islamaumaroc

موقف الإسلام من العلم والفلسفة

  دعوة الحق

167 العدد

في مقالي هذا لا أريد تحديد موقف الإسلام، لأن تحديد الموقف، هو تحجير وتوقيف لامتداد التصور الإسلامي. فالحديث عن الموقف طريقة عفى الزمن عنها وتجاوزها. والفكر الإسلامي تخطاها بعد أن أشبعها تكرارا. وترك انطباعا سيئا في نفس القارئ، لما في تحديد الموقف من بعد عن الحياة ذاتها وعن ميادينها، فالموقف غالبا هو موقف الكاتب نفسه من القضية ولذا كل ما أوده، أن أتوصل إلى تحليل يظهر علاقات الإسلام بالعلم والفلسفة.
والفرق بين الموقف والعلاقة شاسع، فالأول يدل على حياد الإسلام وخلافه مع العلم والفلسفة،  فهو إما يرفضهما وإما يجوزهما. أما الثاني فيوحي عكس ذلك، فهو بحث في العلاقات الممكنة بين الإسلام والعلم والفلسفة أو بالأحرى دعوة إلى علم إسلامي وفلسفة إسلامية.
ولا نريد بهذه الكلمة أن نباري العلماء في نظرياتهم، ولا للفلاسفة في مذاهبهم. هذا الظن الذي أصبح عند أعداء الإسلام عقدة العقد، ومنطلق الهجوم وشبهة من الشبه التي يرصدون بها الإسلام. عن قصد أو عن إتباع أو سذاجة. فحجتهم أن الإسلام شيء والعلم والفلسفة شيء آخر. ويجعلون النقطة الأساسية في التعارض هي فكرة التطور، تطور العلم والفكر (المذاهب الفلسفية) وثبات الدين والإيمان. وهذا في إطاره الشكلي حق لا غبار عليه، فالعلم والفلسفة ينموان ويتطوران ويكتملان. والدين واحد ثبات. ولكن هؤلاء لم يربطوا قط بين ما هو متغير في العلم والفلسفة وما هو ثابتا في الدين. هذا هو ما نريد مناقشته في صلب المقال.

بين الإسلام والعلم:
هذه الشبهة نجدها في الأدب عند طه حسين، وفي الفلسفة عند إمام عبد الفتاح إمام، وفي الماركسية عند أحمد عاطف، مما يؤكد أنها ليست خاصة بجانب دون غيره، فهي شبهة تترامى من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، مارة بالوسط المحايد، وجميعهم على أساس واحد: إبعاد الدين.
فطه حسين يقول في كتابه من بعيد: ( ليس من مهمة الدين أن يفسر لنا الظواهر الطبيعية لأن تلك هي مهمة العلم، ولا يجوز الربط بينهما فالعلم دائم التطور ويكشف عن وقائع جديدة، والمحاولات التي تبذل في هذا الصدد ليست إلا مجموعة من الدجل لا هي من العلم ولا هي من الدين في شيء).
وإمام عبد الفتاح إمام يقول في كتابه مدخل إلى الفلسفة: (والواقع أن استغلال المكتشفات العلمية والنظريات العلمية في تأييد قضايا دينية هو عمل محفوف بالمخاطر دائما نظرا إلى أن هذه المكتشفات النظرية العلمية قابلة للتغيير مما يؤدي إلى خطورة الربط بينهما وبين قضايا الدين الثابتة).

وأحمد عاطف يقول في كتابه نقد الفهم العصري للقرآن: (الفكر العلمي ذي الطبيعة الواقعية والفكر الديني ذي الطبيعة المياتفزيقية).
الطريقة العلمية تنظر إلى كافة الظواهر في الوجود على أنها ذات وجود واقعي يتحقق في الواقع وأن لها قوانين وأسباب وخواص المستقلة الواقعية القابلة للتحقيق التجريبي التطبيقي. أي أنها بكلمة تبحث الواقع كما هو دون إضافات خارجية.
وأما طريقة التفكير التي يتميز بها الفكر الديني بمختلف أنماطه ومراحله. إنما تنظر إلى ظواهر الواقع الموضوعي على أنها نتيجة ظواهر أخرى ذات طبيعة مغايرة، تعلو على التحقيق التجريبي وتسمو على البرهان المنطقي المستمد من حقائق الواقع، وإنما يسلم بها تسليما لأنها تتجاوز حدود إدراك العقل البشري).
