islamaumaroc

ضرورة التحرك داخل مجال ملائم وبوسائل مناسبة

  دعوة الحق

168 العدد


و يسألونك عن حركات المسيرة

أية مسيرة اعني و أية حركة؟ أهي حركة المتطوعين أمام مكاتب التسجيل في صفوف طويلة متعرجة ؟ ام هي حركتها و الحماس يكاد يزحزحها عن صوابها، و هي تهتف بحياة ملكها و صحرائها و تجوب شوارع مدنها قبيل لحظة الانطلاق ؟ ام هي حركة القطارات الهادرة في جوف الليل و الشاحنات تشق عباب الرمال المتلاطمة ؟ ام هي حركة ذلك الزحف الرهيب الذي قامت به الجموع البشرية مخترقة الحدود الوهمية هاتفة الله اكبر ، لبيك اللهم لبيك ؟
ام هي حركة دبلوماسيتنا ورؤساء احزابنا و بعثتنا النشيطة التي تجولت في مختلف بقاع العالم مقنعة اياهم بعدالة قضيتنا و مشروعيتها ؟ ام هي تلك الحركة التي صححت الخطأ الذي ارتكبته الأمم المتحدة باتكائها على فكرة تقرير المصير و تجاهلها لقرارها المتخذ سنة 64 و المطالب باجراء مفاوضات مباشرة بين المغرب و اسبانيا من اجل تصفية الاستعمار في الصحراء المغربية، تلك الحركة التي انتشلت ملفنا من ارشيف الامم المتحدة – بعدما كاد ان يختنق داخل قفص تقرير المصير – و طارت به الى رحاب محكمة العدل حيث ازهر الاطار القانوني لمسيرتنا الخضراء ؟ ام هي حركتنا الادارية و التنظيمية التي سهرت على رعاية المسيرة و على مراحلها – بداية و نهاية – في نظام و دقة عجيبين، اثارا دهشة و اعجاب الاعداء و الاصدقاء و برهانا على اننا شعب عبقري عظيم عريق في الحضارة و المجد ؟ ام هي حركتنا العسكرية البطولية التي نظفت و لاتزال – صحراءنا الحبيبة، و طهرت رمالها – ذرات انفسنا من الدخلاء و المرتزقة و المنحرفين ؟ المجد لجيشنا و العزة لمتطوعينا.
او لعلها تلك الحركة الفكرية و الوجدانية التي اثارتها الخطب الملكية الاخيرة و التي استقطبت اذهان ووجدان المغاربة قاطبة، و حولت صحراءنا السلبية الى كعبة و قبلة و قطب جاذب، وواجهة لماعة نقرأ عليها ايام غرا و سطورا خضرا من تاريخنا و ماضينا المجيد؟ او لعلها تلك الحركة النفسية الشعورية التي فجرها نجاح المسيرة، فتفجرت في اعماقنا كل احاسيس الشعور بالفخر و الاعتزاز و العظمة ؟ اننا لنشعر بالزهو، و اننا بالنخوة و الفخر كلما تذكرنا ايام المسيرة الخضراء ، و كيف ننساها فننسى اجمل لحظات عشناها و امتعها ؟

مركز واطار فكري واحد
انها حركات انطلقت داخل اطر مكانية و زمانية و سياسية و قانونية و عسكرية و ادارية و فكرية و نفسانية، و جرت على مستويات و داخل قنوات متعددة. و لكنها حركات متوازنة و متوازية يتمم بعضها بعضا، و يركب بعضها بعضا ، و تزحف كلها نحو هدف رئيسي ، تشحنات اليكترونية تدور حول مركز النواة الذرية. اذ انها جميعا ترجع الى مصدر واحد و تستمد قوتها و فاعليتها من حركة جوهرية عامة تنبع من قلب النواة المركزية. و يحيطها اطار كلي و ينظمها تنظيم و فكر واحد. و تلك عبقرية ملكنا العظيم الذي شهد له العالم اجمع بالحكمة و الحنكة السياسية و التبصر في معالجة القضايا الشائكة العويصة، و الذي لا تزيده الايام و الاحداث و المواقف الا اشراقا و سطوعا و تميزا واضحا.

