islamaumaroc

محمد السائح في منهجية تدريسه للحديث ومن خلال أوضاعه المنوعة

  دعوة الحق

167 العدد


مقدمة:

يحمل المترجم اسم محمد بن عبد السلام بن عبد الرحمان الأندلسي ثم الرباطي.
وبمدينة الرباط كان مولده عام تسعة أو عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة، حسب ذكر صاحب الترجمة في فهرس شيوخه.
وبالعاصمة المغربية وقليلا بالعدوية السلوية كان تثقيفه من بدء تعلمه حتى نهاية دراسته، فتلقن ـ بمسقط رأسه ـ المواد الأولية، ثم أخذ في تلقي الدروس العلمية على شيوخ بلدة المنصور بتقدمهم عالمان جليلان: أبو حامد محمد المكي البطاوري وأبو شعيب الدكالي، كما قرأ بسلا على عالمها أبي العباس أحمد بن إبراهيم الجريري، ومن مجيزيه بالرباط: القاضي الجليل أبو العباس أحمد بن محمد بناني، بفاس شيخ مجلسها العلمي  أبو العباس أحمد بن محمد ابن الخياط.
وقد بسط المترجم في "فهرس شيوخه" ذكر أساتذته في متعلمه الأولى وعند مرحلة التحصيل: كل واحد باسمه ونسبه ودرجته العلمية وما درس عليه من المواد، كما ألم في المصدر نفسه بالتعريف بأسرته الأندلسية، ولأهمية هذه المعلومات سنثبتها في ذيل الترجمة كما كتبها المؤلف بخطة في مبيضة الموجود من هذا الفهرس.
وبدأ حياته التوظيفية أستاذا ـ في مسقط رأسه ـ بالمدرسة اليوسفية، فمعهد الدروس العليا وفي هذا الحين رشح لمهمة استخراج سمت القبلة للمسجد الإسلامي بباريس، حيث سافر إلى فرنسا بمعية قاضي طنجة ـ سابقا ـ محمد الهواري عام 1340 هـ.
وبعد معهد الدروس العليا تدرج في أسلاك القضاء: بالمحكمة العليا، ومجلس الاستيناف الشرعي الأعلى، وفي عام 1348 هـ صار قاضيا بمدينة الجديدة وملحقاتها، ثم تقلد نفس المنصب بوادي زم وما إليه عام 1350 هـ وفي عام 1352 هـ انتقل لقضاء شراكة ومضافاتها، ومنها ارتقى إلى قضاء مقصورة الرصيف بفاس عام 1355 هـ ومن عام 1356 هـ عين عضوا في لجنة امتحان العالمية بالقرويين، ثم سافر إلى البقاع المقدسة رئيسا لوفد الحجيج المغربي عام 1365 هـ ومن قضاء فاس رشح قاضيا للجماعة بمدينة مكناس أواسط عام 1376 هـ.
غير أن مرضه لم يمهله فتوفى ـ طيب الله ثراه ـ في السنة نفسها ، عند عشية الاثنين 16 ذي القعدة، لموافق 20 شتنبر سنة 1948 م، ومن العاصمة الإسماعيلية نقل إلى عاصمة الرباط، حيث أٌقبر زوال غده بالزاوية الوزانية قبالة مشهد مولاي المكي من شارع سيدي فاتح.

ويوم السبت 21 ذي القعدة المشار له ، نشرت جريدة "العلم" مقالا تأبينيا للفقيد، كتبه العلامة الجليل محمد بن أبي بكر التطواني بعنوان: "وهذا من يخلفه ".
وبمناسبة الذكرى الأربعينية أقيم بفاس حفل تأبيني للمترجم، حيث خطب فيه العلماء: الشيوخ والشباب: من فاس والرباط ومكناس، حسب جريدة "الرأي العام" عدد الجمعة 18 محرم 1368 هـ.
