islamaumaroc

كلمة السيد الداي ولد سيدي بابا وزير الأوقاف... بمناسبة السنة الهجرية..

  دعوة الحق

167 العدد

بسم الله الرحمان الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الكريم
وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان
إلى يوم الدين
قال الله تعالى في محكم التنزيل:
" إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ، فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم" صدق الله العظيم
أصحاب السعادة
أصحاب الفضيلة العلماء
حضرات السادة الكرام
في ظلال المعاني القدسية التي تبرزها هذه الآيات البينات، نلتقي هنا، على هذا الصعيد الطاهر المتألق بإشراقات القرآن، وأنوار الإيمان.
نلتقي، لنستجلي قبسا من دلالات الهجرة النبوية الشريفة، التي أهلت هذه الأيام، ذكراها المباركة العطرة، عامرة المضمون، خصبة الإلهام، قوية الإشراق في نفس كل مؤمن، وهادية رؤاه، هذه الذكرى التي نحتفل بها في عالمنا الإسلامي وقد دخل في السنوات الخمس الأواخر من القرن الرابع عشر من تاريخ هذا الحدث الخالد.
نعم لقد كانت الهجرة، حدث الفصل بين طورين كاملين من حياة الدعوة المحمدية.
طورين كاملين ومتكاملين بنفس القدر، اتسم أولهما بالصمود والمثابرة والتحمل، وانطبع ثانيهما بالانتقال من الصمود إلى المقاومة ومن تحمل الأذى والعدوان إلى الرد عليه.
لقد كانت طبيعة الدعوة في كل مراحل طوريها هذين، طبيعة متماثلة من حيث فاعليتها وجاذبيتها ونزوعها الفطري للتحرك والإبداع، وتحقيق صلات المحبة والإخاء والتعاطف والتكافل بين أفراد جماعة المؤمنين الملتفين تحت لواء الإسلام.
وجاءت الهجرة الشريفة، في مضمون هذا الاتجاه العام للدعوة.
جاءت عامل تأكيد لاستمرار طاقة حركة الدعوة، وبكل ما تنطوي عليه هذه الحركة من  تواصل في التحرك والإشعاع، وتحقيق تلك الصلات، لكن في نطاق أوسع، وبممكنات أقوى، وباستهداف أبلغ، تبعا لسنة الكون في تسلسل الأشياء، وباستمداد من تأييد الله الذي أعطى لهذا التسلسل قوة المعجزة، فلم يكن لكل جهالات الإنسان في ذلك العصر أن تعوقه، أو توقفه عند حد في مكان أو زمان.
وكما حاولت جهالة الإنسان أن تعترض بدون جدوى، سبيل الدعوة في منشئها بمكة، حاولت، وبدون جدوى كذلك، أن تعترض سيرها –على طريق الهجرة- من مكة إلى يثرب فكان من ذلك حدث المتابعة، متابعة المشركين للرسول المصطفى وصاحبه أبي بكر، وحدث الغار، وكان في أعقاب ذلك، ما لابد أنه كان سيحصل بحكم حتمية انتشار إشعاع الدعوة رغم التحديات، من دحر الضالين في بدر، وفي الخندق وفي غيرهما من المواقع الحاسمة، إلى أن تم العود إلى مكة بالفتح المبين، وانضوت الجزيرة العربية كلها عند خاتمة المطاف في هذه المرحلة من حياة الإسلام، تحت لواء الحق الصادق، وزالت الغشاوة في مجتمعنا عن القلوب والبصائر.
لقد كانت لحظة الغار، ذات اتصال بلحظات الصراع القوى، في طور الدعوة الأول، بين حق المحقين وباطل المبطلين، وكانت بقدر ذلك منطلق الانتقال للطور الثاني من ذلك الصراع، إذ الغزوات والفتوح الإسلامية تترادف وتترى، إلى أن جاء نصر الله.
كانت اللحظة بصفتها هذه، لحظة قمة لا في تاريخ العرب والمسلمين وحسب، وإنما في تاريخ الإنسانية كلها، التي تأثر واقعها الفكري والحضاري، وتوازنها الروحي ومسارها التاريخي، بما نشأ عن تلك اللحظة من منطلقات مشرقة، نشهد اليوم مدارجها في صورة الوجود الإسلامي المعاصر، المترامي شرقا حتى المحيط الهادئ، وفي منائي الغرب، حتى سواحل المحيط الاطلسي وأواسط إفريقيا.
سعة نطاق الوجود الإسلامي هذه، هي من طبيعة الهجرة الكامنة في روحه، فالإسلام منذ الهجرة الأولى، الهجرة النبوية، ما فتئ يهاجر، متنقلا بإشعاعه وهديه، وجهاده في أبعاد الزمان والمكان، وهذه طبيعة ديننا الحنيف القائم على السماحة والصفاء، وهذا أيضا مدلول عالمية رسالته الخالدة.
وكما تداعت في طريق الإسلام على عهد الهجرة الأولى تكالبات الشرك، تحاول تعويق مسيرة نبينا المقدسة المباركة، فإن هذه التكالبات ما فتئت تتوالى أمامه، في هجرته الدائمة عبر العالم.