الزاوية و المنظار
عندما قررت ان اكتب عن المسيرة تساءلت من اية زاوية انظر اليها ؟ هل اعرف بها ؟ كلا لقد تجاوزت المسيرة ذلك ، و عرفت نفسها عن طريق اجهزة الاعلام من جرائد و مجلات و اذاعة و تلفزة و سينما ، محدثة زلزالا فكريا و نفسانيا لا زالت هزاته و اهتزازاته مستمرة لحد الان ، ليس في المغرب فقط و انما في العالم باسره، فلم يعد هناك فرد مميز لم يسمع بالمسيرة الخضراء او يشاهد صورا ساكنة او متحركة لزحف بشري هائل يولى صدره صوب المدافع و الرشاشات و الاسلاك الشائكة و الالغام و لا سلاح له الا المصاحف و الايمان. اذن فالاقلام التي تحاول التعريف بالمسيرة هي كشموع تحاول ان ترشد الاعين الى شمس ساطعة !
هل اقوم بتحليل المسيرة و تحديد ابعادها و رسم  أهدافها ؟ مستحيل هذا في الوقت الحاضر على الاقل ، ربما يتاح ذلك للاجيال اللاحقة .. اذ هي كما قلت حركات و اتجاهات و مستويات و اهداف، و اذا كان استرجاع الصحراء هو الهدف الواضح الساطع فليس هو بالهدف الوحيد و الفريد التي وصلناه عبر جسر المسيرة ، فلقد كانت جسرا الى الصحراء و الى الماضي و الى المستقبل و الى اعماق نفوسنا.
و حققت اهدافا سياسية و فكرية و نفسية واجتماعية و تربوية ، و الذي يحاول ان يسيطر على المسيرة فكريا – غير مبدعها – و يحدد اهدافها و ابعادها هو كمن يحاول اصطياد حوت ضخم في حجم سفينة عملاقة بشبكة من خيوط العنكبوت !
هل اقوم بالقاء الضوء على جانب من جوانبها و ابراز بعض الدروس و العبر و العظات ؟ هذا ممكن و ذاك ما فعلت.
و مع هذا التناول الجزئي فانني اسمح لنفسي بان ارجو من القارئ الكريم الا ينطلق من الافكار الى المسيرة، بل الاتجاه المعاكس هو الصحيح. ارجوه ان يقرأ من خلال الاستعراضات و الخطب الحماسية للوزراء الموقرين و العمال المحترمين في جموع المتطوعين، من خلال الزحف و الخيام و العمائم السود و الشموع. من خلال الخطب و الندوة الملكية و اضواء الكاميرات الساطعة. من خلال سلهام العفو و الرعاية الملكية، و تجديد بيعة الجماعة الصحراوية من طرف السيد خاطري ولد سعيد الجماني ورفاقه. من خلال الصحفيين العالميين و الات الارسال و الالتقاط و التصوير. من خلال العبور التاريخي و الرجوع في نظام و انضباط عجيبين. و بكلمة من خلال واقع المسيرة الحي النابض لا من خلال الفكر الصارم الجامد.
و قد بدأت بنفسي فلم انطلق من تخطيط او تصميم جاهز، و انما من احساس حاد بعظمة المسيرة و تاثيراتها الحاسمة على مستقبل المغرب. و هذا الاحساس كون كتلة ضغط هائلة على قلمي ووجهته يرسم – طائعا – صيغا عقلية من خلال احداث المسيرة. فليعذرني القراء الكرام اذا ما خلطت عملا صالحا و اخر سيء و جمعت بين اشياء تبدو متنافرة و استعملت المصطلحات في غير اماكنها. و عذري انني منفعل بالمسيرة متاثر بها خاضع لضغطها، لا اكاد افكر الا من خلال زجاجها و اشعتها و الوانها، فحيتما وجهت فكري اصطدم بالجموع الغفيرة و حماسها و هتافها ، و حاصرته القطارات و الشاحنات و الرمال و العمائم و الاعلام و الرايات. حتى امتزجت في وجداني التيارات و الافلاك السماوية بالاطر، و المنظومات الشمسية بالمسيرة ، و النجوم بعناصرها و الشمس بقائدها و حافظ توازنها. و لذلك جاءت هذه الكلمة مزجا – قد يبدو غريبا – بين الفكر المجرد وواقع المسيرة الخصيب.

أفكار غامضة أوضحتها المسيرة
كنت اعرف شيئا عن المجال و الحركة، و الاطار و العناصر، الجزء و الكل و عناصر المجال من اهداف ووسائل و عوائق، و امكانيات و حوافز و حواجز و ضرورة التوازن بين الغابات و الوسائل الا ان هذه المعلومات كانت في ذهني مجردة باردة و غامضة، تفتقر الى المثل الحي و التطبيق على الواقع المعاش.