والآن ـ بعد هذا المدخل ـ يصل بنا المطاف إلى الدروس الحديثية التي كان صاحب الترجمة يمليها ـ بفاس ـ في فترة قضائه بشراكة ثم بالعاصمة العلمية حتى أواسط عام 1362 هـ، وكان من حسن حظي أن لازمت هذه الإملاءات من أواخر عام 1357 هـ إلى أواسط عام 1362 هـ. حيث واظب المترجم على إلقاء هذه الدروس ـ بين العشاءين ـ خمسة أيام من كل أسبوع: تبتدئ بالسبت وتنتهي مع الأربعاء، إتباعا للأيام الدراسية المتعارفة أنداك، وكان مجلس أقرائه عند البلاط الأول من جامع القرويين، بالكرسي يسرة الداخل من باب الجنائز.
وقد كان ـ أولا ـ يقرئ "سنن أبي داود"، وبعد أن قطع فيها شوطا مهما انتقل إلى صحيح الإمام البخاري" بدءا من أوله، واستمر فيه إلى أثناء كتاب الوضوء.
وخطته في تدريس هذه المادة، أن يبتدئ ـ بعد شرح ترجمة الباب ـ بتعريفات وجيزة ببعض الرواة وبالخصوص صحابي الحديث، ويخلل ذلك بمتطلبات قواعد المصطلح، منتزعا شواهدها ـ في الغالب ـ من ألفية السيوطي، ويرجحها لاستيعابها أكثر من ألفية العراقي في الاتجاه نفسه، وعند الاقتضاء يملي ما يؤثر عن صحابي السند أو بعض رواته من واقعة تاريخية، أو نكتة أدبية: شعرية و نثرية، مع إبراز ما يوجد بين بعض الصحابة من مفارقات أو قربى في النسب، أو ما يتوفر عليه بيت آحادهم من أعداد الصحابيين المعروفين، كواقع أنس بن مالك ونظرائه.
ولما يصل أستاذ الدرس إلى تحليل الحديث، يعزف عن استعراض اختلافات الشارحين في رواية المتن وإعرابه وتفسيره، وإنما يتخير ـ من بين ذلك ـ الاتجاه الذي يترجح لديه، فيوضحه فضل إيضاح، ويعززه بمقارنات حديثية، واستشهادات لغوية أو نحوية.
وهو يفيض في استخراج ما يشتمل عليه الحديث من نكثة أو نكث بلاغية أو بديعية، ويقارن ذلك ـ أحيانا ـ بإنشادات شعرية قد يطغى عليها الأدب الأندلسي: في أشعار قصيرة أو قصائد مطولة.
حتى إذا جاء دور مستنبطات الحديث يحلل طرائقها طبق قواعد أصول الفقه، وعند ذكر الفقه المقارن يبرز القاعدة الأصلية التي يستند لها كل فريق، ولما يرجع المستند إلى القياس ؟؟؟؟ المسلك التعليلي مع ما قد يعرض له من قادح أو قوادح، كما يدقق الموضوع بما قد يتطلبه من الإحالة على بعض القواعد المنطقية.
وإلى جانب اعتماده في أصول الفقه على "جمع الجوامع" للسبكي، يرجع ـ كثيرا ـ إلى كتاب "الموافقات" للشاطبي، وهو يستحضر مسائلها استحضارا، ويعرض قواعدها، ويحتذى حذوها في التعريف بأسرار التشريع الإسلامي، مضيفا لذلك ـ في الاتجاه ذاته ـ أفكار نفس المؤلف في المنشور من كتابه: "الاعتصام"، إل نظريات ابن القيم في "إعلام الموقعين".
هذا إلى أن أستاذ الدرس يوضح ـ عند الاقتضاء ـ شرح ما تومئ له بعض الأحاديث من قاعدة اجتماعية، ويقارن ذلك بأفكار المقدمة الخلدونية.
كما يقابل بين أحاديث أخرى، وما تلوح له من إشارات لواقع بعض المكتشفات الحديثة، ويفيض ـ في هذا الصدد ـ بالإحالات على المصادر المعاصرة عربية أو معربة.
