islamaumaroc

على ضوء إفادات بعض الجغرافيين المسلمين: بخارى في خلال القرون الثلاثة السابقة للغزو التتري

  دعوة الحق

167 العدد

أنجبت بخارى عددا من أعلام الثقافة الإسلامية، منهم أبو زكرياء عبد الرحيم أحمد التميمي البخاري الحافظ، من رجال الحديث، توفي على ما يعتقد في حدود 461 هـ، وأبو علي بن سينا الفيلسوف والطبيب الإسلامي المرموق، توفي سنة 428 هـ، والإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مغيرة البخاري الجعفي، مصنف الجامع الصحيح، والمتوفي سنة 256.
ولعل هذا الأخير من أشهر المشاهير الذين أنبغتهم بخارى، إلا أن شهرة المدينة، لا ترجع فقط إلى كونها أنجبت من أنجبتهم من رجالات، وإنما كذلك، إلى المشاركة الفعالة، التي كانت لها في عامة التاريخ الإسلامي ببلاد ما وراء النهر، حيث لبثت طويلا بعد فتح المسلمين لها، مركز استقطاب للوجود الإسلامي بتلك الأنحاء، وبلغت ـ خاصة على عهدها بالسامانيين ـ مركزا متقدما من الازدهار في مناح متعددة.
ومن ثم، تجمعت حول بخارى ـ في فترات  مختلفة ـ جملة من تيارات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية في المجتمع الإسلامي بآسيا الوسطى، ولما داهمها كاسح التتار في أوائل القرن الهجري السابع، وأتى على مجتمعها وحضارتها، لم يستطع من ذلك، أن يخمد منها الأنفاس، بل انها ما عتمت أن استردت بعض ما كان لها من شخصية بين حواضر ما وراء النهر. وظلت بخارى في فترات من تدهورها السياسي، موئل علم، ومبعث إشعاع إسلامي، لعمق ما لها من أصالة في هذا المضمار.
وبالنظر لهذا المقام الذي احتلته بخارى، فإن مدونات الرحالة المسلمين الذين جابوا ما وراء النهر ما فتئت تزخر بالحديث عنها في تركيز كثيف، يستقصي كل ما أمكن استقصاؤه، وبعضهم كان يذهب في هذا الاستقصاء مذهبا، لا يغفل حتى إيراد أسماء محلات المدينة وأزقتها وأبوابها، وما إلى هذا من التفاصيل، وحتى بعد أن داهمت بخارى داهية التتار، فإنها لم تقصر مع ذلك عن جذب اهتمام الرحالة، في جوبهم مناطق ما وراء النهر ـ كما يظهر من رحلة ابن بطوطة مثلا ـ وإن لم يكونوا يجدون في وقت من الأوقات ـ شيئا ذا بال ينقلونه عنها.
وفي هذه الرؤية لبخارى، التي نحاولها من خلال مدونات الرحالة المسلمين سنسعى إلى استبانة سمات من وجه هذه المدينة قبل أن يصيبها الطوفان التتاري، مستشفين من ذلك، بعض الصور من البيئة التي عاش في كنفها إمام الحديث البخاري، وهي صور تحفل ـ بتفاصيل العمران، دون أن تركز بقدر كاف ـ على موضوعات الحياة الاجتماعية، مما يبدو أنه أفيد ولا ريب في التعرف على المحيط الحي الذي نشأ فيه الرجل، وتكيف به في بعض مناحي تفكيره وسلوكه.

على أي، فلنر المدينة ولو ضمن هذا الإطار المحدود ـ في ضوء الإفادات التي نقلها بعض الرحالة المسلمين، ومن خلال ما سنثبته لهؤلاء، سنلحظ المدينة في عموم ما كانت عليه أثناء القرن الهجري الرابع وفي امتداد الزمن بعد ذلك إلى غزو التتار، وسنرى أن الصورة المنقولة، تعكس تقريبا نفس المشاهد، مما يظن معه أن أصحاب هذه الإفادات قد اقتصروا على ملاحظة العناصر الثابتة من المدينة، ولم ينفذوا إلى ما وراء الخلفيات الأكثر تعرضا لعوامل التغيير، والأكثر دلالة بالتالي على دقائق التطور الذي لابد أن بخارى عرفته على الصعيد المادي والبشري، مثلما تعرفه عادة كل حاضرة، ذات موقع استراتيجي في مجرى التاريخ، وتفاعل الحضارات.
