكون صالحا ، أصابه الخير أو الضر ، فلا تفتنه النعم ولا يجزع عند البلاء ..." (61)
وتتصل فكرة الامتحان هذه ،  امتحان الإنسان ، بنظرية اللطف الإلهي التي اختص بها الفصل الثالث    
من الكتاب ، وفي سياقه يذكر المؤلف " أن نظرية المعتزلة في اللطف الإلهي مكملة لأرائهم في تفسير الشر الميتافيزيقي والطبيعي ، أو المصائب والآلام اللذين يتمان بإرادة الله فتنة للإنسان ، فيأتي الشر الخلقي المتعلق بإرادة الإنسان ، ولكن العناية الإلهية تأبي إلا الهداية له واللطف ..." (62)
وبطالعنا الفصل الرابع ، لنجد فيه صورة أخرى ، من صور هذا الالتزام العقلي للمعتزلة في إدراك المعاني وتفسيرها ، وبصدد ما بسطه الكاتب عن نظريتهم في أفعال الله وأنها تهدف إلى مصالح العباد " يقول في ذلك بصدد تحليل هذه النظرية " أنه بمقتضى حكمه الله ، لا يمكن أن يكون الخلق عبثا ، وإنما شيء يدل على أحكام النظام والتدبير ، فكل ما في الكون لا بد أن يكون موصلا إلى الغابات المحمودة والمطالب النافعة ، وهي نظرة تخلع على الكون وما فيه من ظواهر ، تفسيرا أخلاقيا من حيث استحالة تصور العبث في الوجود ، كما أنه تفسير متسق مع مبدأ العقل ، لأن العقل وحدة هو الذي يضفي على الموجودات والظواهر تصور التدبير والنظام ..." (48) ويطفو، على ذكر هذا سؤال عن الحكمة في وجود الكائنات الضارة والحيوانات الشريرة . وللمعتزلة رأي في الأمر يسوقه المؤلف ذاكرا في ذلك ما فحواه :
" ... أن الغرض من إيجاد مثل هذه الحيوانات نفعها هي بالذات ، وذلك بتمتيعها بالحياة ثم نفع العباد دنيويا، كما يظهر فيما هو حاصل من أن الترياق من العقارب والحيات أصل في دفع المسمومات ، ودينيا ، لأن منظر الحيوان الكريهة ، مذكر بعذاب الله ، مما يدعو النفوس للاتعاظ والانزجار..." (90) ( بتصرف ) وفي عرض مستفيض عن نظرية المعتزلة في الثواب والعقاب حيث " جمعوا الدنيا والآخرة في  نظرة شاملة جامعة ، يحكمها قانون خلقي واحد هو عدل الله ..." (103)
انتهى إلى الفصل السابع عن " حتمية اقتران الإيمان بالعمل الصالح " وهو مبدأ خلقي ، يميز نظرة المسلمين إلى الأخلاق في إبراز ما تتميز به .
وقد كان الخلاف حول المسألة من دواعي الاتجاه إلى ظهور مبدأ الاعتزال.
ويشدد المعتزلة ، نقيض ما عليه أهل السنة " في الحكم على من يخالف إيمانه عمله ، حتى أنهم يرون " أن من افتقد خصال الخير ، فقد الإيمان " (110) .
وتسلمنا فصول هذا الباب عن المشكلة الأخلاقية عند العقليين ، إلى الباب الثاني ، فيما يتناوله المؤلف فيه عن فلسفة المعتزلة الأخلاقية وتتصدى مباحث الفصل الأول من هذا الباب إلى نظرية المعتزلة في التكليف الشرعي والعقلي وما يترتب عليه .
ومما يضعه التكليف على المكلف من تبعات " طرد الاعتقادات والظنون السابقة على التفكيـــــــــر " (119) ونبذ التقليد الأعمى في التفكير وحاصله .
" وبعد تخلية العقول من الاعتقادات الفاسدة المبينة على الظن ، فإن أول ما يجب على العاقل المكلف ، النظر المؤدى إلى معرفة الله " (122) .
" معرفة توحيده ، معرفة عدله ، معرفة لطفه، معرفة حكمته " (123) .
