islamaumaroc

لمحات جد عابرة حول المدلول التاريخي والإنساني لعالمية المدنية الإسلامية

  دعوة الحق

169 العدد

جمعت الحضارة الاسلامية بين ثلاث قارات، هي كل العالم القديم الذي كان معروفا اثناء القرون الوسطى قبل اكتنشاف اليابسة فيما بين المحيطين، الاطلسي والهادىء.
لقد نبعت اصول هذه الحضارة من آسيا، ثم ترعرعت فيما بعد، بين هذه القارة وبين افريقيا، وبينهما عبر البحر المتوسط وبين اوروبا، في اطراف مختلفة منها بالغرب والشرق.
ومن ثم، اتخدت الحضارة الاسلامية، صفة "العالمية" باعتبارها انها وسعت معظمخ العالم المعروف في عهد تفوقها، وبكل ما يعنيه هذا الشمول من تعدد شاسع فب العناصر، وتنوع في الحالات بيد ان هذا التعددج والتنوع – وهذه ماثرة الحضارة الاسلامية – كانا واقعين في اطار من التلاحم والتكامل، جعل من هذه الحضارة، مصهرا حقيقا للشعوب التي شاركت فيها، وسمة حاسمة في تاريخ التطور الانساني بكامله لقد استوعبت الحضارة الاسلامية اوسع مجموعة بشرية متكاملة عرفها التاريخ : شعوب شتى متنوعة الالوان والاعراق،، لغات بكل حرف ولحن، امزجة جماعية وبيئات اجتماعية وطبيعية، وانماط حياة، ومجاري تاريخ على درجة بالغة من اختلافالاوجه وتعدد المناحي، بقدر ثنائي جهات المحيط الاسلامي وكتافة الحوائل المنبثة بين آفاقه ومع هذا، فقد اتسعت الروح التي قامت عليها حضارة المسلمين لامتصاص مثل هذه التناقضات وتمثلها، وامكن بفعل ذلك، بلورة كيان حضاري فريد، يضم مقارقات الخصائص الاجتماعية والفكرية والثقافية عبر القارات، الا ان الطابع المعنوي العام المتميز به هذا الكيان، طابع مشترك، تبدو سماته في اقصى الشرق، كما في اقصى الغرب، لا اختلاف جوهريا من هذا المعنى، فيما يوجد هنا، او هناك ولا يفهم من هذا، ان مظاهر الحضارة في مختلف الآفاق الاسلامية هي هي، بحث لا تجد من خلالها فروقا بين طبيعة الحياة وآثارها في الشرق الاقصى الاسلامي مثلا، وبين مثل ذلك في اواسط افريقيا الزنجية الاسلامية، او بين هذه المتاطق وبين غيرها في تاحية خليج البنغال، او على شواطىء الشرق الافريقي.
ان مثل هذا الفهم للاشياء، غير وارد بطبيعة الحال، ولهذا قيدنا القول حول تشابه وجوه الطابع الحضاري الاسلامي بكون هذا التشابه واقعا خاصة في النطاق المعنوي، أي في دائرة المفهوم الحضاري الاعمق، المتمثل فيما يحتضن من قيم ومثاليات معنوية، وما ينطبع به الفكر العام في تكيفه بموجب مثل هذه المؤثرات، ثم ما يرتد من ذلك على الاخلاق والسلوك في عمومياته، وما ينعكس منه في مضمار العادات والتقاليد، يومية، او موسمية، ونحو ذلك مما يتصل بانماط الحياة الاجتماعية، وكثير من اوضاع الحياة بشكل عام،
ان هذه المجالات نفسها، لا تعرض بالضرورة حالة تشابه تام على صعيد المجتمع الاسلامي في اطلاقيته، الا ان هناك في هذا النطاق قدرا واسعا من التماثل في الاحوال، تبررها وحدة النبع الروحي والثقافي، القائمة به الصفة الاسلامية اساسا عند المسلمين وتجانس الشروط والمعايير التي مافتىء يتم بها تطورهم المجتمعي، ضمن نطاق من المؤثرات من بينها اساسا، المؤثر الديني وملابساته، وهذا قاسم مشترك، ذو فاعلية مهمة في ربط الشعوب الاسلامية بعضها ببعض على الصعيد المعنوي للحضارة، كما يتضح اثر ذلك في حياة هذه الشعوب العقلية والاجتماعية، وفي روح التراث المتخلف لها من تاريخها الاسلامي على امتداد ابعاده.