 إذا كان ذكر بخارى، أو "بموجكث" أو "نموجكث" كما تدعى كذلك، خلال العصر الوسيط، ما فتئ يملأ الآفاق في آسيا الوسطى، فمرجع ذلك، إلى عهدها الإسلامي، الذي كان منه منطلقها، إلى ما نالته من مقام أثير بين الحواضر العالمية في تلك الحقبة من تاريخ الإنسانية.
ففي إطار الوجود الإسلامي فيما وراء النهر، نمت هذه المدينة وترعرعت على الوجه الذي تعرف به في مدونات الرحالة القدماء، ومن اتجاهات الفكر الحضاري عند المسلمين، استمدت وجهتها في الفكر والثقافة، وباتصال بتاريخ الإسلام العام تهيأت ظروف تاريخها، هي وانضبط نشاطها على منوال معين في مضمون ذلك التاريخ، وتشكلت لها ملامح معينة في صورته.
إلا أن بخارى الإسلامية لم تقم مع ذلك في محيط فراغ تاريخي، فالموقع الذي وجدت فيه المدينة، اضطرم طويلا بحركة الناس من شرق وغرب، قبل ظهور المسلمين هناك، وغمرته تيارات، وانزاحت عنه أخرى، وقامت فيه عمارة، واندرس غيرها ـ لقد ظهر الإيرانيون في المنطقة، منذ أزمنة موغلة في الماضي، وأقاموا على ضفة نهر زرافشان مباني قد تكون اتخذت شكل مدينة أو مدن حقيقية، واستقام للإسكندر نفوذ في المنطقة، بعدما فتح بلاد فارس، وقد يكون شاد هناك بعض الأبنية، وربما كان لبعض الأمم الآسيوية الآتية من الشرق وجود أيضا في تلك الأرض أثناء حقبة من الحقب.
والمسلم به ، في إطار هذا التاريخ، أنه كانت توجد مدينة ما في موقع بخارى قبل أن تنهض المدينة المعروفة في التاريخ الإسلامي، ومن ثم، فالمدينة الإسلامية، لم تنطلق ـ كما ذكر ـ من فراغ مطلق في المكان أو في الزمان، إلا أن هذا التواصل في حركة التاريخ عبر الحقبة فيما قبل الإسلام وبعده، هو أبعد من أن يكون مجرد استمرار، تتشابه فيه اتجاهات الحركة التاريخية، وتتقارب الخصائص والأشكال المتولدة عن هذه الحركة، وهذه بدهية بسيطة، تصدق على بخارى، كما تصدق على غيرها من الحواضر الإسلامية، التي نبتت في مواقع كان يوجد فيها تعمير سابق فيما قبل الإسلام.
وأول ما يتبادر من ملاحظة تاريخ موقع بخارى فيما قبل الإسلام وبعده، غموض تاريخ الموقع في العصور القديمة، ووضوحه ـ على النقيض من ذلك ـ في خلال عهده بالمسلمين، على الرغم من أن هذا الوضوح غير كاف إذا ابتغينا تفصيلا دقيقا لخلفيات الصورة التي تعرضها علينا المصادر الإسلامية.
ولا يجب أن يفسر غموض تاريخ بخارى قبل الإسلام ببعد المسافة الزمنية، فالتاريخ يحتفظ لمدن أخرى ـ بعيدة هي كذلك في عمق الماضي ـ (أثينا مثلا) بمعلومات ضافية تلقى على بعض جوانب حياتها القديمة أضواء كشافة.
