islamaumaroc

عصر ابن الخطيب

  دعوة الحق

167 العدد

عاصر ابن الخطيب نهاية الحروب الصليبية وما حملت لعالم الإسلام من نكبات وصدمات، فقد كانت انتصارا عسكريا للمسلمين، ولكنها كانت بداية انهيار لحضارتهم، ومنحدرا لدولتهم، حتى إذا أحس المسلمون أنهم خلصوا من شرها اذ بالهجوم التتاري يوالي تدميره للمدماك الذي أقامه المسلمون بفلول قواتهم لصد العدوان الجديد،  ورغم تضافر عوامل تصفية الإسلام في الشرق والغرب فإن عظمة الإسلام تجلت من جديد(أولا) لتعطي إلى أوروبا مفاهيم إنسانية جديدة شككت الفكر الحر في تعاليم الكنيسة المنحرفة و(ثانيا) في إسلام التتار الذين خرجوا من جوف البلاد الإسلامية ليحملوا رسالة الإسلام إلى أنحاء آسيا.. وبذلك ظهرت في الغرب نهضة جديدة بشرت بعهد التنوير، كما وصل الإسلام إلى أقصى الشرق... وكانت نتيجة جهود كفاح الإسلام في جمع رصيد الثروة المادية و الذهبية المكدسة ليجعل منها العصب المادي لبناء النهضة الإسلامية غنيمة سائغة سرقها الغرب الصليبي لبناء اقتصاد مستفيدا من كفاح الإسلام لتجميع هذه الثروة، ومن كفاحه لصد الغزو التتاري... وبذلك أتيح لأوربا أن تدخل العصر الصناعي، أما العالم الإسلامي فقد كان كالأم الرؤوم التي أعطت عصارة دمها حلبا لأوربا ولقنتها خلاصة علمها وتجربتها، ولكن أوربا لم تلبث أن أصبحت عاقة تجازي عن الخير شرا، وعن المحبة عقوقا... وكان عصر التفاعيل الحضاري والصراع الثقافي هو القرن الثامن الهجري الذي عاش ابن الخطيب أحداثه بل شيئا منها يكثر من الثقة أولا، ثم يكثر من الحذر ثانيا، وأخيرا يكثر من الشكك والقلق...
ولعل القرن الثامن الذي شاهد انهيار الخلافة الإسلامية ودخول العالم الإسلامي مرحلة اللامركزية وتعدد الدول المتنازعة واضطراب الدويلات وتنافسها شاهد في نفس الوقت قوة الثقافة الإسلامية وترابط علوم المسلمين بسبب الوحدة الثقافية والحضارية التي كانت أشبه بالثقافة الهلينية بعد انهيار الإمبراطورية المقدونية وهكذا فإن العلماء والكتاب تعالوا عن الارتباط بالوطن والإقليم لأنهم أصبحوا يتجاوزون الأوطان والأقاليم إلى الدفاع عن حوزة العالم الإسلامي في كل جهة من جهاته، كما يقاتل الجندي وراء مدامك الرمال ويتخلى عنها إلى الصف الثاني إذا وهي الصف الأول،ولهذا فإن من العسير أن تضع ابن الخطيب أو ابن خلدون أو الحضرمي في وطن من الأوطان الإسلامية دون أن نشعر بشيء من الحرج تنبه إليه كثير من المترجمين والمؤرخين القدماء الذين إذا تحدثوا عن علم من أعلام هذه الحقبة قالوا عنه هو من مدينة كذا مولدا... ومدينة كذا نشأة.. ومدينة كذا وجارا...
وهكذا ينسبونه إلى كل مدينة أثر فيها وتأثر بها ولادة ونشأة ودراسة ووظيفة وسكنا وموتا...
وابن الخطيب ولد بالأندلس ونشأ بها واكتتب بغرناطة للنصرين، ولكنه انتقل إلى المغرب وتجول فيه وكتب عنه كثيرا وخدم بني مرين ساء في الأندلس أو في المغرب، وكتب في المغرب بعض مؤلفاته، وجعله مكانا لإقامته ثانيا، وتوفي فيه.... واهتم المغاربة كذلك بإنتاجه وكتبه فاحتفظوا له بتراثه وتناقلوه بينهم من الشفقة والحدب عليه باعتباره أمانة في عنقهم.
وقد أحب ابن الخطيب المغرب وكتب عن مدنه وقراه، وترجم لأعلامه وراسل كثيرا من كتابه ومفكريه ووصف في شعره أرضه وسماءه فامتزجت عاطفته بحب المغرب وخدمته باعتباره حصنا للإسلام والمسلمين.. ولولا المغاربة لضاع كثير من آثار ابن الخطيب، ولولا المقري لما عرف العالم الإسلامي منذ عصر المقري إلى اليوم عبقرية مؤلف الإحاطة....
