islamaumaroc

[كتاب] صراع المذهب والعقيدة في القرآن لعبد الكريم غلاب

  دعوة الحق

167 العدد

هذا الكتاب يقع في أربعمائة وثماني صفحات من القطع الوزيري، وضعه الأستاذ عب الكريم غلاب ونشرته دار الكتاب اللبناني ببيروت: إلا أن مؤلفه لم يوزع موضوعاته على فصول وفق النهج  المألوف، بل رسم معالمه بعناوين ثلاثة جامعة هي : المؤمنون المنافقون- الكافرون، سبقها ما يمكن أن نسميه تمهيدا يشمل مقدمة وموضوعين، أحدهما: القرآن والإنسان، والآخر: الإطار القرآني لكلمة الإيمان.
ولا بد لنا  بادئ ذي بدء من توضيح أمر يتعلق باسم الكتاب ومضمونه، إذ ليس في مقدمة الكتاب ولا في طياته ما يبين المقصود بعنوانه. فإذا كانت كلمة "العقيدة" تفهم فهما عاما من السياق: فماذا أراد المؤلف، هنا بكلمة "المذهب" الموضوعة بإزائها، في عنوان هو: 'صراع المذهب والعقيدة في القرآن ليتضح معنى الصراع بينهما؟ ولولا الجملة الأخيرة من الكتاب، لفرغ القارئ من قراءته دون أن يسلم بالمراد. يقول الكاتب: أهذا هو المصير الذي يلقاه الكافرون. وهو نهاية الصورة الواضحة عن هذا النموذج البشري الذي عنى القرآن بتصويره لأنه جزء من المجتمع الذي قامت فيه الدعوة القرآنية، ولأنه أحد أقاليم ثلاثة ـ تصارعت على عهد الدعوة المحمدية هم: المؤمنون، المنافقون، الكافرون".
ويمكن أن يستنتج من ذلك أن كلمة العقيدة تصرف الذهن إلى فئة المؤمنين، وكلمة المذهب تنتقل به إلى فئتي: المنافقين والكافرين.
أما الكاتب فهو محاولة لدراسة القرآن دراسة أدبية، أو قل هو من قبيل التفسير الأدبي لبعض مناحي القرآن، وهذا من قبيل التفسير الأدبي لبعض مناحي القرآن. وهذا لون من التفسير دعا إليه المرحوم أمين الخولي بقوله: "هو النظر في القرآن من حيث هو كتاب العربية وأثرها الأدبي الأعظم".
بيد أن التفسير الذي خاض غماره الأستاذ غلاب هو ، في واقع الأمر، دراسة أدبية تناول فيها "تصوير القرآن لبعض النماذج البشرية وتحليله لنفسيات شخصيات كونت مجتمعا فكريا" وقد تناول المؤلف ثلاثة من تلك النماذج هي: المؤمنون، المنافقون، الكافرون.

وعليه لو استخرج المؤلف عنوان كتابه من صميم موضوعه لكان اسمه أبين وبالمراد أوفى كأن يسميه: "نماذج بشرية من القرآن" أو ما شابه ذلك.
لقد حلل القرآن نفسية النماذج البشرية الثلاثة وغيرها تحليلا دقيقا، وصور مواقعهم المختلفة من الدعوة الجديدة، تصويرا رائعا، ورسم لفكرهم وعاطفتهم منحى تطوريا بيننا، وكان، إلى ذلك، كما يقول المؤلف: "شهادة على الذين وقفوا مع الدعوة والذين وقفوا ضدها، شهادة توجيه وإرشاد ومحاجة ومناقشة وتبكيت ووعد ووعيد".
لكن القرآن ليس كتاب أدب في الجوهر، إنه كتاب رسالة "هدف إلى تقديم خلق معين له أثره في الدعوة الإسلامية". إلا أنه بلغ رسالته بأرقى الأساليب الفنية التي تليق بالدعوة وتقرع أسماع العرب أرباب الفصاحة واللسن".
ولقد برع المؤلف في استخراج معاني الإيمان والنفاق والكفر من القرآن، كما برع في استخراج نموذج لكل من هذه المعاني، وحسبنا أن نشير إلى نموذج المؤمن الذي استخرج مواده من سور شتى، ومن صور مختلفة، ومن مواقف كثيرة:
- منها الصورة الظاهرة التي تعتمد على الممارسة للحياة التي تليق بمؤمن.
- وصورة يفرق فيها القرآن بين أنواع من الإيمان أو بين أنواع من المؤمنين.
- وصورة ثالثة لتحديد صفات المؤمن تأتي عن طريق الصورة المعاكسة.
- وصورة أخرى من المؤمن وهي التفكر والتدبر في ملكوت الله.
- وصورة أخرى متعددة رائعة للمؤمن تمزج سلوكه الذاتي وخلقه الواضح بنفسيته المطمئنة، فتقدم نموذجا رائعا للإنسان في أنسيته وخلقه وطبعه وسلوكه.
وثمة صور أخرى كثيرة، ولا عجب، فالإيمان ينطوي على شمولية مطلقة بالمحسوسات والغيبيات، وما يقال في المؤمن يقال في عكسه من المنافق إلى الكافر إلى سواهما.
وحبذا لو قرن المؤلف إلى براعة المواقف والحالات والحركات المختلفة للنماذج التي عرضها مزيدا من التحليل لها، برسم ظل الصورة، واستيفاء التصوير لحواشيها، وبسط ذلك كله بسطا كافيا، مستعينا بما استجد من علوم وأساليب تساعد على تخطيط معالم النفسية الإنسانية".
ولكم حاولت أن أعثر في كلامه على إشارة إلى المحاولة الأولى ـ إن لم أكن مخطئا في تقديريـ لطرح مسألة النماذج الإنسانية في القرآن في آثار سيد القطب، وبخاصة في كتابه "التصوير الفني في القرآن" وهي دراسة أدبية للقرآن ألمت بنماذج خالدة منه.
ويبدو أن الأستاذ غلاب لم يشأ أن يعول على أي من الكتب التي سبقت كتابه أو المعاجم التي تناولت تحديد المفاهيم والمعاني التي قام عليها ركن من كتابه.
يبقى أن الكتاب محاولة رائدة تشق الطريق لمزيد من الدراسات القرآنية الأدبية في وجوهها المتنوعة، فقد كشف الأستاذ غلاب، من خلال دراسته النماذج البشرية في القرآن، عن الوضع الفكري والنفسي في مجتمع مكة والمدينة. وهذا قطاع من الحياة لا تنفذ إليه الدراسات التاريخية والدينية الاتباعية، لأن الأدب وحده قدير على الغوص إلى أغوار النفسية الإنسانية واستخراج ما كمن فيها من صراع الأحاسيس والأفكار.
من هنا يأخذ كتاب الأستاذ غلاب "صراع المذهب والعقيدة في القرآن" مكانه البين في مكتبه الدراسات القرآنية، فهو خطوة كان لابد أن يخطوها باحث حديث بعقلانية واعية وإيمان حي.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here