 اذكر مثلا انني القيت في السنة الماضية درسا في دراسة المؤلفات ، و كان الدرس تحليلا لنص ادبي لابن المقفع جاء في بدايته "اما بعد، فان لكل مخلوق حاجة و لكل غاية سبيلا و لله وقت للامور اقدارها وهيا الى الغايات سبلها..." و ان الطالبات امطرنني بوابل من الاسئلة تتركز كلها على العلاقة بين الوسيلة و الغاية، و تدخل الارادة الالهية في التوقيت، و تهيئ السبل و الوسائل. و اذكر ان اجاباتي كان يعتريها غموض، لان العلاقة بين الطرفين – الوسيلة و الغاية وهما العنصران الرئيسيان في مجال التحرك – كانت في ذهني غامضة حتى اذا جاءت موجة المسيرة الخضراء و ركبناها كوسيلة عظمى و تخطينا على ظهرها حواجز مادية بوسائل معنوية. و سقطنا عدة عصافير بحجرها الوحيد، و حققنا اهدافا اكبر من امكانياتها المادية بفوارق حيالية، و راينا كيف حفت العناية و الالطاف الالهية بمسيرتنا و تدخلت حتى في الهام الفنانين ليبدعوا اناشيد حماسية و نشيدا "العيون عيني" لجيل جيلالة و "نداء الحسن" كلمات فتح الله الامغاري، و تلحين عبد الله عصامي و غناء المجموعة – خير – شاهد .
اقول حتى اذا جاءت المسيرة و عشناها باعصابنا و قلوبنا و فكرنا و احساسنا اتضحت الغوامض، و خرجت الافكار المجردة الى دائرة الواقع الحي المتحرك الساخن. فما ساعرضه من افكار انما ابصر نور الوضوح من خلال قنواتها الخضراء.

الاطار – او مجال التحرك – و العناصر
لكل موجود او حدث – سواء كان ماديا ام معنويا ام مركبا منهما – وجدان: ذاتي فردي اني ، و موضوعي جماعي تاريخي ، يقتضي الاعتبار الاول النظر اليه على انه واحد صحيح مستقل عن غيره مقطوع الصلة بالعناصر المتواجدة في مجاله ، قائم بنفسه، يستمد وجوده و فاعليته و قدرته على الحركة و التاثير من قواه الذاتية. هدفه الدوران حول نواته منبع وجوده – الفردي – و مصدر قوته . كما لو نظرنا الى حركة المسيرة على انها حركة مستقلة عن كل التحركات السياسية و القانونية و العسكرية و الفكرية و النفسية، و انها حققت هدفا واحدا فريدا هو استرجاع الصحراء ، و ان عمرها الزماني محدود بداية و نهاية بيومي الانطلاق و الرجوع .
اما في الاعتبار الثاني فينظر الى الموجود او الحدث على انه كسر وجزء من كل، و عنصر في اطار يضم عناصر و أحداثا متشابهة او متنافرة، تربطها خيوط متشابكة ذات ابعاد و امتدادات متعددة المستويات و الاتجاهات تنتهي لدى حوافي الاطار او الشبكة او الكل المتكامل الذي يحيط العناصر و يحدها و ينظم حركتها.
