islamaumaroc

على طريق السنة النبوية الأسباب التي دعت إلى علم الجرح والتعديل

  دعوة الحق

167 العدد


بعد نزول القرآن الكريم كان هناك تغيير كامل في حياة الأمة العربية، وتأثير كبير على سير الفكر العالمي كله، فحدث نزول القرآن الكريم بما تضمنه من منهج رباني البشرية، وما حواه كتاب الله تعالى من المفاهيم المتجددة التي لا تمحوها يد الحدثان شيء يدعو إلى التأمل مليا.
ولقد كان هذا الكتاب، وشرحه من قبل النبي صلى الله عليه وسلم –السنة- سببا مباشرا لنمو عدد –إن لم نقل كل- !! من العلوم عند الأمة العربية الأمية، كما أنه بعد نزوله أصبحت كل العلوم تسير لحماية أصلي الإسلام القرآن والسنة المطهرة، والحفاظ عليها، وكانت جميع هذه العلوم من إلهامهما وسائقهما الذي فتح أمام العرب وغيرهم آفاق المعرفة، بمنهج سليم، وتثبت واع.
ومن هذه العلوم التي نشأت دون سابق وجود عند العرب، ولا عند غيرهم، ما ندعوه "بعلم الجرح والتعديل(1)" الذي يعنى بتحقيق الذي بتحقيق الرواية والخبر، وهو منهج لا يفقد جدة، ولا تنقص قيمته طالما روى الناس الأخبار وتناقلوا الأحاديث بعضهم عن بعض، وهو منهج فريد، لم يلج بابه غير المسلمين، مع تكامله من جميع جوانبه شامخ الأركان، ثابت الأصول والبنيان، وقد استفاد منه كثير من غير المسلمين في ميدان التاريخ وغيره. وفي هذا البحث سأتناول الأسباب التي أدت إلى ظهوره لنعرف من هذه الأسباب كيف حفظ سلفنا قرآننا الكريم، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم ما هي حدود استفادتنا منه الآن في مسيرتنا العلمية الحديثة؟
على أنني قبل ذلك أقول: إن القرآن الكريم بما تعهده الله سبحانه وتعالى من الحفظ والرعاية [إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون] ندر فيه القيل والقال، في حين أنه كثر ذلك في السنة، وهذا أكبر شاهد على التفرقة بين كلام المخلوق والخالق.
لقد تعددت الأسباب التي أدت إلى ظهور علم الجرح والتعديل كعلم له أركانه ومقوماته، وكان المقصود والهدف من هذا العلم هو صيانة أصول الشريعة الإسلامية وما يتصل بهما.
وقد تكلم الصحابة رضوان الله عليهم في أخاء وقع فيها بعض منهم، إما عن سهو أو عن نسيان، أو عن عدم وصول العلم إليهم كما في حديث [إنما الماء من الماء] فقالت عائشة رضي الله عنها: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، أو عن طأ في الإجتهاد.
وفي أحيان كثيرة نجد أن الذي يخطئ غيره هو الذي يقع في الخطأ(2).
وقد كان الخطأ في جيل الصحابة رضوان الله عليهم نادرا نظرا لسيلان أذهانهم وقوة حافظتهم، وأحلامهم ومع ذلك فلم يسكتوا عن هفوات نادرة صدر.
أما غير الصحابة فيمكن تقسيم الأسباب التي أدت إلى ظهور الجرح والتعديل إلى قسمين رئيسيين.
صيانة الرواية من الوهم والنسيان، والعوارض البشرية.
صيانة الرواية من التنديد والوضع والإفتئات.
أما القسم الأول فالعصمة من الخطأ ليست لأحد، ولكنها كما قدمت كانت في الرعيل الأول نادرة، وهي كذلك في عهد كبار التابعين، ولما انتشرت راية الإسلام في شرق الأرض  وغربها، ودخل في الإسلام أمم غير عربية ازداد اللحن والغلط، وذلك من نواح متعد:
ففي عصر أوساط التابعين –أوائل القرن الثاني الهجري –ود جماعة من الرواة يرفعون الموقوف والمرسل ومنهم من كثر خطؤه، وجعل كلام الحسن عن انس، من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وما أشبه هذا، ومن هؤلاء أبو هارون العبدي، وأبان بن أبي عياش، ويزيد الرقاثي.
ومنهم جماعة اختلطوا في آخر أعمارهم حتى لم يكونوا يعقلون ما يحدثون، فأجابوا فيما سئلوا وحدثوا كما شاءوا فاختلط حديثهم السليم بالسقيم، مثل ذلك ما أخرجه ابن حبان بسنده قال: سألت عيسى بن يونس عن يونس عن ليث بن أبي سليم، فقال:رأيته وقد اختلط وربما مررت به ارتفاع النهار، وهو على المنارة يؤذن"(3)
ح- ومنهم من كتب الحديث ورحل فيه إلا أن كتبه قد ذهبت فلما احتيج إليه كان يحدث من كتب الناس من غير أن يحفظها، أو يكون له بها سماع، فيقع في خطأ، ويخالف قواعد المحدثين، ومن هؤلاء عبداته بن طبيعة.