ومن الممكن تفسير الأمر ـ في جملة ما قد يفسر به ـ باحتمال أن تكون بخارى لم تتعد قبل الإسلام، نطاقا محدودا في طاقتها الاقتصادية، وتطورها الاجتماعي، الأمر الذي قد يكون ترتب عنه، أن فاعليتها في التاريخ بقيت محدودة بقدر ذلك. على أن الذي لا جدال فيه، أن الموقع كان باستمرار موقعا هاما في عصور التاريخ المختلفة، وقد تضاعفت أهميته هذه في العهود الإسلامية عندما صار الأمر فيما وراء النهر إلى آل سامان في الحقبة ما بين أواسط القرن الهجري الثالث، وأواخر القرن الرابع.
وقد بزغ فجر بني سامان هؤلاء (وكانوا من أصل فارسي) في عهد المأمون العباسي الذي قلدهم بلاد ما وراء النهر، وفي ظرف حكم هذه  الأسرة، تبلورت حالة من التنافس السياسي بين سمرقند وبخارى، على الرغم من أن المدينة الأولى، كانت هي قاعدة الحكم في بلاد ما وراء النهر، وقد انتهى هذا التنافس إلى خلق وضع معاكس، فصار لحاكم بخارى إسماعيل الساماني الأمر في مناطق ما وراء النهر، بعد أن ظهر على حاكم سمرقند، نصر ابن سامان في نزاع طويل بينهما.
وقد اقترن تفوق إسماعيل الساماني سياسيا في بخارى، بتفوق هذه المدينة معنويا على غيرها من حواضر المنطقة، وصيرورتها محور نفوذ قوي يهيمن عليه الساميون، ويستقطبون فيه فاعلية الحياة العامة في جزء كبير مما كان يدعي ببلاد المشرق. وتحت سطوة هذه الدولة تداعى أمر دولة مهمة من دول المشرق، هي الدولة الصفارية، وحاقت بالبويهيين ضربات شديدة، وفي كل ذلك كانت بخارى محورا مركزيا أساسيا تدور حوله، عوامل التجاذب السياسي، والتبلورات الناجمة عنه فيما وراء النهر، وبحكم ذلك، كانت هي من جهتها موضوع رجات قوية في ذلك المعترك، بحيث تداولتها غير ما مرة أيدي المتصارعين، إلى أن ثم في النهاية اضمحلال نفوذ آل سامان، أمام قوة الغزنويين، القوة الجديدة التي ظهرت آنئذ في بلاد المشرق ومن ثم، دخلت بخارى في طور جديد، صارت فيه مقاليدها إلى العنصر الطوراني، بعد أن قضت حينا من الزمن في ظل العنصر الفارسي، وهو أخذ ورد، لم يكن غريبا عن موقع بخارى، إذا وضع في الاعتبار، ما انتاب ذلك الموقع في التاريخ القديم قبل الإسلام، من ترادف موجات آسيوية، وغير آسيوية عليه، وافدة من شرق أو غرب.
وبموازاة النفوذ السياسي الذي أتيح لبخارى فيما بين القرنين الثالث والرابع الهجريين، شهدت المدينة كذلك مظاهر نشاط ثقافي، على صعيد العلم والأدب، وإن لم تكن تألقات ذلك النشاط، متواقتة دائما مع الأحوال التي كانت فيها المدينة متفوقة من الناحية السياسية.
ومنطلق حصيلة الإمام البخاري من الحديث، كان في بخارى بالذات، ويذكر في سيرته، أن همّه اتجه إلى هذا الفن، وهو لما يزل في العاشرة، وما أن غادر بخارى، إلى بلاد العرب لاستكمال ثقافته الدينية، حتى كان قد بلغ في مسقط رأسه، مستوى مهما في الحفظ والاستيعاب.
ويعرف عن ابن سينا من جهته، أنه تلقى ببخارى قسطا كبيرا من حصيلة علمه في الفلسفة والطب وغيرهما، وكان له في خزائن الكتب بالمدينة، مورد قيم، نهل منه الكثير.
