islamaumaroc

الدين تحرير وبناء -2

  محمد الحبيب

3 العدد


جاء الإسلام - كما قلنا - تحريرا للإنسان ومواهبه من جميع أنواع العبوديات، ومن جميع مظاهر السيطرة الفكرية أو الاجتماعية أو السياسية – وجاء ثورة روحية، وتنظيمية اجتماعية، تفرغ المجتمع الإنساني في تشكيلة نظيفة واعية، تفتح أمامه الإمكانيات كلها، للسمو والتكامل، والتطور في الحياة – كما حرر الإسلام علاقة الإنسان بالله من جميع الوسائط والأوهام، وأسلمه لعقله ووجدانه ليتلمس الله والطريق إليه عن طريقهما، ووضع عقيدته في هذا الباب تحت مسؤوليته الخاصة، ليتجه بنفسه وروحه إلى الله وجها لوجه: (إياك نعبد وإياك نستعين).

الإسلام في واقعه:
والإسلام في واقعه التاريخي، ظل في أغلب مراحله خاضعا للسلطات السياسية، التي كانت تتلبسه بدل أن يتلبسها، والتي كانت في أغلب الحالات خاضعة لنفسية وميول الشخصية السياسية، التي تملك الموقف في زمان أو مكان ما، وأريد أن أقول إن الدين الرسمي للدول الإسلامية، والروح التسلطية التي كانت تسود أغلب ملوك الإسلام - إلا النادر- هي التي سلكت بمبادئ الإسلام، وأصوله، هذه الوجهة التي قلصت من نفوذها، والتي انمسخت بها حتى انعكست ظلالا شاحبة في محيط الحياة العامة للناس.

وقد انضاف للسلطة السياسية، في تقليص معنوية روح الإسلام، وسد الأبواب والإمكانيات (الرسمية) الكبرى، أمام بلورتها في حياة الناس عامل آخر هو موقف الفقهاء ورجال الدين:
الفقهاء الذين انجرفوا هم أنفسهم في تيار السلطة السياسية، وكانوا - أغلبهم في أكثر الأحيان- سدنة رجال النفوذ، وخدام السلطة السائدة ومؤولي الشريعة حسب الميول والرغبات، كما كانت ظواهر الجمود والتقليد، والتزمت والتشدد المتحرج، أحيانا كثيرة هي الطابع الذي يسود أوساطهم، وقلما آمن الفقهاء، أن رسالتهم الإنسانية أقدس من رسالة أعظم ملك، وأن مهمتهم أشق من كل مهمة تحملها مسؤول، وقلما نعثر في التاريخ على أمثال أبي حنيفة، ومالك ابن انس وابن تيمية وابن القيم، وابن حزم أحمد بن سعيد، وأسد بن الفرات، ممن آمنوا برسالتهم واستقلال مهمتهم عن كل سلطة وكل تأثير، فرفضوا أن يخضعوا لأية سلطة، أو أي مؤثر، فأدوا رسالتهم مؤمنين أوفياء.

وقد كانت الحقبة الأولى في تاريخ الإسلام، هي الحقبة التي امتازت بطهارة الضمائر وصفاوة القلوب، وبانسياب مبادئ الإسلام فيها إلى الحياة العامة انسيابا رقراقا حيا متوثبا، كما امتازت بميزة كانت من أمجد الميزات وأروعها، هي هذه الحرارة الملتهبة من الإيمان الرقراق الصافي الحلو الذي كانت تفيض به أنفس المسؤولين وماسكي قيادة الأمور بين أيديهم في ذلك العصر في مسحة من التواضع والتفهم والحياة، فتم بينهم وبين جميع طبقات الشعب المحكومة نوع من التفاهم، وروح الاستجابة الواعية، والانسجام الحي عز أن تحقق مثله في تاريخ الإسلام بين الحاكمين والمحكومين.

وقد ظلت الشعوب الإسلامية منذ ذلك العصر حينما ملأت طهارة المبادئ أركان القلوب محتفظة في محيطها على ممر العصور بروح الإسلام ومبادئه في كثير من مميزاتها ومظاهر حركتها العامة في شؤون المجتمع العادية ومدارج حياته اليومية، فكنت لا تجد الجذور العميقة لهذه الروح، ورواسبها النقية، والأمثلة الرائعة الخالدة في النبل والطهارة والصفاء والتضحية والإيمان إلا في الأوساط العامة للشعب - على حين انحرف بجميع ذلك أرباب السياسة وذوو السلطة والنفوذ، إلا جزئيات نادرة تذكر محفوظة في التاريخ.

