islamaumaroc

على ضوء المعطيات المغربية والعالمية: تأملات تحليلية لمضمون وظرفية المسيرة الخضراء

  دعوة الحق

168 العدد

المسيرة الخضراء، ذلك النهج في ممارسة النضال، الجامع بين اعتماد الطاقة الروحية في الانسان كاساس كلي للعمل،و اطار شامل لاستخلاص ثمراته، و بين التركيز على ايجابية الحركة و حيويتها و فعاليتها، و سعة المرونة و التكيف فيها لاحتواء مختلف الاحوال المستجدة، و انتزاع النتائج المطلوبة من خلال ذلك.

فاعلية الاستقطاب في المسيرة
ككل حدث في حجم المسيرة الخضراء، من حيث ضخامة مظهرها الكمي و النوعي و التنظيمي، و طبيعة الحسم في دلالتها الانية و التاريخية، و اهمية معقباتها الموضوعية في الامد القريب و البعيد، فان الانطلاقة التي سجلها في 16 اكتوبر 1975 خطاب جلالة الملك المعظم الحسن الثاني نصره الله، ستبقى – و لغير حد- موضوعا قيما للدرس و التحليل العلمي، ذي مكامن جد خصبة من الناحية الفلسفية و النفسية و السياسية، و الاجتماعية و غنية بما تتيحه من استنتاجات و خلاصات في هذا النطاق. و تعدد هذه الاوجه في مضمون المسيرة، يري مدى البعد الانساني الذي اتخذته باستقطابها روح و فكر امة كاملة، و جهدها المادي، على نحو بدا معه ان هذا الاستقطاب كان معدا لان يستمر اطول مدة ممكنة، بقدر ما يقتضيه الحال، تحفزه طاقة معنوية من شانها ان تصعد من فاعليته كلما تقدم به الوقت.
وحول هذا الاستقطاب للقوى و الممكنات على الصعيد الداخلي، كانت هناك ملابسة الاستقطاب الواقع للرأي العام الدولي،  و في نطاق اخص، للرأي العام العربي و الاسلامي و الافريقي الذي لم يكن للمسيرة الا ان تشده اليها –بدرجات متفاوتة- يتظافر على ذلك من جهة ادراك البعض لاهمية التحرك الحاصل في هذه النقطة الحساسة من العالم على ضفاف المتوسط و الساحل الاطلسي، و صلته بموازين الاستقرار الدولي، ثم بواعث الشعور عند الاخرين من جهة ثانية، بدقة للتداخل في حيثيات و عوامل الامن، داخل النطاق القاري الافريقي، و علاقة الامر بضرورة استرجاع المغرب وحدته  الترابية و البشرية، للتفادي من سبب حاد للاخلال بالامن، على نحو يعسر رقعة فتقه اذا ما انفتق، ثم من جهة ثالثة، مؤتمرات الاحساس عند البعض بالتعاطف مع اصحاب القضية، لداعي الرحم و القربى الرابطة بهم، او استمدادا من بواعث التجاوب القائم في كثير من القضايا الاساسية معهم.
ان هذا الاستقطاب، ليشكل – بطبيعة الحال – مظهرا مثيرا لفكر الدارس، بما يلحظه في الامر من عمق و اصالة و ارتكاز و شمول، و لوجدان الشاعر، بما يستحسه في حركة المسيرة من حرارة اللحظة، و ما يستشرفه خلال افقها المفتوح، من فيض العواطف، و نبل المشاعر.
انها رحابة في نطاق المورد المعنوي للمسيرة، تمكن – كما نلحظ- من النظر اليها على ضوء النهج العلمي و الادبي كليهما، مع ما بينهما من فروق في الروح و الاسلوب و طبيعة   الدلالات المستخلصة.
و في استشراف الحركة التاريخية التي تمت في نونبر الماضي و استجلائها من هذا المنظور، تتبدى من خلال الصورة المستشرفة ، مواطن تفاعل شتى بين تقاليد هذا الشعب الجهادية الموغلة في القدم، و بين دينامية الحوافز التي تحركه في اونته الحاضرة نحو العمل على حفظ اصالته، و رسوخ هويته، و صيانة ما له من مقومات هي مناط هذه الاصالة اساسا.
مميزات رائدة
الموضوع الذي طرحته المسيرة، و اتخذت على اساسه شكلها و تحركها، ينطوي –بحكم طبيعته- على حتميات النجاح الذي حالفها محالفة ملتزمة، سواء في انطلاقتها او في تطور مراحلها، او في قيمة الحصيلة التي نجمت عنها.
الا انه يتعين للتمييز في هذا الصدد بين النجاح الذي تكللت به المسيرة في خاتمة مطافها، اذ تحققت بها جملة الاهداف التي تحركت لبلوغها في الاصل، و بين ذلك النجاح الاخر، المتمثل في المدلول المبدئي لبروز هذه الصيغة الفريدة في العمل الجهادي، و ما تبلور بموجبها من دلالات قيمة، على صعيد الفكر السياسي العالمي، و على صعيد الفكر الانساني عموما.
و جماع الامر في هذا، ما حملته المسيرة – منظورا اليها خلال زاوية النضال التحرري المعاصر- من عناصر التجديد و التنويع و التاصيل، التي من شانها ان تسهم في اثراء موضوع هذا النضال، و تفتح مزيدا من الآفاق امامه.

