islamaumaroc

مقامات

  دعوة الحق

169 العدد

أريد بكلمة "مقامات" مدلولها اللغوي الاول، وهو "مواقف" ومنه كانت نشأة التسمية في المقامات، بمعنى المواقف العلمية أو الأدبية، وفي القرآن الكريم "يكاد البرق يخف ابصارهم كلما اضاء لهم مشوا فيه واذا اظلم عليهم قاموا  "أي توقفوا عن مشيهم، ومن القيام بهذا المعنى يوم القيامة، أي الوقوف بين يدي الله، بعد الحشر من الناس، ويصح أن يكون منه، قول الشاعر:
فقام يذود الناس عنها بسيفه
          وقال الا لا من سبيل الى هند
والوقوف الذي فسرنا به كلمة القيام، ما كان في أصله الا متعديا، ولم يكن بهذا القصور الذي انتهى اليه فيما بعد، ولم يرد في القرآن الا متعديا كذلك، قال تعالى "وقفوهم انهم مسؤولون" "ولو ترى اذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق" "ولو ترى اذ الظالمون موقوفون عند ربهم"
بل ان مصدرها "الوقوف" ما حل بها الا وهي قد قصرت وكفت عن عملها، ومن الخطأ ما وقع فيه الزوزني وغيره عند شرح البيت:
وقوفا بها صحبي علي مطيهم
              يقولون لا تهلك أسى وتحمل
حيث جعل الوقوف فيه مصدرا وهو في الواقع جمع واقف، حالا من الضمير في يقولون، وجاز تقديمه لانه منصوب بفعل متصرف كما نرى.
أما المصدر الاصلي لوقف، فكان الوقف، ومنه الوقف المعروف في الفقه، وبه كانت وزارة الأوقاف، مثلا قائما عندنا وعند غيرنا.
ومهما يكن فان من مقاماتنا، هذه ما وقع من بعض الأساتذة الشرقيين، الذين يعملون في كلياتنا، فقد سأل أحدهم زميلا لنا، عن ضبط كلمة "المقرى" ابتخفيف القاف، أم بتشديدها ؟
فأجيب، بأنها بالتخفيف
والجواب الصحيح، هو ما نجده من المقرى نفسه، ومن بعض أصدقائه في المغرب وفي المشرق
ونكتفى به وبأصدقائه المغاربة، أما المشارقة، فربما اجتهدوا في التسمية لغيرهم كما يجتهد المغاربة كذلك، ومن هنا نشأ الخلاف في الغزالي، فقوم في الشرق يخففون الرأي وآخرون في الغرب يشددونها، وكما حصل لنا في تسميتنا بالشرق وبالغرب الأوربي بل حصل فيها ما حصل بالمغرب نفسه، فهي عند الاسبان شيء وعند الفرنسيين شيء آخر، مما كبدنا كثيرا من المتاعب في السجلات ولنعد الى المقري، فنجد له في نفح الطيب، هذه الابيات:
وخط هذا المقرى العـاصى
                        أجير يوم الأخذ بالتـواصى
وخط هذا أحمد البادى الوجل
                        المقري المالكي الذي ارتجل
وخط هذا المقرى من وجل
                        مرتجيا من ربه عز وجل
وخط هذا المقرى عن عجل
                        مؤملا من ربه عز وجـل
هذه الأبيات وردت في أواخر اجازاته المنظومة، نقتصر عليها، ثم ناتى بما ورد في قصيدة، وجهها اليه بعض اصدقائه من مراكش مطلعها:
الى المقرى الحبر صدر الأيمة 
              من المخلص الوداد أزكى تحية
وأخرى مطلعها:
لله در العالم الجـيـاني
                      كأنما ينظر بالعـيـان
للمقرى العـالم المفضال
                      منظرا بأحـسن المثان
وهذا بيت آخر جاءه ضمن أبيات من قسنطينة:
يا أحمد المقـرى دامـت
                      بثراك تصحيها الرعاية
وأخيرا فهذا بيت قيل في جده :
ونفس العلم ان شانت لشخص
                           فما للمقري في العلم شأني
خاطبه به ضمن أبيات عالم من فاس فهذه الابيات كلها لاتدع مجالا في كون المقرى صاحب النفح، بتشديد القاف، نكتفى بهذا ولا ننحشر في أصل النسية
