islamaumaroc

الزهد في المفهوم الإسلامي

  دعوة الحق

167 العدد

كانت البشرية في أمس الحاجة إلى الهداية الربانية ـ ولا تزال ـ فبعث الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالدعوة الجديدة، هذه الدعوة جابهت ـ وهي تجابه الآن وإلى يوم القيامة ـ الجاهلية في شتى صورها فقبلت نظام الإنسان الجاهلي رأسا على عقب، وصاغته صياغة أخرى جديدة، أمام هذه الحقيقة الكبرى المدهشة المعجزة وقف المستشرقون موقفا عدائيا صريحا، فرفضوا حقائق هذا الدين وعالميته، وتصوره الرائع للأسرار الكونية، ملبين بذلك حقدهم الصليبي الموروث، وخاضعين في نفس الوقت للوصاية الاستعمارية والصهيونية التي علمت، وتعمل في الخفاء والعلن لزرع الكراهية في النفوس لتصرف الناس عن ضياء الله، ورغم ذلك ـ فإن أفواجا لا تحصى من الأفراد في كل أقطار العالم تعتنق الهدى الإلهي عن طواعية واختيار واقتناع، وكذلك المرتدون من أبنائنا ضحايا المنهج الإلحادي المادي، وذلك يرجع ـ أول ما يرجع ـ إلى أن الإسلام دين الفطرة يتسرب إلى النفس بغير استدان فيوقظها من رقدتها وغفلتها، فتستلم له في محبة ووداد، وهذه الحقيقة تسجلها كل يوم وسائل الإعلام في الشرق والغرب.
 والموضوع الذي سنعالجه هو الزهد في المفهوم الإسلامي انطلاقا من قول المستشرق المجرى اليهودي  (جولد تسهير) (كان الإسلام في أول أمره تسوده فكرة اطراح العالم والزهد فيه، وذلك في نفس الوقت الذي غلبت فيه فكرة التوكل والشعور بالخضوع المطلق)(1) وقوله (قبل أن يغمض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عينيه وعلى الأخص بعد وفاته مباشرة تحول المبدأ السائد إذن إلى مبدأ آخر، ففكر الزهد في العالم حلت محلها فكرة فتح العالم(2).
من المسلم به أن القرآن الكريم ينقسم إلى قسمين، مكي ومدني، ومن المسلم به أيضا أن المرحلة المكية كانت مرحلة ترسيخ العقيدة في النفوس، وتربية الفرد عل ضوء هذه العقيدة ، وإعدادها للأمانة الكبرى التي سيضطلع بها في المستقبل، أما المرحلة المدنية فكانت مرحلة تشريع للحياة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، تشريع  في كل ميدان من الميادين الحياتية، في التعليم، في الاقتصاد، في المعاملات في الأحوال الشخصية في العلاقات الدولية، لماذا لأن الإسلام وحدة متماسكة، لا يعالج جانبا دون آخر كما يفهم الذين أعمت بصيرتهم المناهج الأرضية.
ولهذا أخطأ (جولد تسهير) خطأ شنيعا ـ وكتاباته كلها دسائس ـ بدل على جهل تام بأسرار التشريع الإسلامي، ومسيرة الدعوة الإسلامية،?
إذ لا يمكن بحال أن تكون فكرة الزهد من الشعار الإسلامي في المرحلة الأولى، ثم يتحول منها في المرحلة الثانية إلى فكرة فتح العالم طمعا في الكسب المادي، ذلك أن مقتضيات الدعوة الإسلامية في أول أمرها، اقتضت أولا أن تصحح مفاهيم خاطئة في أذهان الناس عن الخالق تعالى، فكان من المنطقي أن يعمل الإسلام على توضيح قضية التوحيد، وصفات الله، وعلاقته بخلقه في العقول لأنها الأساس الذي تقوم عليه كل دعوة سماوية، وبالتالي مفتاح إلى إقامة حضارة سليمة سديدة تدين بالحاكمية لله تعالى ولا تدين لأي هوى بشري.
وفتح العالم في المرحلة المدنية أمر ضروري ما في ذلك شك، لأن الدعوة الإسلامية تقوم على المصحف والسيف ـ وأقول السيف ولا أخاف من استعمال هذه الكلمة التي يؤولها البعض بالإرهاب ـ المصحف هو الهداية والسيف للقضاء على من يحاول عرقلة المسيرة الإسلامية، وأما من تنحى عن مجابهة الدعوة حينذاك فلا إكراه في الدين، وقد بينت هذه الفكرة في حلقات سابقة بتفصيل وإسهاب.
حين نستعرض الآيات القرآنية الكريمات التي تتحدث عن الدنيا والآخرة لا نجدها أبدا تزهد الناس في الدنيا، تأمرهم بإطراحها سواء في المكي منها أو المدني، وهنا الغلط الذي وقع فيه (جولد تسهير)، فلنستمع إلى سورة الأعراف وهي مكية، قال تعالى: (( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين، قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل  هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعملون))(3).
فأي زهد في هذا النص المكي، والله تعالى يفصل الآيات لقوم يعملون، "وجولد تسهير" من القوم الذين لا يعملون، ولو كان من الذين يعلمون لاستطاع أن يفهم من كلام الله السالف أنه يناقض نظريته المغلوطة.