هذه الشبهة المعروضة كان بالإمكان أن تكون جذابة، مقنعة. لولا كلمة الدجل عند طه وكلمة استغلال عند إمام. هاتان الكلمتان اللتان تثيران الانتباه، وتأخذان حيزا من الاهتمام، وتشيران إلى أكثر مما تريد الفكرة المطروحة. فالدجل والاستغلال هما ما يستقر في ذهن القارئ لتعميق التعارض بين الإسلام والعلم، فيمج القارئ كل ما يمت بصلة إلى العلاقات بينهما. فهل من المعقول أن يتوقف الفكر الإسلامي عن التفكير في هذا المجال؟ أم هي دعوة إلى توقيف التفكير ذاته؟ إنها حقا دعوة مشبوهة. إنها دعوة توهم الساذج أن الإسلام لا يهتم إلا بعقيدته وشعائره التعبدية، بيد أن العلم ينغمس في دراسة الظواهر الطبيعية وجزئيات العالم، والفلسفة تنسق العالم في تجريد مفرض لقضايا الميتافيزيقيا. فهؤلاء يرون الأمر في مجمله تجريدات ورموز وعلاقات مختصرة في كيان الإنسان. يردون العلم إلى الحواس، ويردون الفلسفة إلى العقل، ويردون الدين إلى القلب فالدين يعتمد في نظرهم على الإيمان، فهو ذو طابع عقائدي مسبق، والفلسفة تعتمد العقل فهي ذات طابع تحليلي، والعلم يعتمد الحواس فهو ذو طابع تصنيفي إحصائي. بهذه النظرة الاختزالية تطبع في أذهان الناس العلاقات بين العلم والدين والفلسفة ويراوغ بها هؤلاء المشبوهين في اتجاهاتهم، ويتناسون أن نقطة الاتصال والانطلاق تبدأ عندما يصبح العلم الذي يهتم بالجزئيات تصورا كاملا كليا، وعندما تصبح الفلسفة مذهبا تركيبيا لأهم قضايا الوجود والمعرفة، ونلمس هذا التناسي وذلك الاختزال، عند استظهار ومراجعة تعريف الطريقة العلمية عند أحمد عاطف.
هناك نقطتان أساسيتان حولهما كل الأشكال:
1- الطريقة العلمية: الظواهر ذات الوجود الواقعي، الأسباب الواقعية، التجربة والتطبيق.
2- التصور الإلحادي: وصف القوانين والأسباب والخواص بأنها مستقلة، ونفي الإضافات الخارجية. فهاتان الكلمتان في الحقيقة ليستا من الطريقة العلمية في شيء، بل تتحدى الشروط التي وضعها للطريقة العلمية نفسها. فهي ذاتها إضافات فكرية لا علاقة لها بالظواهر أو بطرق البحث الأساسية، إنها ما يسمى بالتصور الإلحادي.
هنا ينشأ السؤال التالي: هل الطريقة العلمية لابد أن تكون إلحادية؟ الإلحاديون يجيبون بنعم. أما الواقع فيجيب بلا.
1- فإننا إذا اعتبرنا الطريقة العلمية لا علاقة لها بالتصور، فإن العلم يكون معناه الطريقة فحسب.
أما التصورات ليست بطريقة علمية ولا بعلم، وإنما هي تعتمد الطريقة العلمية. أما العلم كمعلومات مجردا على طرقه ـ فأمر غير واقعي، ولا منطقي، فلفظة العلم تدل على كلي. إنه اسم جنس تنضوي فيه علوم كثيرة وليس علما واحدا شاملا. وهذه العلوم متضاربة في ميدان عملها، ومتضاربة في تفسيراتها، ومتضاربة في مناهجها. ومتضاربة في طرقها العلمية. فأولئك الذين يجعلون العلم منطلقا لتصورهم مخطئون، لأنهم يتحدثون عن أمر غير مجسد واقعيا وهم الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوس، والمادي الملموس ولو تأويل.
أما المعلومات فهي بعيدة عن كل التصورات الإلحادية.
