islamaumaroc

بحث في القراءات القرآنية التي تحدث عنها الزمخشري في تفسيره (الكشاف).-6-

  دعوة الحق

167 العدد

22- "يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون" 21
لقد بلغ الإعجاز القرآني حدا عظيما في مختلف وجوهه سواء من الناحية البلاغية أو من الناحية المتعلقة بدراسة أحوال الإنسان في هذه الحياة.
ونحن لو تأملنا صدر سورة البقرة للاحظنا تحليلا دقيقا للتصورات الممكنة من قبل الإنسان حينما يواجه بنداء مصلح أو يجابه بعرض رأي جديد.
إذ لا يخلو الحال من أمور ثلاثة:
1- التأييد المطلق.
2- المعارضة العمياء
3- التظاهر بالإيمان نفاقا وخداعا.
وهذه الأحوال الثلاثة ترتبط بحقيقة التكوين الإنساني وتنسجم مع الطبيعة البشرية في العقيدة والإيمان سلبا وإيجابا.
ولقد أظهرها الله تبارك وتعالى بصورة واضحة حينما وصف المتقين المفلحين ثم وصف الذين كفروا وعاندوا ثم تحدث عن أولئك الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شيطانهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون.
وأثر الحديث عن هؤلاء جميعا قال: " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون".
ولهذا اعتبر بعض المفسرين توجيه الخطاب عاما لا فرق بين مشركي مكة وغيرهم في حين أنه ورد عن علقمة والحسن أن النداء موجه لكفار قريش خاصة وقد حاول الزمخشري رحمه الله شرح مفهوم العبادة حسب الاتجاهين معا.
والظاهر أنه حينما تحدث عن رواية علقمة والحسن كان يقصد ما روى عنهما من أن كل ما نزل فيه ياأيها الناس فهو مكي، وهذا النص نفسه تأوله فيما بعد أبو السعود وجعله لا يتنافى مع رأي الذين جعلوا الخطاب عاما فقال :" ولا يقدح في العموم ما روى عن علقمة والحسن البصري من أن كل ما نزل فيه يا أيها الناس فهو مكي، إذ ليس من ضرورة نزوله بمكة شرفها الله تعالى اختصاص حكمه بأهلها ولا من قضية اختصاصه بهم اختصاصه بالكفار إذ لم يكن كل أهلها حينئذ كفرة.
وفي هذه الآية وردت قراءات ثلاث زيادة على القراءة المشهورة المتداولة.(1)
أما القراءة الأولى فهي قراءة أبي عمرو التي أدغم فيها القاف في الكاف، فقال هو الذي خلقكم، وهذا   الإدغام ناتج عن تقارب الحرفين من جهة الإخراج الصوتي فقد جاء في كتاب سيبويه: ومن أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى مخرج القاف ومن السفلي من موضع القاف من اللسان قليلا ومن الحنك الأعلى مخرج الكاف. ولهذا تحدث عنهما أيضا في باب الإدغام الحاصل من تقارب المخارج وذكر جواز الإدغام بينهما في حالتي التقديم والتأخير.
أما القراءة الثانية فهي لابن السميفع (2), وقد وردت بتكرار فعل خلق وبتحرير اسم الموصل وبالاستغناء عن حرف الجر فهي قراءة شاذة جاءت على الشكل التالي: "يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم وخلق من قبلكم"".
أما القراءة الثالثة فهي قراءة زيد بن علي وهي قراءة مشكلة لأنه أقحم فيها الاسم الموصول الثاني بين الاسم الموصول الأول وصلته فقال اعبدوا ربكم الذي والذين من قبلكم خلقكم وهي قراءة مشكلة لا تنسجم مع السياق اللغوي العام ورغم ذلك فقد حاول الزمخشري أن يوجهها توجيها لغويا فقال(3) : "ووجهها على إشكالها أن يقال أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيدا كما أقحم جرير في قوله:
 يا تيم تيم عدي لا أبا لكم.
