islamaumaroc

[كتاب] الأمير الشاعر أبو الربيع سليمان الموحدي: عصره، حياته وشعره

  دعوة الحق

167 العدد

من منشورات دار الثقافة بالدار البيضاء، صدرت هذه السنة الدراسة القيمة التي كان الدكتور عباس الجراري قد تقدم بها للحصول على درجة الماجستير من كلية الآداب جامعة القاهرة، أمام لجنة مكونة من الدكتور عبد العزيز الأهواني مشرفا وعضوية الدكتورين شوقي ضيف ويوسف خليفة.
ونظرا لما لهذه الدراسة من أهمية في الميدان التاريخي والأدبي والفكري للمغرب بسبب ما ضمنها الأستاذ الجراري من آراء وما طرحه من أفكار وأثاره من قضايا واستخلصه من نتائج.
وبصفتها نموذجا موفقا للدراسات الجامعية سواء في المنهجية المختارة إطارا للبحث أو المضمون الأصيل الذي يهدف إلى خدمة الثقافة القومية.
لكل هذه الأسباب آثرت تقديمها لقراء المجلة إثارة لفضولهم في مطالعتها والاستفادة من غنى محتواها.
لقد صدر الأستاذ الجراري رسالته بمقدمة تحدث فيها عن تاريخ مناقشته لهذه الرسالة صباح يوم السبت سابع مايو 1965 بعنوان: ديوان الأمير الشاعر أبي الربيع سليمان الموحدي، وقد قسم رسالته إلى قسمين: القسم الأول تناول فيه بالدراسة عصر أبي الربيع وحياته وشعره، وهو موضوع الكتاب الذي نتناوله بالحديث، والقسم الثاني تحقيق للديوان الذي وعد بنشره فيما بعد.
والبحث الذي بين أيدينا: تجربة حاولت ـ يقول الأستاذ الجراري ـ أن أقدم فيها تحليلا جديدا لعصر الموحدين من حيث سياسته ومذهبيته، وأن أعرض الحياة الفكرية والأدبية، وان أطرح أدباء هذا العصر من خلال تصنيف نابع من مختلف التيارات والاتجاهات التي كان يسير فيها أولئك الأدباء.
وبعد أن تحدث عن الصعوبات التي صادفته بسبب قلة ما وصلنا عن الشاعر، تطرق للحديث عما قام به من فحص وتحليل ونقد لما وصل من أخباره، حاول عن طريقها النفاذ إلى أعماق الشاعر مستعينا بعدة مدارس ومناهج نفسية واجتماعية وتاريخية بحسب الحاجة، وقد لجأ إلى شعر الشاعر يستنطقه فوجده كما يقول: صورة لنفسية قد انعكست عليها بعض ملامح عصره ومجتمعه.
كما حاول بدراسته لمضامين هذا الشعر وخصائصه -كما يذكر- أن ينفي ما وسم به أدب العصر الموحدي من تهمة الانحطاط والمذهبية (انظر المقدمة) وقد قسم الأستاذ الجراري بحثه القيم بعد هذه المقدمة إلى بابين يشتمل كل باب على فصلين، الباب الأول تحت عنوان: عصر أبي الربيع ويدخل ضمنه الفصل الأول بعنوان: ثورة سياسية ومذهبية، والفصل الثاني بعنوان نهضة فكرية وأدبية، والباب الثاني تحت عنوان: حياته، وشعره، تناول حياة الشاعر في الفصل الأول وشعره في الفصل الثاني، وتنتهي الدراسة بصفحة 239 تتلوها الفهارس تباعا ابتداء من فهرس المصادر والمراجع الذي ضم 147 مصدر ومرجع، وفهرس الأعلام وفهرس الأماكين، وفهرس الكتب، ثم تصويب للأخطاء الواردة في الكتاب وقد ضمنها كراس إضافي مستقل في نهايته فهرس للموضوعات. والكتاب بفهارسه يضم بين دفتيه ثلاثمائة صفحة من الحجم المتوسط.
الفصل الأول من الباب الأول: وهو تحت عنوان: ثورة سياسية ومذهبية، وقد سبق للدكتور الجراري أن نشر هذا الفصل منفردا في العدد الأول من مجلة المناهل، وقد جاء فيه: "لكل ثورة إرهاصات تمهد السبيل لظهورها ومقدمات تهئ النفوس لتقبل مبادئها وأهدافها. وإرهاصات الثورة الموحدية ومقدماتها كامنة في الانحلال الذي أصاب دولة المرابطين في عنفوان شبابها " ص 11.