التجديد
ممكن التجديد الذي حققته المسيرة، انها برزت –باعتبار الشكل الذي برزت به، و الروح التي سادتها- كصيغة غير مألوفة في ساحة الصراع التحرري، الذي يزخر العالم بالكثير من حالاته، و يفقد مثل هذه الصورة بالذات، على الرغم من تعدد صور العمل النضالي في مختلف القارات و تباينها.
و حتى لو قدرنا حدوث مسيرات تكون قد حصلت من قبل في ظروف نضال بعض الاقطار، فان المسيرة الخضراء تبقى متميزة بسمتها النوعية، التي جعلتها تشكل بمفردها موضوع استراتيجية مستقلة متكاملة و شاملة، و ليست مجرد جزء من استراتيجية اعم، او خطوة مرحلية من الخطوات المرسومة بموجب هذه الستراتيجية.
لقد كانت المسيرة الخضراء، منطلقا لعمل سريع مثلما هو حاسم، و لم تكن مجرد تمهيد اولي لتحقيق هذا العمل، و بقدر ذلك كانت نتائجها كاملة و نهائية، غير محتاجة الى مزيد من التعقيب او التكميل، مثلما تحتاج لذلك عادة المبادرات في اوليتها.
و اذا اضيفت لهذا، قياسية الزمن الذي تطلبه استيفاء المسيرة اغراضها على هذا النحو، تمكنا من استيعاب مدلول التجديد الذي يمكن ان ينعت به هذا التحرك، مقارنا بغيره من التحركات النضالية في عالمنا الحاضر.

التنويع
بتقييم سمة التجديد في صورة المسيرة الخضراء و ملابساتها، تبرز في مضمون نفس المعنى، قيمة التنويع الذي حملته في طيها، الى ساحة النضالات التحررية اليوم.

لقد تطورت – بحق- في خلال هذه العقود الاخيرة عقب الحرب العالمية الثانية، اساليب العمل النضالي و مناهجه عند الشعوب، غير انها لكثرة ما ترادفت و تواترت، في شتى الجهات بالعالم، فقد غدت- في الكثير- ذات مظاهر نمطية، يكرر بعضها بعضا في الجوهر، و ان كانت تتقمص – على السطح- اشكالا مختلفة.
و قد برزت المسيرة الخضراء تنويعا حقيقيا لمناهج النضال المتبعة، تنويعا جوهريا يتجاوز المظاهر الى المخبر، و هذا امر ذو بال، اذا وضعنا في الاعتبار، ان العبرة بالتنويع في هذا المقام، ليس هو مجرد التغاير بين الحالات و الاشكال في نطاق معين، و انما المراد، هو مدى ما يمكن ان تقدمه حالة او صورة نضالية معينة، من اسهام في تلقيح التراث النضالي الانساني بالتجارب الرائدة ؟ ثم الى أي حد يمكن ان تذهب مثل هذه المساهمات في رسم سبل-امام الشعوب الاخرى- لتحصيل الحقوق، دون مس عشوائي بالاستقرار و السلام الدوليين ؟
من هذا المرأى، تتخذ قدرة تجربة من التجارب النضالية على تنويع الاساليب المتبعة في العالم، الاهمية التي تصورنا لها، و من ثم، اصطبغت المسيرة الخضراء- من هذا الجانب- بالقيمة الابداعيةالتي تكمن فيها، وهو ما مكن لها، من ان تستمر لامد غير محدود خلاصة مفيدة، يمكن الاستيحاء منها، بما يطعم بعض خلاصات العمل النضالي على نحو ناجح، تبعا لما حققته – هي- رغم تفردها عن تجارب الاخرين – من نجاح غير مجادل فيه.