ولنستمع إلى سورة القصص ـ وهي مكية كذلك، قال تعالى: ((وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك))(4)
فأي زهد كذلك في هذه الآية، بل الأمر واضح هو الأخذ بالدنيا والآخرة ورفض الزهد السلبي الذي لا يثمر ولا يمد الحياة بمثل ما يمدها بها الزهد الإيجابي.
وقد جاءت آيات تتحدث عن الآخرة، والغرض منها ـ لا كما يفهمها القاصرون في فهم لغة القرآن ـ تنبيه البشرية إلى أمر مهم جدا هو ألا يغتروا بالحياة الدنيا وينغمسوا فيها إلى حد ينسى الإنسان خالقه ويطغى ويتجبر وينسلخ من إنسانيته من ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام المكية ((وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون))(5) ومن ذلك قوله تعالى في سورة الحديد المدنية ((اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور))(6)
فتناقض (جولد تسهير) مع نفسه واضح، ذلك أن الآيات المكية فيها ما يحث على الانتفاع بالحياة ، إذن فكيف يمكن تبرير قوله أن الإسلام في المرحلة المكية دعا إلى الزهد.
والواقع أن الآيات المكية والمدنية صريحة في تحدثها عن الزهد الإيجابي البناء الخصب المزهر، كما أنها صريحة في الدعوة إلى التوفيق بين الحياة الآخرة، مع الالتزام بأوامر الله، وذلك هو الزهد في المفهوم الإسلامي كنا سترى وشيكا إن شاء الله.
الزهد في اللغة هو ترك الميل إلى الشيء، وهذا المدلول هو الذي يمكن أن نطلقه على كل عملية الابتعاد عن المحرمات، فنقول فلان يزهد في السرقة?
فهو زاهد ـ اسم فاعل ـ وفلان يزهد في الغش والمكر والغدر والرشوة والغيبة والنميمة والخمر واليناصيب والربا وهلم جرا، لهذا يسوغ لنا أن نقول أن الزهد هو الالتزام بالمفاهيم الإسلامية، التوفيق بين التصور الإسلامي في الكون والحياة والإنسان وعملية التطبيق، بمعنى آخر التوفيق بين النظرية والتطبيق في الإطار السلوكي الذي يتحرك فيه الإنسان وهذا هو الصعب وهذا هو الزهد ولا يتجلى به إلا من أخلص لله بكل جوارحه رافضا أي وصاية يمليها عليه هوى بشري.
...فبعض الناس يؤمنون بالنظرية أيما إيمان ـ ولكنهم في مجال التطبيق ينسون هذه النظرية وتطغى الأنانية. والمسلم يرتفع عن هذا الإيمان ـ كما يقول الحديث الشريف ـ ما وقر في القلب وصدقه العمل.
فالزهد إذن الاستقامة التامة في تطبيق المفاهيم الإسلامية، وأنا لا أفهم الزهد على أنه إعراض عن الحياة ـ  كما عرفه الجرجاني في كتابه التعريفات(7)، وإذا كان كذلك فأي فائدة في هذا الدين؟ وما هي وظيفة الإنسان على هذه البسيطة؟ أنا أعرف ـ كما علمني كتاب الله وسنة رسوله ـ أن الإنسان خلقه الله ليقوم بالأمانة العظمى ألا وهي الخلافة الأرضية قال تعالى: (( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة(8))) وقال تعالى (( هو الذي جعل لكم الأرض دلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه))(9).
ولم ترد كلمة (زهد) في القرآن الكريم بتاتا، بل وردت كلمة (زاهدين) في سورة يوسف غير أنها لا تعني المعنى المعروف، إذ تصف القافلة التي باعت سيدنا يوسف عليه السلام قال تعالى (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين(10)  كما لم ترد في حديث صحيح.
ثم إن الذين يفهمون ـ عن حسن نية ـ أن الإسلام  دين زهد واعتزال للحياة، كيف لم يتذكروا أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تولى عن ربه تشريع الحياة للناس، فغزا وتزوج وبين الحلال والحرام، وأكل الطيبات وعزف عن الخبائث، وعقد المعاهدات وربى النفوس على أسس فذة لم يستطع أحد قبله أو بعده وإلى يوم القيامة أن يربيها كتربيته الايجابية الفريدة، كيف غاب عن أولئك هذا؟، وكيف غاب عنهم أنه حارب الرهبانية؟ وكيف غاب عنهم هذا الحديث الشريف عن أبي قلابة قال أراد أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا ويتركوا النساء، ويتهربوا فقال صلى الله عليه وسلم فغلظ فيهم المقالة ثم قال (إنما هلك من كان قبلكم  بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقايا في الأديار والصوامع فاعبدوا الله ولا تشركوا به وحجوا واعتمروا واستقيموا يستقم لكم الخ)، وكيف غاب عنهم هذا الحديث الذي رواه البخاري وغيره أو رهطا من الصحابة ذهبوا إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يسألون أزواجه عن عبادته فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها ـ أي اعتبروها قليلة ـ ثم قالوا أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثاني: وأنا أقوم الليل فلا أنام وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بين لهم خطابهم وعوج طريقهم وقال لهم (إنما أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له ولكني أقوم وأنام وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني).