بعد ما تحدث عن أساب هذا الانهيار فأجمله في كثرة حروب المرابطين بالأندلس، وضعف شخصية علي بن يوسف بن تاشفين، وفي سيطرة الفقهاء أصحاب المصالح والامتيازات، وأخيرا في ظهور الموحدين ص 11-14.
وعلى خلاف ما يراه بعض الباحثين، من أن الحركة الموحدية بدأت دينية لا تطمع في شيء ومن أن المهدي لم يكن يهمه ملك ولا دنيا، ومن أنه كان صاحب فكرة إصلاحية 18.
يرى الأستاذ الجراري أن الحركة الموحدية بدأت أشبه ما تكون بالحزب السياسي والتنظيم الثوري الذي يدفع الطمع في السيطرة والحكم إلى النقمة على الأوضاع والتخطيط لمحاربتها وتقويضها.
وهذا في رأيه ما يوضح لجوءه إلى البربرية كوسيلة للاتصال بالجماهير، وفي اعتماده الإقناع بشرعيته على مبادئ الشيعة مستغلا حب المغاربة لآل البيت 20، ودعوته في اللجوء إلى حيل الشعوذة والتدجيل وإلى تباع أساليب القسوة والعنف 21-20.
فما هو التيار المذهبي الذي سلك المهدي في ثورته ضد المرابطين؟
للجواب عن هذا السؤال يضطر الأستاذ الجراري إلى أن يقوم بجولة طويلة يتحدث فيها عن دخول الإسلام إلى المغرب والمراحل التي قطعها والأسباب التي سهلت تغلغله في النفوس التي من أهمها يسر مبادئه وسموها وعدل القائمين على شؤونه، وعن أثر الجواز إلى الأندلس في ترسيخه، وبحديث عن مختلف المذاهب الإسلامية التي تسربت إلى المغرب وتركت بصماتها على ذهنيات أهله من خوارج وشيعة وإمامية وأسباب ذلك ووسائله.
ثم يتطرق للحديث عن انتقال المذهب المالكي في عهد الأدارسة إلى المغرب ليصل إلى أن انتشاره عم في عهد المرابطين على يد داعيتهم عبد الله بن ياسين. وظل الأمر كذلك إلى أن ظهر ابن تومرت يدعو لمذهبه 31.
ومذهب ابن تومرت يقول الدكتور الجراري مزيج من الأشعرية ومبادئ الشيعة الإمامية، فهو يعتقد في العصمة الإمامية، وينتصر للعقائد السلفية والدفاع عنها بالحجج العقلية ويحلل فكرة تنزيه الله وإبعاد أية شبهة عن ذاته توحي بالتشبيه ويدعو إلى تأويل المتشابه من الآيات والأحاديث حتى لا يقع في التجسيم الذي يرمي به المرابطين. 33.
وبعد أن يناقش نقط الاختلاف والاتفاق بين مذهب المهدي وهذه المذاهب وآراء المؤرخين والباحثين ينتهي إلى أن مذهب المهدي دعوة للاجتهاد بالرجوع إلى الكتاب وإجماع الصحابة والاعتماد على علمي الكلام والأصول، الأمر الذي وفق بين آراء الفقهاء والمتكلمين ودفع فقهاء المالكية إلى التخلي عن كثير من التعصب الذي عرفوا به في عهد المرابطين 37.
كما يتحدث عن الخطوات التي قطعها المهدي في سبيل دعوته من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وتعليم مبادئ المذاهب، وما تعرض له بعد المناظرة من نفي وتشريد قام اثره بنشاطه العلمي والإداري ثم العسكري إلى أن مات 38-40
وإذا كان عبد المومن قد سار في نفس الخط الذي رسمه المهدي للموحدين، وحافظ على المذهب الذي كان هو أحد أعمدته الذين قام بناؤه عليه،، فإن الإيمان بمذهب المهدي يقول الأستاذ الجراري بدأ يتزعزع مع تولي يعقوب المنصور حين منع الناس من الخوض في علم الأصول والكلام وألغى كتاب المهدي
بتأليف جمع فيه من كتب الصحاح ما يتعلق بأمور الدين لمحو مذهب مالك من المغرب، الشيء الذي يرى فيه الأستاذ الجراري محوا لمذهب المهدي وإزالته يؤيده أن يعقوب لم يكن يؤمن بعصمة المهدي ويستخف بعقول المومنين بها ص 41.