"... هكذا يصل المعتزلة بين معرفة الله وبين واجب الإنسان ككائن أخلاقي ، فلا قيام للأخلاق دون معرفة الله ، ومن ثم يتعذر الفصل بين الأخلاق وبين أساسها الميتافيزيقي " (123).
وفي مزايد من تحليل نظريات المعتزلة ، يتجه البحث بالكاتب ـ عقب هذا ـ إلى قضية الخير والشر ، أو الحسن والقبح في الأفعال والأشياء : هل الفرق بينهما حقيقة موضوعية ، مستقلة عن كل إرادة ؟ هل هما من الصفات العنيفة الموجودة في حقيقة الأفعال ذاتها ، أو أن الأمر غيـــــر ذلك ؟
يجب المؤلف في عرضه للآراء المدلي بها في الموضوع إلى " أن الذي يدل على أن الحسن صفة ذاتية للفعل الحسن ، وكذلك القبح للفعل القبيح ، وأن هناك من الأفعال ، ما لا صفة لها زائدة على مجرد الوجود كالطعام والشراب وفعل الساهي والنائم ، أما الأفعال الأخرى ، فهي محل حكم أخلاقي كالمدح والذم والإباحة والحظر والتحليل والتحريم " (129) .
"...والعقل كاشف عن وجه الحسن والقبح في كل فعل بعينه ، ومن ثم ، ينبغي النظر والتأمل في الصفة التي يتقرر بها الحكم على الفعل حسنا وقبحا فالمستدل في حاجة إلى الاستدلال ليعرف ما من أجله يحسن ويقبح القبح ، وفي حصولهما في بعض المواضع والأفعال ، ولكنه متى علم ذلك بالعقل ، علم عنده الحسن أو القبح ضرورة " (131) .
"... ومهما يكن من اختلاف المعتزلة حول دور الإرادة في تقييم ، فإنهم لم يتخذوا موقف المذهب الغائي في الأخلاق الذي يحكم على الأفعال وفقا لنتائجها فحسب ، فهم قد اعترفوا بأن للإرادة في الشرعيات من حيث أن الأعمال بالنيات ومن حيث أن معظم الفروض الدينية ، يشترط النية في أدائها ..."(154) "... لكن هل يطلب المعتزلة من الإنسان في كل أفعاله أن يفعل الحسن لذاته ، وأن يتجنب القبيح لذاته ؟ أما القبائح فيجب عندهم أن تتجنب لذاتها ، ولكنه غير واجب على الإنسان أن يفعل كل حسن لذاته ..." (153) ويسلمنا فعل الحسن والقبيح ، من جديد ، إلى مجال إرادة وعلاقتها بالفعل ، وحرية الإنسان فيه .
ويذهب المعتزلة في هذا ، على ما ساقه المؤلف إلى " مطلق المشيئة الإلهية في أصل التوحيد ، وإلى تقرير حرية الإنسان في أصل العدل لضرورة يقتضيها التكليف ، وتحتمها الواجبات الأخلاقية والشريعة (161) وليست مسؤولية الإنسان على الفعل فحسب ، وإنما تمتد إلى تلك اللحظة من الإرادة التي تكون عندها عزما على الفعل ، وقصدا إليه (174) .
ويفضي المؤلف بعد تحليله لنظريات المعتزلة حول الأفعال المتولدة عن الإنسان هل هو مسؤول عنها ، ولمفاهيمهم الأخلاقية فيما يتعلق بمعاش الإنسان ومماته ،إلى الباب الثاني الذي تناول فيه موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتباره الأصل العملي الوحيد في فلسفة المعتزلة الخلقية (191) .
وينصب القسم الثاني من الكتاب على تحليل معطيات النزعة الأخرى الأساسية في الفكر الفلسفي الإسلامي ، ونزعة الذوقيين أو أرباب التصوف .
والقاسم المشترك في عموم الموضوع ـ كما يعلم ـ هو الأخلاق ، ويربط نزعتي العقليين والذوقيين ، في هذا الصدد خيط من التكامل ، يجعل أحدهما متمما للآخر ، وسادا لما به من ثغرات ، وفي هذا يذكر المؤلف : "لقد شيد المعتزلة للأخلاق ميتافيزيقا رائعة ، ليستند الموقف الأخلاقي إلى أساس صلب من الاعتقاد ، ولكن بدت أقوالهم هزيلة في نطاق العمل ، مقصورة على الأصل الخامس (الأمر بالمعروف ).