وقد برز وزيران في العهد الساماني ببخارى، كان لهما أثر مهم في رعاية الحركة الثقافية بالمنطقة، أحدهما، هو أبو فضل محمد بن عبيد الله البلعمي، الذي كان " واحد عصره في العقل والرأي" كما ذكر عنه (1)، ثم أبو عبد الله محمد الجيهاني الذي كان وزيرا لنصر بن أحمد، وكان كلا الرجلين من أهل الكتابة والتأليف.
الرحالة المسلمون الذين نحاول رؤية بخارى من خلال إفادتهم هم: شمس الدين بن عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء الشامي المعروف بالمقدسي، المتوفي سنة 387 وواضع كتاب (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) وإبراهيم محمد الفارسي المعروف بالأصطخري مصنف كتاب "مسالك الممالك" والذي يظن أنه عاش في النصف الأول من القرن الهجري الرابع.
وكما يلحظ، فإن أغلبية هؤلاء: المقدسي والاصطخري والنرشخي، تنتمي إلى القرن الرابع للهجرة، أي إلى نفس الحقبة التي كانت فيها بخارى تحت حكم آل سامان، وكانت لها بموجب ذلك ـ ظلال نفوذ مبسوطة على بلاد ما وراء النهر، بعد أن تضاءلت سمرقند  أمامها في أعقاب صراع السلطة الذي نشب طويلا بين سامانيي المدينتين، أما الرابع (ياقوت) فمن رجالات الفترة بين القرن السادس والسابع الهجريين، ومدلول هذا، أن الرجل عايش العصر، الذي هوت فيه بخارى من قمة ازدهارها القديم، بعد أن اكتسحها المد التتاري، الذي تركها ردحا طويلا من الدهر، أطلالا شبه خالية، وقد يسمح الفارق بين العصرين، عصر النرشخي والمقدسي والأصطخري من جهة، وعصر ياقوت من الجهة الأخرى بملاحظة المدينة، فيما نقل عنها إبان ازدهارها، بل التتار، وفي فترة ما بعد سقوطها وتحت وطأتهم، إلا أن الذي يلاحظ أن معجم ياقوت، لا يسعفنا بشيء من هذا القبيل كما سنتطرق إليه بعد.
وفي عموم المصادر التي سنعرض لها، يجد المرء أحيانا نوعا من التكرار في المعلومات المدونة عند مؤلف أو آخر، وقد يعلل هذا في بعض ما يظهر به، بكون المدينة ربما كانت تعرض نفس المشاهد على الرحالة الذين يزورونها، الأمر الذي لم يكن له إلا أن يجعل انطباعاتهم عنها متشابهة في بعض الحالات، إلا أنه لابد أيضا من اعتبار العادة التي درج عليها بعض المؤلفين الجغرافيين القدماء، وهي النقل عن بعضهم البعض، وهذا وحده هو ما يفسر التطابق الحرفي في بعض الإيرادات من هذا القبيل.
والمثير للنظر، أن ياقوت نفسه، الذي خصص حيزا كبيرا لبخارى في معجمه، قد ذهب أحيانا ـ هو الآخر ـ إلى ترديد بعض المعلومات التي أثبتها سابقوه، على الرغم من أنه، يختلف عنهم اختلافا شاسعا من حيث العصر  الذي عاشه، ويتميز بتأخر زمنه إلى ما بعد الحين الذي تعرضت فيه بخارى لغزو التتار، الأمر الذي يلزم عنه ـ لو أنه كان قد زار المدينة بعد مرور التتار فيها ـ أن يكون له المجال موفورا لتسجيل بعض الحقائق الفريدة عن حالة بخارى في تلك الآونة، وماذا صارت إليه صورتها على أثر التدمير الذي منيت به حينئذ غير أن ما ضمنه ياقوت معجمه، لم يتعرض لشيء من هذا، أو ما يتم عنه، وإنما هو ـ في عدد من النقط ـ شبه محاكاة لما أشار إليه آخرون، مع بعض التوسع في المعطيات المتعلقة بتاريخ المدينة وأعلامها، دون أن تتضح من طريقة العرض، نكهة استطلاع شخصي للأمور.