وعند المناسبة كان يخلل هذه الدروس الحديثية بتفسير القرآن الكريم، فأقرأ ـ أياما ـ تفسير سورة النور، وفي فترة أخرى تفسير سورة الجن.
وهو ـ في هذه المراحل كلها ـ ينسق عرض الدرس من حفظه تنسيقا، ويؤديه ـ بصوته الجهوري ـ بأفصح تعبير وأوضح بيان، مع تمهل في إلقائه، وتؤدة في جلسته وحركاته، وتأنق في هندامه.
وفضلا عن نشاط المترجم في التدريس، كتب موضوعات متنوعة ولو أن أغلبها غير مطول، بيد
أنها ـ في  مجموعها ـ طبقة عالية في التحرير وسعة الإطلاع وحسن الترتيب، والمنهجية القويمة، ومما نشر منها ـ على حدة ـ حسب تاريخ نشره:
1- "المنتخبات العبقرية، لطلاب المدارس الثانوية"، فرع من تأليفه في ذي الحجة عام 1338 هـ "المطبعة الرسمية" بالرباط سنة 1920، في 227 ص عدي المحلقات.
2- "تحقيق الأمنية مما لاح لي من حديث أنا أمة أمية"، فرغ من تأليفه في شعبان عام 1343 هـ: "المطبعة الوطنية" بالرباط عام 351 هـ ـ 1932، في 88 ص عدى التقاريظ والفهرس.
3- "سوق المهر إلى قافية ابن عمرو" اسم شرح للأرجوزة القافية التي نظمها ـ في المديح النبوي ـ أديب الرباط محمد بن محمد التهامي محمد بن عمرو الأنصاري الأوسي ثم الأندلسي.
ومن محاسن الشرح أن صدره مؤلفه بمدخل مطول عن تاريخ مدينة الرباط، ونزول الجالية الأندلسية بها، مع الإلماع بروح الأدب الأندلسي الذي استمرت ملامحه محفوظة لدى مهاجرة الفردوس المفقود.
كتب معظمه عام 1336 هـ ، وبقيت منه بقية أتمها بعد ذلك، ثم نشر في المطبعة الاقتصادية بالرباط عام 357 هـ ـ 1938 م في 99 ص، عدى مقدمة الكتاب التي تشتمل على 60 ص.
ومن آثار المترجم رسائل صغرى نشرت ضمن أعداد من مجلة "دعوة الحق" حسب العناوين التالية:
4- "الفخر الرازي في عالم الفلسفة": السنة الأولى ع 12، ص  25 ـ 32.
5- "إعجاز القرآن" السنة الثانية ع 7، ص 19-25.
6-  "المولى إسماعيل العلوي": السنة الثالثة ع 2، ص 27-32.
7- "المدخل إلى كتاب الحيوان" للجاحظ: السن الثالثة تباعا في أربعة أعداد:
ع 5، ص 40-42.
ع 6، ص 64-67.
ع 7، ص 43-45.
ع 8، ص 20-23، ولما يتم نشره.
8- "العلوم في الحديث النبوي": السنة الحادية عشرة ع 9-10 "مزدوج" ص 10-14.
9- " مشاهد القيامة في الحديث": السنة الثانية عشرة ع 1، ص 32-34.
10- "الحركة السلفية الإسلامية بالمغرب ونزول الشيخ أبي شعيب الدكالي بالرباط": السنة الثانية عشرة ع 2، ص 38-40.
11- "تكوين الجنين في القرآن والحديث": السنة الثالثة عشرة ع 9-10 "مزدوج"، ص 14-15، ويسميه مؤلفه في طالعته: "سبك الذهب واللجين في سر افتقار التناسل إلى الزوجين".
12- "الحكم الشرعي بين مختلفي المذهب": السنة الرابعة عشرة ع 1-2 "مزدوج"، ص 22-25، والغالب أنه الذي يحمل اسم "الخمار المذهب في أحكام التعامل بين مختلفي المذهب".