2- إن التناقض المزعوم إذن بين الدين والعلم لم يوضع في الإطار السليم الذي يحدد العلاقات الأساسية بينهما. وعليه يترتب:
من اعتبر العلم إلحاديا يقول بالتناقض بين العلم والدين، ويخلط بين لفظة العلم والطريقة العلمية وبين العلوم وطرقها العلمية، ويخلط بالتالي بين لفظة العلم والعلوم والطرق العلمية وبين المعلومات المحصل عليها.
ومن اعتبر الطريقة العلمية لا علاقة لها بالإلحاد بالذات لا يقول بالتناقض بين العلم والدين.
3- إننا عندما نقول أن لا تناقض بين العلم والدين نقصد الطريقة وحدها، لأننا عندما ندعو إلى العلم لا ندعو إلى الإلحاد، ندعو إلى علم إسلامي.
بمعنى طريقة علمية تعتمد التصور الإلحادي، فالظواهر والوقائع وقوانينها وأسبابها وخواصها لا نقول عنها مستقلة لأن ذلك من المستحيل وإنما نقول عنها إسلامية. واقعية. وهذا أصدق في التعبير عن الواقع وأقرب إلى الطريقة العلمية التي تبحث الواقع كما هو إسلاميا دون أية إضافة خارجية (تلك التهمة التي تلصق بالمفهوم الديني لإبعاده عن مجال العلم). فالعلم الإسلامي لا يضيف ما هو غريب عن الواقع. بل يدرس الواقع بالطريقة العلمية كما هو إسلاميا. ولذا فالتهمة التي توجه إلى الدين بأنه يجعل طريقة التفكير تنظر إلى الظواهر والوقائع على أنها نتيجة لظواهر أخرى من غير طبيعتها، فهي تعلو على التجربة، وتسمو على المنطق، ولا تدرك، ويجب التسليم بها. ـ كما مر في فقرة أحمد عاطف ـ تهمة باطلة، وخلط شنيع بين الدين، العقيدة، التصور، والعلم الإسلامي الذي يبحث الواقع الإسلامي بطريقة علمية إسلامية.
هذا الموقف يجعل سخريتهم اللادغة، وتحدياتهم وتضليلاتهم السخيفة، فاقدة كل قيمة، وكل دعامة، ويظهر خلطهم الشنيع. ففي فصل من كتاب أحمد عاطف ميتافيزيقيا البناء الكوني. (وعليه فلا بد من اكتشاف العلم الحديث كله بين سطور القرآن)، إنك لترى هذا الاستهزاء، وهذه العلاقة التي يربط بها الدين بالعلم ادعاء وشبهة لا أساس لها من الصحة بل وتظهر فيه سخافة الادعاء.
ومن الواضح أن هذا الموقف مرفوض من طرف الجاهليين. فالعظم (1) أبان عن تعلقه بالفكر الماركسي وحقده على الفكر الديني (نقد الفكر الديني) فأكد في فصل كامل على ضرورة فصل الدين عن العلم وتناقضهما المزعوم. وذهب في ذلك إلى أن كل ما كتبه الإسلاميون لا يتعدى التوفيق، فهو إما توفيق خطابي وإما توفيق تبريري. وإما توفيق تعسفي.. وأقام هذا الموقف العدائي السافر على نقطتين:
1- عدم الفصل بين النظرية والمنهج العلمي.
2- الدين أسطورة وميثولوجية.
إن كان العظم ـ خليفة من خلفاء روزيه أكبر ضاغن على الإسلام في القديم ـ لا يقتنع بالدين، ويعتبره ميثولوجيا فإن ذلك لا يغير ولن يغير من الحقيقة الأكيدة حاضرا ومستقبلا وتاريخيا شيئا.  فالفلسفة والعلم كلاهما قد أقرا ما يسمى بالخبرة الدينية. وقد أطلقوها على الأديان وطقوسها، وعلى المشاعر الصوفية والتأملات الفكرية بصفة عامة. وبالتالي على المواقف المضادة للخبرة الدنية نفسها. ويحصرون الخبرة الدينية بذلك في تفسيرين: (التفسير الإيجابي وهو ما يسمى عادة بالإيمان والتفسير السلبي أو ما يسمى عادة بالإلحاد (2).