التأصيل
و اذا كانت المسيرة الخضراء اسلوبا في العمل، ينطوي بالقوة و بالفعل على مظهر تجديد و نتويع لانماط الفكر النضالي في عالم اليوم، فانها تحوي من منظور اخر، مفهوما لتأصيل هذا الفكر في تكامل سليم بين التجديد و التأصيل.
لقد كان مبنى ميزة المسيرة الخضراء من هذه الناحية، اعتمادها الانسان- مجردا عن الادوات المالوفة في ممارسة الضغط النضالي – استنادها الى طاقة الانسان الروحية وحدها، بديلا عن الوسائط المادية التي تستعمل في تاكيد حق او اقرار ارادة، او دفع عامل معترض لها، او شيء من هذا.
صحيح ان التوسل بالطاقة الروحية عند الانسان شيء وارد، بل و معتاد في شتى حالات الكفاح المالوفة، المعتمد فيها على الطرق و الادوات المادية لتحقيق فرض ما يراد فرضه، او دفع ما يتعين ان يدفع، الا ان مثل هذه الطاقة، تكون في حالة كهذه مجرد حافز او محرك، و ليست بمثابة نهج كامل، مؤهل لتعويض مختلف الادوات المادية التي يتطلبها الكفاح بالطرق و الوسائل العادية ، و ثمت بعض اساليب العمل النضالي المغالية في الاستناد للقوة الروحية، و ما في هذا الباب، مثل تلك التي استعملت بموجب فلسفة اللاعنف مثلا، لكن نوعية خاصة في العمل النضالي على هذا الغرار، لا توتي اكلا، الا في ظروف معينة، و ربما اعتمدت-و هذا جانب مهم في ترجيح احتمالات النجاح او الفشل فيها- على اتخاذ المواقف السلبية او الامتناعية في الممارسة النضالية، و كل هذا مما يختلف عن نهج المسيرة الخضراء و روحها، و هي ذلك النهج الراديكالي في ممارسة النضال، الجامع بين جانب اعتماد الطاقة الروحية في الانسان، كاساس كلي للعمل، و اطار شامل لاستخلاص ثمراته، و بين داعي التركيز على ايجابية الحركة، في معرض هذا العمل، و التنصيص على حيوية هذه الايجابية و فعاليتها، و سعة المرونة و التكيف فيها، لاحتواء مختلف الاحوال المستجدة، و انتزاع النتائج المطلوبة من خلالها.
هذا التركيز الكثيف على الانسان بالصورة المتوازنة البادية على صعيد المسيرة الخضراء، يشكل- بحق- مبادرة جدية لتاصيل الفكر النضالي، منطوية في تضاعيفها على جملة من الاقباس الفكرية الرائدة.
و في التنظيرات التي تبرز مادتها هذه الاقباس ، مجال رحب لكثير من التامل و الرؤى الفكرية، بيد ان مثار الانتباه في هذا الموطن من النظر، يبقى متعلقا- و لاشك- بما تكشفت عنه المسيرة من فاعلية عملية لهذه النظرة في توظيف الطاقة الروحية للانسان، و ما اثمرته في معرض احصاء النتائج.
اكد رئيس جمهورية الغابون الحاج عمر بانغو استمرار تاييد بلاده المطلق للمغرب في قضية الصحراء وجاء هذا التاكيد في مقابلة اجرتها وكالة الانباء الفرنسية مع الرئيس الغابوني وهو يغادر مدينة – نيس- الفرنسية.
و قال الرئيس الغابوني بان بلاده ساندت المغرب في قضيته العادلة تجاه الاسبان و انها ستواصل مساندتها سواء بالنسبة للمغرب او لموريطانيا.
اما فيما يتعلق بموقف الجزائر ازاء المغرب فاشار الرئيس الغابوني الى ان ذلك مبعث قلق كبير و انه يريد ان يعرف في الواقع ماذا تريد الجزائر من هذا الموقف .. و اذا ما رفعت القضية امام منظمة الوحدة الافريقية – يقول الحاج عمر بانغو- فانه سيرفض المشاركة في المحادثات و انه يرفض كذلك ان يطرح القضية امام المنظمة الافريقية تلك ان القضية – يقول الرئيس الغابوني- قد انتهت بالنسبة الينا.