ومن مقاماتنا المذكورة، ان زميلا من زملاء الأستاذية بكلية الآداب، قال ان فلانا الباحث الاسباني اكتشف كون الشاعر أبى المخشى، بتشديد الشين، وليس اسم مفعول من خشي، وقد نشر ذلك معربا، فاستغله كما قال أستاذ شرقي معروف بنشاطه في نشر التراث الاندلسي من غير ما يذكر مصدره، ولما رجعنا الى نفح الطيب، الذي أعاد نشره هذا الاستاذ، نشرا علميا نزيها، يشكر عليه كثيرا، وجدناه نفسه قد اطلع على هذه الأبيات- لامحالة- وهي لابنة الشاعر، وفيها هذا الاسم الذي لا يتزن الا بما قال ذلك الباحث الاسباني وغيره، من المطلعين على الابيات التي مطلعها:
انى اليك أبا العاصي موجعة
                          أبا المخشي سقته الواكب الديم
فهذا البيت كاف في أن الاسم، بتشديد الشين، وان المطلع عليه لا يحتاج الى تنبيه، شاكرا العروض وأوزانها وحدها دون غيرها وكنت منذ  عشر سنوات، وجهت الى هذه المجلة الغراء، كلمة بعنوان "شاعرة وشعر في فجر الادب الاندلسي: تنشر قلت عنها اذ ذاك بالنص، أما الشاعرة فهي حسانة التميمية، بنت أبي الحسين الالبيري التميمي   
هكذا كانت تعرف عندنا، وأخيرا سمعنا ان استاذا اسبانيا باحثا، اكتشف انها بنت أبي المخشي، فكان اكتشافه هذا يطبل به ويزمر، مع أن كتب التراجم الاندلسية القديمة صريحة في هذا، تقول هذه التراجم ما نصه:
حسانة بنت أبي المخشي، عاصم بن زيد بن يحيى بن حنظلة بن علقمة بن عدى بن زيد العبادي التميمي، كانت شاعرة مطبوعة ومدحت الامير عبد الرحمن بن الحكم، ذكر ذلك أبو عامر السالمي، وفي خبرها عن ابن عباد.
 ويقول المصدر نفسه، في ترجمة والدها ما نصه:
عاصم بن زيد بن يحيى بن حنظلة بن علقمة بن عدي بن زيد العبادي التميمي، من أهل قرطبة، وأبو زيد هو الداخل من المشرق الى الاندلس، يكنى أبا المخشي، شهر بالشعر، كان في زمان عبد الرحمن، بن معاوية، وامتحن بابنه هشام، فقطع لسانه وسمل عينيه، ذكر ذلك ابن حيان وعيره.
ومن المعروف عن الشاعرة، انها لجأت الى الحكم، بن هشام، وقد توفي أبوها، فقالت هذين البيتين:
اني اليك أبا العاصي موجعة
                        أبا الحسين سقته الوكف الديم
فقد كنت ارتع في نعماه عاكفة
                       فاليوم آوى الى نعماك يا حكم
وأما مدحها لعبد الرحمن بن الحكم، فلا نعرف عنه الا ما ورد في الترجمة، ولدى نريده منها انها تثبت صراحة كون الشاعرة ابنة أبى المخشى، كما أفادتنا الترجمان معا، نسبته الى الشاعر زيد العبادى المعروف، وأنه كان مشهورا بالشعر على عهد عبد الرحمن الداخل وتذكر التراجم وكتب الادب أيضا، أنه توجد، بشعره الى عبد الرحمن، بعد ما سملت عيناه، فقال:
خضعت أم بنـاتي العدا
                    ان قضى الله قضـاء فمضى
ورأت أعمى ضريرا انما
                    مشيه في الارض لمس بالعصا
فاسـكـانت ثم قالت قولة
                     ما من الأدواء داء كالـعـمى
وزادت ترجمة الشاعر، هذه انه قطع لسانه، وهذا لا نعرفه الا فيها
ومن تلك المقامات، أني كنت أحد ثلاثة، أناقش رسالة وردت فيها هذه الابيات المعروفة لاوس بن حجر
أيتها النفس اجلى جــزعـا
                          ان الذي تحدرين قد وقـعـا
ان الذي جمع السماحة والنجـ
                          ـدة كأن قد رأى وقد سمعا
والمتلف المخـلـف المرزا لم
                          يمتع بضعف ولم يمت طبعا
والحافظ الناس في تـحوط اذا
                          لم يرسلوا خلف عائد ربعـا
وعزت الشـمـال الرياح وقد
                          أمـسى كميع الفـتـاة ملتفعا
وشبه الهيدب العـمـام من الا
                          قـوام شـقـبا مـلبسا فرعا     
وكانت الكاعب الممنعة الـ
                          ـحسناء في زاد أهـلها سبعا