هل بقي بعد هذا المجال للأسطورة والميثولوجية أم أن الإلحاد (الجانب السلبي من الخبرة الدينية) يعد هو الآخر أسطوريا وميثولوجيا. في الحقيقة مادام العظم عرف الإنسان بأنه خرافي، يخلق الخرافة ويعتقد صوابها، ويجزم بحقيقتها. فإن تجربته الإلحادية، واتهامه للدين بالميثولوجية، لا يخرج من الاتهام نفسه. فالعظم بتعريفه هذا يضع نفسه بنفسه في إطار وقفص الاتهام، فلم يتهم الدين فحسب بل أتهم الإلحاد كذلك.
هذا التخريف ـ حسب تعريفه ـ يستمر ويتعمق في فكره الإلحادي، دون وعي منه، فتراه يعارض الفصل بينه (الجانب السلبي في الخبرة الدينية) وبين المنهج العلمي. فمن الثابت أن النظريات التي لم تثبت صحتها علميا وما زال النقاش حولها، ولم يصل العلم فيها إلى نتيجة، هي وحدها التي يتم فيها رائحة الإلحاد، وهي التي خرجت عن طرق البحث العلمي الجاد، سواء كانت النظرية الدروينية أو النظرية الفرويدية أو النظرية الدوركيمية أو النظرية الماركسية، أما النظريات الثابتة سواء في ثباتها أو تطورها، فهي بعيدة كل البعد عن الإلحاد، وبعيدة عن الجدل فالكل يقرها إلى غاية ظهور جديد يغير من المعرفة السابقة.

إن هذا الاختلاف بين هذين النوعين من النظريات سواء من حيث الجدل والنقاش وعدم التسليم بها، أو من حيث ثباتها الدائم، أو من حيث إقرارها كليا دون جدل، وإمكانية تغيرها لأنها قابلة للتطور والنمو يجعلنا نشك حتى في غايتها ومقصدها وخاصة أن النظريات الدروينية والفرويدية والدوريكمية والماركسية أصحابها كلهم من اليهود وكلهم يعملون على تخريب الإنسانية من كل جانب. هذه النظريات الخرافية في أساسها المشبوهة في غايتها يعارض العظم بها الدين ويرفض بها أن يفضل المنهج العلمي عن النظريات الإلحادية. ويرد في كتابه نقد الفكر الديني على الشهيد سيد قطب (الذي رفض كل النظريات الإلحادية وتشبث بالمنهج العلمي) مدعيا أن ذلك غير ممكن نظرا لارتباط النظريات المرفوضة بصميم المنهج العلمي.
وقد قلنا سبقا أن هذه الوجهة من النظر لا يقر بها الواقع، فأغلب العلماء اليوم في العالم مؤمنون (أنظر كتاب: الله يتجلى في عصر العلم). وأغلب الطلبة العلميين في الشرق العربي من الإخوان المسلمين (أنظر (3) مجلة الحوادث اللبنانية في تعليقها وتلخيصها لمحاضرة عبد الله العروي الماركسي، كشهادة منهم على ذلك) وأغلب الكتاب اقروا للمسلمين باكتشاف المنهج العلمي وتطبيقه، نشير إلى واحد منهم فحسب فها هو الدكتور النشار يثبت في كتابه مناهج البحث عند مفكري الإسلام، وكيف اكتشف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، وكيف أن الجماعة الإسلامية لم تقبل المنطق الأرسطيطالسي حيث أخضعته للدراسة والتمحيص، بل رفضته ومزقته شر تمزيق، وأنشأت منهجها الإسلامي المستند إلى القرآن والسنة المعبر عن روح الإسلام الحقيقي، وأن البعث الحقيقي للروح الإسلامية وللأمة الإسلامية هو العودة الكاملة إلى هذا المنهج...وهذا المنهج عمليا طبقه الأصوليون والعلماء المختصون بالطبيعة أو الكيمياء أو الطب وغيرها من أنواع العلوم ما عدا في علم الكلام والفلسفة المشائية.
هذا المنهج العلمي الاستقرائي الإسلامي طريقا لمعرفة الكون والحياة والإنسان، موضوع العلم أي العلوم عموما، ولم يتناقض ذلك مع الإسلام فالتعارض بينهما مرفوع فهو لم يبحث في طبيعة الملائكة ولا في طبيعة الروح ولا في حقيقة الماهية، ولا في الغيبيات عموما فموضوعه كان عالم الشهادة عالم الواقع كونا وحياة وإنسانا.