مدلول الاستمرارية في المسيرة، و مدلول الريادة
برزت المسيرة الخضراء مظهرا استمراريا، و في نفس الوقت رائدا، سواء ذلك في الزمان او في المكان، او في نطاق المعنى الذي تبلور من خلال قيامها و تطورها.
و تعكس هذه الازدواجية في الاتصاف- ازدواجية الاستمرارية و الريادة- تباين الملابسات التي كان لابد ان تحف هذه المبادرة، في وضعها داخل الكيان الوطني، و الظرفية و الدلالات الموصولة به من جهة، و في وضعها من الجانب الاخر، على الصعيد العالمي، و ما بداخله من ظرفية، او تتلون به مفاهيمه ضمن البيئة الفكرية السائدة فيه.
فالمسيرة- موضوعة في النطاق الوطني، و منظورا اليها من خلال التاريخ في هذا النطاق- تشكل بطبيعة الحال- استمرارا عاديا لسياق التواصل، بل و التفاعل الحتمي الذي ما فتئ قائما على تطاول الدهر، بين شطري الوطن الواحد، و اذا ما كانت فترة الوجود الاجنبي بالصحراء التي استمرت خلال بعض العقود، قد استحدثت حواجز مبتسرة امام انسياب مجرى هذا التواصل و تلاحقه، فانه لم يكن في وسع تلك الحواجز اطلاقا، ان توقف ثلاقي المشاعر و الاهداف بين جانبي الحدود الاعتباطية، بل و لا تلاقي الاشخاص ممن كانوا يجتازون الحواجز في تلك الاثناء رغم كل شيء.
و من ثم، تتخذ المسيرة الخضراء من هذه الرؤية صفة الحركة المحفوزة بدينامية الاستمرار الطبيعي و البشري و التاريخي.
الا اننا اذا احللنا موضوع المسيرة في النطاق الاوسع من هذا، النطاق العالمي، فاننا نجد – باعتبار الظرفية القائمة في تلك اللحظة، و المفاهيم السائدة اثناءها- ان مدلول الريادة في تلك الحركة، يتخذ- بصورة ما- كامل مغزاه.
و قد استعرضنا- انفا- بعض المميزات التي اصطبغت بها المسيرة، مما يضفي عليها سمة الريادة في طريقة تكوينها و تحركها، و حصيلة استهدافها، بالصورة التي تم بها كل ذلك. هذه الريادة بالذات في صفة المسيرة، كعمل وطني ذي ابعاد فكرية و سيكولوجية و حضارية، و انعكاسات سياسية على المستوى العالمي لم يكن من شانها – كما اسلفنا- الا ان تستقطب- مثل ما هو الحال في كل عمل رائد- الانتباه العام في العالم، و تثير في ضمنه، حالات واسعة من التعاطف معها هنا و هناك ، و حالات اخرى واسعة كذلك، من التحدي في اشكال مختلفة.