13- "نجعة الرائد في ابتناء الحكم والفتوى على المقاصد والعوائد": السنة السادسة عشرة ع 2 ص 23-29.
14- ومن أوضاع المترجم المنشورة بغير هذه المجلة: "تقريظ موسع" لكتاب المؤرخ ابن زيدان الذي يحمل اسم " تبيين وجوه الاختلال..."، نشر المطبعة المهدية بتطوان عام 1365هـ ـ 1946 م.
وقد صيغ هذا التقريظ في شكل رسالة تعرض معلومات قيمة: فقهية وفلكية في موضوع ارتقاب الأهلة، وتعميم رؤيتها حيث لم تتباعد الأقطار كثيرا، مع لمحة بأعلام الرباط المتأخرين، وهو يقع ـ بين تقاريط الكتاب المشار له ـ من ص 149 إلى ص 178.
15- ومن آثار المترجم الخطية التي أشار لها في مؤلفاته المنشورة: تاريخ مدينة فاس، حسب مقدمة سوق المهر، ص كب، وهو الذي يحمل اسم "لسان القسطاس في تاريخ مدينة فاس".
16- فهرس أشياخه باسم: "الاتصال، بالرجال"، نفس المصدر ص نا، وقد وقفت على مبيضة قطعة منه لدى ابن المؤلف: العالم الأستاذ?  الباحث الحسن السائح، وأفدت منها في ذيل هذه الترجمة.
17- " رقة الصبابة. فيمن قتل قريبه الكافر أو هم به من الصحابة" حسب سوق المهر ص 61.
18- تاريخ الرباط بعنوان: "الغصن المهصور بمدينة المنصور"، حيث أشار له مؤلفه أواخر تقريظ الكتاب الزبداني ص 176.
وهذه ثلاث مخطوطات تحمل أرقاما خزائنية:
19- أئمد الجفن. في عدم إعادة الصلاة الناقصة التكبير بعد الدفن"، بالمكتبة الملكية رقم 6573، في 26 ص من الحجم المتوسط.
20- رحلة إلى فرنسا بعنوان: "أسبوع في باريز"، نفس المكتبة رقم 161، في 70 ص من الحجم المشار إليه.
21- "الشرف المروم. بأحاديث فتح مدينة الروم"، مصور على الشريط بالخزانة العامة رقم 227 في 10 لوحات. هذا إلى مجموعة أخرى: منها ما أخرجه المترجم، وبعضها لا يزال تحت التنقيح، وهذه لائحتها حسب ابن المؤلف المنوه به وشيكا.
22-تفسير السور الختامية من  القرآن الكريم"، ابتدأها من سورة النصر، وأدرج معها سورة الفاتحة.
23- المفهوم والمنطوق. مما ظهر من الغيوب التي أنبأ بها الصادق المصدوق"، صلى الله عليه وسلم.
24- "المصباح الأجوج. الكاشف عن سر ذي القرنين ويأجوج وماجوج".
25- "منهل الوارد، في تفضيل الوارد".
26- "رضاب العذراء. في سر إظهار إحداهما في آية شهادة النساء".
27- "الطلاق في كتاب الله".
28- "تنبيه ذوي الأحلام إلى صفة الحجاب في الإسلام".
29- "إشراق الحلك بتاريخ علم الفلك".
30- طريف الخبر. في رد مبادئ ديكارت إلى رأي من غير".
31- " القاف فيما روي في جبل قاف".
32-"معلومات العرب القدماء في الجغرافية وما إلى ذلك".
33- "التنبيه إلى أحكام التشبيه".
34- "الرحلة الحجازية".
وإلى هنا ينتهي عرض ما توصلت إلى معرفته من أوضاع المترجم المنشورة والمخطوطة، وسيأتي ـ بعدهاـ تذييل الترجمة بالتعريف بأسرة صاحبها وشيوخه، أخذا من خط المؤلف في مبيضة الموجود من فهرسه: "الاختصال بالرجال"، حسب النص التالي:
" ...وأما والدي فهو عبد السلام بن عبد  الرحمان بن محمد السائح، ينتسب إلى الجزيرة الخضراء من الأندلس وكانت أسرتنا تعرف ـ قديما ـ " بآل العماني"، وبهذا النسب يذكر أسلافنا في رسومهم القديمة، وقد ذكرهم مؤرخ الرباط السيد بوجندار في العائلات الأندلسية حسبما بص 194 من "مقدمة الفتح".