الأمر إذن، ليس كما يحاول الجاهليون أن يقنعوا الناس على أساس التعارض بين موضوع الدين وموضوع العلم، أو بين اختلاف أنماط التفكير بينهما أو في اختلاف طبيعتهما...فهذا التشويه في المقارنة لا مكان له أمام المنهج الإسلامي العلمي الذي يدرس الواقع والظواهر المحسوسة.
إن محل الاختلاف الطبيعي لا يكمن إلا في المسلمات والنظريات التي تحتاج إلى إثبات، تحتاج إلى تجربة لإحقاقها، مثلها كمل النظريات اليهودية السالفة الذكر.
 
بين الدين والفلسفة:
من هذه المسلمات والنظريات، وخاصة عندما تصطبغ بالشمولية والكلية لتتسرب إلى العلاقة القائمة بين التصورات العلمية، القائمة بدورها على تلك المسلمات والنظريات، والتصورات الفلسفية ومذاهبها وتنسيقاتها، تنشأ العلاقة بين الإسلام والفلسفة.
وقبل كل شيء نناقش عقبة الشبهات التي توجه إلى الإسلام فالمغرضون كما خلقوا شبهة التناقض بين الدين والعلم، ادعوا في مجال الفلسفة بكل تضليل أن الإسلام يحجر الإنتاج العقلي ويمنع الابتكار، فالتفلسف في نظرهم يقتضي الإلحاد.
وهذه الشبهة لا تطرح اليوم على الصعيد الفلسفي فحسب، بل تطرح على المستوى الإيديولوجي والاجتماعي الحضاري. هذا ما قدم عليه عبد الله العروي(4)  بكل صراحة ووقاحة، مدعيا أن الإسلام وإيديولوجيته، يعملان على تعميق التخلق والتأخر، والجمود العلمي والفكري، والركود الاجتماعي، فيقفان ضد التاريخ وحركته (5)...هذه الشبهة في الحقيقة، حقيقة لواقع معكوس، فالإيديولوجية الإسلامية ـ كما قال هو نفسه أي العروي ـ تقف في وجه المد الماركسي وتؤخر تسربه, ونجاحه في العالم الإسلامي. وهذا برهان قاطع منه على تفوقها الساحق في مواجهة الماركسية.
أما الفلسفة في حد ذاتها، أن خرج الإنسان عن تحديد معناها لغويا، ومدلولها مجردا، مواقف متناقضة ومختلفة أشد الاختلاف. فطول مدة الزمن التاريخي للفكر الفلسفي جعل المواقف فيها تتباين ولا في الغيبيات عموما، فموضوعه كان عالم الشهادة مع كل عصر من العصور. فبدأت الفلسفة التقليدية بالعصر اليوناني حسب ما تدعيه الحضارة الغربية حيث بدأ الطبيعيون يبحثون في أصل الوجود ومبدئه، ومصيره، ثم تطور الموقف في عهد الرواقيين والأبيقوريين ليصبح الاهتمام بالإنسان، والأخلاق والفضيلة، ثم تطور ليصبح توفيقا بين العقل والوحي ورغم هذا التطور في مواقف الفلسفة استمر روح العصر اليوناني في فهم الفلسفة.
أما في العصور الحديثة فقد أصبحت الفلسفة تبحث المعرفة في مصدرها، وفي حدودها، وفي طبيعتها مما جعل البحث في الوجود يقوم على نظرية المعرفة هذه. هذا التطور الهام الذي حدث لم يخرج في عموميته عن إطار الفلسفة القديمة في كل أبعادها، فقد استمر الاتجاه التقليدي ممثلا في ديكارت وسبينوزا وليبنتز وكانت وهيجل وغيرهم...
ولكن هذا التغير وهذا التطور في الحقيقة لم يكن تغيرا أو تطورا عاديا، بل صحبته بذور جديدة انبثقت منه مواقف شتى لا يمكن حصرها في الوهلة الأولى الوجيزة، فهناك تغير في المبحث من وجود إلى معرفة، وهناك تغيير في المنهج من منطق أرسطي إلى منطق استقرائي، وهناك تغير من الشمولية إلى التخصص، وهناك تغيير في العقائد من إيمان إلى الإلحاد وهناك.. وهناك.. كل هذه العوامل وغيرها جعلت مواقف مناهضة للفلسفة التقليدية تنمو وتترعرع وتتباين معها أشد التباين وتختلف معها أشد الاختلاف فنشأت الفلسفة الوضعية، والوضعية المنطقية، ونشأت الفلسفة البرجماتية، ونشأت الفلسفة الماركسية، ونشأت الوجودية. ولكل منهم اتجاه وموقف من الفلسفة التقليدية.