طبيعة التحديات المصوبة
ان التحديات التي طفرت على السطح اثناء بروز المسيرة لم تكن كلها، صادرة عن اعتبارات المناواة لها لداع او اخر من الدواعي الحافزة على شيء من هذا القبيل، فثمت تحديات يمكن اعتبارها "بريئة" كان مبعثها مجرد قصور في ادراك القيمة العملية لهذا الاسلوب على درب الممارسة النضالية، وهو قصور متأت –كما يعلم- عن عدم توفق الفكر النضالي في العالم، الى تجربة مثل هذا المنحى الانساني في معالجة القضايا المطروحة عليه، و استخلاص الحلول لها عن طريقه.
و ربما انساق من قصر عن ادراك شيء من هذا المعنى الى انكاره بالمرة، و تحدي النموذج الفكري الذي يمثله.
و الواقع انه كان لابد ان توجد جملة من التحديات على هذا الغرار، مطروحة نظريا او عمليا بمواجهة المسيرة الخضراء، غداة ان اتخذت وجهتها نحو السبيل الذي استهدفته.
بيد انه كانت قائمة- الى هذه التحديات البريئة، تحديات اخرى، صادرة عن ستراتيجية معينة، محورها معاكسة تيار التاريخ الذي تجسده المسيرة.
وقد اكتست هذه التحديات "الستراتيجية" اكثر من صبغة، فبعضها ذو صبغة نظريةن شديدة التركيز على الارتياب في صحة مبدا المسيرة كنهج فعال للعمل على تصفية التعقيدات القائمة.
و منها ذو الصبغة السياسية، و يعتمد على خليط من التنظيرات الايديولوجية ذات الطابع السياسي، المقحمة بكيفية جزافية لتكدير صفاء الموضوع الذي هو بطبيعته صاف لا غبار عليه، و الاستناد لجهل بعض الجهات في العالم، للاسس الصحيحة للقضية، بغية استدراجها الى اتخاذ مواقف مجانية في امرها، تكثيفا لحجم التحديات "الستراتيجية" التي يقوم بها البعض في الموضوع.
و منها (من تلك التحديات ) ما كان باعتبار طبيعته السيكولوجية مصوبا في اتجاه احداث ضغوط نفسية على المدد البشري، المتكونة منه المسيرة، و ذلك بهدف التدخل المقصود فعليا او ضمنا، في توجيه نفسية السائرين على منوال معين، بل و الخلوص من ذلك- بقدر ما يمكن- الى تكييف نفسيتهم تكييفا، يتناقض مع اهداف المسيرة، عن طريق التثبيط المنظم للعزائم، و تفتير حمي الهمم.
وقد ركز- خاصة- بموجب هذه التحديات- على الجانب التنظيمي للمسيرة، و باعتبار ان هذا الجانب كان مضبوطا محكما من حيث التاطير و التسيير، فقد كان هم التحديات "السيكولوجية" الموجهة، محاولة اصابة مكامن الاستجابة النفسية لدواعي الانضباط، و النيل من عفوية هذه الاستجابة، حتى لا يكون هنالك مجال لاستمرار التطابق بين التنظيمات المعدة لاستيعاب الكتلة البشرية السائرة، و بين تلقائية تجاوب السائرين مع هذه التنظيمات.
و ثمت مكامن عدة لمحاولة التاثير غير هذه، ضمن نطاق التحديات "الستراتيجية" و الذي سقناه هو من بين أمثلتها الأساسية.
الا ان كثيرا من هذه التحديات- "الستراتيجية" انما كانت واقعة- بتاثير حتمية لا حيلة لها فيها- تحت مفعول ضرورة رد الفعل، ازاء الفعل الذي احدثته المسيرة.
رد الفعل هذا، كان عشوائيا في عمومه، و كذلك كل رد فعل تثيره سلبية التفكير، التي لا تستطيع معايشة الايجابيات المنطقية.
و بقدر هذه العشوائية في رد الفعل، كانت صلابة الارضية التي برز عليها الفعل، ممتنعا على كل التحديات، كامل الحصانة تجاهها.
لقد شكلت المسيرة هي بالذات- و بمجرد وجودها- تحديا ضخما لمختلف الصعوبات القائمة، و كان هناك من مظاهرها التنظيمية و ملابساتها الفكرية و النفسية و الحضارية، ما اتخذ به هذا التحدي، حجما لا قبل للعوامل المضادة بمواجهته الا ان مدلول هذا التحدي في المسيرة كان مكمنه في ايجابية الفعل و الاستهداف، و ليس في سلبيته كشأن عدد من التحديات المعترضة في نطاق الظرف.
و بحكم هذه المميزات في المسيرة روحا و موضوعا، فان الصعوبات التي كان عليها ان تتجاوزها، لم تستطع ان تشكل امامها حاجزا ذا بال.
وقد كانت الصعوبات هذه، المتخذة طابع التحدي، ذات مات مختلفة، منها ما كان مصطنعا في عين المكان على صعيد الارض المحتلة، و منها ما كان في طور مخاض متستر او مكشوف في بعض انحاء المنطقة الجغرافية التي توجد فيها الصحراء، و منها ما كان مأتاه من جهات دولية أخرى لها هي كذلك حالة من "الاهتمام" بالتطورات في الاقاليم مثل ما كان لـ "المهتمين" من "اهتمام" بذلك.