وحتى على المستوى المادي للحضارة، فاننا سنجد ان صورة للحياة الاسلامية – اذا ماذهبنا نتبينها منهذه الزاوية – تعرض علينا كثيرا من القسمات المتشابهة فيما بينها على مناخ متعددة، خاصة ما يتصل من ذلك بالطراز المعماري الديني ومرافقة، ثم ما يدخل في باب الالبسة التقليدية، ومشهد الاسواق وسوى ذلك.
ان الحضارة الاسلامية ظاهرة وحيدة، مختلفة اختلافا كيفيا عن الحضارات غيرها، وتتميز – من حيث ابعادها المادية – بطاقة شمول واستيعاب جد شاسعة، والملحوظ ان حيوية المدنية الاسلامية بهذه الصورة، لا تختص بعصر دون آخر، فهذه الحيوية، لم تنحصر في عهود ازدهار نفوذ المسلمين السياسي، كما انها لم تتراجع عندما جزر مد سلطانهم، وآل بعد توسعه الدافق الى نضوب، لقد احتفظت الحضارة الاسلامية ديناميتها هذه، حتى عندما تهاوت الاوطان الاسلامية، تحت غمرة السطوة الاوربية اثتاء القرون الاخيرة وغدا اهلها خلال الحقبة، معرضين لعمليات التحويل المراد منها خلخلة رسوخ اصالتهم الحضارية، واكثر من هذا، فان جاذبية القيمة العلسا للفكر الاسلامي وهي لعقيدة، قد استمرت خلال فترات تدهور المسلمين على حال سواء م الفاعلية والنشاط، مثلما كان حالها ابان سؤددهم، ومن ثم، بقي الافق امام الدعوة مفتوحا لاكتساب مزيد من المواقع، وتحدي الحملات التبشيرية المنظمة والواقعة في الكثير من الحالات، - تحت اشراف القوات الاستعمارية نفسها؛ وبقدر ذلك التالق المستمر في جاذبية الدعوة – رغم قيود الظرف وسلبياته – كان تالق مضمونها الثقافي وملابساته الحضارية يتمثل ذلك في تجدد مقدرتها على اعادة صياغة مفاهيم اولئك الذين يعتنقونها، وتحوير علاقتهم بانفسهم وبالناس، وتطعيم حصيلتهم من المعرفة، بفيض من المعاني والدلالات الجديدة، تنعكس على نظريتهم للحياة، ومسلكهم فيها، ان مثل هذه التاثرات، لنشكل قاعدة مبدئية لحالة خصبة بامكانيات التطور الحضاري، مثلما يحدث دائما بالنسبة لمن ياخدون بمبدا ما، فيجدون فيه مورد فكر وثقافة ونهج في الحياة ويرتسم لهم بذلك لمراجعة موقعهم في مضمار الحضارة، وتطوير ممارستهم الحضارية على ضوء هذه المراجعة.
ان الانتشار الذي مافتىء الاسلام يحققه في انحاء افريقيا وغيرها من مناطق العالم في عصرنا لينطوي في محتواه على بذور تحولات حضارية من هذا المعنى، تتناول في المدى القريب، وجهة التفكير والتقييم عند الجماعات التي يتخذ الاسلام بين ظهرانيها مراكزه، وتنفذ – عبرذلك – من منظور الامد البعيد – الى تغير الصورة الحضارية لهذه الجماعات، وفقا لمحتويات الثقافة التي تحصلت لها بتعرفها على مصادر الفمر الاسلامي الذي اعتنقته، وبما يتاتى لها من ذلك ايضا، عن طريق التفاعل الفكري، مع بقية العالم الاسلامي، في ارتباطها به.