د- ومنهم من امتحن بابن سوء، أو وراق سوء، أو جار زائغ، كانوا يضعون له الأحاديث، وقد أمن المحدث جانبهم، فكانوا يقرؤون عليه، ويقولون: هذا من حديثك فيحث به الشيخ، فالشيخ في نفسه ثقة إلا أنه جانب الصواب في حديثه.
هـ-ومنهم من يسبق لسانه بالغلط، فيكتب عنه تلاميذ ذلك ويسري بينهم ...الخ.
و هذه الأمور ما كانت لتمر على جهابذة العلماء الذين قيضهم الله عز وجل لهذا الدين فكانوا ينتقون الروايات ويبينون منها الصحيح والسليم من المعلول والسقيم.
وأما القسم الثاني: والذي يرجع إلى العدالة في الرواية والنقل، فقد انتشرت حركة الوضع والاختلاف في الحديث والتاريخ، وسقطت عدالة كثيرين ممن انتسبوا إلى العلم، وكان الوضاعون مختلفي المقاصد والأغراض، وأهم الدوافع لهم ما يلي:
1- الفتن السياسية: ففي النصف الثاني من خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه حدث الشقاق، وبدأ ظهور الأحزاب السياسية، وانقسم الناس في ذلك، وأول من أثر عنه الوضع في هذا هو ابن عديس!!، فقد حكى أبو ثور الفهمي قال: قدمت على عثمان، فصعد ابن عديس المنبر، وقال: ألا إن عبد الله بن مسعود حدثني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إلا عن عثمان أضل من عبيدة على بعلها..!! فأخبرت عثمان فقال: كذب عدو الله بن عديس، ما سمعها من ابن مسعود من رسول الله صلى الله عليه وسلم قط(4).
ويزداد الوضع والاختلاق مع ازدياد الفتن السياسية، فكانت العثمانية يضعون الأحاديث التي تثبت أن عثمان قد قتل مظلوما، وأنه شهيد، ثم ظهرت الشيعة الذين أعلنوا الولاء لعلي، وغالى بعضهم، فألهه كما فعل ابن سبأ في حياة سيدنا علي كرم الله وجهه، ووصفوا الأحاديث الكثيرة التي تزري بمكانة الشيخين، أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وفي الأحاديث الصحيحة الثابتة عني الشيخين ولعلي رضي الله عنهم جميعا في رفع شأنهم والتنويه بفضلهم.
و  تبرز الأموية في عالم السياسة، ويقع الصدام بين الأموية والشيعة، فيضع الشيعة الأحاديث في ثلب معاوية ويزيد، وبني أمية عموما، ويرد عليهم ضعاف الإيمان من أنصار بني أمية.
ومن نظرة في كتب الموضوعات والجرح والتعديل يظهر لنا أن العراق كانت أهم مسرح لحركة  الوضع هذه، وخاصة الكوفة، بحكم كونها عاصمة سيدنا علي رضي الله عنه والشيعة، وبقيت حاملة لولاء المعارضة طوال الحكم الأموي. كما أن÷ نبت في أرض العراق كثير من الأدعياء [الذين ادعوا النبوة] أمثال المختار الثقفي..
وهذا الرواج الكثير في وضع الحديث جعل على الجرح والتعديل يقفون من حديث أهل العراق موقفا كله التبصر والحذر، والنقد الشديد، حتى أنهم كانوا يسمونها دار الضرب. ذكر عبد الرحمن بن مهدي أن ما سمعه بالمدينة المنورة من الحديث خلال أربعين يوما يسمعه في يوم واحد في العراق، فأجابه مالك رحمه الله: من أين لنا دار الضرب التي عندكم؟! تضربون بالليل وتنفقون بالنهار(5).
ب- الخلافات الكلامية، والبدع: ومما ساعد على كثرة الإفتئات على النبي صلى الله عليه وسلم والتاريخ ما ظهر كذلك في أوساط عصر التابعين من الفرق الكلامية المتعددة، كالقدرية، والمرجئة، والجهمية، وكل واحدة تنصر لرأيها، وتختلق الأحاديث التي تؤيد تؤيدها في ذلك لأن المسلمين يتلقون الشريعة من النبي صلى الله عليه وسلم، ووقف آخرون يكفرونهم، ويضعون الأحاديث في ذلك ليجعلوهم في أعين الناس خارجين عن الملة، وكمثال على هذا ما وضع حول مسألة زيادة الإيمان ونقصانه أحاديث ليست بالقليلة. وكذلك المجسمة والمعطلة، والقائلون بخلق القرآن، والذين بحثوا في الصفات الإلهية ظنا منهم أن الطريق إلى آرائهم الفاسدة سهل، وذلك بضرب الأحاديث، واختلاقها!!
ح- الزنادقة(6): وهم قوم يتسترون بالإسلام، ويضمرون له ولأهله العداء، وكانوا كما قال ابن عراق الكناني: هم السابقون إلى الوضع والهاجمون عليه، يحاولون بذلك تشويه السنة النبوية، وانتقاصها، والحط من قيمتها في نفوس المسلمين، وكانوا يدخلون المدن، ويتشبهون بأهل العلم، ويضعون الحديث على العلماء ويروون عنهم ليوقعوا الشك والريب في قلوبهم(7).