ويوجد من العمانيين ـ أيضا ـ فريق بفاس، يدعون "أولاد العماني المهندز" لاشتغال جدهم بالهندسة، وأصلهم من تلمسان هاجروا منه إلى فاس عند احتلاله، وتلمسان مهاجر الأندلسيين كما تعلمون.
وهجرة أجدادنا إلى هذه العدوة لا أعرف تاريخها بالتحقيق، إنما الملتقى من أسرتنا أنهم وفدوا على المغرب مشتغلين بالعمارة الفنية، وصنع السفن القرصانية.
وسبب تلقيب جدنا بالسائح، أنه انخرط في العسكرية التركية بالجزائر أيام حكم الأتراك، وسافر منها إلى إسلامبول وغبر ذكره دهرا، وما آب يتلمس أهله ومنزله إلا بعد كبر سن.
ونشأت في حجر والدي ـ رحمة الله عليه ـ بالرباط، فبذل جهده في تعليمي القرآن، وبعد ما أخذته على عدة من أساتذة وقتي، أذكر منهم الفقيه العدل السيد عبد السلام بن محمد كيليطو الأندلسي  والفقيه السيد المهدي بم محمد الصحراوي نزيل الرباط وأصله من الصحراء، وقضى حياته في تعليم كتاب الله.
بعدما حذقت القرآن عكفت على أخذ العلم بهمة لا يحوم حولها الونى: فأخذت عن الشيخ المفضال: السيد محمد بن أحمد العياشي: النحو والفقه والتوحيد، وهو أول من فتق لساني، وهذا الرجل فاضل دمث الأخلاق عالي الهمة.
وعن الشيخ المدقق السيد التهامي بن المعطي الغربي، من بيت الغربي الشهير ـ في الرباط ـ بالعلم والقضاء، أخذت عنه العربية والصرف، وهو عمدتي فيهما، وهذا الشيخ متين العلم، متمكن من الفنون الأدبية، غواص على الدقائق، حسن التعبير عن المعاني، شاعر مقل مجيد، استقضى بأحواز الرباط.
وعن العلامة المشارك القاضي: أبي زيد عبد الرحمان بن ناصر بريطل، من آل بريطل: البيت الشهير بالرباط، من تلامذة شيخ الشيوخ أي إسحاق التادلي، ووارث مشاركته، ومن أهل التحصيل والتفنن والعلم الصحيح، أخذت عنه المنطق بالبناني في سنتين، والأصول والفقه والفرائض والحساب والتوقيت، قلد منصب القضاء بالعرائش، والجديدة والقنيطرة، والمداكرة وأولاد حريز، وأحواز مكناسة الزيتون، توفي يوم الاثنين خامس صفر من عام 63، وأقبر بالزاوية الوزانية قبالة ضريح مولاي المكي.
وعن الفهامة المدقق: أبي عبد الله محمد بن عبد السلام الرندي الأندلسي، من ذوي المشاركة والتحصيل، وعلمه متمكن أمكن، متقن للغة مجرد، جيد التعليم، ويبرز المعقول في قالب المحسوس وله ملكة في ذلك واقتدار، أخذ عن أبي إسحاق التادلي، وعن إبراهيم والبطاوري الآتي ذكرهما، عن العلامة الحاج محمد عاشور الأندلسي، أخذت عنه الفقه، والمنطق والتوقيت والحساب، وهو عمدتي في الفقه، تولى العضوية بمجلس الاستيناف الأعلى والقضاء بالرباط، ثم وزارة العدلية، وتوفي في ثاني عشر ربيع النبوي من عام 1365، وأٌقبر بشالة.