والصوفية من جانبهم قد طرحوا جانبا الخوض في المشكلات الفلسفية ، ولم يقدموا في نطاق النظر شيئا ملموسا ... ذلك أنهم شغلوا بالعمل عن النظر في الأصول ، فهل يستطيع الصوفية أن يعوضوا قصور المعتزلة في نطاق العمل ؟ وهل في استطاعتهم أن يكشفوا عن قيمة العمل في فلسفة الأخلاق بالقدر الذي أفصح فيه المعتزلة عن قيمته الاعتقاد ؟  (245) .
وفي رحلة طويلة مع رجال التصوف ، يذهب الكاتب إلى استجلاء هذه السمات ، سمات العمل في فلسفة الأخلاق الصوفية ، ويتناول الفصلان التاليان في نطاق هذا النظر ، موضوع ضرورة صحية الشيخ المريد وهي " من قبل الشيخ تعهد وإرشاد ومراقبة دقيقة ومحاسبة للمزيد وتصحيح أوضاع ونقد وتعليم وتبصير بأسرار الحياة الروحية ..." (فيما نقله المؤلف عن بعض المصادر )(249) ثم الذكر ، وله جانب خلقي أو سلبي ، ويتمثل في كونه وسيلة لمجاهدة النفس ، وجانب روحي أو إيجابي ، ويتجلى في انحصارهم المريد في الله "(253) .
وفي مرحلة موالية ،يتصدى المؤلف لمشكلة العمل من خلال الفكر الصوفي ، معرجا في هذا المجال ، على شأن التوبة " ومراقبة خطوات القلوب باعتبارها بواعث الأعمال ، ومتخلصا بعد هذا إلى البحث في " النية وأثرها في حسن الأفعال وقبحها ، ثم إلى الصلة بين الأخلاق وحتمية تظهير الباطن ، ويتلو ذلك القول عن المنطويات الأخلاقية للفروض الدينية وتخلل الأخلاق للمقامات والأحوال (من 257 إلى 293 )    
وفي ذيل هذا العرض حول العقليين والذوقيين في الفكر الإسلامي ، تأتي نظرة يختتم بها الكتاب عن هؤلاء الذين حاولو التوفيق بين الاتجاهين الذوقي والعقلي ، ويدعوهم المصنف بالملفقة  ، وقد أفاض في القول حول إخوان الصفاء ، على اعتبار أن فكرهم يمثل هذه التوفيقية ، المتراوحة مشاربها بين الفلسفة والتصوف .
وبعد لمحة سريعة عن فكر فيلسوف الأخلاق ابن مسكويه لاتصاله بالموضوع ،يلقي المؤلف عصا التيسار ، وقد أفضى لمنتهى الرسالة ، مشيرا في غضونه ، إلى أن الاتجاه إلى فصل الدين عن الأخلاق " اتجاه ينطوي ـ مع شيوعه ـ على تصور خاطئ للدين والأخلاق معا ، ولا حاجة إلى أن يعاد القول بضرورة استناد الأخلاق إلى معتقدات وذلك لحاجة الإنسان كي يقف على أرض صلبة من الاعتقاد المتعلق بماضيه ) أصل نشأته ) وحاضره( الغاية من وجوده ) ومستقبله ( مصيره بعد الموت ) حتى يجابه الفتن والأزمات التي قد تعصف بضعاف العقول ، نتيجة خواء الاعتقاد " (317).
إنها دراسة علمية جادة ، هذه التي ضمنها المؤلف رسالته ، وعلى الرغم من تشعب الموضوع ووعورته ، فإن المؤلف قد استفرغ الوسع ـ كما هو ظاهر ـ في تجلية جوانبه على ضوء المصادر العربية والأجنبية التي رجع إليها في إنجاز العمل ، وإن كانت الاستنتاجات التي توصل إليها خلاله قابلة لزيادة المناقشة والتمحيص ، شأن كل محاولة فكرية ، خاصة إذا كانت من قبيل هذه الموضوعات التي تباينت فيها الإفهام ، وطال الجدال بشأنها ، على امتداد الأجيال والدهور . 


(1) الأرقام التي تتخلل الكلام ، تشير إلى أرقام صفحات الكتاب . 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here