وهكذا تبلورت الروح الإسلامية (التحررية-والبنائية) في حياة الجماهير الشعبية بأبرز صورها، والتمعت في محيطها بحياة أفراد كانوا الأمثلة الحية فيما تصنع المبادئ، وتحقق من المعجزات في السمو والصفاء - كما انتفضت بفضلها هذه الشعوب انتفاضات واعية عبر التاريخ، كانت من أروع ما عرفت الإنسانية في كفاح العقيدة، وتفاني الوفاء، وبطولة الإيمان والإخلاص.

ظلال على الحياة الإسلامية:
ومع اطراد الحياة الإسلامية، وتفاعل ظروفها، مع الحياة نفسها، ومع آثار الاتجاه المعاكس الذي كانت تسير فيه السياسة الإسلامية، في حياتها اليومية وجانبها الواقعي، مغمورة بنزعات الأشخاص ونفوذ الميول، ومختلف الرغبات والأهواء، - فقد انعكست على الحياة العامة للمجتمع الإسلامي- عبر القرون المتطاولة التي تعاقبت فيها ممالك وإمارات إسلامية - ظلال متعددة كان لها أهم الأثر وأبرزه في تشكيل نفسيته وعقليته، وفي توريثه كثيرا من العاهات النفسية والروحية، كانت بمثابة (روماتيزم) عقلي وروحي، شل حركة المجتمع الإسلامي، وعاق تدافعه، وجمد طاقاته الحرارية، وطوق إمكانياته الحية في أعماقه، وكان من أبرز هذه الظلال:
ظلال السياسة التي انحرف غير قليل رجال السلطة ممن بيدهم مقاود البلاد والشعوب الإسلامية الروحية والزمنية عن روحانية الإسلام واتجاهه فانعكس هذا الانحراف الزائغ على الجماهير الشعبية بظاهرتين اثنتين:
أولاهما: ردة فعل نفسية داخلية كانت بمثابة نكسة داخلية ذاتية متأتية من شعور الأفراد الداخلي أن مبادئ الإسلام قد انتكس بها الساسة على نفسها، وأن روحه الحق قد ضحلت في محيط السياسة وفي إطار القيادة المسيرة لشعوب الإسلام.
وثانيهما: انخلاق روح من الطاعة المسحورة، والانقياد الأعمى عند العامة، وخصوصا في عصور الانحطاط والتخلف، وبالتالي ظاهرة من أخلاق العبودية والاستخذاء، وميل إلى الانطوائية المتطرفة التي مقتت الحياة كلها فآثرت الاعتزال عنها، والابتعاد عن التأذي بما تعرض من انحرافات في العمل والخلق والتصرف، والاستسلام للظروف والأقدار تفعل في محيط الحياة وتخرب ما تشاء.

وظلال التشريع الإسلامي الذي لم يستطع فقهاؤه - في عصور الانحطاط المتطاولة- أن يسايروا به دائما الحياة الدائمة النمو والتطور، وأن يعطوا نصوصه وقواعده العامة التفسير المرن المتعقل الذي يجعل منه قوة قانونية متقبلة في معطيات المجتمع، وسلطة روحية نافذة تماشي المدارك، وتتفتح عليها المواهب والعقول، هذا من جهة - كما لم يستطيعوا من جهة أخرى أن ينحوا بالفقه المنحى الذي يجعله مستقلا عن تأثير الأهواء والأشخاص، ولا الوجهة التي تجعله في حماية من سلطة السياسة واستبدادها، وفي مبعدة عن سطوة المذاهب والنزعات التي كانت تريد بإلحاح أن تجر إلى ركابها رجال الشرع والدين وأن تساند أهواءها ومطامعها بموقفهم إلى جانبها، وبفتاويهم لصالحها، ولن يستطيع أحد أن ينكر الدور الذي لعبته الأحزاب والأهواء السياسية، ولعبه الملوك والأمراء في استدراج رجال السلطة الروحية أحيانا كثيرة إلى جانبهم، وكسب تأييد الدين لفائدتهم، وكيف أن ظلال هذا الاستدراج انعكست - عن غير قصد في أغلب الأحيان - في آراء كثير من الفقهاء، وفي طوايا القضايا الفقهية بصفة عامة، وقديما قيل: (الناس على دين ملوكهم) ولا تعني هذه الكلمة أكثر من هذا، أكثر من انسياق جميع الناس وفي مقدمتهم رجال التشريع في ركب السلطة القائمة، واندراجهم - بحكم طبيعة التقليد التي هي من الغرائز الإنسانية العميقة- في غمرة اتجاه ذوي السلطة والنفوذ- ويأتي تبعا لذلك انطباع مظاهر الحياة العامة للناس بآثار هذا الانسياق، وميزات هذا الاندراج بصفة من الصفات.