وكيف غاب عنهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير ولا إنسان إلا كان له بصدقة).
وكيف غاب عنهم قوله عليه الصلاة والسلام (ما أكل أحد طعاما قط خيرا من عمل يده، وأن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده).
كيف غاب عنهم كل هذا والكثير مما هو منصوص عليه في الحديث الشريف؟ الجواب عن ذلك هو أن المفاهيم قي بعض الأذهان عراها ؟؟؟؟؟ والضباب حين وفدت علينا أساطير من الأمم الأخرى كالمسيحية والفرسية والهندية فاختلط الأمر على السذج فنشأ الزهد السلبي وتبعه ما يسمى بالتصوف المنحرف والطرقية، ونظريات تصوفية إلحادية، وظهر من أخذ يختلف إلى الكهوف يعبد الله مخالفا لسنة الله في الكون، وظهر من يرقص (يردح)، (ويصدر) عواء أقرب إلى الإلحاد منه إلى الإيمان، وظهر من يزعم أنه يطير في الفضاء ويحج البيت الحرام في دقائق معدودات، وسادت الخرافات بين فئة معينة من الناس تدعوهم إلى التمسح بالأضرحة والاستشفاء بها، كل هذا مهد لخصوم الإسلام الطريق للطعن فيه ومنهم المستشرق السابق الذكر الذي لفتت نظره هذه الظاهرة في المجتمع الإسلامي فاندفع بغير روية العالم يحوك الدسائس.
ومهما حاول من في نفسه مرض أن يجد مستندا للمفهوم الزهدي السلبي فإنه لا يجد نصا صحيحا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعفه في دعم هواه وإن وجده فسيكون من الموضوعات التي اختلقها أصحابها للترغيب في الزهد والصلاح وفي هذا يقول الدكتور صبحي الصالح في كتابه (علوم الحديث).
(ومن الغريب حقا أن بعض الزهاد والمتصوفة والمتصوفين طوعت لهم أنفسهم وضع الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا في صالح الأعمال، كان هذه الثروة التي لا يدرك البيان وصفها من أقواله عليه السلام ونوابغ حكمه وجوامع كلمه لم تكفهم ولم تشف صدورهم. واشتغال هؤلاء بالعبادة واشتهارهم بالزهد والعفة يحمل العامة على الاغترار بما يختلقون فخطرهم من هذه الناحية أشد هولا مما نتصوره. ولقد شوهدوا بجهلهم وجه الإسلام وأدخلوا في تعاليمه ما ليس منه قال يحي القطان "ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير)(11).
ويسوغ لي أن أقول في هذا الصدد أن شريعة الإسلام من خصائصها أنها توفق بين شيئين مهمين: الروح والجسد فلا الشق الأول يطغى ولا الشق الثاني بمعنى أنه يوازن بين متطلباته موازنة حكيمة وإذا اختل هذا التوازن فلا شك أن الإنسان سيفقد بذلك سعادته التي لا يمكن أن تتحقق إلا بهذا، كما هو واقع في المجتمعات المادية حيث الانسحاق النفسي الطاغي نتيجة انتفاء التوازنية التي جعلها الله الأساس الذي تقوم عليها الحياة البشرية.
فما أحوجنا إلى الاستمساك بالكتاب والسنة وإقامة حياتنا على هدامها، ورفض كل ما هو شاذ في تصورهما من هذه الخرافات التي تعطل فينا التفكير وتشل حركة المسيرة نحو النور، وتخدر إحساساتنا وتعوق الطاقة الجبارة عن الانطلاق في تحقيق الأمانة الكبرى التي أكرم الله تعالى بها الإنسان، ورفض كذلك هذه المناهج الإلحادية التي غزت العالم الإسلامي وتريد أن تنسلخ من إنسانيتنا لترتكس في جاهلية أخرى أشد خطرا من الجاهلية الأولى، ولقد قال تعالى ( يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا(12)

1- العقيدة والشريعة في الإسلام ترجمة د. محمد يوسف موسى وآخر ين ـ ط 2 ـ ص 134
2 - نفس المصدر ص 135
3 - سورة العراف : 31-32
4 - سورة القصص: 77
5 - سورة الأنعام: 32.
6 * سورة الحديد: 20
7 - باب الزاي ص 61 الدار التونسية للنشر 1971.
8 - سورة البقرة: 30
9 - سورة الملك: 15
10 -سور ة يوسف: 20
11-ص 290 ـ مطبعة جامعة دمشق ـ 1379 هـ
12-  سورة النساء: 59
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here