ولعل القرن الثامن الهجري كان عصر امتزاج المغرب والأندلس، بل اندماجهما في حلف مقدس لمقاومة الحروب الصليبية الغربية، هذا الامتزاج الذي بدأ منذ عهد المرابطين ووصل القمة في عصر بني مرين ثم انهار بسبب انهيار غرناطة لأن مصيرهما ارتبط ارتباطا وثيقا برسالتهما السياسية والعسكرية...
وأخيرا فما ظنك بوطن ما يزال يحتفظ بمنزل ابن الخطيب وحفدته وبقايا أسرته وتراثه، وإنتاجه أن أحق الناس بميراثه وتولى الاهتمام به وليس أحق الناس بذلك من أقصاه وأبعده وأتلف تراثه وأضاع انتجه وأجلى أبناءه وأحفاده.
وبعد فإن المغرب أحق الناس بابن الخطيب وأقربهم إليه تأثرا وتأثيرا.. ولهذا سنحاول في في هذا الكتيب الصغير أن نعرف بابن الخطيب بمناسبة ذكرى مرور ستمائة سنة على وفاته.
وكان القرن الثامن الهجري بداية التحول في التاريخ الإسلامي. بل كان قمة الجيل الذي أتمت فيه الحضارة الإسلامية نهاية الصعود، لتأخذ طريقها نحو الانحدار ولنقيم إنتاج هذا القرن وأعماله ونلقى على العالم الإسلامي نظرة عجلى حتى نقف على معالمه الحضارية والثقافية ونبتدئ بالأندلس التي كانت المجن الصامد في وجه هجمات الغرب المسيحي حيث كانت تعاني أعنف الأزمات السياسية والحربية، ذلك لأن موقعها في واجهة المعركة مع المسيحيين كآخر ثغر في الغرب من ثغور الإسلام واشتداد حركة الاسترجاع"المسيحية" التي استمرت زاحفة إلى آخر معقل لاذ به المسلمين في الجنوب الشرقي كل ذلك يعجل نهايتها بعد أن ظلت غرناطة طيلة حقبة مديدة حاضرة الإسلام وحاملة راية المقاومة في الأندلس، ترد الأعداء تارة باللين والدهاء وتارة بالشدة والحرب ويعتصم المسلمون جميعا بها يدافعون عما تبقى من مملكتهم بما أوتوا من قوة، ويناضلون بمالهم من أيد، وساندت الدولة المرينية المغربية حكومة غرناطة فآزرتها بدون حساب وقد كان من الضروري أن يتعاون المغرب والأندلس ضد العدوان تعاونا سياسيا وعسكريا واقتصاديا ورغم تردي البلاد الأندلسية عسكريا وسياسيا واجتماعيا فقد بقيت تحافظ على مكانتها الاقتصادية والثقافية فعاش في هذا العصر أكبر المفكرين الأندلسيين وظلت غرناطة مركزا ثقافيا مهما ومجالا اقتصاديا وفلاحيا عظيما ولم يلبث الصراع بين المسيحية والإسلام أن اشتد وبالأخص في عهد أبي الوليد اسماعيل سلطان غرناطة سنة 713 الذي كان عهده بداية أحياء الجهاد ضد القشتاليين فانتصر عليهم في حروب 716 هـ ثم لم تأت سنة 718 حتى عاود المسيحيون حملتهم على غرناطة ونواحيها بمعاونة المسيحيين الأوروبيين فردهم المسلمون عنها مندحرين كما جاءت تفاصيل ذلك في تاريخ ابن خلدون وأخذ المسلمون يهاجمون المسيحيين من جديد إلى أن استشهد السلطان اسماعيل وخلفه ابنه أبو عبد الله محمد الذي شاهد عصره ثورة داخلية بزعامة عمه محمد بن فرج فانتهز القشتاليون الفرصة ليهاجموا غرناطة واضطر السلطان أن يهادن الثوار ويستعين بالحكومة المغربية. لكن استيلاء النصارى على أغلب حصون الجزيرة جعل من الصعب استمرار وصول العون والمؤازرة من المغرب ولذلك عبر ابن الأحمر إلى العدوة المغربية في سنة 732 مستنجدا بأبي الحسن المريني الذي لبى دعوة الجهاد والحرب فاستعادت غرناطة حصونها ومراكزها الأمامية غير أن محمد بن اسماعيل قتل بيد بعض أعوان أبي علاء الحاقدين عليه فمات شهيدا، وخلفه أبو الحجاج يوسف بن أبي الوليد الذي كان مايزال فتى في السادسة عشرة من عمره والذي أصبح عالما أديبا وشاعرا نبيلا شجع الأدب والفن والعمران وأبعد جميع الثوار عن بلاده وبذلك استقرت الحياة في غرناطة وفي عهده تولى الحاجب أبو النعيم رضوان الوزارة ونجح نجاحا واضحا ولكن أبا رضوان استبد بشؤون الدولة فاعتقلته السلطان يوسف ونفاه سنة740 هـ ثم أعاده إلى منصبه من جديد وكان من وزراء هذا العصر أبو الحسن علي بن الجياب المتوفى سنة 749 والذي كان ابن الخطيب مؤرخ دولة النصريين ومملكة غرناطة كاتب سره والمهيأ للوزارة من بعده...