وعن الفقيه المفتي، السيد الجيلاني بن إبراهيم وهو عالم ريان من علم الفقه والأحكام والنوازل، وله استحضار تام للفقه وتحصيل فائق، أخذت عنه طرفا من الشيخ خليل وتحفة ابن عاصم، وتوفي يوم الخميس ثاني جمادى الأولى من عام ستة وثلاثين ودفن ـ بعد الصلاة عليه بالمسجد الأعظم ـ بضريح سيدي أبي الأنوار متصلا بقبره جوفا.
وعن الشيخ الهمام، أبي العباس أحمد بن قاسم جسوس، أخذت عنه البلاغة وأصول الحديث، وكان حسن الخط والإنشاء، له شعر فائق وإنشاء رائق يذكرنا بنفس ابن الخطيب، إلى همة عالية، وإباء وشمم، وتوفي عام واحد وثلاثين وثلاثمائة وألف. وأٌقبر بالزاوية الناصرية.
وعن الفقيه الفرضي أبي العباس أحمد بن القاضي العدل سيدي محمد بن إبراهيم، أخذت عنه الفرائض وفقه القضاء، وكان ممتازا في فن الفرائض وله فيه كتابات: منها كتابة في "أحكام الخنثى المشكل" وأخرى في "المسألة الأكدرية".
وعن الإمام الناسك، الفقيه المتجر، أبي العباس أحمد بن إبراهيم الجريري السلوي عرف بابن الفقيه، أخذت عنه البلاغة، والجغرافيا بطريق بث المسائل ومدارستها بمنزله، ومن الغريب معرفته بهذا الفن على بعد وسطه عنه إذ ذاك، وبه تدربت على الإفتاء، وأصل هذا الفاضل ـ حسبما تلقيت منه ـ من أولاد برهون "بقصر تغصا" وأنه شريف النسب من العمرانيين، ونسب ذلك لابن رحمون في كتاب له في الأنساب، وكان ـ روح الله روحه ـ متمكنا من الفقه وقواعده، ومن علوم المعقول، متقنا حق الإتقان، وامتازـ في عصره ـ بالتجافي عن الدنيا وزهرتها، وحلاه بعض أهل عصرنا "بعتقاء مغرب. في هذا المغرب" قعد للإفتاء سنين عديدة عرف فيها بالصدع بالحق، وكان يستغرق في فتواه الأيام من غير أن يتقاضى على ذلك أجرة زهادة وورعاء، كنت أتردد إليه بمنزله بسلا، فأرى عالما عارفا بالدنيا، متقشفا في ملبسه ومأكله، ما نال من الدنيا ولا نالت منه، وبقي ـ كذلك ـ حتى لقي الله، فهنيئا له.
ومن الشيوخ الذين أخذت عنهم: الشيخ المقرئ الرياضي، المهدي بن عبد السلام متجنوش الأندلسي ثم الجزائري ثم الرباطي، هذا الرجل من الأفراد الأفذاذ الذين لا يجود بهم الدهر إلا غبا، فمع مشاركته في العلوم، امتاز بالتمهر في علوم القراءة  والحساب والفلك، وله التصانيف الوافرة والمنظومات العديدة في الأغراض المتنوعة، فمنها "شرح منظومة ابن الياسمين في الجبر والمقابلة"، أراه في جزئين، و"نتيجة الأطواد. في استخراج الأبعاد بالأعداد" في علم المساحة و "الألوك. إلى تحفة الملوك" في علم التوقيت و" شرح فرائض خليل" في مجلد ضخم استخرج فيه العمليات الحسابية بطريق الأعمال الأربعة، أخذت عنه التوقيت والحساب، انتقل إلى دار الكرامة ليلة الخامس عشر من ربيع الأول عام 1344، ودفن بروضة الولي الصالح سيدي الحسن بن سعيد إفران بالرباط، تغمده الله برحمته.