ومن هؤلاء: عبد الكريم بن أبي العوجاء، ومحمد ابن سعيد الشامي المصلوب، والحارث الكذاب الذي ادعى النبوة في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان، وسكن عاصمة الخلافة آنئذ دمشق، ثم قتله عبد الملك صلبا.
د ـ القصاص والشحاذون : الذين كانوا يستميلون وجوه العامة إليهم، ويستدرون ما عندهم بالمناكير والغرائب، والأكاذيب والقصص المفتعلة، وقلوب العامة تميل إلى الذين يغربون ويرققون القلوب، فيلجؤون إلى التهويل في صفة جهنم والعذاب، أو الجنة والثواب وجزاء الأعمال مما يسيل دموع الجهلة ويجعلهم يتواجدون في حلقة القاص، ولعل كثيرا ممن ينتسبون إلى العلم الشرعي في أيامنا وهم جهلة هذا سبيلهم.
هـ ـ الزهاد والصالحون : وقد حملهم تدينهم الناشئ من الجهل إلى وضع أحاديث في الترغيب والترهيب ليحثوا الناس بزعمهم على الخير وليزجروهم عن الشر ـ فالزهد والصلاح إذا لم يكن عن علم ومعرفة فهو مصيبة وأية مصيبة ـ!! وجوز الوضع
 في الترغيب والترهيب الكرامية(8) وكذا بعض المتصوفة الذين قالوا : نحن نكذب له، وليس عليه وقد اشتهر من هؤلاء غلام خليل الذي كان زاهدا في الحياة، حتى أن مدينة السلام أغلقت أبوابها حين موته، ودفن بالبصرة وأقيمت عليه قبة، وقد وضع كثيرا من الأحاديث في الرقائق، فلما سئل عنها قال: أضفناها لنرقق قلوب العامة، يقول أبو داوود السجستاني: عرض على من حديثه فنظرت في أربعمائة حديث أسانيدها ومتونها كلها كذب(9) ومن أمثاله ميسرة بن عبد ربه، ونوح الجامع، أبو عصمة بن أبي مريم، الذي قيل فيه: أنه جمع كل شيء إلا الصدق. ولعل مما يلحق بهم في أيامنا من يريدون الصاف ما يظنونه محاسن بالإسلام ويلتمسون له الأدلة فأن لم يجدوا اختلقوا له عن حب في الإسلام وحسن نية.
و- قوم حملهم الشره، وحب الظهور على الوضع والكذب على الله ورسوله، فكانوا يجعلون للمتون الواهية الضعيفة أسانيد صحيحة مشهورة، وبعضهم يركب للحديث إسنادا ليقرب ويطلب.
قال أبو عبد الله الحاكم: ومن هؤلاء اليسع بن أبي حية كان يحدث عن جعفر الصادق وهشام بن عروة، فيركب حديث هذا على حديث ذاك، ومنهم أحرم بن حوشب، وحماد بن عمر والنصيبي، وبهلول بن عبيد.
ز- قوم حملهم التزلق و التملق ليحظوا عند ذوي الجاه، وينالوا من دنياهم، ببيعهم دينهم وأخرتهم ومن هؤلاء أبو البختري وأمثاله، قدم هارون الرشيد المدينة المنورة، وأعظم أن يرتقي منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه قباء ومنطقة، فتطوع أبو البختري بذكر حديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبسها، وكان الإمام يحي بن معين موجودا، ففضحه على رؤوس الأشهاد.
ح- العصبية والشعوبية: وقد لعبت العصبية و الشعوبية دورا بارزا في التنديد على النبي صلى الله عليه وسلم وتشويه حقائق التاريخ وتزييف كثير من الأدب والشعر، وكانت العصبية، إما للقبيلة، أو الجنس، أو المدينة والقطر، أو للمذهب والنحلة. ومما اختلق نتيجة لتعصب الجنس: دعوني من السودان، إنما الأسود لبطنه وفرجه.
ومن أمثلة العصبية للمدينة والإقليم ما ورد في فضل جدة، وعسقلان، وقزوين، والأردن وخرسان و... ومن نظر في كتب تاريخ المدن وجغرافيتها ككتاب الأغلاق النفيسة لابن رسته، والبلدان لابن الفقيه الهمداني(10)، وغيرها يجد كثيرا من هذا الذي لا يعبأ به. وأما العصبية للنحلة، فأتباع محمد بن كرام مثلا قد وضعوا أحاديث في فضله، وهو مهوس به الماليخوليا، وأتباع أبي حنيفة وضعوا أحاديث في فضل أبي حنيفة وذم الشافعي، ومن افحش هذه الأحاديث التي وضعت: يكون الرجل في أمتي اسمه النعمان ، وكنيته أبو حنيفة، هو سراج أمتي، وسيكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس، فتنته على امي أحر من إبليس(11).
هذه هي أهم العوامل والأسباب التي في حد ذاتها شر، ولكنها أدت إلى ظهور هذا العلم العظيم النافع، إذ هبت كتائب العلماء الأعلام المخلصين لمواجهة هؤلاء الزائفين فقعدوا القواعد، ووضعوا الضوابط التي سنعرض لها في بحث مقبل بإذن الله سبحانه وتعالى.