و بقدر ما كانت هذه الصعوبات متشابكة ملتوية، كان تحدي المسيرة الخضراء لها باتا و جازما، لكن مع اختلاف اساسي في النهج و الوسائل، فقد كان النهج المتبع عند جانب، نهجا مطبوعا بالمسالمة و السلام، و كان نهج الاخرين نهج تهديد ووعيد، و في مناط اهم من هذا، كان حافز المسالمين، حافزا واقعا في صميم مشاغلهم الوطنية المصيرية، فيما كان الحافز عند "الاخرين" قائما في نطاق استهدافات جيوبولتية و اقتصادية، و خاضعا لخط ستراتيجية نفوذ معينة، لا علاقة لها بمصالح وطنية او اعتبارات حقوقية.
و الى هذه التحديات "الستراتيجية" المنظمة، ذات الطابع السياسي الدولي، كانت هناك التحديات الفكرية، الصادرة ببعض البراءة، عن بعض اوساط الفكر و الراي، التي الفت ان تقيم الاشياء من خلال اقتناعات حاصلة لها، تحسبها بمثابة معيار صالح في كل ما بدا لها تقييمه و ترتيبا على هذا، قد تستبيح انطلاقا من اقتناعاتها الخاصة –اتخاذ موقف او اخر من بعض القضايا، دون ان تعني بالتاكيد مما اذا كانت المواقف الفكرية المتخذة، مستوعبة لشتى الاعتبارات اللازمة لصلاحيتها، و منطبقة بالضرورة مع اطلاقية الموضوع المنطقي، و شموليته على ان وجود التحديات، الفكرية بالاخص (الصادرة عن نوع من البراءة في التفكير) يمكن ان يوجد تفسيره (لكن لا تبريره) في بعض المعطيات التي لابست ظرف المسيرة، متداخلة- خلال عمق أنأى من ذلك – في بعض جوانب الوضع التاريخي الذي تندرج في نطاقه القضية بملابساتها البعيدة.
و من ذلك:
1) اثار التراكم الكمي و النوعي، للعزلة التي احيطت بها الصحراء خلال مدة غير يسيرة، قبل عودتها لحظيرة الوطن، الامر الذي نتج عنه نشوء عدد من الاغاليط التاريخية و المنطقية تجذرت بمرور الوقت في اذهان بعض الذين يكتبون انطلاقا من مراى نظر "مجردة" وهم معدودون على أي حال، و طفت على اقلامهم كما كان متوقعا ان تطفو، بحكم كدرة الرؤية الواقعة لهم في سياق الموضوع، الا ان "تجرد" مثل هؤلاء اذا كان صادرا عن براءة فكرية حقيقية، فان الحقيقة المنطقية التي جلتها لهم المسيرة و ما بعدها، لابد ان تكون ساعدتهم- مهما يكن- على تصحيح مفاهيمهم و تصوراتهم، و المظنون انهم فاعلون.
2) مؤثرات الخلط عند البعض بين الايديولوجية" و المشروعية القانونية.
و بصرف النظر عن لا معقولية هذا الخلط، و خياليته فان الذي لاشك فيه، انه بدا واضحا لمثل هؤلاء ، سواء اثناء المسيرة او بعدها، ان التحديات "الستراتيجية" الموجهة باسم الايديولوجية لمعاكسة منطق التاريخ و القانون في موضوع الصحراء ، هي ابعد من ان تكون ذات علاقة ما، بالمسائل الايديولوجية، بل ان "مذهبة" المناورات بهذا الوجه، لا تخرج عن دائرة التكتيك الذي يمكن ان يوضع في بنيته أي اعتبار، الا ما كان من اعتبارات المثالية "المذهبية" .
و لعل ما تكشفت عنه المواقف في ظروف عملية تحرير و استرجاع الصحراء، كان واضحا في بلورة ما يجب ان يتبلور لمنظور هؤلاء من دلالات من هذا القبيل.
3) تاثر اخرين-فكريا- بما بثته في اذهانهم اوساط عالمية معينة عن طرف او اخر من اطراف العالم العربي، في مغرب او مشرق.
و يعلم الى أي حد تذهب ستراتيجية مثل هذه الاوساط، في اهتبال "فرصة" الصحراء لخلق نقطة توتر جديدة في المحيط العربي، تضاف الى عوامل التوتر المزمنة في هذا المحيط، و ذلك بما يتطابق مع الهدف المتوخى في توزيع الجهد العربي، و اضعاف طاقته.
و من المنطقي ان يكون حسم المسيرة للتعقيدات المحبوكة في عين المكان و حواليه، قد استصفى الى حد كبير قيمة "الفرصة" التي كانت عانة ، الامر الذي من شانه ان يدعو من كان واقعا، - ببراءة فكرية- تحت تاثير ما، من هذه التاثيرات المدبرة من قبل الاوساط المتربصة بالعرب- الى التحلل من قبضة تاثراته هذه، و تفتيح بصيرته جيدا- على ما تعنيه عقلانية الامور و موضوعيتها في هذا المجال.