تيما الثانية بين الأول وما أضيف إليه وكإقحامهم لام الإضافة بين المضاف والمضاف إليه في لا أبا لك"
وليس معنى توجيه القراءة الشاذة استحسانها أو الدعوة إلى القراءة بها وإنما الغاية من ذلك إبراز الجوانب اللغوية المنطبقة مع استعمالها وشرح الوجوه المؤدية إلى صلاحها وقد تكون هذه الجوانب قوية وقد تكون ضعيفة وعلى حسب القوة والضعف يقع الحكم على التوجيهات الواردة في كتب التفسير والقراءات.
23- "الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون"22
الاسم الموصول هنا يجوز أن يكون وصفا لما سبقه ويكون السياق على الشكل الآتي: "يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا الخ...ويجوز أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف أي هو الذي جعل لكم الأرض فراشا، وفي هذه الحالة يكون التأكيد أقوى حسب ما عهد عند النحويين عند الحديث عن النعت المقطوع وربط ذلك بالمعاني.
ويمتاز القرآن امتيازاً كبيرا بالتفاته إلى مظاهر الطبيعة واستغلالها في تثبيت الإيمان ولفت أنظار المشركين إلى حقيقة الكون وإلى التأمل في خالقه كما يمتاز بالتنسيق الوضعي الذي يربط الإنسان بمسؤوليته وبوجوده.
ففي الآية السابقة تحدث الله عن خلق الإنسان وعن الغاية من وجوده وهنا تحدث عن خلق الأرض التي سيجرب فيها الإنسان مسؤوليته وسيتحمل الأمانة المنوطة به كما تحدث عن مظاهرها الطبيعية التي تجعل الإنسان حائرا أمام عظمة خالقها.
ومن المعلوم أن المشركين إذا استوعبوا هذه الحقائق وابتعدوا عن عنادهم فسيشعرون بالخزي أمام تلك الأصنام التي يتقربون إليها زلفى وسيعلنون اعترافهم بالله الواحد الخالق المبدع.
ولنعد الآن إلى موضوع القراءات في هذه الآية فنقول:
أولا – هناك القراءة السبعية المتداولة التي جعلناها منطلقا لتعليقنا وهي قوله تعالى : "الذي جعل لكم الأرض فراشا.
ثانيا- هناك قراءة ليزيد الشامي وفيها ذكر البساط عوض الفراش، فقال:
هو الذي جعل لكم الأرض بساطا.
ثالثا: هناك قراءة لطلحة تقول: هو الذي جعل لكم الأرض مهادا.

وهاتان القراءتان الأخيرتان مخالفتان للقراءات العشرية نظرا لعدم موافقتها للخط العثماني ولكن تقدم لنا في بعض المقالات أن الطبري يرى أن هذا الاختلاف اللفظي موافق لقول الرسول: انزل هذا القرآن على سبعة أحرف، ولا يرى في ذلك أي مخالفة للفظ الحديث.
رابعا: قرأ ابن السميفع الجزء الثاني من هذه الآية بإفراد الثمرات والأنداد، فقال: وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرة رزقا لكم فلا تجعلوا له ندا وانتم تعلمون.
والهدف من القراءتين واحد إلا أن يقصد من القراءة المتداولة إبراز تنوع الأجناس فتكون أقوى إبرازا لنعم الله كما يكون الجمع في الأنداد استخفافا بعقول هؤلاء الذين جعلوا لله شركاء في حين أنهم لو أمعنوا النظر لما جعلوا له ندا واحدا فهذه القراءة إذن تشعر بضعف عقولهم وانعدام روح التفكير لديهم وتعطيل الميزة البشرية التي منحها الإنسان لينظر بها آيات الله في نفسه وفي الآفاق.
وأي صورة أقسى على الإنسان من أن يصبح فاقدا للتفكير والوعي وأن يوصف بذلك رغم كونه يدعى المعارضة والمقاومة والجاه.