ويهمنا أن نذكر أن في عهد يوسف كثرت غزوات المسيحيين للمسلمين تحت قيادة الفونسو الحادي عشر. وأن غرناطة اعتادت أن تركن لبني مرين لدرء الخطر عنها مما جعل القشتاليين يعلمون بحذق لمقاومة التلاحم بين الأندلس والمغرب، فأعدوا أساطيل قوية باتحاد قشتالة وأرغون ـ والبرتغال لمنع وصول استعدادات المغرب لإلى غرناطة، وبارك البابا حملتهم المسيحية وهاجموا في قوة ضاربة المغاربة على الشاطئ الأندلسي وقتل في المعركة أبو مالك المريني ولد السلطان أبي الحسن سنة 740 واستطاعوا بذلك الوصول إلى ضواحي مملكة غرناطة فتوجه السلطان أبو الحسن المريني بنفسه إلى الميدان وعبر إلى الأندلس فنازل المسيحيين 741 غير أنه انهزم بعد انتصاراته الأولى فازداد حماس الإسبانيين واستولوا على قلعة بني سعيد بأحواز غرناطة ثم نازلهم أبو الحسن ثانيا فانهزم أسطوله(سنة742) وسقطت الجزيرة في يد الإسبان وتوالت على الأندلس الأحداث وأصيبت بداهية الوباء الكبير الذي عم حوض البحر الأبيض المتوسط سنة 749 بما زاد في المحنة، ثم توجه المسيحيون لمحاصرة جبل طارق فانهزموا ومات الفونسو وخلفه على العرش ابن بطرة المعروف بالقاسي، ورغم هذه الأحداث السياسية فقد استمرت مملكة أبي الحجاج يوسف صامدة لإلى سنة 755 حين دخلت دولة بني الأحمر في مرحلة الانحلال كما توفي السلطان أبو الحسن المريني سنة 752 وأصيبت الدولة المرينية بضعف سياسي في الداخل والخارج، ولما توفي أبو الحجاج خلفه ابنه يوسف الملقب بالغنى بالله سنة 755 واستمر حكمه الى سنة760 وعرفت في عهده غرناطة ثورة عظمى انتهت باقصائه عن الحكم وابعاد وزيره لسان الدين بن الخطيب، ثم استرد ملكه سنة 763 هجرية واعتمد حكومة قوية لتدبير شؤون البلاد على رأسها ابن الخطيب وكان من سفرائه ابن خلدون الذي سافر إلى مملكة المسيحيين في الشمال، وأخيرا تطور الحرب بين القشتاليين والأندلسيين في معارك عسكرية انتهت بسقوط غرناطة ونهاية حكم المسلمين في الأندلس، أما في المغرب فإن تردد بني مرين في استرداد غرناطة ضعضعت مكانتهم فتعرضوا للنقد والفتن الداخلية وبالتالي وهنت مكانتهم وضعف أمرهم، هذه نهاية غرناطة الإسلامية التي رغم ما كانت تعاني من انحلال سياسي فإن سكانها جعلوا منها فردوسا أرضيا حيث أوقفوا مواهبهم على تنميتها وتطورها، ولولا أنها عاشت أزمة محاكم التفتيت التي هدت أركانها لما غادر المرسكو جنتهم مكرهين متفرقين في البلاد أيادي سبا إذ رغم هذه المآسي السياسة ظلت غرناطة في تقدم اقتصادي وفلاحي وتجاري وثقافي، وكان هذا النشاط المختلف النواحي عاملا في تجديد قوتها وتماسكها فاستطاعت البقاء زهاء قرنين ونصف تمتاز بطابعها الخاص ومميزات انطروبولوجية وعقلية واجتماعية أعطت شخصية لهذه المملكة التي استقطبت النشاط الفكري والأدبي في عهد السلطان والأديب العالم أبي الحجاج يوسف(733ـ755) وفي عهد ولده السلطان محمد الغنى بالله(755ـ793) ثم في عهد الأمير أبي الوليد اسماعيل ابن السلطان يوسف الثاني الذي كان أديبا كبيرا كما كان رجال وزراء الدولة النصرية من أعلام الثقافة والفكر أما الأدباء والفقهاء والمحدثون والأطباء والمعلمون والفنانون، فقد كانت تعج بهم رحبات غرناطة التي فاقت أثينا وبغداد والقيروان وقرطبة.