ومن جهة ثانية، كانت طبيعة الحياة الاجتماعية التي ينمو الفقهاء عليها ويعيشون، وبصفة أخص في القرون المتأخرة، تورثهم كثيرا من الصفات النفسية، والخلال الخلقية التي لا تلائم في أغلبها صفات المشرع الخبير، وحامي الشريعة ومفسرها الذي ينتزع من أسرار الحياة والمجتمع الخبرات والعبر والقواعد التشريعية التي يمسكها في يده فيعطي بها للشريعة اللقاح الجديد الضروري، ويفتح أمام الديانة نوافذ الحياة كلها، ليتنسم المتدينون منها نسائم الأدب والصفاء والحرية والذوق والجمال، وتتبلور أمام الأعين قيم الحياة وأهدافها الكبرى في نصاعتها ونبالتها، وبالتالي تنفتح أمام المجتمعات الإسلامية، وأمام جميع المدارك كل المجالات للتطور والتفتح والتكامل.

ومن جراء هذه العوامل التي تقاصرت بسببها مهمة الفقهاء، وتقلصت حدود رسالتهم إلى مجرد الاشتغال بأتفه الجزئيات الفقهية وبالنزعات الشخصية البسيطة التي سلكت برسالة الإسلام (التحريرية والبنائية - سبلا أخرى ملتوية ضاعت معها كل الضياع - من جراء ذلك كله، كانت الانتكاسة التي ارتكست بالتشريع وبالدين الإسلاميين عموما طيلة العصور الوسطية في كثير من مظاهر الجمود والتخاذل أورثت المجتمع الإسلامي كثيرا من العقد النفسية المربكة، وغير قليل من رذائل مختلفة في النفس والاجتماع والاقتصاد والسياسة وفي العقائد وشؤون الضمير والعواطف وعلاقات الناس بعضهم بعضا.

ومن ثم انعكست ظلال هذه الانتكاسات كلها في محيط الحياة العامة للمسلمين، سواء منها المتأتي من عواقب الاستبداد السياسي الذي نكبت به أغلب عصور الإسلام، أو المتأتي من جمود الفقهاء وانعزاليتهم عن شؤون الحياة الاجتماعية العملية للمسلمين - انعكست ظلال ذلك كله فخلفت مركبات نفسية ومعقدات مختلفة من طبيعة الاستكانة والتسليم بالمقدور، وعقيدة التقليد والذبذبة العقلية والفوضى في المبادئ والأفكار -فأصيب المجتمع الإسلامي بأدواء كثيرة في نفسه وروحه لا يزال يغالب الكثير منها حتى الآن – ونحن في غنى أن نؤكد أن التشريع في أمة ما هو المقود الروحي الذي يقدر وجهاتها ويقرر مصايرها، وهو الذي يطبع مظاهرها طابعا يحدد اتجاهها وسلوكها ويرسم لها مناهج النفس والعاطفة والفكر والوجدان، ولذلك فإذا أردت أن ترى المستوى الحضاري لأمة فانظر إلى تشريعها والمستوى الفكري لرجال هذا التشريع.

تماسك مع التاريخ:
وفورة التعاليم الإسلامية في حرارتها إنما تأتي أقوى وأبرز ما تكون حينما يكون سطوع المبدأين الأساسيين في تعاليم الإسلام كلها قويا في عقيدة المسلمين، وإدراكهم لهما وافيا، وإيمانهم بهما خالصا عميقا:
- مبدأ التحرير، أي مبدأ الحرية في النفس، في الفكر، في العقيدة، في الضمير، في الوجدان.
- مبدأ العمل الصالح، وعقيدة التجند المدني المستمر لصالح الأمة الإسلامية والوطن الإسلامي الأكبر، بل لصالح الإنسانية كلها في وطنها كله.