و في هذا المستوى الجماعي العالي من الوجود تستمد العناصر و الاحداث وجودها و قيمتها و فاعليتها و قدرتها على الحركة من روح و كيان الكل، و حركته العامة المنشقة من النواة المركزية للاطار. و هدف الموجود هنا ليس مقصور على تحقيق ذاته و الدوران حول نواتها و انما ايضا الدوران حول العناصر الاخرى و للتأثير فيها . كما لو نظرنا الى المسيرة على انها حدث داخل اطار يضم عدة عناصر واحداث، و هي هنا تستمد قوتها و فاعليتها ليس فقط من دقة التنظيم و الطاعة و الولاء المطلق لولي الامر، و انما ايضا من الاحداث و التحركات السابقة و الموازية لها . و يمكن ان نتصور مثلا وجهة المسيرة لو لم انها لم تتحرك داخل اطار قانوني اقرته محكمة العدل عندما اعترفت بوجود علاقة بيعة بين قبائل الصحراء و ملوك المغرب. او لو لم نقم بتلك الحركة الديبلوماسية و الاعلامية الهائلة التي اقنعت العالم باننا طلاب حق مسلوب. او لو لم نقم بتلك الحركة الفكرية و الوجدانية التي عبأت النفوس و حولتها الى طيور مجنحة تتلهف لحظة الانطلاق و الطيران الى العالم الصحراوي السحري المجهول المعلوم ! او لو لم يكن هناك جيشنا الباسل يصون الحدود و يسد الثغرات في وجه المتسللين و يحمي ظهر المسيرة. او لو لم يكن شعبنا البطل قد تدرب على المظاهرات و مقابلة القوة المادية باشياء معنوية. اذن فحدث اجتياز الحدود الوهمية – من خلال هذه الزاوية – ليس الا عنصرا مؤثرا متاثرا و ان كان اعظم العناصر و اشدها فاعلية و تاثيرا و اقربها الى قلب وجوهر الاطار الكلي الذي انطلقت من نواته المركزية تلك الحركات و الاحداث.
و عمرها لا يبتدئ بيوم انطلاقها و انما هو سابق على ذلك. و يمكن ان نرجع بداية تكوين مجالها الى اليوم الذي صادقت فيه الجمعية العامة للامم المتحدة على طلب صاحب الجلالة نصره الله القاضي باحالة القضية على محكمة لاهاي. كما ان عمرها لم ينته بيوم الرجوع، بل هي حية باقية، تؤثر فينا، و ستظل تؤثر في الاجيال اللاحقة الى ان يرث الله الارض و من عليها. بل انها ستنسحب على الماضي. فبالاضافة الى انها دفعتنا الى الاعتزاز بتاريخنا و اصالتنا و ماضينا  فانها ستدفع الكثير من المفكرين الى الغوص في اعماق التاريخ المغربي و التنقيب فيه عن بذور هذه القوة العجيبة التي طفت الى السطح اثناء المسيرة، و سيعاد النظر الى الماضي من خلالها و ستدخل تاريخ المدارس الفكرية و الفلسفية كاعجوبة و احدوثة القرون. و كاهم نظرية فلسفية مزجت بين الفكر و الحركة و الحسابات الدقيقة و الواقع المتغير السريع التحول، و النظام الصارم و النفوس الجياشة.
و اذا كانت جوانبها الفكرية و الفلسفية لم تظهر بوضوح – كجانبها السياسي – فمرد ذلك الى اننا مبهورون باشعة المسيرة المنبعثة من حركتها السطحية لا نكاد نفطن و ننفذ الى تياراتها الباطنية التي توارت كنجوم حجبتها عن اعيننا اشعة شمس ساطعة تشرق من اطار قريبا من قلب الاطار المحيط لكل الرحكات و الموجه لها.

تأثير الاطار في عناصره
اذا تغير وضع العنصر داخل الإطار تغيرت قيمته واهميته تبعا لقربه او بعده من قلب الاطار مركز الحركة و الارادة الجماعيتين، و تبعا كذلك لفاعلية حركته و اتساقها او تناقضها مع الاتجاه العام و تزداد قيمة واهمية العنصر او الحدث اذا كان داخل اطار ملائم له مناسب لخصائصه و في وضع يتيح له مجال التحرك بحرية تسمح له بابراز قواه الذاتية. و تقل هذه القيمة او تنعدم اذا كان داخل اطار مناقض له، متنافر مع خصائصه مؤد الى تجميد قواه و شل فاعليته. فلو بقى ملف الصحراء داخل اطار تقرير المصير بارشيف الامم المتحدة و لم "يهاجر" صوب اوربا لضاعت الصحراء الى الابد. لان الامم المتحدة نسيت او تناست قرارتها السابقة و لم تعد تنظر الى قضيتنا الا من خلال مبدأ تقرير المصير الذي اقرته لجنة تقصي الحقائق المسيسة. و كان هذا الاطار خانقا لقضيتنا و قاتلا لها. و احالة القضية على محكمة العدل كان يعني تغيير الاطار المناقض باخر افضل و انسب، لان مستنداتنا ووثائقنا الصحراوية وهي اسلحتنا القانونية و معتمدنا لم تكن تجدي فتيلا لو طرحت على طاولات الجمعية العامة للامم المتحدة، بينما كان المجال القانوني – لمحكمة لاهاي – خصبا و مناسبا و مثمرا.