على أن وصف ياقوت لبخارى، يتميز مهما كان الأمرـ بما نقله الرجل من صور شيقة عن مشاهد الاخضرار حول المدينة، ووفرة العمران فيها، وانعكاساته الاجتماعية، حتى أنه (ليس بخراسان وما وراء النهر، مدينة أشد اشتباكا من بخارى، ولا أكثر أهلا على قدرها...) على حد التعبير الوارد.
ومدرك هذا، أن بخارى التي شاهدها ياقوت أو سمع عنها، كانت في مستوى متقدم جدا، من حيث الحضارة والازدهار الاجتماعي، والمعروف، أن رحلة ياقوت لما كان يعرف ببلاد المشرق، حصلت في عهد سابق لغزو التتار للمنطقة. وقد أقام الرجل طويلا في مرو الشاهجان، ومن خزائنها استمد كثيرا من معارفه. وفي هذه المدينة بالذات، نبثت ذهنه فكرة تأليف معجم البلدان كما يوضح في تصدير كتابه (2) وكان ذلك في سنة 615، وفي السنة التالية 616 غزا التتار بخارى، وأوقعوا بها، وساعتها بارح ياقوت بلاد المشرق لا يلوي على شيء، واتجه مغربا إلى الشام حيث أقام بظاهر حلب إلى أن وافته منيته.
وكل هذا، مما يوذن بأن الرجل ـ إذا كان قد رأى بخارى، فإنه يكون رآها، والتتار لما يطؤوها بأقدامهم بعد.
ويبدو من التاريخ الذي نضجت فيه عند  المؤلف فكرة تأليف الكتاب، أن ياقوت، قد لا يكون تفرغ لتدوين معظم المعجم، إلا في خلال تلك الفترة التي أمضاها بالشام في أواخر حياته، ولا شك أنه جلب معه من بلاد المشرق ـ مثل ما جلب من مناطق أخرى من العالم ـ جملة المذكرات والوثائق التي استعان بها في تدوين مصنفه، ومنها ما يتعلق ببخارىـ على  ما هو ظاهر، وإذا كان ياقوت قد أغفل الإشارة إلى أفاعيل التتار ببخارى، فيلوح أنه كانت تنقصه ـ وهو في الشام بعيدا عن مسرح الأحداث التي فر منها المعلومات اللازمة عن الوضع، سيما إذا جعلنا نصب العين، الفارق الشاسع بين إمكانيات الاستعلام في عصرنا، وبين ما كان عليه الأمر من هذا القبيل في عصور قديمة. ونجد في معجم البلدان إيماءات عن تخريب التتار لـ (خوارزم) ( على المجرى الأسفل لنهر جيحون) وغزوهم لـ (مرو الشاهجان) في إقليم خراسان (3) بيد أنها إيماءات جد مقتضبة، مما قد ينبئ بما كان عليه ياقوت من قصور العلم بالحالة هناك، فبالأحرى، قصور علمه بواقع بخارى في تلك الظرف، وهي أبعد موقعا بالنسبة إليه في الشام، وعلى أي، فإن ما أورده صاحب المعجم عن بخارى، يرسم صورة للمدينة وقد استوفت شروط تطورها وازدهارها التي أطلقت ببداية عهدها بالسامانيين. وهو نضج حضاري، أخذت تقترن به ـ في مفارقة أخرى من مفارقات التاريخ ـ دواعي تدرج نحو الانهيار، وكما يعلم، فما لبث ذلك الانهيار أن حصل لها ـ ولو بصورة موقتة ـ تحت ضربات رجال جنكيز خان.