لبيبك الشرب والمدامة والـ
                         ـفتيان طرأ وطـامع طـمعا
وذات هدم عار نـواشـرها
                        تصـمـت بالـماء تولبا جدعا
وكان الألمعى وما بعده مضبوطا بالفتح، فقلت لصاحب الرسالة، انه بالضم، فاعترض أحد الأستاذين الصديقين: بل هو بالفتح، وأيده في ذلك الصديق الآخر، فقلت: ابن الخبر اذن ؟ فقالا في بيت آخر لم يذكر هنا
فهذا "الدفاع" له وجهه في حد ذاته، ولكن: هل يعقل، ان المبرد أو غيره، يأتي باستشهاد مبتور هكذا فيقتصر على نصف الجملة ؟ ان أردنا أن نتصور هذا الوضع، فلنحذف هذا البيت بتمامه، لأن أهميته ليست الا تبعا لما قبله، على الصفة، كما يقول- لا البدلية كما قالا – هذا :
ان الذي جمع السماحة والنجـ
                          ـدة والحزم والقوى جمعا
ونقتصر على هذا، من غير ما نذكر له خبرا فما رأى القارئ الكريم في هذا الاستشهاد الذي يوتى به على معنى لا يقرر الا في جملة الكلام أما البيت الذي أراده الأستاذان خبرا، لما تقدم، فهو:
أودى فما تنفع الاشـاحة من 
                         شيء لمن قد يحاول البدعا
وهذا البيت لم يرد في نسخة من الكامل للمبرد نفسه\، فلاشك انه اعتبر الخبر البيت الذي قلنا بوجوب رفع الالمعى فيه، أما النسخة التي ورد فيها هذا البيت، فان وروده، كان قبل البيت المذكور مباشرة هكذا:
ان الذي جمع السماحة والنجـ
                           ـدة والحزم والقوى جمعا
أودى فما تنـفع الاشاحة من
                          شيء لمن قد يحاول البدعا
الالمعي الذي يظن بك الظـ
                          ـن كان قد رأى وقد سمعا
فالبيت كخبر استقر في محله قبل البيت الاخير وانتهى الأمر به، وأتى ما بعده من الابيات مرفوعا كلماتها الأولى هكذا:
"الامعى" ، و "المتلف" وما بعده "والحافظ"، على سبيل ليس من قبيل ما قبل من البدلية وشيء كما تقدم به القول، للهم الا أن يكون الأعمى بدلا من الضمير في أودى، وهو جائز أخذ بالمثال ثم بالمفهوم من قول الألفية
ومن ضمير الحاضر الظاهر
                          لا تبدله ما احاطة جلا، الخ...
وفي هذه الحال، يكون مرفوعا، أيضا، لا منصوبا، كما زعم الزاعمون، والغالب أن البيت: أودى الخ، أقحم من النساخ في هذه النسخة ذلكم ان الابيات العشرة المذكورة، هي التي بعينها في الكامل، بنسخه الاولى، تماما خالية من ذلك البيت الواغل عليها.
ومن المقامات ما كان بيني وبين استاذة في كلمة نفزة ونفزاوة
لقد كان اتصالى بنفزة سنة خمسين، حينما كتبت بمجلة رسالة المغرب، بحثا تحت عنوان "كيف أسس عبد الرحمن الداخل دولته" ثم كان اتصالي بنفزوة سنة ست وخمسين، في بحث نشر بمجلة Tamuda  تحت عنوان "بزوغ الثقافة العربية بالمغرب" ولعل هذا الاخير راق صديقنا الأستاذ عبد السلام بن سودة، فأدرجه في كتابه "دليل مؤرخ المغرب الأقصى" ضمن ما زاده وأضافه الى الكتاب في طبعته الثانية
وقد تحدتث مع صديق حول هذا، ثم سلمته العدد المذكور من المجلة، ليطلع على الموضوع، وكعادته أصلح في صمت كلمة "نفزاوة" بكلمة "نفزة" وقد ورد ذكرها، كمدينة في الصفحة 188 من العدد
والواقع انني لم أكلف نفسي التحقيق في الكلمة، وان جعلت نفسي منها على ذكر، الى أن اجتمعت أخيرا بأستاذ كان يتحدث عن وجود أسماء متشابهة لقبائل بعضها في المغرب وبعضها في الجزائر أو تونس، فكان منها "بني عروس" التي قلت له أنها كذلك موجودة بالساحل الشرقي لاسبانيا بهذا الاسم وانتهزت الفرصة فسألته، هل توجد نفزه ؟ أجاب: نعم، ولكنها تعرف الآن بنفزاوة