وهذا الخطاب موجه لكفار مكة وهو حجة يتذرع بها أولئك الذين قالوا من قبل أن الخطاب بقوله تعالى "يا أيها الناس" خاص بهم لا يشركهم غيرهم في ذلك ورغم حجتهم هاته فإن الذين يقولون بالعموم يفسرون العبودية تفسيرا نسبيا مشتركا موجها لكل طائفة بمعنى خاص فهو بالنسبة للمؤمنين ثبات وزيادة.
وبالنسبة للكافرين إنشاء وإقرار.
24- "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين"23.
إذا كان المشركون قد ارتابوا فيما كان يتلى عليهم من الآيات فهم لا يملكون حجة يواجهون بها حقيقة التشريع ولا برهانا يدافعون به عن آرائهم ونظرياتهم، وقد تحدى الله موقفهم وأبان عن عنادهم وتعصبهم فحرك فيهم روح الجدل العقلي الذي إذا فقده الإنسان فقد جبلته التي خلق عليها، ودعاهم إلى محاكاة القرآن في وضعه ومعانيه وأهدافه إذا كانوا حقيقة يدعون أنه لم ينزل من الله وأن الرسول تقوله واختلقه.
ولا شك أن الأمر هنا يراد به التعجيز نظرا لعدم قدرتهم على مواجهة هذا الطلب ولعجزهم عن تنفيذه والقيام به.
وبناء على هذا فإن الضمير في قوله تعالى فاتوا بسورة من مثله، راجع إلى القرآن المنزل لا إلى الرسول المنزل عليه، وقد أرجعه بعض المفسرين إلى الرسول باعتبار كونه أميا.
قال الزمخشري (4) "والكلام مع رد الضمير إلى المنزل أحسن ترتيبا وذلك أن الحديث في المنزل لا في المنزل عليه وهو مسوق إليه ومربوط به فحقه الا يفك عنه برد الضمير إلى غيره ألا ترى أن المعنى وان ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم نبذا مما يماثله ويجانسه وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال وإن ارتبتم في أن محمّداً منزل عليه فهاتوا قرآنا من مثله ولأنهم إذا خوطبوا جميعا وهم الجم الغفير بأن يأتوا بطائفة يسيرة من جنس ما أتى به واحد منهم كان أبلغ في التحدي من أن يقال لهم ليأت واحد آخر بنحو ما أتى به هذا الواحد ولأن هذا التفسير هو الملائم لقوله وادعوا شهداءكم والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة".
وتوجيه الآية في عودة الضمير على القرآن من قبل الزمخشري واضح يسير وفق خطته التي يعتمد فيها على التنسيق الفكري والاستغلال البياني والبرهان الإقناعي.
وهو هنا كما لاحظنا اعتمد في الترجيح على النقط الآتية:
النقطة الأولى: تتعلق بكون الموضوع راجعا إلى الشك في الثقة بما أنزل وهذا يقتضي ترتيب الكلام ترتيبا عاديا وهذا الترتيب لا ينساق إلا مع عودة الضمير على القرآن لا على محمد صلى الله عليه وسلم.
النقطة الثانية: تتعلق بالغاية من تحدي جماعة بإنشاء سورة صغيرة، إن هذا التحدي لا يظهر إلا بربط الجماعة بالآيات لا بربطها بتغيير شخص معين.
النقطة الثالثة: تتعلق بسياق الآية التي لم تدع هؤلاء فقط بل أباحت لهم الاستعانة برؤسائهم، وهذا أمر لا يظهر له معنى إلا إذا كانوا سيشاركون هم بأنفسهم في التأليف المطالبين به والعاجزين عن تحقيقه.
ويظهر أن التأويلين مرتبطان بالقراءة المتداولة المعهودة، أما إذا راعينا القراءة الأخرى التي تقول وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبادنا فلا يتأتى حينئذ إلا التأويل الراجح الذي يعيد الضمير على المنزل لا على المنزل عليه.