ولا يهمنا هنا إلا موقفين اثنين من تلك المواقف موقف الفلسفة الوضعية، الذي ترعرع أول الأمر كاتجاه مغاير للفلسفة التقليدية، ولم تكن آنذاك لا ماركسية ولا برجماتية، ولا وجودية. لقد كان السائد اتجاها وضعيا عاما يقف ضد كل ما هو قديم، ويميل إلى كل ما هو جديد وتجلى في أوائل عهده بموقف بكون التجريبي، ثم تطور أكثر على يد أو جست كونت الذي اعتبر بحق أبو الوضعية. ولكن هذه الوضعية. كانت مجرد اتجاه علمي استطاع فيما بعد أن يبني لنفسه علما جديدا يشمل المجتمع كله والتاريخ كله هذه النشأة كانت علامة عصر جديد يهتم بشمولية الحياة والمعرفة والمجتمع والتاريخ.
هذا الموقف الوضعي العام تطور إلى موقف أكثر صلابة، عندما تعددت المواقف وكثرت، من الفلسفة التقليدية التي ازدادت انحصارا، وازدادت معها تخصصات الفروع العلمية. فتلك الشمولية التي كانت تطل على العالم المحسوس قلت بسبب هذه العلوم التي تعددت واختصت بكل الفروع الفلسفية القديمة، وباتت الفلسفة أكثر وضوحا في موضوعاتها المجردة من وجود إلى معرفة إلى قيم...أقول أن هذا  التقلص في الفلسفة من جانب، وفي الاتجاه الوضعي من جانب آخر، هو الذي صلب الموقف ضد الفلسفة فلم يعد لهذا الموقف من موضوع يستطيع ممارسته إلا تحليل الألفاظ وربطها بالمعطيات الواقعية، أو تحليل المسلمات والنظريات العلمية تحليلا لغويا منطقيا...وبهذا خرجت الفلسفة من التركيب إلى مجرد التحليل وهذا في رأي علامة عن بؤس هذا الاتجاه رغم ما قام به فلاسفته من مجهود لاستهواء نفوس المعاصرين.
إذن، هناك موقف وضعي متطور يناقض موقف الفلسفة  التقليدية تمشيا مع روح العصر ومعطياته العلمية. فالموقف التقليدي يجعل موضوع الفلسفة تأمل في الوجود لذاته وفي ذاته أو تأمل الوجود من خلال المعرفة دون غرض معين غير البحث عن الحقيقة في ذاتها. البحث في الوجود بما هو موجود حسب التعريف التقليدي للفلسفة. أما الوضعية المنطقية فتهتم بالتحليل اللغوي ومدى مدلوليته في الواقع العيني المشخص المحسوس. لأنها تعتبر الفلسفة التقليدية تخلق مشكلات لا حصر لها من مجرد استعمالها لألفاظ لا مدلول لها، ولا أصل حسي لها. وكل كلمة من هذا القبيل تعتبر زائدة ولا فائدة منها، وكل كلمة لها مدلولها الحسي فهي كلمة صادقة تعبر عن حقيقة قائمة. وقد وصل بعض هؤلاء الفلاسفة إلى حد نفي المادة إطلاقا.
إن التيارات الفلسفية اليوم عموما تقف ضد الفلسفة التقليدية في منحاها العام وقد يكون حتى الخاص ، فكما لاحظنا موقف الوضعية في تطورها، فهناك تيارات أخرى كلها تقف نفس الموقف ولكنه موقف عملي أكثر منه موقف تحليلي مما جعلها ترتبط بروح العصر، وتعبر عنه بكل نزواته وميولاته سواء كانت تهتم بالفرد أو كانت تهتم بالجماعة أو بالمنفعة، فالعامل المشترك بينهم هو العمل من أجل هدف معين اجتماعيا وتتلخص هذه التيارات في الماركسية والبرجماتية والوجودية.