وهنا قلت من الغريب ان نفزة، كانت معروفة بالمغرب الاقصى، وكان عبد الرحمن الداخل، له خؤولة بها...فتدخل استاذ آخر معترضا بأن ذلك كان بطرابلس، فقلت له، بل انها في كثير من كتب التواريخ، يذكر بأنها كانت قريبة من طنجة، فلم يرجع عن رأيه...ورجعت انا الى كتبي  وبيتي، واعتمد على القديم، فوجدته هكذا
هناك تفرقة بين "نفزة" "ونفزاوة" فالأولى كانت بالمغرب، وكانت أيام ادريس الاصغر على قرب من تلمسان، وهي الى جانب ذلك تعرف، كمدينة، كما تعرف كقبيلة، ولهذا ذكرها صاحب معجم البلدان، من القبائل التي سميت بها الاماكن ولم تكن هذه المدينة، بالمغرب فحسب، بل كانت حتى في الاندلس أيضا، وان كثيرا من الأندلسيين، منسوبون اليها، ولعل منهم أبا حيان النحوى والمفسر، وكنت فيما قبل اعتقد انه منسوب الى نفزة المغرب، فيما قبل اعتقد انه منسوب الى نفزة المغرب، فيما نشرت عنه منذ نيف وعشرين سنة بمجلة "لسان الدين"
 أما نفزاوة فهي قبيلة بافريقية، في نواحي الزاب الكبير،  كما نقل ياقوت وهي مدينة أيضا وبهذا ورد ذكرها في المسالك والممالك للبكرى، الذي وصفها في الجملة، ولم يذكر نفزة الا بكون ادريس الاصغر "غزا نفزة وتلمسان،" ولكن ياقوت ذكرها بأنها "مدينة بالمغرب بالاندلس" ، مع انها بالاندلس غيرها بالمغرب، ونقل عن السلفي بأنها "قبيلة كبيرة منها بنو عميرة وبنو ملحان المقيمون بشاطبة" ثم ذكر رجالا اشتهروا من الأندلسيين بالعلم، وهم منسبون الى "نفزة" هذه بينما لم يذكر عالما أو غيره ينسب الى نفزاوة ؟
فهل نفزة هي نفزاوة ؟
لا أعتقد هذا ما دام أصحاب المدن يفرقون بينهما، وما دامت كتب التاريخ وغيرها تفرق
كذلك، فأين خلدون في تاريخه، يذكر نقزة ونفزاوة على أنهما مختلفان، والمقرى في نفح "نفزة" وقد نسب اليها طارق بن زياد، نقلا عن عقبه وعند تعرضه لأخوال عبد الرحمن الداخل، يقول انهم "نفزة من برابرة طرابلس"، ولكنه يقول في موضع آخر، نقلا عن "بعض المؤرخين من أهل المغرب" ان عبد الرحمن "لم يزل متوغلا في سيره الى أن بلغ المغرب الاقصى، ونزل بنفزة، وهم أخواله، فأقام عندهم أياما، ثم ارتحل الى مغيلة بالساحل، فأرسل مولاه بدرا بكتابه الى مواليهم بالأندلس"
فهذا الأخير صريح في كون "نفزة" كانت بالمغرب، ويؤيده ما ورد في جغرافية اليعقوبي، من ان صالح بن سعيد الذي ادعى انه من حمير، لا يسلمون من أهل البلد "نفزى" واسم مدينته العظمى التي ينزلها "نكور"، ومن هذه المدينة، جاز رجل من ولد هشام بن عبد الملك بن مروان ومن معه من آل مروان الى جزيرة الأندلس "لما هربوا من بنى العباس"، يعنى عبد الرحمن الداخل، الذي ركب البحر من هذا المكان الى المنكب ALMONECAB  الذي يقابله من بر الاندلس والمهم ان نفزة كان معها شأن عظيم ورجال اشتهروا في الاندلس والمغرب وفي الشرق، فكانت أم عبد الرحمن الداخل نفزية مغربية، وكانت أم جعفر المنصور كذلك، وقد تقدم ان طارقا نسب اليها، ولمكانتها في الدولة والمجتمع، فقد اختصت بمدينة من مدن الاندلس، عمرتها أو أسستها، وكان من رجالها علماء ذو شهرة في الشرق والغرب.
لقد استمعت الى كلمة للأستاذ فاضل بن عاشور، يلقيها في بغداد بمناسبة المهرجان الألفي بعد المائة لهذه العاصمة فذكر أن أبا جعفر المنصور، درس بالقيروان، أو أتى بها اليها ونزل بها (لا أذكر بالضبط) ولما انتهى من كلمته، سألته التفسير لهذا ففسره بأن أمه كانت من تونس "نفزاوية"
هكذا قال الاستاذ العظيم، ولكن المعروف لي انها من "نفزة" مغربية، لا من نفزاوة، مع احترامي الكبير لمعلومات الأستاذ المتثبت.