و على هذا فالاطار ضربان : ضرب حي مرن دينامي يسمح للمتحرك داخله باللعب بكل اوراقه الرابحة و استعمال كافة اسلحته على اكمل وجه حتى تؤتي اكلها و توصل الى افضل النتائج باقل التضحيات . و ضرب صلب صارم و جامد، يعوق حركة العنصر و يجمد قواه و يحد من فاعلية اسلحته او يعدمها نهائيا. و اذا انتقل العنصر المرفوض الى اطار مناسب له و اكسب قوة اقوى من الاطار المناقض و الواقعي له، و عاد اليه فانه يستطيع ان يؤثر فيه و يصبغه بصبغته. و الشاهد على ذلك هجرتان و عودتان: فلقد حان وقت توقف فيه المد الاسلامي بمكة تحت ضغط الظرف المكي و قيمه و عاداته، و لم يعد ممكنا الزيادة في كمية المسلمين ، و تحول الاذى الذي لحق بهم الى ظرف نفسي خانق كاد ان يؤثر على الكيفية عند بعض الضعاف ان لم يكن قد اثر بالفعل. و كانت الهجرة تغيرا للاطار المكاني و بالتالي النفسي. و كانت المدينة المنورة هي الظرف المكاني المناسب لنشوء المجتمع الاسلامي و ابراز فاعلية الاسلام. و نقل ملف قضيتنا الى لاهاي كان هجرة نحو الحق و حرية التصرف و ابراز القوى الذاتية. و قد عاد الاسلام الى مكة قويا و فتحها و ادمجها في مجاله، و عادت قضيتنا الى الامم المتحدة قوية مقنعة مؤثرة. و تجلى هذا الاقتناع و التاثير في مصادقة الجمعية العامة على مشروع القرار التونسي الاردني السينغالي الذي يزكي و يبارك الاتفاق الثلاثي الاسباني المغربي و الموريطاني.

فاعلية العناصر :
لكن لا يجب ان تذهب بنا المغالاة و الافراط في تقدير اهمية الاطار الى الطرف الثاني فنسقط من حسابنا عامل العناصر و الافراد و قواهم الذاتية. فاذا كان الاطار مثلا فكرة فان العناصر مادة طبيعية طيعة او عصية منضبطة او غير منضبطة هادفة او شاردة. و قد نجحت مسيرتنا ذلك النجاح الحاسم لا لانها فقط تحركت داخل خطة دقيقة و نظام محكم و مهدت لها و احاطت بها عدة اطر و مجالات مناسبة، و لكن ايضا لان العناصر المنفذة كانت طيعة و منضبطة و هادفة و متفانية في محبة ملكها و رمز وحدتها.
فاهمية الاطار الفكري ترتكز على التصميم و التوجيه و عدم السماح بحركة خارجة عنه او صادمة لاحد قوانينه، حتى يكتب للحركة النجاح ، (للانسان حرية الحركة و التصرف بنجاح مادام ذلك داخل حدود النواميس الالهية و القوانين الكونية و الحسابات  الدقيقة و المقادير المضبوطة – القدر – فاذا ما اختلت معادلات و غلطت تقديراته، او جمع في حركته فصدم احد القوانين – وهي جوفي الاطار – تلاشت ظروف نجاحه و دخل منطقة الفشل. و اذا ادرك الانسان اسرار القوانين و النواميس يستطيع ان يركبها وسائل لغاياته ، و يستغلها لمصلحته. اذ هي خاضعة لمدرك سرها) . و يستغلها لمصلحته.  اذ هي خاضعة لمدرك سرها) . فالتاثر و التاثير متبادل بين الكل و الاجزاء، و الاطار و العناصر ، و الخطة و الحركة، و التصور و الواقع ، و الصيغة و الحدث ، و القشرة و اللباب و الحركة الكلية العامة و حركة العنصر فكلما بالغنا في اهمية الصيغ المنطقية المجردة، اقللنا بالتالي من اهمية الواقع الحي في الوقت نفسه و بالمقدار نفسه.
بل ان بعض العناصر ما يكون قويا الى درجة التاثير في باقي العناصر و في الاطار نفسه. و قد اثر نجاح مسيرتنا في تحركاتنا السياسية و الاعلامية و العسكرية و اعطاها قوة، و طبعها بطابع المشروعية ، كما اثرت هذه في المسيرة و في بعضها البعض. الا ان المسيرة طغت و كسفت ما عداها لانها كانت اقوى العناصر اطلاقا و اقربها الى جوهر و مركز الاطار الكلي.