ولا أود أن استمر في العرض أكثر مما فعلت، لأن المقصود ليس العرض في ذاته وإنما التنبيه إلى الفلسفة في مواطنها الأصلية لم تعد شيئا يذكر فالابتعاد عنها في شتى الأشكال هو شغل كل فيلسوف معاصر، فالإبداع لم يعد في الأبعاد الميتافزيقية وإنما تحول إلى الأبعاد الاجتماعية، وهذا كافي ليقف كرد مقنع لمن يطالب بالإبداع العقلي المجرد حتى يرضى على موقف من المواقف الفلسفية. فالأمر ليس كامنا في الإنتاج العقلي الناضج أو عدم الابتكار. كما يحاول الإلحاديون توهيم الناس. إنه كامن في المذاهب المغلقة على نفسها، تلك المذاهب التي يظن أصحابها أنهم قد فسروا كل شيء، وأنهم قدموا الحلول النهائية لما يسمى بمشكلات الوجود والحياة والإنسان. هذه المذاهب تظهر غطرسة الإنسان وغروره، إنها مطية  البلبلة، ومطية الاختلاف, فأصحابها يؤلهون أنفسهم وعقولهم وأهواءهم، وهي بذلك تقتضي الإلحاد والشرك  فتتناقض مع الإسلام.
وقد يسأل سائل، أليست هذه المذاهب هي الفلسفة نفسها؟ وهنا يكون الجواب أن الفلسفة في حد ذاتها ليست هي المذاهب الفلسفية. فهذه المذاهب نفسها مختلفة في معنى الفلسفة، ولم تتفق على تعريف محدد لها. ولكنها جميعها تحوم حول موضوع ومنهج ومسلمات، وتستعمل التحليل والتركيب لبلوغ غايتها. فالمذاهب الفلسفية معطى أولي وكلي لعملية الفلسفة نفسها وليس أدل على ذلك من المذاهب الفلسفية المضادة لها.
فالفلسفة العلمية وضعية أو ماركسية، ليستا إلا نموذجين بعيدين عن العلم ومنهاجه وأسلوبه ومعطياته وإن كانا مهتمين بتحليل معطياته سواء في العلوم الاجتماعية أو  الفيزيائية أو الكيمائية أو الرياضية أو غيرهما. فتحليلاتهما تبقى دائما قابلة للخطأ والصواب، قابلة للتجاوز علميا وفلسفيا، فهما ليسا إلا تصورات تكميلية لمعلومات وحقائق علمية فالتصور الميكانيكي للكون أو التصور الجدلي للكون، ليس لهما من الارتباط والعلاقة بالعلم إلا بكونهما عنصر ذاتي وعنصر إضافي خارجي عن المعلومات العلمية. ومادامت هذه التصورات قابلة للتجاوز ومعرضة للصواب والخطأ، فإنها لم تضع الأسس الكلية للحقيقة، تلك الحقيقة الثابتة، الشاملة، فالأجزاء أو الأغراض، أو التعدد أو الثنائية لن تكون في تركيب فلسفي أو تصور كلي سليم إلا في إطار حقيقة الحقائق، حقيقة الإسلام القاعدة الكلية الجامعة الموحدة: الإسلام الوجودي، الكوني، العالمي، الحياتي، الإنساني الاجتماعي، التاريخي، الحضاري. وبهذا فهو ليس العقيدة أو الإيديولوجية التي تقول عنها الماركسية أنها انعكاس للواقع المادي، وإنما ذاك الوجود الكوني العالمي الفعلي الحقيقي الذي يشمل كينونة الإنسان والعالم، يشمل الموضوع ويشمل الوعي معا. هذه الوحدة وحدة الإسلام من خلال وحدة الوجود والكون العام تأخذ أبعادا ثلاثة: بعد فعلي وبعد إيديولوجي وبعد اجتماعي.
والبعد الفعلي في شموليته وكليته هو غير التركيب والمزج، فليس المقصود منه جعل الفكري موضوعيا أو الموضوعي فكريا، ولا جعل الفكر يسمو على الموضوعي ولا هو انعكاس له. إنه البعد الأساسي سواء في الانفرادية، أو الثنائية أو التعدد في مكونات الكون. إنه البعد الفعلي. فهو ليس تفسيرا للعالم والحياة والإنسان، بل هو نفسه حقيقة العالم والحياة والإنسان، وهو ليس إيديولوجية اجتماعية. بل هو الوجود الاجتماعي نفسه، انه ما هو فعلا انه ما هو إسلاميا..