ونذكر من مشاهيرها الوزير ابن الحكبم المتوفى سنة708 هـ ومحمد ابن خميس المتوفى سنة708 هـ
وأبا حيان الغرناطي المتوفى سنة745 وأبا الحسن علي بن الجياب المتوفى عام الوباء الكبير سنة 749 ومحمد ابن جابر الأندلسي، وابن سلبطور المتوفى سنة 755، ومحمد بن جزي كاتب رحلة بن بطوطة المتوفى سنة 757 وابن خاتمة المتوفى سنة 770 وابن زمرك797 وفرج بن لب المتوفى سنة981 وأبا محمد بن عطية ومن المؤرخين محمد بن   يحيى بن سعيد مؤلف التمهيد المتوفى 741 ومن الللغويين والعروضيين أبا بكر محمد بن ادريس الفراني والقضاعي وأحمد بن الزبير المتوفى سنة 708 وعلي بن يحي الفزاري المتوفى سنة 750 ومحمد بن علي الفخار الألبيري المتوفى سنة 754 ومن رجال التصوف علي بن فرحون المتوفى سنة 751 وابراهيم المرسي المتوفى سنة 796 ومن الفقهاء أبا القاسم بن الشاط مؤلف البرنامج المتوفى سنة 725 والقاضي بن سلمون المتوفى سنة 767 وعبد الله ابن جزي مؤلف التسهيل المتوفى سنة 693 وأبا عبد الله الشريشي وأبا الحسن علي بن عبد الله النباهي الجذامى صاحب المرقبة العليا، ويحي بن هذيل الفيلسوف الشهير المتوفى سنة 753 وشيخه أبا عثمان سعد بن أحمد بن لبون النجيين وفي الطب ابن مهنا شارح ألفية ابن سينا( ومن أصحاب الموسوعات) لسان الدين ابن الخطيب المتوفى سنة776 كما ازدهرت الفنون سواء التشكيلية أو المعمارية أو النحت في معمار غرناطة.
ونترك غرناطة لنعود إلى المغرب في القرن الثامن، حيث نرى كيف عاش ابن الخطيب هذه الأحداث وارهاقاتها وصور هذا الصراع أتم تصوير المؤرخ الزركشي في (تاريخ الدولتين) كما حلل أسبابه المؤرخ الاجتماعي ابن خلدون، لقد جاء المرينيون بعد أن انهارت الدولة الموحدية العظيمة التي كانت تمتد من أقصى المغرب الأقصى غربا إلى أقصى تونس شرقا وكان من الطبيعي أن تخلفها دويلات كثيرة منها ما استقل بنفسه ومنها ما احتمى بغيره ومنها ما بقي في حدوده الطبيعية، ومنها ما اجتاز هذه الحدود لتحقيق الإمبراطورية كما كانت الحال في عهد الموحدين، ومن هذه الدول مملكة بني حفص في تونس ودولة بني عبد الواد في تلمسان (أو المغرب الأوسط) ومملكة بني مرين في المغرب الأقصى وامارة بجاية وامارة بونة التي كانت تستظل مرة ببني مرين، ومرة ببني حفص وأحيانا ببني عبد الواد، كما كان من الطبيعي أن تثير هذه الامارات منافسة بين الدول للاستيلاء عليها كما كانت هي كذلك تستغل الخلافات لتقف في وجه المهددين لها، ولكن الدولة التي استطاعت أن تستولي على زمام الحكم وتمارسه كدولة وريثة لعظمة الموحدين هي دولة بني مرين في المغرب، ذلك لأنها كانت تملك الشطر الأكبر من المغرب العربي، وأنها كانت الدولة التي دافعت عن الإسلام بالأندلس وتزعمت حركة الانقاذ وظهر بين ملوكها العظام أبو الحسن المريني الذي عاصره ابن الخطيب وأبو الحسن المريني هذا تولى الحكم سنة731 وغزا جبل طارق ودخل تلمسان سنة 735 كما دخل تونس سنة 748 هجرية فأصبحت مملكته تضم بلاد المغرب بأجزائه الثلاثة وتمتد إلى رئدة بالأندلس حسب تعبير ابن خلدون وكان المغرب الأدنى غير مرتاح لهذه الانتصارات فثار الحفصيون على بني مرين واستردوا ملكهم، وعاشوا حقبة في صراع داخلي بين مؤيد للانفصال وداع للوحدة، وكان الوزير عبد الله بن تفراجين داعية الوحدة الذي خرج على الملك الحفصي تحت كفالته(751) ، وبعد سنتين أغار على بلاده أمير قسنطينة أبو زيد حفيد السلطان يحي الحفصي فانهزم أبو يزيد، وفكر أبو عنان المريني في فتح تونس لما استعاد تلمسان التي فتحها أبوه من قبل. وزحف أليها سنة 752 وقتل سلطانها أبا سعيد كما دخلت بجاية في طاعته ووحد