وقد نبضت الحياة الإسلامية بأمثلة فأحدث من وحي هذين المبدأين حينما كانا يجدان في أوساط المسلمين تفهما وإيمانا وإدراكا، وبلغ المسلمون أوج السمو والرفعة والصفاء حينما ترادف إيمان الشعوب وإيمان السلطات الزمنية الحاكمة بهما، ثم ظلت الشعوب بعد محتفظة في أعماقها، وفي محيط أفرادها في حياتهم اليومية العادية باقتباس من روح المبدأين اللذين كانت بشاشتهما قد خالطت أعماق القلوب، وقت أن كانت سطوة الاستبداد السياسي تخنق الأنفاس وتكبت العواطف، وتقيد الفكر، وتشل الإرادات، وظل الإسلام بفضل سريانه الطلق وتمكنه من النفوس متماسكا مع التاريخ عند الشعوب، وفي أوساطها وفي واقعها اليومي البسيط، وإن يكن يهضم ويهدر في أوساطه الرسمية، وفي مدارج السياسة ومنافذ السلطات، وقد مر زمان طويل كنت لا تجد الإسلام وأنت تبحث عنه وعن صوره الحية الرائعة، إلا متى انصرفت إلى رجل الشعب المسكين في دكان مهجور قائم في زاوية مهملة أو حي فقير، أو في أعماق قرية نائية، فعنده كنت تجد الإيمان الصافي والعقيدة المطمئنة، والتصرف النبيل، والإخلاص الثابت، لمبدأي الحرية والبناء، على حين أنك تجد كلما ارتقيت إلى الطبقات العليا حتى القمة الانحلال وعاهات التملق والكياد والدس، وتحلل عقائد الارتكاز النفسي في المبادئ والأفكار.

عبرة:
إن في ثنايا تدافع التاريخ عبرا كبرى، ودروسا ثمينة مفيدة يجب أن نعرف كيف ننتزعها كما هي بأمانة وإخلاص، ونتبين من خلالها معاثرنا عبر التاريخ، ومآوي النقص، ومداخل الانحلال في نفوسنا وفي أفكارنا وفي عقائدنا، ثم نلقنها أنفسنا واثقين.

وقد مرت العصور الوسيطة الأخيرة وقسم مهم من عهود الانبعاث، والحالة العامة للمسلمين تتخبط في هوى عميقة، وتغالب من أدوائها السياسية والاجتماعية والنفسية والعقدية، مرت خلالها مبادئ الإسلام من أعظم محنة مرت بها المبادئ والأفكار، وعبرت أقسى الزعازع، وغالبت أشد التيارات والأمراض تحطيما، وأعنفها تهديما، ومع ذلك فقد كان الإسلام يحمل في مبادئه من عناصر القوة والحياة ما ضمن له الوجود والاستمرار عبر القرون، وما كفل له أن يغالب قيود الأهواء والنزعات والجمود والتقليد والانعزال كلها، فيلتفت لأول فرصة مواتية في العصر الحاضر، فتتجلى مبادئه إلى الميدان مرة أخرى في نصاعتها ونبالتها، وتتسلل إلى العقول لتفتح منها مرة أخرى آفاقا جديدة إلى الحياة، وتخترق الطريق الجديدة للإسلام فتقتعد القمة التي هي جديرة بها بين المبادئ والحضارات في العصر الجديد. وفي القسم الثالث والأخير من حديثي هذا سأعرض لدور الإسلام ومبادئه في فوز ثورتنا التحريرية ضد الاستعمار، والدور المشرف الباهر الذي لعبته السلطة الزمنية فيها بقيادة جلالة الملك الصالح مولانا محمد الخامس نصره الله.

بكل درهم عشرة
3) قال ابن عباس: قحط الناس في زمن أبي بكر. فقال أبو بكر : لا تمسون حتى يفرج الله عنكم. فلما كان من الغد جاء البشير إليه فقال: لقد قدمت لعثمان ألف راحلة برا وطعاما. فغدا التجار على عثمان فقرعوا عليه الباب فخرج إليهم وعليه ملاءة قد خالف بين طرفيها على عاتقه فقال لهم ما تريدون؟ قالوا: بلغنا أنه قدم لك ألف راحلة برا وطعاما. بعنا حتى نوسع على فقراء المدينة فقال لهم عثمان ادخلوا فإذا ألف وقر قد صب في الدار فقال لهم: كم تربحوني على شرائي من الشام؟ قالوا: العشرة اثني عشر. قال قد زادوني . قالوا: العشرة أربعة عشر: قال: زادوني. قالوا العشرة خمسة عشر. قال: قد زادوني. قالوا: من زادك ونحن تجار المدينة؟ قال زادوني بكل درهم عشرة. هل عندكم زيادة. قالوا لا. قال فأشهدكم معشر التجار أنها صدقة على فقراء المدينة.  

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here