وربما كان معهما الصواب، فكانت نفزة هذه تونسية أخرى غير المغربية أو أن "سلامة" أم أبي جعفر المنصور، كانت من نفزاوة...كان يعير ابو جعفر، بكونه بن "سلامة" البربرية، كما نجد في "مقاتل الطالبيين "لأبي الفرج الاصبهاني، ومن هنا ندرك تمجيد أبي جعفر المنصور، لخصمه عبد الرحمن الداخل، وتلقيبه اياه بلقب "صقر قريش"، فهذا اللقب لم يكن "لله في لله"، بل كان في الواقع  اشادة بابن البربرية، ضمن هذه "القرشية"، وقد سمع من أحدهم – وقد قال له يا ابن اللخناء-:- ابن اللخناء من قامت عنه مثل أمك سلامة" فلم يجد ما يقول سوى: "اضربوا عنقه فضربت عنقه"...بعد ما كان محمد بن عبد الله بن الحسن، كتب اليه معرضا به فقال "فأنا أوسط بنى هاشم نسبا وخيرهم أما وأبا لم تلدنى العجم ولم تعرق في أمهات الاولاد"
لقد ذكرت نفزة بين القبائل البربرية التي بايعت ادريس الاكبر، ولم تذكر نفزاوة، كما في روض القرطاس وغيره، مما يزيدنا اعتقادا بأن نفزة مغربية من المغرب لأقصى، وان خؤولة عبد الرحمن الداخل وابى جعفر المنصور، في المغرب الأقصى
ومن المقامات كتبت مرة هذه العبارة: انهم سيرسلونني كذا...
وكان مرادى "انهم سيرسلون لي كذا"
فلما رددت القراءة ثانية، وجدت صداها، يبعث في شيئا من الرضى عن هذه النون، ووجدت فهمي يتفتح لشيء كان له مغلقا، ووجدت أطيافا من المعالم وشخوصا من المفاهيم، يتراقص بعضها فرحا ويطرب الآخر مرحا
فقلت في نفسي، ياله من غلط مبارك، هداني الى خفي الصواب، ولولاه ما اهتديت الى ذلك الصواب، وقد غطته سحب الاعراف بمفاهيم الناس، واحتضنه المأنوس فطواه في حضن الماضي، وغطاه في خضم باعدت ما بيننا وبينه شواهق السواحل، فعد في الغرقى الى الابد
قلت: لماذا لا يكون الأصل في نون الوقاية هذه، هو لام الجر؟ لم لا يكون التطور الحيوي للغة، عمل عمله في هذا ؟
أليست النون تحل محل اللام في بعض اللهجات العربية:
قالت وكنت رجلا فطينا
                     هذا لعمر الله اسرائينا
فاذا قارنا بين اللغات، فاننا نجد مثلا هذه اللام تستعمل في العربية للنفي، على حين نجد المستعمل للنفي في غالب اللغات هو النون، وهذا يدل على هذه العلاقة التي لم تأت جزافا، بل الفطرة الأولى للانسانية، هي التي جعلتها تنطلق بالرفض وهي تنطق بالنون أو اللام معبرة عن رفضها هذا ومن الرفض ما يدعو اليه كالنهي مثلا، والعلاقة بين النفي والنهي واضحة، لدرجة ان جل اللغات لا يفرق فيها بينهما، وأن بعضها، كالفارسية، كانت تفرق، فتجعل للنفي النون والنهي والميم، و لكنها عدلت أخيرا، عن هذه التفرقة، فعمت النون فيهما.
ان نون الوقاية، سميت كذلك كما قال النحات الذين سموها- لانها تقي الفعل من الكسر
اذن هي لا تكون الا في الفعل ؟
كلا: بل تكون فيه، كما تكون في الاسم، وتكون في الحرف، الا أن كونها في الفعل، مقيس لا يحتاج الى سماع، بخلافه في الاسم والحرف، فهو مسموع في كلمات منهما فحسب...
فقد قالوا في الاسم: قدني، وقطني كما قالوا: قدى، وقطي، وقالوا: لدني، بالتشديد، ولدني، بالتخفيف، وبدون وقاية.
وقالوا في الحرف: انني، وعلني، كما قالوا: اني، وعلي، أو لعلني، ولعلي، ومنه ليسني، وليسي فليس ما كان في الواقع الا من قبيل الحروف، وليس من قبيل الأفعال، ومنه أيضا، منى بالتشديد، ومنى بالتخفيف، وحذف نون الوقاية منها وقالوا: ليتنى، كما قالوا: ليتى، بحذف نون الوقاية، من هذا الحرف، وكذلك كأنني وكأنى ولكنني ولكنى، بذكر نون الوقاية وحذفها فيهما وهما من الحروف، كسابقهما  ولا شك.