المغرب تحت حكمه ولم يؤثر هذا الصراع في ازدهار الحركة الأدبية والعلمية، بل إنه أذكى المنافسات وساعد على نضج الثقافة وتبادل العلماء الذين حفلت بهم القصور وتنقلوا حيث شاءوا، يجدون المساعدة والقدير في كل مكان ويخطب ودهم الملوك والأمراء ليكونوا كتابا ووزراء وشعراء ورجال الإفتاء والشورى في حكوماتهم، وقد قال ابن خلدون في التعريف : لما استولى السلطان أبو الحسن على تلمسان رفع من منزلة ابني الإمام أبي زيد وأبي موسى واختصهما بالشورى في بلدهما ثم أدنى أبا النور وقرب مجلسه وولاه قضاء عسكره" وكان ابن الخطيب أحد هؤلاء العباقرة الذين تنقلوا بين بلاطات هذا العصر كما كان ابن خلدون من هؤلاء الذين تفتق نبوغهم في هذه البلاطات والعواصم والمعاهد، وقد تقدم المغرب اقتصاديا كما شهد رخاء وتطورا صناعيا هائلا وبالأخص في صنع الساعات المائية والهندسية كتلك التي كانت بمدرسة أبي عنان والتي كانت في بجاية التي جاء وصفها في رحلة التجاني
وفي عهد الناصر أخذ الأندلسيون يهاجرون إلى المغرب ينهضون باقتصاد البلاد حتى أصبح المغرب الأقصى جناح العروبة العربي بحق يقود التحرر ضد الصليبيين وضد المؤامرات المسيحية وتبعا لذلك كان السلطان أبو الحسن يرسل سفيره إلى الملك الناصر بن قلاوون صاحب مصر والشام والحجاز يخبره بفتح تلمسان وتحسين المواصلات وتنظيم مواكب الحج، كما أرسل عمر بن يحي وعطية بن مهلهل والمز وار إلى الناصر أيضا بهدايا ثمينة وأهدى ثلاثة مصاحف بخط يده إلى المساجد الثلاثة مع أوقاف عليها، وكذلك واصل ولد الناصر أبا الفداء صاحب حماة ومؤلف كتاب المختصر في أخبار البشر، واتصل بملك مالي منسى بني موسى الذي لقيه ابن بطوطة في رحلته حيث كانت غانة من بلاد الإسلام العظيمة الشديدة الاتصال بالمغرب تمد اقتصاده، بعاجها وتبرها وغير ذلك كما كان ملكها من عظماء ملوك الإسلام، ويروى علي ابن فضل الله العمري أن منسى بن موسى سلطان التكرور من السودان المغربي حج بيت الله سنة 724هـ وسأله السلطان عن كيفية انتقال الملك إليه فحدثه عن والده وتجهيزه لمائتين من السفن لتخبره بنهاية البحر ثم أرسل بعثة أخرى بعد ضياع الأولى مما يدل على مكانة هذه الدولة وطموحها وحضارتها وكان هدف المرينيين تحقيق الإمبراطورية المغربية التي من طبيعتها أن تنجع الذاتية الإقليمية واللامركزية وهذا ما لم يستطع الوصول إليه إلا على حساب حكومتها المركزية بل إن الشاذلية ازدهرت في عهدهم وتفرعت عنها طرق بسبب كثرة المرابطين ذوي الاتجاه الروحي الصوفي فأدت إلى تكوين اقطاعات جمهورية، وكان انهزام المسلمين في الأندلس سببا في تكوين روح الهجرة واللجوء إلى التصوف السلبي، كما ظهرت الطريقة الجز ولية والتباعية، بعد ذلك من امتداد الشاذلية على أنه بجانب هذا الاتجاه الصوفي كان هناك عمل متواصل لإحياء المذهب السني على الطريقة المالكية، ولهذا فقد كان مذهب المرينيين مذهبا مالكيا ولذلك أسسوا الزوايا لتحقيق هذه الدعوة وتلقينها في مدارس داخلية، وأشرفوا على سير التعليم بها حسب توجيههم الفقهي وشجعوا الطلبة على الإقامة بعاصمة فاس، ليرثوا من معين المذهبية الموجهة، وزاد في تمكينهم للقرويين أن كانوا يسارعون إلى الاحتفاظ بما تبقى من ثرات الأندلس وإيواء خزائنها، فنقلوا الكتب من الأندلس إلى فاس، ومراكش ويذكر المؤرخون أن ثلاثة عشر عملا من نفائس المخطوطات نقلت إلى فاس، وكما آووا الكتب والتراث والفن وآووا العلماء الواردين وسعوا إلى تحصين الثقافة في الجناح الغربي للعالم الإسلامي ولم يلبث المسيحيون أن هاجموا الشاطئ المغربي من جديد بعد أن استولوا على الأندلس نهائيا