وهذه القراءة وإن لم تكن مشهورة فهي أيضا مما يستأنس به في ترجيح رأى الزمخشري. والمراد بالعباد حينئذ الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته والأنبياء السابقون، وقد سبق أن من تمام الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم الإيمان بمن سبقه من الرسل، لأن الإسلام تتميم لرسالة الله وتحقيق لما توخاه من الشرائع والأحكام والقيم منذ بدء الخليقة إلى أن بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وإلى أن أنزل عليه قوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا".
25- "فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة، أعدت للكافرين"24.
هذه الآية تابعة للتي قبلها ومبينة للمصير المحتوم لهؤلاء الذين يرتابون في القرآن ويصرون على أنه لم ينزل من عند الله في حين أنهم لا يستطيعون مجاراته أو محاكاته ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، إنه النار التي وقودها الناس والحجارة، وقد وردت في كلمة الوقود قراءتان:
القراءة الأولى بفتح الواو، ويكون القصد من الوقود حينئذ ما توقد به النار وتشتعل فهؤلاء المشركون إذن هم حصب جهنم، وقد يراد به المصدر وفقا لما حكاه سيبويه.
القراءة الثانية بضم الواو على أنها مصدر وهذه القراءة قرأ بها عيسى بن عمر الهمداني وهي تدل على أن حقيقة النار أصبحت مكونة من هؤلاء الذين تحيا بهم وتنتعش.
ورغم اختلاف التأويلين فإن الغاية واحدة  لأن النار تقوى بهم وتشتد إذا كانوا حطبا لها كما تكسب حياتها منهم إذا كانوا ماهيتها.
وقد أبدع الزمخشري في ذكر بعض اللطائف المتعلقة بهذه الآية وفي ذكر ما يقابلها من الآيات الشبيهة بها ومن ذلك قوله: (5)  "فإن قلت لم قرن الناس بالحجارة وجعلت الحجارة معهم وقودا؟ قلت لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث نحتوها أصناما وجعلوها لله أندادا  وعبدوها من دونه، قال الله تعالى "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم""، وهذه الآية مفسرة لما نحن فيه، فقوله إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم"، وهذه الآية مفسرة لما نحن فيه، فقوله إنكم وما تعبدون من دون الله في معنى الناس والحجارة وحصب جهنم في معنى وقودها ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستنفعون بهم ويستدفعون المضار عن أنفسهم بمكانهم جعلها الله عذابهم فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغا في إيلامهم وإغراقا في تحسيرهم ونحوه ما يفعله بالكانزين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة فشحوا بها ومنعوها من الحقوق حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم.
وفي هذا التحليل نلاحظ ما يأتي:
أولا- ترجيح القراءة الأولى باعتبار كونها الحطب لا باعتبار كونها مصدرا كقراءة الرفع.
ثانيا: الإشعار بأن القرآن يشرح بعضه بعضا ويظهر ذلك من شرح ما نحن بصدده بقوله تعالى: "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم".
ثالثا: الإشعار أن العذاب نوعان، عذاب جسدي يلحق بالفرد مباشرة وعذاب نفسي يلحقه بإهانة ما يحب ومن يحب.
إذا استوعبنا ما تقدم نلاحظ أن اختلاف القراءات له دور فعال في التعمق في معاني القرآن ويساعد على الموازنات والمقارنات ويدفع إلى الربط بين بعض الآيات ليكون ذلك مدعاة إلى الاختيار والترجيح.

1 - تفسير أبي السعود، الجزء الأول صفحة 46 مطبعة محمد علي صبيح.
2 - ابن السميفع هذا هو القارئ المعروف باليماني وقد كتب خطأ في الطبعة التي اعتمدت عليها بأبي السميفع.
3 - الكشاف للزمخشري الجزء الأول من الطبعة الأولى ص 36.
4 - نفس المصدر صفحة 39
5 - نفس المصدر صفحة 41.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here