وهذه الردة تحولت في عهد المأمون إلى سب المهدي على منابر المساجد ونبذ مذهبه 42، وبتحفظ يستنج الأستاذ الجراري من دعوة الموحدين للكتاب والسنة والإعراض عن الرأي والقياس، ميلهم إلى المذهب الظاهري 43، وهذا التحفظ يأتي من أن ابن حزم لا يقول بالعصمة التي يدعيها الموحدون، وهذا في رأيه هو الذي جعل المنصور لا يعلن ظاهريته إلا بعد أن أعلن إنكاره لعصمة المهدي وإمامته 44 مما يؤكد في رأي الأستاذ الجراري دخول الدعوة الموحدية في نطاق مذهب بن حزم، يتفق في ذلك مع عدد من الباحثين 45 ومنبها إلى أن الفقه المالكي أتيح له بالاحتكاك المذهبي في عهد الموحدين أن يخرج قليلا عن تزمته والتزامه المثالي الجامد 47.
وبعد أن يناقش فكرة المهدية التي كان المهديون يتخذون المغرب مجالا لها ينتهي إلى أن المغرب لم يعد بعد هذا العصر مجالا لترويج البضاعة المزيفة الوافدة عليه وأنه قد استقر نهائيا على فقه الإمام مالك مذهبا يهتدي به في مختلف نواحي الحياة تشريعا وقضاء وتدريسا وتأليفا 50.
الفصل الثاني من الباب الأول وهي تحت عنوان نهضة فكرية وأدبية.
لجوء الموحدين إلى البربرية بالدرجة الأولى وسيلة لمخاطبة الجماهير والتدريس والتأليف والمراسلة ظاهرة أثارت الاهتمام، وإذا كان الأمر بالنسبة للمهدي له ما يبرره سياسيا 55 فما الداعي إلى استمرار عبد المومن في استعمال  البربرية إلى جانب العربية ، وقد استقرت الأحوال واتسعت رقعة الدولة؟
لا يرى الأستاذ الجراري ما يدعو إلى التناقض في شأن هذه الازدواجية ويرجعها إلى الدوافع التالية:
الرغبة في إبعاد العرب عن مجال  الزعامة الدينية والقيادة الفكرية 54.
استحالة الاعتماد على غير البربر في نشر المذهب.
اقتناع البربر أنهم وحدهم أهل التوحيد والحق وأن غيرهم مجسمة ومقلدون...
اضطر عبد المومن إلى إتباع نفس سياسة المهدي الذي اعتمد العنصر البربري حتى أصبح الاستغناء عنه عملية خطيرة 55.
الحفاظ على سياسة المهدي وذكراه وتقديرا لعمله وجهاده وإيمانا بمذهبه 56، كما يحصر نطاقها في المجال الديني، لأن العربية كانت قد انتشرت بانتشار الدين عند افتح الإسلامي.
وفي تسجيل تاريخي عن تعريب المغرب تحدث عن بعض الفاتحين كحسان وموسى بن نصير والأدارسة والوفود العربية وما صاحب ذلك من فتح الكتاتيب والرباطات على يد المرابطين بفضل الوحدة بين المغرب والأندلس حتى عصر الموحدين حيث يتحدث عن تأثير هجرات بني هلال وسليم إلى المغرب في نشر اللغة العربية أيام يعقوب المنصور 58.
أما "وقد ثار الموحدون على مظاهر الضعف والانحلال التي أصابت دولة المرابطين، فقد أصبح طبيعيا أن يطلقوا الفكر من قيود الفقهاء المتعصبين، وقد تجلى ذلك كما يرى الأستاذ الجراري في مختلف ألوان العلوم والفنون التي عرفها هذا العصر 58.
ويتجلى التحرر الفكري عند الموحدين أيضا في انتشار علوم الفلسفة وازدهار دراستها خاصة أيام يوسف بن عبد المومن الذي قرب إليه من الفلاسفة أمثال ابن الطفيل صاحب القصة الفلسفية حي بن يقظان وابن رشد شارح أرسطو 62 وفي استجلاب العلماء لحضور مجالس الخلفاء الموحدين لمناقشة مختلف المسائل العلمية وتشجيعهم بالصلات على البحث والتأليف 65.