و يمكن ان اقول ان الاقليم الصحراوي – كعنصر مكاني و اجتماعي – سيؤثر على بقية الاقاليم او العناصر الاخرى و سيفرض وجوده القوي و حضوره الدائم.
بل ان لي كامل اليقين ان المغرب الجديد الذي ولد يوم انطلاق المسيرة سيكون ذا "مناخ" صحراوي و ليس هنا اسراف في التخمين و الخيال ، بل حقيقة مستمدة من التجربة و الواقع. فالصحراء كانت دائما و ابدا مركز انطلاق القوى المغربية عبر التاريخ الطويل. و عظماء ملوك المغرب كانوا اما صحراويين او ينحدرون من عائلات سبق ان استقرت بالصحراء.
و ليس من الضروري ان تكون الصحراء الان مركز انطلاق القوة المغربية – مكانيا – بل يكفيها ان تكون مفجرا لهذه القوة حتى ولو كانت بالشمال.
و لقد فجرت فينا الحماس. و فجرت فينا الاعتزاز بالماضي، و فجرت فينا الشعور بـ "النحن" و الادراك الحاد لعامل الوحدة الحاسم. و عمامة الاجداد الم يعد لها اعتبارها ؟ انظر الى هؤلاء الشبان المتجولين في  الشوارع وهم يتفجرون حيوية و حماسا و نشاطا ، يعلو جبينهم الأسمر الساطع تلك العمامة السوداء التي تزيدهم جمالا و جاذبية و قبولا. من كان يظن قبل بزوغ فكرة المسيرة ان العمامة سيكون لها هذا الاعتبار في اعين الشباب ؟ هذه هي الهدايا البواكر التي قدمتها لنا الصحراء و ستقدم غيرها كلما ازددنا قربا من قلبها و روحها الطافحين بالهدايا و الحب.
سياتي الى هنا سكان العيون و سمارة و الداورة و الحكونية و الداخلة و غير ذلك من المدن الصحراوية و الرحل، و سيؤثرون فينا بملابسهم و عاداتهم و تقاليدهم و اخلاقهم السمحة و بساطتهم و عفويتهم، و سنذهب الى هناك و سنؤثر و نتاثر، لكن الغلبة للاقوى ، و الجنوب اكثر اصالة من الشمال و اشده تشبثا بالروح و القيم المغربية و مثلها ، لذلك ستنتصر الصحراء و ستفرض وجودها الى الحياة ستاخذ من الشمال العلوم و التقنية و ستمنحه الروح المغربية الصحراوية الاصيلة و اعظم بها منحة.
بل ان اليوم الذي تتحول فيه العيون – او الحسنية البيضاء – الى مركز اشعاع ثقافي و حضاري في افريقيا قاطبة لهو آت و قريب بلا ريب.  ففي بحر هذه السنة سيوضع الحجر الاساسي لجامعة في العيون تضم اقساما لكليات الاداب و الحقوق و الطب ، و غير ذلك من فروع المعرفة و العلوم الانسانية ، كما صرح بذلك السيد ادريس البصري كاتب الدولة في الداخلية في جموع الطلبة الصحراويين الذين جاءوا لتجديد البيعة و الاعراب عن مغربيتهم و تعلقهم بعاهلهم الشرعي جلالة الملك الحسن الثاني ايده الله و سدد خطاه.
اخواني الشماليين، اخواني الصحراويين، لنسجد لربنا شكرا و نسبحه بكرة و اصيلا، على ما اعطى و اسبغ و اسبل و اسدل من نعم لا تحصى. لقد جاء نصر الله و الفتح و راينا اباءنا و ابناءنا و اخواننا و اجدادنا و شباننا الصحراويين يعودون الى الاندماج في اطارهم المغربي الاب الرؤوف الرحيم العطوف – افواجا . فلنهنيء لهم مكانا ليس في الرباط او الدار البيضاء او طنجة او مراكش او مكناس او فاس، و لكن داخل قلوبنا و في اعماق نفوسنا.
اخواني الصحراويين ، لقد فتحنا لكم قلوبنا و بوأناكم عرشها بجانب ملكنا الحبيب فافعلوا بها ما تشاءون.