أما البعد الاجتماعي للإسلام فهو نقطة الفصل والتحدي مع الجاهلية ماركسية ولبرالية. فهو ينفصل عن الشيوعية انفصالا تاما لما له من امتداد اجتماعي حضاري تاريخي. هذا الامتداد الذي يصعب تخطيه وتجاوزه اجتماعيا. فمفهومه الاقتصادي والسياسي والثقافي، وسلوكه الاجتماعي والأخلاقي مباين ومختلف عن الامتداد الاجتماعي الشيوعي، فهذا الأخير تفسير وتغيير للهيكل الاجتماعي وخاصة من الناحية الاقتصادية في حين أن الامتداد الإسلامي يخلق الفعل الاجتماعي إسلاميا عن طريق تنوير المجتمع (لا إله إلا الله) ومن هناك يخلق التحدي الصارخ للماركسية إيديولوجيا واجتماعيا.
والبعد الاجتماعي في الإسلام ينفصل عن الليبرالية كمفهوم سلوكي أخلاقي كالوجودية أو كمفهوم اجتماعي كالديمقراطية والرأسمالية اللتان تجعلان من الحرية الفردية محور الحياة الاجتماعية على أساس من هداية الله في الكون وهذا منطلق يناقض الليبرالية في الأساس.
أما البعد العقائدي أو الإيديولوجي فهو تلك المنظومة كتفسير فلسفي وتصور عام للكون والحياة والإنسان من حيث الاعتقاد وكمنطلق للحياة الاجتماعية فهو يواجه الواقع ويعمل على تثويره فالإيديولوجية تثوير وليست انعكاسا لواقع. فهي الواسطة بين البعد الفعلي والبعد الاجتماعي.
إن هذه الأبعاد تفتح نوافذ للفكر الإنساني على العالم والحياة والإنسان دون أن تحد من مجالاته ودون أن تحدد من موضوعاته، ودون أن تحدد من منهاجه، فموقف الإسلام من الفلسفة ليس إلا موقفا من المواقف. موقف لا ينفيها كما نفاها الغربيون أنفسهم أي أصحابها ومبتدعوها، ولا يبثها كما يدعى دعاتها، فما تلاءم منها مع الحق فهو حق، وما اختلف منها مع الحق فهو باطل. وخير ما في اتجاهها أنها تفسير للكون والحياة والإنسان، وإيديولوجية للحضارة والتاريخ والمجتمع ومن ثمة فهي ليست ميالة إلى الفلسفة بل تجمع كما لا حظنا البعدين معا. وفي فسحة فكرية كهذه الفسحة لا يعقل أن يقول إنسان أنها تحد من الإبداع الفكري. لأن المجال واسع أمام العقل في الإبداع. ولا يمكن أن يقول أنها تحجر التاريخ وتعوقه لأنها هي نفسها عامل خلق التاريخ والحضارة...

وصية امرأة عاقلة
أوصت أسماء بنت خارجة  العزاري ابنتها عند التزوج فقالت: "إنك خرجت من العش الذي فيه درجت، وصرت إلى فراش لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أرضا يكن لك سماء، وكوني له نهادا يكن لك عمادا، وكوني له أمة يكن لك عبدا، ولا تلحفي به فيقلاك ولا تباعدي عنه فينساك، إن دنا منك فأقربي منه، وإن بعد عنك فأبعدي عنه، واحفظي أنفه وسمعه وعينه، فلا يشمن منك إلا طيبا، ولا يسمع إلا حسنا، ولا ينظر إلا جميلا...


1 - صادق جلال العظم نقد الفكر الديني، أحد أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت.
2 - مدخل إلى الفلسفة إمام عبد  الفتاح إمام.
3- ا"لحوادث اللبنانية" العدد 999 ص 8-7
4 - عبد الله العروي في كتابيه "الإيديولوجية العربية المعاصرة، والعرب والفكر التاريخي".
5 - هذه الشبهة طرحها المستشرقون عامة، وناقشها مالك بن بني في كتابه: وجهة العالم الإسلامي كحقيقة واقعة سماها بالقابلية للاستعمار عموما. 
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here