وهكذا يقول الأستاذ الجراري، نهضت الدولة الموحدية بالفكر المغربي وحررته من التعصب والتقليد والقيود التي تمنعه من الانطلاق والتجديد 66 كما انعكس في مختلف فروع العلم من فلسفة وتصوف وأصول وكلام وتفسير وقراءات وحديث وفقه ولغة ونحو وعروض وحسا وهندسة وتنجيم ومن طب وجغرافيا وتاريخ، المتمثلة في عشرات الأسماء والكتب والآثار الباقية والمندرسة 66-88.
كما يسجل الأستاذ الجراري عناية الموحدين بالأدب ورجاله في الصلات التي كانوا يقدمونها للأدباء.

مما كان ينشط حركته ويدفع بأصحابه نحو الإجادة والإبداع 88. كما ذكر ببعض المناسبات التي سجلت فيها روائع القصائد على ظهر جبل الفتح احتفالا ببيعة أهل الأندلس، وبعد غزوة الأرك في الندوة التي أقامها المنصور لتهنئته ومشيرا إلى ما يبرز إحساس هؤلاء الخلفاء بالفن وتفهم الشعر وتذوقه 9) حتى نسب إلى بعضهم مشاركات يسجلها الأستاذ الجراري في تحفظ 91-9.
ورغم ذلك فهي عنده تدل على ميل هؤلاء الحلفاء إلى تذوق الأدب وتعاطيه والنهوض ه، مما نتج عنه وجود عدة دواوين وتأليف ضاع كثير منها 98، فمن أصحاب الدواوين الخليفة عمر المرتضي والأمير أبو الربيع سليمان وابن حبوس الجراري وميمون بن خبازة وغيرهم، ومن الكتب: المطرب لابن دحية، وصفوة الأدب، جراوي واختصار الأغاني لأبي الربيع سليمان 98-99. وبما أن دراسة الأستاذ الجراري محددة في الموضوع، فقد اقتصر في الحديث على  من تبلورت في شعرهم  مواقف واضحة واتجاهات متميزة 100 ليتخذ شعرهم منطلقا لدراسة ما إذا كان أدب الموحدين فعلا مجرد أدب ديني مذهبي متأثر بالدعوة الموحدية لا مجال فيه للخمريات والتغزل والذاتية، وإلى أي حد هو مجرد أدب بسيط لا أثر فيه للصنعة والزخرف، وهو ما لا يراه الأستاذ الجراري ويعتبره تعسفا في الحكم على هذا الأدب من خلال ما سيأتي من حديث 100.
وفي سبيل ذلك يقسم اتجاهات الشعر الموحدي إلى خمسة أقسام متمايزة نجملها فيما يلي:
- شعراء ذاتيون وهم نوعان، نوع ينتمي إلى عصر المرابطين ومن شعرائه القاضي عياض 100-110.
ونوع يمزج بين هذا الاتجاه والاتجاه الرسمي أمثال أبي حفص عمر الأغماتي، وشاعرنا موضوع الدراسة أبو الربيع سليمان، وهم جميعا يغلب على شعرهم الغزل والوصف مع وضوح الصنعة في أسلوبهم الذي يعتمد المحسنات البديعية، وقد أورد لكل صنف من هؤلاء مجموعة من الأبيات والمقطوعات تمثل اتجاههم المذكور ص 110-115.
- شعراء رسميون ملتزمون وهم صنفان، صنف عاش أيام عز الدولة واستقرارها، فكان لسان حال الدولة والمعبر عن مواقفها والمدافع عن كيانها ويمثلهم أبو العباس الجرواي 106-110 وصنف آخر عاش أيام اضطراب الدولة بدءْا من المامون، فاتجه إلى الذات وإلى مجال الدين يدفن نفسه فيه، وأبرز  شعرائهم ميمون بن خبازة وقد أورد له بعض المقطعات والأبيات تمثل هذا الاتجاه بنوعيه 115-118.
ويختم هذا الفصل بكلمة عن النثر الذي لاحظ أنه كان متنوعا في هذا العهد فشمل الخطابة والمناظرة والتأليف والرسائل، وبعد أن تحدث عن أسلوب هذا العهد المتميز بالوضوح والجزالة والسجع، قدم نموذجا للمنهج الذي تتبعه الرسائل الرسمية في عصر الموحدين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here