فسقطت عدة مدن مغربية في يد العدو كسبتة التي استولى عليها البرتغال سنة 818 هجرية(1415) ولاذ علماؤها بالقرويين التي أصبحت مركز الإشعاع الثقافي في العالم الإسلامي وتعددت المدارس بالمغرب وزاد المرينيون على ما بقي منها في عهد المرابطين والموحدين وكذلك تعددت الخزائن بها، ولذلك ازدهرت القرويين في عصر بني مرين ازدهارا كبيرا ويقول ليفي بروفانصل أنه يفضل ملوك بني مرين لم تكن عاصمة فاس في القرن الرابع عشر الميلادي لتحسد العواصم الإسلامية الأخرى. بل إن باديا ليس المعروف بالعباسي اعتبر فاسا بمثابة افريقيا، وذكر الدكتور موسنو مثل هذا الفرق في كتابه القديم بالمغرب وأصبحت القرويين ملتقى الأجانب من مختلف الجنسيات والديار كما قال ذلك دوكامبو ... وذكر كاريال شارسي في كتاب (سفر إلى المغرب ان مدارس فاس كانت طوال مدة مديدة أولى مدارس العالم، غرف منها طلاب من أوروبا وحملوا إليها ما أسسوا به الحضارة المغربية التي أشاعت نورها في اسبانيا فأضاءت جوانب أوروبا وشجعت الحركة التعليمية تشجيعا منقطع النظير، وبنى أبو يوسف المدارس والمعاهد ورتب الأوقاف وأجرى المرتبات تشجيعا للعلماء والطلبة في كل شهر، كما بنى الزوايا في الفلوات النائية وأوقف عليها(الأوقاف) وسار المرينيون من بعد على منواله فأنشأ أبو الحسن في كل بلد من بلاد المغرب الأقصى والأوسط مدرسة، في فاس وتازة ومراكش ومكناس وطنجة وسبتة وآنفا وأزمور وآسفي وأغمات، والقصر الكبير، كما جاء في المسند الصحيح لابن مرزوق، ولم يسلم عمل المرينيين من نقد فقد وقف محمد الآبلي أستاذ ابن خلدون ضد بناء المدارس ولا حظ أن العلم أذهبه بناء هذه المدارس وأيده أحمد بابا السوداني وكان عصر المرينيين عصرا لتقدم عمراتي عظيم فقد أنشئت عدة مدن كالنصورة بتلمسان ووالمنية بفرضة المجاز وتطوان، وبنيت عدة قلاع ومدارس ومستشفيات وقناطر،
 واستفاد المغرب من الهجرة الأندلسية التي حملت روائع الفن الغرناطي وأنماط النحت والتصوير والموسيقى وغير ذلك من مظاهر التقدم الأندلسي وبذلك شاهد المغرب رخاء ظهر أثره في غنى الطبقة الموسرة المفرط فشيدت القصور المتعددة وزخرفت بأنواع الزليج والرخام وتغيرت العوائد تغيرا كبيرا حتى في مظاهر العبادات حيث أمر أبو عنان المريني يرفع العلم الأزرق في المنار يوم الجمعة أول الشهر وإضاءة السرج في أوقات الليل، أما الأدب فقد نبغ كثير من رجال الشعر والنثر، نذكر منهم: الملزوزي، والحضرمي، والابلي ومالك بن المرحل والجزفالي وابن عبدون ومن المؤرخين ابن خلدون وابن الأزرق وابن غازي وابن أبي زرع وابن عذارى، ومن الحيسوبيين ابن البناء وغيره كثير على أن التصوف ذاع في سائر أرجاء البلاد، وجاء في الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية أن عبد الحق المريني كانت له بركة ودعاء مستجاب وإذا سمع بصالح قصده لزيارته، وكان أبو سعيد موقرا للصالحين، يتواضع أمام أيديهم وذكر ابن الخطيب في اللمحة البدرية أن أبا يوسف المريني كان أشبه بالشيخ منه بالملوك، ويوجد في أنس الفقير وعز الحقير لابن قنفذ المعروف بابن الخطيب القسنطيني ذكر للمتصوفين المغاربة وفي كتاب شفاء السائل لجملة مسائل إلماع إلى تاريخ التصوف في المغرب والعالم الإسلامي ومن أشهر رجال التصوف في هذا العصر الإمام أحمد زروق الملقب بمحتسب الصوفية، ترك كتاب القواعد الذي يعتبر وثيقة مهمة عن الحركة الصوفية عن عصره حيث ظهر كثير من المشعوذين فتصدى الإمام زروق للكشف عنهم وشرح مذهبه الصوفي في القاعدة التاسعة والخمسين فقال لكل فريق طريقه فللعامي تصوف حوته كتب المحاسبي وللعابد تصوف دعا إليه الغزالي