وانشد النحاة في هذا شواهد، منها هذه التي أتى بها شراح الألفية:
فدنى من نصر الخبيبين قدى
                         ليس الأمير بالشحيح الملحد
فقلت أعيراني القدوم لعـلني
                         أخط بها قبرا لأبيض ماجـد
عددت قومى  كعديد الطيس
                         اذ ذهب القوم الكرام لـيـسي
كمنية جـابر اذ قـال ليتى
                         أصادفه ويذهب جـل مـالي   
أيها السـائل عنهـم وعنى
                        لسـت من قيس ولا قيس مني
  عندما يشير الى ذلك ابن مالك بقوله :
وقيل "يا" النفس مع الفعل التزم
                        نـون وقـاية وليسي قد نظم
وليتنى فـشـا وليتى نـدرا 
                        ومع لعل أعكس وكن مخيرا
في الباقيات واضطرارا خففا
                        عني ومني بعض من قد سلفا
وفـي لدني لدني قل وفـي
                        قدني وفطني الحذف أيضا قد يفي
فالنون اذن ليست خاصة بالأفعال، حتى سميناها "نون الوقاية" لأنها تقي الفعل من الكسر، بل هي في الاسماء والحروف كذلك، ولم تحاول ان تختص بالأفعال الا متأخرا، من مرحلة النشوء والارتقاء، فلم يكتب لها النجاح مطلقا، بل بقي غيرها متشبثا بحقه في قوة تارة وفي ضعف أخرى، كما أشارت الى ذلك الأبيات الألفية السالفة
قال استأذنا المأسوف عليه  Paul krau  في دروسه التي تلقيناها عنه، بجامعة فؤاد الأول، سنة 1942 – 1943، وهو يتكلم عن الضمير المنفصل في حالة النصب "ان العربية لا تستعمل هذا الضمير الا عند ارادة اظهار النصب، وكثيرا ما تستعيض عنه فعوضا ان تقول: ضربه اياك، تقول: ضربه لك.
فهي لهذا، قليلا ما تستعمله، أو هي مقتصدة في استعماله"
هذه اللمحة التي لمحها استأذنا الفقيد، تفيدنا بطريقة عكسية، فنقول: ان ضربه له، هو الأصل، مستأنسين في هذا بكون بعض اللغات لا تعدى الأفعال، مباشرة، بل بواسطة حرف، وذلك كالاسبانية مثلا، فهذا مبدأ وان كان مخالفا في التفاصيل، لأن الاسبانية تستعين بهذا الحرف في تعدية الفعل الى الظاهر، أما ان كانت التعدية الى الضمير، فلا تستعين في ذلك بحرف مطلقا، بخلاف ما تدعيه في العربية غالبا، فهي تستعمل ضربه له، أكثر من استعمالها، ضربه لزيد، كما قال استأذنا ملاحظا للاستعمال فيها.
والنتيجة التي انتهينا اليها، او التي ما زالت تلوح لنا، من بعيد أو قريب، هي أن نون الوقاية كانت في أصلها لاما، وان الفرق بينها، حصل عند مرحلة الافراز والتصنيف التي يقتضيها التطور والرقي: المرحلة التي عرفت فيها اللغات ما يسمى في النحو الأوربي باسم Comdirect  و Indirect، ثم لما صاروا يفرقون بين ما يسمى عندهم باسم  Accusative و  Dative...
نقول هذا، و لسنا نريد أن نوقع الفوضى في نظام لغتنا، بل اننا نعترف ان استعمال "يرسلونني" مثلا، يدل "يرسلون لي" خطأ ولحن فاضح، لا يفتقر لغويا، أولا يستعمل الا حينما يستغنى في التعدية عن حرف الجر في هذا الفعل، كما استغنى عن ذلك في بعض الافعال اخرى، كدخل وسكن مثلا، حينما يتستعلان متعديين بنفسهما وقد كان يعديان بحرف جر.
أعني أن هذا البحث، بحث فقهي بحث، يبحث عن التطور ولا يبحث عن قانون الاستعمال، الذي فرغ منه، ولو الى حين، قد يطول أو يقصر، بحسب ما يكتب لهذا الاستعمال من عمر مديد أو قصير.
ومن المقامات، اني في سنة 58-59، كنت بلندن أقوم في جامعتها بدراسة حول العلاقات التاريخية بين المغرب وانجلترا
وبما ان هذه العلاقة بدأت منذ عهد سحيق، وعلى عهد محمد الناصر ابن أبى يوسف يعقوب الموحدي، فقد انساق بي الحديث الذي كان يدور بيني وبين بعض الموظفين في سفارتنا، الى ذكر موقعة العقاب ذكرت العقاب، يكسر العين، كما هو منصوص عليه، في ترجمة المستشرق البلنسي، هويسي ميرندا، لجزء من البيان المعرب، فراجعني صديقان بأن المعروف ان العقاب بضم العين، فأدليت بمستتدى، ولكني لاحظت عدم اقتناع منهما، فقلت في نفسي، لابأس على الاخوين، وهما في السفارة، وليسا مثلنا في الخسارة...