ومنهم الطود الراسخ، أبو شعيب بن عبد الرحمن الدكالي، أصله من دكالة: القبيل المشتهر بالمغرب، ومن الغربية منهم، وهم النازلون حول مدينة أزلية لم تبق منها إلا إطلالة دراسة نعرف بالغربية، وتدعى ـأيضا ـ مشتراية بالشين والمثناة والراء ، كذا تلقيته من بعض ثقات دكالة، وضبطه ـ بالقلم ـ صاحب "سلسلة الذهب المنقود " وتبعه في "سلوة الأنفاس" ـ بالنون والزاي، وأرى أن الصواب الأول ومنها أولاد ابن إبراهيم المشهورون بفاس.
هذا الفاضل ـ بعدما أخذ القرآن بالسبع وحفظ مختصر خليل وتوضيح ابن هشام وغيرهما من الفنون ببلده ـ رحل إلى المشرق ودخل الأزهر وتخرج في الحديث، ثم ألقى عصاه بأم القرى أيام الشريف "عون" أمير مكة، وكانت له عنده حظوة، وبعد وفاته آب إلى المغرب أيام المولى عبد الحفيظ العلوي، فأكرم وفادته واستقضاه بمراكش، ثم أسندت إليه وزارة العدلية والمعارف والاستيناف، ثم فصل عنه الاستيناف، ثم استعفى وتبوأ الرباط، ورأى أن السكنى به أسلم عاقبة لمن كان بمنصب عال يحسد عليه، خطى إلى قبيلة زعير جارة الرباط فاقتنى فيها ضياعا نافعة، وفلاحة واسعة، وتجارة رابحة.
وقد هيأت له الأقدار درس كتب جليلة قل أن يدرسها غيره في هذا العصر كالكتب الستة، والشفا، وتفسير ذي الجلالين، والنسفي، وحرز الأماني للشاطبي، ومختصر خليل، وتلخيص المفتاح، وأساس البلاغة، وأمالي القالي، وألفية ابن مالك بالأشموني، وغيرها.
لازمته سنين عديدة تلقيت عليه فيها علوما جمة بل بحارا زاخرة: من علوم الحديث والتفسير وغيرها وسمعت عليه ـ يوم عاشوراء ـ الحديث المسلسل بعاشوراء.
توفي ـ رحمه الله ـ بثامن جمادى 1 عام 37 وأٌقبر بضريح المولى المكي بن محمد.
ومنهم شيخ الشيوخ أبو حامد المكي بن محمد بن علي عرف بالبطاوري الشرشالي، أصلهم من شرشال عمالة الجزائر، من ذرية أبي مهدي عيسى الغبريني التونسي: الفقيه المشهور.
هو أجل علماء الرباط قدرا، وأنبههم ذكرا، جلس للتدريس السنين العديدة، ودرس الفنون المختلفة، وانتفع به الخلق الكثير من أهل الرباط وغيرهم، لما خصه الله به من حسن البيان، واندلاق اللسان، وعبارة حلوة تلج القلوب بلا استيذان، وعلوم تنهار كالأنهار، حضرت عليه بعض دروسه لرسالة ابن أبي زيد، ولبردة المديح ـ في أيام المولد النبوي ـ بشرحه: نسيم الوردة. من تسنيم البردة"، فكان يملي على البيت الواحد ـ من علوم السير والبلاغة وغيرهاـ ما يدهش ويخرس، وكان له مجلس حافل.
ولما قلد القضاء بالرباط وشغلته شواغله انصدعت تلك الجموع، وخلت تلك المعاهد وأقوت تلك الربوع، وحاص تلاميذه في كل صوب يتلمسون من يسد تلك الثلمة، ويبل تلك الغلة، وهيهات.