في منهاجه وللتمريس تصوف شرحه القشيري في رسالته وللناسك تصوف شرحه الغزالي في الإحياء وللحكم تصوف حلله الحاتمي وللمنطوي تصوف نحا إليه ابن سعيد وللطبائعي تصوفه جاء به البوني في أسراره، وللأصولي تصوفه قام الشاذلي بتحقيقه حيث لخص مذهبه بقوله في القاعدة 25ـ20 كن فقيها صوفيا ولاتكن صوفيا فقيها ومنهم محمد المقري صاحب الحقائق والرقائق ومنهم محمد بن علي الجز ولي الأصولي الكبير القاضي بفاس على عهد أبي سعيد المريني ومنهم ابن البناء المراكشي صاحب مراسم الطريقة في علم الحقيقة، ومنهم الحلفاوي الذي أعان أبا عنان المريني في الضرب على أيدي المعتدين وتوثقت الصلات السياسية بين دولة بني مرين والدول الإسلامية وبالأخص بالقاهرة ويحدثنا ابن بطوطة عن وجود سلطان افريقيا المخلوع زكرياء اللحياني ـ بالاسكندرية وعناية حكومة القاهرة به وعن وجود محمد المراكشي الذي زعم أنه ابن المرتضى الموحدي التي أضحت ملجأ للائذين من المغرب والأندلس وأضحى سلاطين المماليك ذوي مكانة سامية بين ملوك العالم الإسلامي وكانت دولة المماليك بلغت عظمتها وامتدت حدودها شمالا حتى قليقية وجنوبا إلى ما وراء الحجاز وغربا إلى افريقيا وشمالا الى العراق وعندما استولى محمود ايخان المغولي في فارس على دمشق وعانت جنده في بلاد الشام وفلسطين ووقف في وجهه المماليك عند مرح الصفر وبعد موت محمد الناصر سنة1341م لاقت مصر كثيرا من المصائب، وخاصة في عهد محمد السلطان حسن حتى انتهت دولة المماليك البحرية على يد برقوق سنة1832م وخلفتها دولة المماليك البرجية أو الشراكشة وفي عهد السلطان برقوق عاد العداء بين المماليك والمغول فأغار تيمور لنك على العراق وهدد بلاد الشام، فأعد له برقوق جيشا لمحاربته ومات بعد قليل ليخلفه ابنه الناصر فرج1399 ـ 1412م) غار على حلب وسقطت أمام غزوة حماة وحمص وبعلبك ودمشق وخطب له على منابرها فاضطر الناصر فرج إلى مهادنة المغول بعد أن رأى قوة وأقاعهم بالأتراك العثمانيين، وقيام الفتنة في مصر فأرسل إليه وفدا ديبلوماسيا لربط العلائي به وبعد موت السلطان الملك المؤيد سنة 1421م تعاقب على مصر كثير من السلاطين حتى آل الملك إلى برسياد ثم تولى بعد موته سنة 1438 بعض السلاطين الضعفاء مثل خشقدم الذي بدأ في عهده النزاع بين المماليك والأتراك العثمانيين ثم حكم مصر بعد ذلك كثير من السلاطين إلى أن جاء قانصوه الغوري(1501م)الذي بدأت في عهده بين المماليك والأتراك العثمانيين حروب انتهت بضم مصر إلى السلطنة العثمانية في عهد سليم الأولى سنة 1517م أما الحركة الفكرية فقد بلغت في عهد الأيوبيين(567 ـ848) والمماليك(648 ـ923)(1250 ـ1517) مكانة عالية حيث وجهت العناية إلى نشر العلوم الإسلامية وعمت العناية ببناء المدارس بعد أن كان الطلاب يختلفون إلى المساجد للدرس والقراءة وساعد الأيوبيون والمماليك على نشر الثقافة الأدبية فظهر كثير من الشعراء والأدباء والكتاب والمؤرخين والحكماء ومن أشهرهم البوصيري المتوفى سنة695 هـ صاحب قصيدة البردة المشهورة في مدح الرسول بعد قصيدة السقرطيسية المغربية، وابن نباتة المصري المتوفى سنة 768هـ صاحب كتاب شرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون وشمس الدين بن خلكان المتوفى سنة(687هـ)(1283م) أما مؤرخو هذا العصر فهم جمال الدين واصل المتوفى سنة697هـ (1297م) مؤلف مفرج الكروب في أخبار بني أيوب المختصر في أخبار البشر والمؤرخ تقي الدين المقريزي سنة845 و (1441م) وهو من أشهر مؤرخي مصر الإسلامية وصاحب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار، ويعرف باسم الخطط واتعاظ الحنفا، وكتاب ( السلوك لمعرفة دول الملوك) والمماليك أما العراق في القرن التاسع فقد شاهدت ركودا عظيما بعد هجمات المغول حيث انتهت الخلافة العباسية من بغداد وتركزت السلطة الدينية في القاهرة فضعفت العراق اقتصاديا وسياسيا أما العناصر التي قضت على الخلافة فإنها دخلت إلى الأطراف الأسيوية، وأدى ذلك إلى الفتوح الجديدة في الهند والصين والسند، فبسط السلاجقة حكمهم على آسيا الصغرى في الوقت الذي كانت فيه الخلافة العباسية لا تزال قائمة في بغداد، كما قامت في الشرق إمبراطورية خوارزم زهي بلاد الأمراء الترك الذين جاءوا من خيوة واستولوا على أنقاض الدولة السلجوقية وبسطوا سلطتهم فيما بين نهر الكنج ودجلة ويذكر ابن الأثير أن سبب غزو بلاد خوارزم للبلاد الإسلامية يرجع إلى سنة 612 حين أرسل جنكيز خان وأبرمت يمنها تجارية ولم يلبث التتار أن غاروا على بلاد ما وراء النهر، ثم على مازندران وأرمينية الكبرى وامتدت فتوحهم إلى أوروبا وتولى على عرش المغول سنة556 هـ(1258 ميلادية كوبيلادي خان الذي قضى على الباطنية ببلاد الفرس كما قضى هولاكو التتاري على مركز الخلافة في بغداد سنة 656 هـ (1258م) وكان معه في ركابة بعض أمراء المسلمين كأبي بكر سعد زنجي وعندما مات كوبيلادي سنة 1294م ترك إمبراطورية تاتارية عظيمة عاصمتها(بكين) تشمل كل بلاد الصين ومنغوليا وكانت بجانبها إمبراطورية عظيمة أخرى هي إمبراطورية القفجاق في الروسيا، وثالثة في بلاد فارس أسسها هواتح بغداد المسماة إمبراطورية إيلخان وكذلك كانت هناك إمارة في سيبيريا بين بلاد القفجان ومنغوليا وأخرى في بلاد تركستان يطلق عليها إمبراطورية التتار(أو المغول) ورغم اتساع إمبراطورية التتار فلم يغزو الهند من جانب البنجاب كما لم تصل إمبراطوريتهم إلى افريقيا لأنهم انهزموا في معركة(عين جالوت سنة 1261).
وحال ذلك دون دخولهم إلى القارة الإفريقية حتى إذا كانت سنة1366م سقطت إمبراطورية التتار العظيمة على يد البودي تشوين تشنج أما في الهند فإن محمود الغز واني فتح البنجاب أوائل القرن الخامس الهجري(الحادي عشر الميلادي) ونشر الإسلام في ربوع الهند ومهدت الدولة الغزونوية في لاهور لمحمد بن سالم الغوري وخلفائه الذين تولوا سلطنة دلهي وحكموا بلاد أفغانستان وهندستان من سنة543هـ (1148م) إلى سنة 612هـ (1215م) ثم وضعت غارات المغول بقيادة بلبر حدا للانقسامات التي أضعفت مملكة دلهي واستطاع أكبر حفيد بابر أن يعظم إمبراطورية المغول العظام وأن ينشر الإسلام في الهند فحارب المجوسبة حتى إذا كانت سنة801هـ 24سبتمبر1398م وصل تيمور إلى بلاد الهند لينشر الإسلام بها كان غلاء الدين محمد شاه من أعظم سلاطين هذه الأسرة وكان كما يقول ابن بطوطة يتفقد أمور رعيته بنفسه وقد عملت أسرة محمد بن تغلق(1330 ـ1412) على جعل بلاد الهند مركز من أهم مراكز الحضارة الإسلامية وهكذا نرى القرنين الثامن والتاسع الهجريين يعيشان أحداث العالم اإسلامي وهو في قمة مجده ليأخذ طريقه بعد ذلك إلى الانهيار بسبب الهجومات المسيحية المتوالية عليه والني تخفي وراءها حملة استعمارية تهدف إلى التوسع الاقتصادي واستعمار الأرض ومحاربة العقيدة الإسلامية واتهامها بالجمود وقد كان عصر ابن الخطيب عصر نشوء الإمبراطورية الجديدة عن الشعوب الفتية المعتنقة للإسلام التي إذا ضايقها الغرب فقد امتدت في الشرق، وإذا انتقص من أطرافها المتعصبون فقد أمدها بالرحابة المؤمنون وإذا كان هذا القرن يعاني أزمة قمة الصراع فإنه كان عصر الفكر الإسلامي في قمته عصر ابن الخطيب وابن خلدون وغيرهم.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here