بقي أبو بكر محمد بن جعفر النرشخي، وكتابه (تاريخ بخارى) من بينهم أهم المصادر الإسلامية عن ماضي بخارى وناحيتها، وقد تضمن معلومات فريدة عن قرى الناحية ومنتجاتها وتقاليدها، مما لا يتيسر العثور عليه في غيره، إلا أنه لم يتأت إلا الوقوف على بعض النتف مما في الكتاب، نقلتها الموسوعة الإسلامية، وتنضج هذه الإفادات المنقولة، بمدى قيمة مستقاة من مجال معايشة موصولة فيما يبدو، وإن كانت هذه المعلومات التي ضمنها المصنف كتابه، وهي معلومات مستقاة من مجال معايشة موصولة فيما يبدو،، وإن كانت هذه المعلومات تشابه في عدة أحيان ما نقله عن بخارى، الرحالة العابرون الذين كتبوا في الموضوع.
الصورة التي نستشفها عن بخارى من خلال عروض الجغرافيين المسلمين الذين أسلفنا ذكرهم، هي صورة مدينة، مسورة الجنبات، متداخلة العمران، كثيفة، ضيقة البيوت، واسعة المسالك، كثيرة الأسواق، باذخة القصور، معمورة الضواحي، تكتنفها بقع اخضرار هنا وهنالك في صورة ضياع وبساتين، وتجري من خلالها، أو من خلال بعض قطاعاتها بالأصح ـ جداول مائية متشبعة، تغذي نضرة الاخضرار الذي هو بها محيط، وتنبث فيها على مدى واسع، طواحين المياه، متممة ملامح الديكور، المتكاملة فيه الطبيعة والحضارة، الذي كانت تظهر به بخارى لرأيها أنها صورة مدينة قروسطية، نسبة للقرون الوسطى ) على مثال ما تتميز به الحواضر المهمة حالتئذ من مرافق ومعالم، وثمت خصوصية في مشهد بخارى نص عليه غير واحد، ذلك هو اعتماد العمران في المدينة على المادة الخشبية، حتى ليبدوان سحنتها العمرانية في عموم، كانت موسومة بسمة الخشب، بل أنه ليكاد يدرك من لفظ الأصطخري أن بناءها في عامته كان  من خشب، ومثله فيما ذكره ياقوت كذلك، وقد ذهب المقدسي، في تحسسه لطبيعة بنية المدينة على هذا النحو، إلى القول بأنها كثيرة الحريق (والخشب عنصر شديد القابلية لاشتعال كما يعلم) ولعل في هذا، ما يفسر اضطرام المدينة بالحرائق عند غزو التتار لها سواء على احتمال أن اشتعال النار فيها حينئذ، كان متعمدا في كل الأحوال، أو كان في بعض الأحيان عفويا، نتيجة الفوضى الشاملة التي خيمت على المكان في غمرة الفتنة العشواء.
وعلى الرغم مما يطبعه في الذهن ذكر ضيق البيوت، وازدحام العمران من صورة قد يظهر منها أن بخارى، كانت حينئذ عبارة تجمع سكنى مضغوط الأبعاد مكتنزها فإن الواقع أن مساحة المدينة، لم تكن ضئيلة رغم ذلك، بل تحتل حيزا، يمتد على اثني عشر فرسخا في مثله، وتتميز فيه ثلاثة أجزاء أساسية، تستخلص مما أورده الرحالة في الموضوع، والأجزاء هذه هي:
المدينة الرئيسية، ثم (القهندز) وهو لفظ فارسي الأصل، يراد ما يقابل مدلول القلعة عندنا، أما الجزء الثالث، فعرف بالربض، أو الضاحية، ويستفيض الأصطخري وياقوت الذي يظهر أنه نقل بعض ما أورده من هذا، في تعديد الألفاظ المفعمة دلالة على عمران هذه الأجزاء، وما حواليها، وانتشار مظاهر الطبيعة النباتية في خلال ذلك، فبناء المدينة على ما ذكر هذان، مع بعض الفارق البسيط في التعبير، حافلة بالقصور والبساتين والمحال والسكك والقرى المتصلة، بل يشير المقدسي وغيره إلى ما اعتبروه مدنا داخل الحائط ولعلها كانت قرى كبيرة تتصل بالمدينة، وعدوا منها خمسة هي:
(الطواويس) ولها سوق يقوم كل سنة، و(زندنة) وهي كثيرة الضياع لها حصن به الجامع (وخجادي) وعليها حصن به الجامع، و(مفكان) لها حصن وربض حسن، فضلا عن (يومجكت) المعروفة.