في استجلاء بعض الأفاق المرتبطة بأصالة المسيرة الخضراء.
و ناتي و نحن نستطلع- هكذا- ملامح الصورة فيما حسمته المسيرة الخضراء، و ركزته من ابعاد و دلالات- الى تبين بعض الافاق الملابسة لها- فكرية و تاريخية و حضارية و حقوقية.
و كما سنرى، فهذه الافاق تعكس في جانب منها مزيدا من مظاهر الاصالة في هذه المبادرة التاريخية، كما يعكس بعضها الاخر، ركانة الارضية المعنوية التي انطلقت عليها، و استهدفت في مداها، ما استهدفته من مقاصد.

الافق الفكري
اسلفنا انفا في سياق هذا الموضوع، ان المسيرة الخضراء، تشكل طريقة في التحرير ذات منطويات فكرية رائدة، مما يجعل منها مجالا لتفتح فكري على الصعيد النضالي، خصب فيما ينم عنه و يفيد به .
و من الاهمية بمكان، ان هذه القيمة الفكرية المرموقة، المنطوية عليها المسيرة، هي قيمة مغربية على نحو كامل، يتمثل ذلك في كون المبادرة التاريخية التي تمت خلال نونبر الماضي، كانت ذات مضمون مغربي بحث، سواء من حيث موضوعها او الروح التي سادت جوها وحوافزها او من حيث الجهد المصروف فيها، او التاطير المنتظم لها، او باعتبار جهاز التسيير و اساليبه، او صورة المتابعة و ممكناتها لقد كان كل ذلك مغربيا، في اتم ما يكون مدلول المغربية انطباقا على مقتضيات الحال، و يدعو هذا، الى استقبال ملاحظتين، تنبثق احداهما عن صورة الحالة التي صنعتها المسيرة، و تبدو الثانية من خلال وجهة المنطق فيها.
1) ان صميمية المغربية في اصول المسيرة و تفرعاتها، تجعل من الطبيعي، ان تكون النتائج المستولدة منها نتائج مغربية بقدر ذلك، و بكل ما يعنيه هذا الوصف من محتوى انساني، و ما يدخل في مدركه من دلالات حضارية.
2) في مداخلة القيمة الاصولية للمسيرة، تكمن ايضا قيمتها الموضوعية كاضافة خلاقة لحصيلة عبقريتنا القومية، و كعامل اغناء لمضمون تراثنا الفكري في مناحيه الانسانية و السياسية.
و الملاحظتان تتصلان اتصالا تكامليا فيما بينهما، و من مجمل هذا التكامل، تتبادر لنا حقيقة اولية و هي انه بقدر ما كان للمسيرة من انعكاسات بعيدة الغور في تصحيح صورة كياننا الترابية و البشرية فلابد انه سيكون لها بموازاة ذلك، انعكاسات على محصولنا الفكري بما فيه من جوانب ادبية و علمية.

الافق التاريخي
تتخذ تاريخية المسيرة وجهين متتابعين، احدهما ذو نطاق مستقبلي و يشير الى جذرية الاثر الذي احدثته المبادرة في حياتنا الوطنية، و في نظرة العالم الينا، و الثاني ماضي النطاق، و ينبئ عن عمق الجذور النفسية التي تاصلت الحركة عنها- تاريخيا – و مظاهر هذا التجذر في مجرى التطور التاريخي للبلاد.
اما من حيث الوجه المستقبلي لتاريخية المسيرة فمناطه الامكانية التي تهيات لها لتصنف في دائرة التحولات المرموقة على الصعيد العالمي، مع ما تحمله- تبعا لذلك- من انعكاسات ذات شان في فهم جوانب من حركية التاريخ و اتجاهاته، في الحقبة التي تمت فيها، و فيما يتلو هذه الحقبة من مراحل.
و اما الوجه الماضي لجذور المسيرة-تاريخيا- فيتجلى في وجهة السير التي سلكتها نحو الجنوب بعد ان استمدت روافدها البشرية من مختلف ارجاء البلاد ان هذه الوجهة لتدخل في نطاق التفاعل الدائم الذي ما فتئ يجرى- على مدى الدهر بين شمال و جنوب، مكونا معالم كبرى في صورة التاريخ المغربي كما يعرف في شتى الحقب.
و من هذه المعالم، تاريخ المرابطين بكامله، و تاريخ ما بعد المرابطين في تواصل ملحوظ على مراحل شاسعة.