1 -الجرح ظهور وصف في الراوي أو ناقل الخبر يثلم عدالته، أو يخل بحفظه وضبطه، وما يترتب عليه من رد شهادته أو خبره أو يتوقف فيه، والتجريح: هو إثبات وصف من الأوصاف الجارحة. والتعديل إثبات صفات العدالة في الراوي أو ناقل الخبر [والعدالة هي التزام ما تقتضيه الفطرة السليمة في غالب الأحوال مع الحفظ والضبط ] .
2 - انظر أمثلة كثيرة على هذا في كتاب [الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة]، للزركشي
3 - انظر ابن حبان: المجروحين من المحدثين 1/63
4 - انظر ابن الجعفري: الموضوعات 1/335
5 - انظر الذهبي، المنتقى من منهاج الاعتدال ص88، وأكرم العمري في بحوث في تاريخ السنة ص23.
6 - قال في القاموس، الزنديق من التنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان أو هو معرب زين دين، أب دين الرأة.
7 - انظر ابن حبان، المجروحين من المحديثين.1.
8 - أتباع محمد بن كرام.
9 - انظر الخطيب، تاريخ بغداد 5/71.

10 - انظر: أكرم ضياء العمري، بحوث في تاريخ السنة ص:
11 - انظر ابن الجوزي، الموضوعات 2/48-49

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here