ويشيد المدقسي خاصة بجامع بخارى بما له، من رحبات عدة، (نظاف كلهن) ثم ينوه ببهاء المساجد عموما، مريدا بذلك على ما يظهر حسن العمارة الظاهرة بها، ويورد ياقوت والاصطخري ذكر قصبة يقولون عنها، إنها تتصل بقصور ومساكن ومحال وبساتين تعد منها. ثم يشيران إلى مدينة (يحيط بها سور حصين) وكل ذلك، فيما يبدو بشكل المدينة الرئيسية المدعوة شهرستان، ويفيد النرشخي أن أهم ما كان من بخارى عند الفتح هو شهرستان ولم يكن هناك سواها إلا أبنية منبثة خارج المدينة، ثم يأتي بعد ذلك، ذكر القهندز أو القلعة، الموجود، خارج المدينة، إلا أنه متصل بها، ويحوي المسجد الجامع، وفي داخل القهندز، كانت توجد قلعة اتخذها آل سامان مستقرا لهم، والمظنون أن بداية القلعة ترجع إلى ما قبل الفتح الإسلامي.
وإذا سلمنا بما نقله الاصطخري من انه كان يوجد على النهر نحو ألفي بستان وقصر(4) ، نستطيع أن نتصور ضخامة طاقة السقي التي توفرت للبخاريين آنئذ، والتي أدت بفعل ازدهار الغراسة في المنطقة، إلى انتشار القصور فيها على هذا المدى للواسع، ومما يرجح في الظن، أن ذلك كان خاصة في الربض، ولعله هو الذي عناه المقدسي بالقول أن به (حمامات طبية، وماء خفيفا)(5)  أما بعض القطاعات الأخرى في بخارى، فيقول عنها  الإصطخري، بعكس هذا، أنه ليس بها ماء جار، معللا الأمر، بارتفاع الموقع هناك (6) ربما لوجوده على رابية تسمو عن مستوى السهل المقابل.
وبمثل السور في مشهد بخارى التي تحدث عنها هؤلاء، معلمة بارزة، ووفقا لما أتى به ياقوت.
 فإن ذلك السور كان يمتد على بعد 12 فرسخا في مثله، وهو تقدير مساحة المدينة في عامتها، كما يدرك من سياق الكلام في الموضوع عند الاصطخري، ويتشعب القول، بحسب المصادر، في الصورة التي كانت عليها إحاطة السور بالمدينة، وعلى ما نقله صاحب المعجم فإن السور بامتداده على الاثني عشر فرسخا، كان يحيط بكل بناءات المدينة من قصور وبساتين ومحال وسكك وقرى، فيخيل لك، أن كل ما كانت تشمله بخارى، كان يقع داخل هذا السور بكيفية مشتركة، حيث لا ترى ـ كما ذكر ـ مفازة ولا خرابا، إلا أن ياقوت، ومثله الاصطخري يشيران إلى سور آخر، دون السور الأول، قطره فرسخ واحد، ولم يذكر المصدران ماذا كان يحتويه نطاق هذا السور الصغير ـ ومن الجائز أنه كان يوازي السور الأول في بعض قطاعات امتداده، تعزيزا لمناعة المدينة في تلك القطاعات.
وعلى الصعيد السكاني، تظهر بخارى في خلال الحقبة التي نتطرق إليها، مدينة ضخمة سكانيا، بقدر ضخامتها من ناحية عمرانية، ويورد الإصطخري ـ بصدد هذا، أن إنتاج السكان لم يكن يفي بحاجياتهم لكثرتهم. وكانت الطرق رغم سعتها تضيق بالسكان، على ما نقلته الموسوعة الإسلامية.