عناق المغرب و تونس
كنت أضع مسودة لهذا المقال يوم جرت مباراة الاياب بالملعب الشرفي بين المغرب و تونس برسم اقصائيات مونريال. و بينما انا افكر في امثلة محسوسة للاطار و العناصر. شرعت التلفزة في نقل وقائع المباراة. فلم ار مثلا ملموسا و اكثر حسية وواقعية منهما فقد كانت تجري – كغيرها من المباريات – في اطار مكاني هو الملعب – المحدود بمستطيل ابيض – و اطار زماني ، وهو 45 دقيقة لكل شوط، و اطار قانوني، وهو القوانين و الانظمة و التشريعات المسيرة لكرة القدم عموما و الاقصائيات الدولية خصوصا، و اطار فكري وهو الخطة التي رسمها المدرب، و اطار نفسي وهو الحالة النفسية العامة لدى اللاعبين و الجمهور المتحمس.
و الخطأ الذي كان يقع او يمكن ان يقع انواع يهمنا ان نذكر منه ما ياتي : نوع يكون بتخطي و تجاوز حوافي الاطار كخروج الكرة خارج الشرط ، او اللعب خارج الوقت القانوني، او خارج الخطة التي وضعها المدرب، اما النوع الثاني فهو حالة الشرود التي تجسد معنى العشوائية داخل الاطار و انعكاساتها السلبية على الحركة العامة للفريق. و في اللعب الفردي يتجسد معنى تفكك العلاقات بين العناصر و ضعف الروح الجماعية و انحلال الصيغة او الخطة و تلاشي الارادة الجماعية. و في الحماس و القذفات المتبادلة و الحركة السريعة و الخفة و الحيوية التي تسود اثناء اللعب الجماعي و سيطرة الروح الجماعية – نجد تفسيرا لقولنا ان العنصر – في حالة وجوده الجماعي العالي – يستمد قوته و فاعليته و حيويته من الروح الجماعية و قلب الكل، فعندما تتلاشى الانانية و الفردية و الذاتية يصبح كل جزء "كلا" تنبع من قلبه الروح الجماعية و تضيف الى قوته قوة.
و قبل ان اتابع الحديث عن تلاحم المغرب و تونس اشير الى ان كثيرا من الصحفيين الذين رافقوا المسيرة اندهشوا للابتسامة الدائمة التي لم تكن تفارق محيا المتطوعين، و لتلك الروح المعنوية العالية التي كانوا يتمتعون بها، و لتلك السرعة الخارقة التي قطعوا بها المسافة الفاصلة بين الطاح و الداورة، حتى ان بعضهم وصفها بانها مباراة في العدو الريفي و قد حكى لي كثير من المتطوعين انهم كانوا يشعرون بقوة غريبة. و انهم كانوا لا يكفون عن الحركة طول النهار، بينما يقضون جل ليلهم في الرقص و الغناء و تبادل النكت و الحكايات المضحكة، و ان من غلبه النوم كانوا يضعون في شفتيه سيجارة مشتعلة حتى اذا لسعته استيقظ و اخذ مكانه في الحلقة . و حكى لي اخي وهو دركي مظلي من مؤطري المسيرة، انه قضى ثلاثة ليال متوالية دون ان يغمض له جفن، و لم يحس باي الم او ارق او عرض من اعراض النوم و السر في هذه القوة العجيبة التي كان يتمتع بها المتطوعون و المؤطرون لا يرجع الى جو الصحراء الصحي كما اعتقد البعض، و انما يكمن و بالذات في الروح الجماعية التي سادت المسيرة. تلك الروح التي حولت المغرب كله الى قلب يخفق بمحبة ملكه و صحرائه، و فكر واحد لا يفكر الا فيها. و حيثما سادت الروح الجماعية انبثقت القوة الغيبية ، "و يد الله مع الجماعة ".
و اعود الى مباراة الملعب الشرفي لأقول ان بيت قصيدها ليس في كونها مثالا ملموسا للاطر الكافية و الزمانية و القانونية و الفكرية، و لكنه يكمن في روحها و مناخها. فقد سادها جو اتسم بالروح الرياضية و الايخاء و المحبة و الاحترام المتبادل. و قد صفق الجمهور لكل من اتقن فن اللعب سواء كان مغربيا ام تونسيا. و هذا الجو الأخوي لم يسبق له مثيل ابدا في المباريات الاقصائية السابقة التي جرت بين المغرب و تونس.