ومضت السنون والأعوام، وتكررت القصة، فذكرت لطلبتي بكلية الآداب من فاس، موقعة العقاب، بكسر العين، فراجعوني بما روجعت به منذ خمس عشرة سنة، واجبت بما أجبت
ولكن بعضهم لم يقتنع، مما دفعني الى الامعان في هذا الاسم امعانا جديا
فتوجهت أولا الى الاسم في المصادر الاسبانية، وهو في تاريخها LAS NAVAS DE TOLOSA فبقي على أن أبحث في القواميس عن مفرد هذا الجمع فوجدته في القاموس الاسباني الذي يبدى هكذا Nava Tierra Muy Liama y Rasa  ومعناه أرض جد مستوية ومكشوفة، وتفسر الكلمة في القواميس الأجنبية هكذا ففي التركية وفي الانجليزية FLAT COUNTRY  وفي الألمانية FLACHLAND ....ففي هذه القواميس، ما عدا التركية منها، لا يخرج المعنى عن الاستواء، وهو المعنى الأصلي في الكلمة الاسبانية، ولعل الملاحة لها اتصال بمادة الكلمة، لاستواء السفن على سطح الماء، والاختلاف البسيط في بعض الحركات ليست له أهمية جوهرية، فكلمة "فلات" التي تقدمت في الانجليزية، يتصل بها "فليت" Fleet  فيها، ومعناها الاسطول البحري وعلى كل حال، فلسنا هنا بهذا الصدد، أما موضوعنا فلم يسعفنا فيه بوضوح، الا القاموس التركي، اذ ينص على ان معنى الكلمة، هو مرتفع قليل من الأرض، لأن "جه" هنا بعد "مرتفع" العربي الاصل، جاء للتصغير، ولعل اعتراضا يوجه الينا في الاستغاثة بغير القاموس الاسباني ما دامت الكلمة اسبانية، وهذا الاعتراض له وجاهته ومع ذلك الاستيناس بالقوامس الاجنبية بغيرها وكثيرا ما استغت بها حتى في بعض الكلمات العربية فاسعفتنى...
ومن هنا ننتقل الى الأستاذ عنان، الذي تاتى بنص كلامه، من كتابه "عصر المرابطين والموحدين في المغرب والاندلس" (القسم الثاني الصفحة 313- 314) "تعرف في التواريخ النصرانية...بموقعة هضاب أو عقاب تولوسا...لوقوعها فوق مجموعة من الوديان الصغيرة، التي تحيط بها الربى... وأما في التواريخ الاسلامية، فانها تعرف بموقعة العقاب، من مفردها عقبة، وذلك فيما يرجح، لوقوعها بين الربى والتلال المانعة "وهنا علق على الكلمة بقوله" جاء في القاموس المحيط، ان عقبة بالتحريك هي مرقى من الجبال، والجمع عقاب بكسر العين"
اذن فقد اتضح وجه التسمية بالعقاب، جمعا لعقبة، وهذا الجمع مطرد، في وزنه، كما قال ابن مالك:
فعل وفعلة فعال لـهما
                  وقل فيما عينه اليا منهـما
وفعل أيضا له فـعـال
                   ما لم يكن في لامه اعتلال
اويك مضعفا ومثل فعل
                    ذو التا وفعل مع فعل فاقبل
ومثله هضبة وهضاب وأكمة واكمام واجمة واجام ويزيد الاستاذ عنان فيقول "وليس بمعنى المعاقبة على الذنب، وان كان بعض الكتاب والشعراء، قد نسبوا اليها مثل هذا المعنى، في معرض التلويح بغضب الله، وعقابه للموحدين، لأنهم حادوا عن جادته، وبغوا وتجبروا، واعتمدوا على كثرتهم، ولم يعتمدوا على كونه"
ونزيد فنسوق في هذا العقاب، ما ورد في كتاب البيان المعرب، من "ان الموحدين لم يجدوا في تلك الغزوة ولا نصحوا فيها لأجل نكبة أميرهم الناصر، لاشياخهم وقتله واستئصاله لهم، على يد المفوض ذلك اليه "ابن مثنى"...ولت جموع المسلمين، فمشت الهزيمة عليهم، وثبت الناصر لدين الله، ثبوتا كاد يرى به ويمكن العدو منه، حتى وصلت رماحهم اليه...وذكروا ان بعض الناس، كان يقول "مدها قل لابن المثنى يردها"، يعنون بذلك صاحب الاشغال، الذي نكب أشياخ الموحدين" وعلى هذا فان هؤلاء الشامتين، ربما جعلوا انتقامهم بتقاعسهم وتثبطهم عقابا لأميرهم فنسبوا، من باب الاتفاق، هذه الوقعة الى ذلك المعنى المذكور هذا وقد قلنا من باب الاتفاق، لأنه يستغل في كثير من الاحيان، والا فالنسبة الى المكان لا محالة.