وتتداول على ألسنة هؤلاء السكان، لغة السغد، مع تحريف قليل، وزيهم الأقبية والقلانس، على ما يرى حينئذ في عموم آسيا الوسطى، وهم على درجة من الأدب يفضلون به ما وراء النهر .(7)
وفيها يدرك أيضا من المصدر المومأ إليه، فقد كانت تقوم في بخارى صناعة محلية تتركز خاصة في إنتاج بسط ومصليات وأصناف من الأقمشة القطنية والصوفية، التي يظهر أنها كانت جيدة القيمة حسبما يفهم من القول الوارد في حقها أنها كانت جيدة القيمة حسبما يفهم من القول الوارد في حقها أنها كانت (تستحسن) (8)
وقد اعتمدت صادرت البخاريين آنئذ إلى المناطق المجاورة على هذه المنتجات بالذات.
ولم تكن التجارة الداخلية عند هؤلاء بأقل نشاطا، وكانت تستقطبها في الغالب جملة من الأسواق الدورية، تعقد بالتوالي على مدار الشهر وتروج فيها الثياب والمواشي وخلاف ذلك، أما العملة المتداولة، فكانت الدرهم البخاري، المركب أساس من حديد وصفر وآنك، ويطلق عليه، أو على بعض أصنافه، اسم الفطريفي، كما تدعى قطع أخرى من العملة ب (المسيبية) و ( المحمدية) (9)
 وفي العموم يلوح أن الموارد الطبيعية لبخارى، كانت تسد قدرا كبيرا من متطلباتها للاستهلاك، ويذكر الاصطخري في هذا، أنهم كانوا يستمدون حجارة البناء وطين الأواني من جبل مجاور، وأن محتطبهم من بساتينهم، ولهم ملاحات خارج الحائط، وفواكههم أصح فواكه ما وراء النهر وألذها طعما، إلا أنه ذكر في غير ذلك، أن البخاريين كانوا يستوردون كميات من الطعام من بلاد ما وراء النهر، لمواجهة حاجياتهم، وهذا له صلة ولا شك بما أشير إليه آنفا، من ضخامة الحجم السكاني بالمدينة آنئذ، وارتفاع مستوى التحضر فيها، بما يقتضيه من تعدد المطالب  وتنوعها.
هذه نظرة مختزلة عن بخارى على عهدها بالسامانيين ومن تلاهم إلى حين ظهور التتار، وكما هو باد من هذه اللمحات، فإن الصورة المعروضة ليست في مستوى، تدرك منه دقائق بنية المدينة من الناحية الهندسية، ومعرفة أوضاعها الاجتماعية بالتفصيل اللازم، ومرد ذلك، محدودية النطاق نفسه الذي رسمناه لهذه العجالة.
على أننا نستبين من عموم ما رأيناه في هذه اللمحة، أن بخارى التي أنجبت عددا من الشخصيات الإسلامية، كانت لها، في حد ذاتها شخصيتها المتميزة بين حواضر العالم الإسلامي في العصر الوسيط، وكانت تلوح عليها من خلال شخصيتها تلك، سيماء التفاعل العميق الذي حصل بين عدة شعوب وحضارات بآسيا الوسطى، في بوتقة الفكر والثقافة الإسلامية.
وهو تفاعل أضاف شيئا غير يسير إلى تاريخ الحضارة الإسلامية، وكان له في مجرى التاريخ الإسلامي العام، مؤثرات لها شأنها.


1  -السمعاني نقلا عن أحمد أمين في ظهور الإسلام ج 1 ص 270
2 - ياقوت: معجم بلدان ج 1 ص 10 طبعة بيروت 1376 -1957
3 - ياقوت/ معجم البلدان ج 17 ص 114 وج 8 ص 398 طبعة بيروت
4 - الاصطخري: مسالك المملك ص 308 طبعة ليدن 1871
5 - المقدسي: أحسن التقاسيم ص 281 طبعة ليدن 1877
6 - الصطخري: المسالك ص 307 نفس الطبعة
7 - الاصطخري: المسالك ص 314
8 - نفس المصدر.
9 - نفس المصدر
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here