تتوالى في أشكال مختلفة من مشككة ومحرفة، وغيرها، وتحت شعارات شتى، ذات أصول وثنية ومجوسية، وإلحادية وما يتفرع عن ذلك من نحل ضالة متعددة في وجودها وفي أنشطتها.
وتستمر على هذا المنوال، التكالبات على طريق الإسلام في عصرنا الحاضر، مستهدفة –كشأنها من قبل- تعويق هجرته الدائمة، بل والنيل من رسوخه في المجتمعات التي هو راسخ عريق في صميم تراثها الفكري والحضاري.
بيد أن كل التيارات المتهافتة من هذا القبيل من استعمارية وصهيونية وإلحادية لم تستطع أمام فيض قوة الهجرة الكامنة في هذا الدين، وعمق تمكنه من النفوس، أن تعطل ظاهرة الإقبال المتزايد عليه، أو تحد من إشعاعه الوضاء، أو تخمد شعلة الإيمان في الأفراد والمجتمعات المنتمية إليه.
لقد كان الإيمان بالله، [إن الله معنا] –كما قال الله على نبيه في الغار- عدة الرسول صلوات الله عليه وسلامه في هجرته، وقوام مناعته، وقد أتاه ربه عز وجل –كما تدل عليه الآية الكريمة- السكينة التي هي مدار القدرة على مواجهة كل العقبات، وأيده بجنده، واظهر دعوته على كل المناوئين، وأخزى كلمتهم، فإذا هي في الحضيض.
وهذا أفق عظيم أمام  أمة محمد صلوات الله عليه، لتنزل عليها السكينة، وتنال تأييد الله لها وخذلانه لأعدائها، على أن يكون إيمانها به –سبحانه وتعالى- إيمان الواثق بنصره، المعتمد عليه، وأن يكون منهجها في هذا التوكل، استمساكها بقيم الدين، وتشبثها بمتين حبله، وترفعها عن التهافت العشوائي على البدع والضلالات المفضية للابتعاد عن قويم نهجه، والتزامها الأنة والتبصر في تبين مواقع الفكر وصوابه، وخطوات السير، حتى لا تحيد عن سننه.
ومن فيض هذا الإيمان وبفضل قوته حقق العالم الإسلامي في عصرنا انجازا ضخما ورائدا على طريق التعاون والتكافل، بين كافة أطرافه وشعوبه، وكان ذلك عند ما استجاب قادة المسلمين مشرقا ومغربا لدعوة مولانا أمير المؤمنين الحسن الثاني نصره الله، لعقد مؤتمر القمة الإسلامي الأول، الذي كان منطلق المبادرات التعاونية الإسلامية في شتى الميادين ومبعثا لمظاهر التضامن الفعال في المؤتمرات الدولية خلال هذه السنوات لصالح قضايا العرب والمسلمين في كل مكان.
لقد كانت المبادرة التاريخية هذه قبسا من إيمان هذا البلد ملكا وشعبا بالرابطة التي لا انفصام لها، رابطة الإسلام، وتشبعه بالمبادئ والمثل القائم بها جوهر هذه الرابطة، وتحمسه لها، قدر ما يحدوه من إيمان بها وبمضامينها المبدئية.
وكان الأيمان بالله –توكلا عليه سبحانه وتعالى، وثقة في نصره وتأييده وتعضيده، واعتصاما بكتابه الحكيم- سلاح الشعب المغربي – تحت قيادة ملكه المظفر، وقائده الملهم، مولانا الحسن الثاني أعزه الله.
سلاحه في مسيرته الخضراء الموفقة، التي استرجع  بها الحق لهذا الوطن، وتوجت هامات المؤمنين فيها بأكاليل فوز مكين، مقرونا بفرحة التآم الشمل، واجتماع الأهل للأهل، واكتمال وحدة الكيان.
وهذا رصيد موفور لبلادنا، ولله الحمد-إن حباها الله هذه الطاقة الروحية العظمى، التي وهبت بفضلها من المناعة المعنوية والثقة بالنفس ما يسر لها أن تفوز في كل ما نخوضه من معارك، مدللة التحديات، مجاوزة العقبات ظافرة بما تنشده من عزة وحرية وكرامة، وما تتوخاه من تقدم ونماء وازدهار.
إن تمسك هذا الوطن بدينه هو بكل تأكيد مناط عزته وقاعدة توازنه.
وهذا ما يجعله –والفضل لله- حصنا منيعا في وجه التيارات الدخيلة المنحرفة التي تستهدف النيل من مكانته، أو المس بمكتسباته.
وهو ما يؤمن له السير –سيرا محكما متوازنا- في هذا السبيل الذي ينهجه لاحتلال أرفع المقامات وأسناها، رقيا وحضارة.
أبقى الله سيدنا أمير المؤمنين المنصور بالله، مولانا الحسن الثاني ركنا ركينا لهذه الأمة، يحمي حماها، ويرعى نهضتها، ويصون وحدتها، وحفظه في سمو ولي العهد الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه المحبوب مولاي الرشيد، وكافة أفراد الأسرة الملكية الشريفة، آمين.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبربكات.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here