و السر في ذلك انه كان لموقف الجمهور المغربي من الفريق التونسي خلفية فكرية عاطفية نابعة من الموقف المشرف و النبيل الذي وقفته تونس الشقيقة – رئيسا و حكومة و شعبا – من قضيتنا العادلة.
و عبد ربه شخصيا لم احب الفريق التونسي كما احببته ذلك اليوم حتى لو انتصر و اقصى فريقنا. فلم اكن ارى فريقا يلعب على ارضية خضراء، و انما الشعب يعانق المغرب في مسيرته الخضراء. و قد جمحت بي لحظة حلم على خيال مجنح ، فلم اعد ارى فقط الاعلام التونسية و المغربية و البرتغالية – كان الحكام برتغاليين – ترفرف بجانب الملعب ، بل رايت كل الاعلام التي عانقت علمنا الاحمر في مسيرته الخضراء . و كانت بي اذ ذاك رغبة جامحة في ان اعانق ليس فقط الشعب التونسي في شخص فريقه ، و انما كل الشعوب التي أعلنت تأييدها لنا او شاركت في مسيرتنا ، او صوتت لصالح المشروع التونسي الاردني السينغالي.
و لقد دفعني الاعتزاز بمساندة هذه الشعوب لنا ووقوفها بجانبنا الى الارتفاع فوق ذاتي فنسيت فرديتي ووجودي الاني ، و شققت قشرة اناي و نواة انانيتي و انيتي و اصبحت لا شيء و ذبت في "كل" كنت اذ ذاك تونسيا و اردنيا و سينغاليا و موريطانيا و غابونيا و سودانيا و فلسطينيا و سعوديا و عراقيا و كويتيا و قطريا و بحرانيا و لبنانيا الخ . احببت الفرنسيين و الاسبانيين و الالمانيين و غيرهم من الاروبيين الذين ساندونا سياسيا او عملا. كنت ذرة في محيط كل شعب وقف الى جانبنا و اعلن تاييده لنا.

قبل و عناق و احترام عميق
كلما رايت على شاشة التلفزة صحراويا ساكنا منصتا او متحركا او متكلما الا وددت ان اعانقه و اقبله. و قد تحققت هذه الرغبة بطريقة ما على يد الاستاذ المحترم السيد احمد بن سودة عامل جلالة الملك على الاقليم الصحراوي و ابن جامعة القرويين البار. (جامعة القرويين دائما في واجهة المعارك. ففي عهد الحماية كانت مركزا لتعبئة النفوس و بث الحماس و الاعتزاز بالوطن و العرش ، و اثناء المسيرة الخضراء ارسلت علماءها و خريجيها يؤطرونها بروح دينية فيعظون و يرشدون و اليوم ها هي ترسل احد خريجيها النجباء الى الصحراء عاملا لصاحب الجلالة و خطيبا مقنعا ، مؤثرا و معبرا بصدق عن احاسيسنا العميقة تجاه الصحراء و الصحراويين . و غدا سترسل علماءها و خريجيها للتدريس هناك و بعث الاسلام الذي لا زال صافيا و كامنا في وجدان الصحراويين. حقا ان مسيرتنا مسيرات و حركتنا حركات).
قلت ان العامل الموقر المحترم اروى الغليل ، و حقق رغبتي ورغبة كل المغاربة ، بما أمطر اخواننا الصحراويين من عناق و قبل حارة صافية و خالصة.
كلما رايت السيد العامل يخطب في جموع الصحراويين او يتلقى بيعتهم شفويا و كتابيا الا و تواردت على ذهني صورة الرئيس الموقر المحترم السيد احمد عصمان، وهو يتقدم المسيرة الخضراء قرب مركز الطاح، بنظارته الصحراوية رفقة اعضاء حكومته الموقرة، فازداد يقينا بان مقاليد امورنا في ايادي امينة ملهمة و موفقة، و يزيدني ذلك اعتزازا بوطني و فخرا.
فللسيد العامل احمد بن سودة و للسيد احمد عصمان و اعضاء حكومته الموقرة جزيل الشكر ، و عميق الاحترام  و ليكن عناقنا – نحن البعداء القرباء – لروح الصحراء و قيمها و مثلها، و لتكن قبلاتنا على جبين سمارة و العيون و الداورة و الداخلة.
و كل عيد و انتم بخير ليها القراء الاعزاء، و تقبلوا تهانئي الحارة بمناسبة عيد العرش المجيد، و ميلاد المغرب الصحراوي الجديد.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here