تم يقول الاستاذ عنان "وينفرد صاحب روض القرطاس الى جانب تسميتها بموقعة العقاب، بموقعة حصن العقاب أو حصن العقبان
ونقول انه كان هناك حصن، وما زالت بعض اطلاله قائمة، ولكن الغريب هو التسمية بحصن العقبان، فهذا الوزن جمع لفعال بالضم كما يقول
ابن مالك:
"وللفعل فعلان حصل"
فلا يخلو حينئذ أما أن يكون تصحيفا من الناسخ، واما ان يكون خطأ من المؤلف، انجر اليه كما انجر غيره، بالتداعي الموجود في العقاب (بالضم) الراية التي شبهت بالعقاب، الطائر المعروف من الكواسر، هذه الراية للنبي عليه الصلاة والسلام
والنتيجة ان وقعة العقاب بكسر العين قطعا، وليس بضمها، كما شاع بين الكثيرين
وبقي ان نعود الى هذا الملك العظيم، الذي كان من اعاظم الموحدين، بل كان سيكون أعظمهم على الاطلاق، وكان العالم النصراني الأوربي يحسب له حسابا خطيرا، فيتودد اليه صاحب صقلية النورمندي وبهاديه، بهدايا فاخرة، كانت فيها جوهرة عظيمة جدا رصع بها المصحف العثماني، وكان ملوك اسبانيا، وخصوصا الشمالية يحالفون، مثل ملك نفرة وملك برشلونة الذي غدر، وخاس بعهده، بل ان الملك جون، John  ملك بريطانيا قد وجه اليه سفارة، برئاسة أسقف كبير، يستنجده على دوقات فرنسا، اذ كان في نظره، كما في الواقع، أعظم ملك على ذلك العهد.
ولكن للأسف كانت موقعة العقاب ستعترض سبيل هذه العظمة، فتنزل بالموحدين كارثة ذهبت بها عظمتهم، وكانت أول ضريبة قاضية على مملكة الاسلام بالاندلس.
لقد قتل في هذه المعركة عشرات الآلاف من المسلمين، وتبالغ الرواية الاسبانية فتجعل عدد القتلى مائة ألف، ومن صلفهم المعهود، انهم كانوا منذ بضع عشرة سنة، يسجلون في الطرقات التي تسلكها السيارات، مواقع الحوادث بها، فيكتبون مثلا "هنا قتل اثنان" تنبيها للسائقين فكتبت الصحافة، من باب السخرية، انه على هذا يمكننا ان نكتب، عند المكان الذي وقعت به تلك الواقعة "هنا مات مائة ألف "...يريدون عدد الصرعى من بموقعة العقاب
والعجيب ان الملك الذي انتصر جيشه على المسلمين في هذه الموقعة، كان نفس الملك الذي انهزم جيشه في موقعة "الأرك" على عهد يعقوب المنصور، الذي انتصر عليه وسحق جيشه، ففر ناجيا بنفسه الى طليطلة، ولكنه آلى عليها أن لا يصيب نعيمها حتى يمحو العار، عار الهزيمة التي منى بها جيشه الكثيف
واعجب منه ان الناصر، بعد هذه الهزيمة، يوجه رسالة الى الحضرة بمراكش، يعتذر فيها عما وقع في هذه الوقعة، ويقول "واذا كانت وفقكم الله الجيوش موفورة، والرايات منثورة، والعزائم باقية، وكفايات الله واقية، فلا تهنوا فانا لانهن، وانتظروا الكرة على الكفار، والامداد عليهم بجند الله الذين هم خير الانصار، فما كان الله ليترك المومنين حتى يأخذ أعداءهم أخذا وبيلا "ولن يجعل الله الكافرين على المومنين سبيلا"
وعرفناكم لتكون عندكم هذه الوقيعة على وجهه، والنازلة على كنهها، ولتعلموا انه لم يدر للموحدين قتيل ولا أصيب منهم كثير ولا قليل، والسلام
وكتب في أواخر صفر سنة تسع وستمائة
فماذا يعنى بالموحدين الذين لم يصب منهم لا كثير ولا قليل، ولا درى لهم قتيل ؟
أهم قوادهم العظام، دون هذه الجيوش التي سقطت قتلى بعشرات الآلاف ؟
اننا لا ندرى ماذا تعنى الرسالة، بهؤلاء الناجين من الموحدين، وفي الوقت نفسه لا نتهم رسالة الملك التي حبرها كاتبه النابه، ابن عياش

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here