ومن ثم فان المعروض، امامنا باستمرار، عن الظاهرة الحضارية الاسلامية، هو توالي قوة الدفه الايجابي في صلب هذا الحضارة، خلال عصرنا، مثلما توفر لها من طاقة على هذا النحو اثناء الحقب الماضية، وليس هناك، الا ما يوذن بان هذه الطاقة موصولة الفعل في مقبل الازمنة، متجذرةالاثر اكثر، نتيجة لقرب المفهوم الاسلامي من ذهنية المجتمعات التي تتعرف على هذا المفهوم من حلول لقضايا هذه المجتمعات، وتنسيق لمصالحها ومواقفها، في اتجاه البحث عن تعايش عالمي افضل، واستكشاف سبيل ثقافة انسانية سمحة و متحررة.
وفي الرجوع للاصول التاريخية تعرفا على عوامل الشمول والاستيعاب في الكيان الحضاري الاسلامي، نرى ان الطابع الانساني لتلك الحضارة، كفل لها، على مدى الدهر الطويل – سعة القابلية التي توفرت لها كمصهر مثالي لعبقريات الشعوب، ومحور استقطاب ملائم لهذه العبقريا لقد قلمت الحضارة الاسلامية – فيما يخض النظرة الى العلاقات بين الناس – على المبدا التماثل بين الاجناس في القيمة، فلا تفاوت فطريا بين عرق وآخر من الاعراق، ولا اعتبار لاختلاف الالوان والسحن والخصائص الجسمية بين السلالات، ومن ذلك، كان انصهار الشعوب بسهولة في بوثقة هذه الحضارة، وكان منه بالتالي، صفتها عبر القارية، التي شملت العالم القديم في جل اطرافه.
والى هذه السماحة في روح الحضارة الاسلامية، مما ساعد على سهولة الاندماج السلالي في حظيرتها، فقد هيات مثالية العلم، التي سادت تلك الحضارة، المناخ المناسب لكافة العناصر المتساكنة، كي تدلي بها لديها من تراث علمي، في تشييد البناء الحضاريالذي كان آخد في التكامل.
ومن مجموع المساهمات هذه، تبلورت – كما يعلم –قيمة حضارية عالمية الوجهة،غنية من حيث محتواها الفكري والثقافي، هي هذه القيمة المدعوة بالحضارة الاسلامية، والتي ملأت الفراغ الحضاري في العالم كله، اثناء الحقبة الطويلة بين اوائل العصر الوسيط الى مشارف العصور الحديثة.
ولا مجال للمفارنة هنا بين عالمية الموضوع الحضاري في اطاره الاسلامي، وبين عالمية المدنية التي تبسط ظلها على العالم الآن.
فالمدينة التي ترعرعت في حظيرة العالم الاسلامي، والتي تصطلح على دعوتها بالمدينة الاسلامية تنتسب انتسابا صميميا الى المسلمين عامة، وتستمد كثير من مواضعاتها، من خصائصهم وعبقرياتهم القومية، في تفاعل دقيق بين المفهوم الاسلامي الذي اخذوا به، وبين عطاءات هذه الخصائص والعبقريات.
وحيث ان المسلمين كانوا يعمرون حيزا كبيرا من العالم القديم، ويؤثرون بنفوذهم واشعاعهم على ما حولهم من القطاعات الاخرى من الارض، فان الحضارة التي تفتقت عن ظروفهم، كانت تبدو بحكم هذا الاعتبار، كابرز نموذج بطبع وضعية العالم الحضارية في ذلك الحين.
والامر بالنسبة للمدنية الحديثة، يختلف عن هذه الصورة بفارق اساسي.
ذلك ان الحضارة الحديثة، وان كانت تؤثر بفاعلية حقا، في تشكيل جوانب من صورة الحياة عند مختلف الشعوب المعاصرة، بما فيها – بطبيعة الحال الشعوب الاسلامية، فان هذه الحضارة لا ترقى مع ذلك، الى مستوى الحلول محل القيم الحضارية الخاصة عند هؤلاء او الآخرين.
ومن ثم، تبقى المدينة الحديثة، مدينة عالمية في نطاق فهم لهذه الصفة، محدود معينة.
اما المدينة الاسلامية، فيمكن – على درجة من المناقضة لذلك – اضفاء سمة العالمية عليها، بالنسبة لظرفها التاريخي، وذلك ضمن مفهوم اكثر اطلاقية، وبالتالي، اوفى شمولا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here