ـ إن الزمان بمثله لبخيل ـ
فعافر القضاء عدة سنوات، ولما قضت عليه أحوال الوقت بالتخلي، أرز إلى بيته، وانحاش إلى وكره، واعتزل الناس وما اعتزلوه، فكان يتوارد عليه الفضلاء من كل صوب، وأصبح بيته منتدى أدبيا يعشو إليه كل وارد، ويساق إليه كل طارف وتالد، لما امتاز به من العلم الجم، والفضل الوافر، وابتسام الثغر، وانشراح الصدر، والتواضع الحقيقي، وخفة الروح، ودفة النكتة، قد انتشى برقة الأدب واضطلع به، فكان يجري منه مجرى النفس، إذا تكلم كانت كلماته كخرزات نظمن، وإذا سكت علاه من الأبهة والوقار ما هو جدير به وله أهل ، وقد خص ترجته صفينا ورفيقنا في الطلب، الأديب المؤرخ السيد محمد بوجندار، بتصنيف وسماه: "أزهار الخمائل المسكية، بأخبار الشمائل المكية".
وأما تصانيفه وكتابته وأدبياته وأشعاره ومساجلاته فحدث عن البحر ولا حرج, فمن تصانيفه شرح قافية ابن الونان. سماه: "اقتطاف زهرات الأقنان. من دوحة قافية ابن الونان"، وشرح مقصورة المكودي في المديح النبوي، سماه: "أزهار الأغصان المهصورة. من رياض أفنان المقصورة"، وحاشية على شرح الجمل لهمزية البوصيري، و"معراج الراقي. إلى ألفية العراقي"، في مصطلح الحديث، وشرح الكعبية. وبردة المديح. ولامية العرب للشنفري. ولامية العجم للطغراني، وشرح على التوشيح الشهير:
أنت بما قد سقيت شارب    من راتق كان أو كدر
وشرح على نظم العطار في النحو، في أسلوب عجيب يرقص ويطرب ، إلى غير ذلك من تآليفه التي تنيف على الستين.
وفي هذه الأيام أقعد ووهن منه العظم وحل به الوهى، فأصبح لا حراك به، ففنيت تلك العبارات وذهبت تلك الإشارات، والقوة لذي القوة المتين، وبعد كتبي لهذا رأيت ـ وأنا بشراقة ـ كان الشيخ في محفل بأحسن زي وهو في صدوره، فانقدح في خاطري أنه التحق بربه، فلما خرجت ـ صباحا ـ لم يرعني إلا نبأ وفاته، وكانت يوم الأربعاء فاتح محرم خمس وخمسين، وأٌقبر بضريح مولاي المكي ابن محمد الوزاني، فرحمه الله رحمة واسعة.
وممن رثاه الأديب الألمعي. السيد العباس الشرفي بقصيدة فائقة منها
بكته السما والأرض والمجد والعلا     بكته نجوم الليل تسبح في الفلك
   بكته المعالي والمنابر حيث لــم      تجد واعظا يهتم بالفعل والتـرك
منها:
فلا تعذلوا عبد اللطيف وقد مضى       ببابه لما شاهد العلم في هلك
يعني الحاج عبد اللطيف الحافي من خبرة أهل الرباط، جاء للعزاء فيه، فكان من قدر الله أن مات ـ فجأة ـ بباب داره، ومنها وقد أجاد تمثيل درسه وإملائه:
رياسته في الدين عز نظيرها            يمثل في تدريسه نخوة الملك
تراه كموج البحر يدفع بعضه          اندفاع هزبر هب بزار للفتك
ومنها:
عليه سلام الله حيا وميتا                 وفي جنة المأوى وفي تربة المكى
وإلى هنا ينتهي الموجود من فهرس "الاتصال بالرجال"، وقد خلت هذه القطعة من ذكر المجيزين للمترجم، وقد عرفنا اثنين منهم حيث ورد الإلماع بهما صدر هذه الدراسة حسب تسلسل وفاتيهما:
قاض الرباط أبو العباس أحمد بن محمد بناني الذي يحيله صاحب الترجمة بمقيدنا ومجيزنا في طالعة رسالة "اثمد الجفن" سابقة الذكر عند رقم 19.
أما المجيز الثاني، فهو أبو العباس أحمد بن محمد ابن الخياط شيخ المجلس العلمي بفاس، وقد كان مترجمنا بنوه بإجازته له في بعض مذاكراته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here