الأفق الحضاري
ان يستكثر بعض الملاحظين في العالم على المغرب- قبيل انطلاقة المسيرة الخضراء-استطاعته مواجهة كل اعبائها، حشدا و تنظيما و استيعابا، و استيفاء متطلباتها شتى المتطلبات ، تجهيزا و نقلا، و تموينا و ايواء، و تطبيبا و غيره، فهذا لم يكن صادرا كله بالضرورة عن مجرد روح اعتراض او مناواة.
فالواقع ان الضخامة الفائقة التي تميزت بها ابعاد المسيرة من حيث الكثافة البشرية، و حجم المستلزمات و الوسائل، كانت- حقيقة- مما يعسر على الكثير من هؤلاء الملاحظين تصور كيفية الايفاء به و هذا –بدوره- مترتب عن عدم تصورهم مبلغ الطاقة الحضارية لهذه البلاد، وما هو متهيئ لها- بحكم رسوخ قدمها في هذا الباب- من سعة افق في التدبير و الترتيب ، و طول نفس في تطويق المصاعب التنظيمية و تذليلها ، و بعد جذور التقاليد المنصبة فيها مضامين مميزاتها هذه.
و قد كانت هذه الطاقة قوية الحضور فعلا في نهج المسيرة، و في تاطيرها المادي، بحيث ان ما حصل من ذلك ينم عن وفر غزير الرافد في ممدات القدرة الحضارية، سواء على مستوى العقلية او الممارسة العملية.
لقد اوضحت المسيرة، ان الاطار الحضاري للمغرب- هو اطار جامع بين دينامية الذهنية الحضارية الحديثة، و المعية العقلية الحضارية الاصيلة، يسعه ان يستوعب من تعقيدات التنظيم العصري، قدر ما يستطيعه من ممكنات في احتضان مقاييس التراث العملية و التنظيمية و استثمارها.
و هذه قدرة مزدوجة ، تعكس- كما هو ظاهر- نطاقا من الامكان، موفورا لهذه البلاد، في مستوى عراقة مواكبتها لتاريخ المدنية.

الأفق الحقوقي
تستمد القضية الوطنية التي انتظمت لنصرتها المسيرة الخضراء-  اصولها الحقوقية من طبيعة تكوين الكيان المغربي، و نوعية الحتميات الطبيعية و التاريخية و الاجتماعية و الحضارية و غيرها، التي لحمت –جوهرا- مكونات هذا الكيان، و اضفت عليه في نطاق استمراري- طابعه المتميز، و نوعية هويته.
و جاءت – في 16 اكتوبر 1975- فتوى محكمة العدل الدولية- لتكرس- من منطلق القانون الدولي – هذا المدلول الحقوقي لتكاملية الكيان المغربي في دائرة وحدته الطبيعية و التاريخية، و ذلك بما نصت عليه من وجود روابط البيعة بين المغرب و صحرائه، و ما اقرته –بفحوى ذلك من شرعية التلاحم- اصلا- بين اطراف هذا الكيان شماله و جنوبه، الى اقاصي الجنوب.
و ما توالت انظار المجتمع الدولي في القضية بعد ذلك، (لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة، الجمعية العامة للمنظمة الأممية) إلا و تظافرت الآراء الصادرة عنها، على اخذ الوضع الناجم عن استرداد المغرب لحقه، على اثر المسيرة الخضراء و اتفاقية مدريد، بعين الاعتبار، بناء على مدلول توصيات الامم المتحدة نفسها، في غضون الستينات و ما تلاها و ارتكازا على القانون الدولي في اظهر ما تنص عليه مبادئه.
تعيش الصحراء المغربية- و قد اهلت عليها طلعة الذكرى الخامسة عشرة لتربع جلالة الملك المعظم على عرش اسلافه المنعمين ، تعيش كبقية الوطن عرسها الكبير، اغتباطا بمعاني الذكرى الكريمة و استشعارا للنعمة التي اوتيها الشعب المغربي باستكماله لوحدته، و التام شمله بابنائه.
و في غمرة هذا الشعور تذكر المسيرة الخضراء بما كان لها من اثر مبدع في تحقيق ما تحقق من هذه النعمة و ما تحتله- بحكم مدلول الحسم فيها على هذا النحو- من مكانة في تاريخنا، تضعها بين المع تحولات هذا التاريخ ، و أخصبها مردودا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here