islamaumaroc

وابن الخطيب ..؟

  دعوة الحق

163 العدد

قررت وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية الاحتفال بالذكرى الألفية للشاعر ابن زيدون، ومن غير شك فإن هذه المبادرة من لدن الوزارة المكلفة بالشؤون الثقافية تعتبر عملا مبرورا، وسعيا مشكورا، ذلك أن الشاعر ابن زيدون قد شغل الناس بأمره وبشؤونه وشجونه وأحزانه التي كانت مادة خصبة لأشعاره وعواطفه ونزواته كذلك، على أنه إذا كان يحسن بدولة الأدب والشعر أن تحتفل بهذا الشاعر لتتاح الفرصة لتقييم حياته المتسمة بألوان شتى من متناقضات أبرز ما فيها أن الشاعر ابن زيدون هو أيضا سره زمن بينما ساءته أزمان.
نقول: إنه إذا كان يحسن بدولة الشعر أن تقيم مثل هذا الاحتفال، فإن هنالك شخصية أخرى لها شأنها ووزنها في عالم الثقافة والأدب، وذلك بالإضافة إلى أنها أقرب إلى المغرب من حبل الوريد، ونعني بها شخصية لسان الدين ابن الخطيب.
إن ابن الخطيب اشتغل بأمره الناس أكثر مما اشتغلوا بأمر ابن زيدون، حتى أنه ليكفي في الدلالة على هذا النوع من اشتغال الناس به الإشارة إلى العناية الخاصة التي أولاها إياه أبو العباس المقري بتأليف كتابه الشهير: «نفح الطيب، من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين ابن الخطيب».
ولعله من المتعذر القيام بمقارنة أو محاولة للمقارنة فيما بين ابن زيدون وابن الخطيب، فلكل منهما وجهة هو موليها، ولئن ائتلفا في بعض الجوانب من حياتهما السياسية - وبالأخص فيما مني كل واحد منهما به من محن ونكبات تختلف هي الأخرى من حيث حجمها - فإنهما قد اختلفا اختلافا يكاد يكون بينا من حيث التكوين والاتجاه في الميدانين الثقافي والسياسي على السواء، ولست هنا بصدد تبيين عوامل الائتلاف والاختلاف ونوعيتها، لأن هذه المهمة ربما تكون خارجة عن الموضوع الذي حددته لكتابة هذا المقال، وهو موضوع إحياء الذكرى الستمائة «للكاتب البارع والمؤرخ الساطع لسان الدين ابن الخطيب»، فمن واجبنا أن نعطيه الأسبقية على ابن زيدون لسبب واحد من جملة أسباب عديدة، وهو أن لسان الدين ابن الخطيب قضى شطرا لا بأس به من عمره فوق أرض بلدنا، واحتفظ لها بأجمل الذكريات، وخلد بعض معالمها وشخصياتها فيما تركه من تراث فكري يمتاز بالصدق، كما أنه يتميز بشيء غير قليل من ألوان الأصالة والرصانة، وهو تراث بعضه مغربي بحكم مواضعه ومضامينه وطابعه، وبعضه أقرب إلى المغرب بحكم دوافعه ونوازعه، ولهذا فإنه يكون من الإحراج لنا أن نطالب شخصية علمية مثل الأستاذ محمد عبد الله عنان بإحياء الذكرى الستمائة لابن الخطيب دون أن تجد هذه المطالبة استجابة من طرفنا هنا في المغرب بصفة خاصة، ثم إن الحيثيات التي تعطي الأسبقية لأن يحتفل المغرب الثقافي بلسان الدين ابن الخطيب تعتبر حيثيات طبيعية إن لم تكن «قانونية»، إن جاز لنا أن نستعير المدلول القانوني كعامل معنوي في هاتيك الحيثيات، وهي حيثيات كثيرة لا يوجد لها بالقطع ولا شبيه واحد في حيثيات الاحتفال بالذكرى الألفية للشاعر ابن زيدون.
ولا ينبغي أن نفسر هذه الدعوة بكونها انتقادا أو إيلاما أو تأنيبا لفكرة الاحتفال من حيث المبدأ، إذ لا حدود في مجالات الفكر الإنساني على سعتها، وكل ما في الأمر أن القضية قضية أسبقية وقضية إنصاف كذلك.
ومن المناسب أن نسوق هنا بعض تلك الحيثيات التي تفرض علينا مراعاة «الوضع القانوني» -إن جاز التعبير مرة أخرى- لعلاقتنا الخاصة بابن الخطيب، حتى لا يطاردنا ذلك الوصف الذي توصف به النخلة بظلها الوارف على القريب القريب.
وهاهي بعض تلك الحيثيات:
أولا- إن لسان الدين ابن الخطيب مارس وجرب موهبته الديبلوماسية في المسعى الذي قام به يوم أن حضر إلى المغرب كمبعوث خاص من طرف السلطان أبو عبد الله الملقب بالغني بالله، إلى حضرة السلطان المريني العظيم أبي عنان المريني، وذلك في منتصف السنة الثامنة للهجرة، وكان القصد من هذه السفارة «هو مواصلة توطيد أواصر المحبة والاتصال التي كانت قائمة بين ابن الحجاج والد الغني بالله والدولة المغربية». وانتهز ابن الخطيب هذه الفرصة ليعبر عن عواطفه التلقائية نحو المغرب في شخص السلطان وليقدم بضاعة من شعره بقصيدته التي مطلعها:
خليفة الله ساعد القدر    علاك ما لاح في الدجى قمر
وتشهد جميع القرائن على أن ابن الخطيب قد أحب الأرض المغربية حبا يغلب على الظن أن مصدره كان عفويا وميوليا على حد تعبير بروفنسال.
وبعد أربع سنوات ونيف رجع ابن الخطيب إلى المغرب مرة أخرى إلا أنه عاد إليها مكرها لا بطلا، وكان ذلك في إثر حركة تمرد وعصيان على السلطان الأندلسي الغني بالله الذي التجأ هو أيضا إلى المغرب على إثر تدخل عاهل المغرب لصالحه لدى النظام الجديد بغرناطة «ثم عاد السعد فابتسم للسلطان المخلوع الغني بالله ووزيره ابن الخطيب حيث طرأت ظروف أخرى كانت لصالحهما فقفلا راجعين إلى الأندلس ومع ذلك فإن قلب ابن الخطيب بقي متعلقا بالمغرب وعرساته الفيحاء» على حد تعبير ابن دحية.
إلا أنه سرعان ما حلت بابن الخطيب المحنة الثانية وكانت أشد من الأولى، يوم أن جمع منافسوه وحاسدوه أمرهم وشركاءهم وعلى رأسهم مساعده وتلميذه ابن زمرك «وآه من عقوق التلاميذ»، فعاد إلى المغرب ليستقر فيه، إلا أن تآمر المنافسين والحساد عليه طارده بجيش عرمرم من ضروب الوشاية والدس والوقيعة إلى أن وقعت الواقعة.
وكانت محنته الأخرى التي وضعت حدا لحياته هنا في المغرب في شكل مثير لا أريد أن أكرر وصف مشاهده رفقا بروح ابن الخطيب رحمه الله، وتلافيا لإزعاجها بعد قرون خلت من السكينة والاطمئنان.
ثانيا- إن ابن الخطيب يذكر في مذكراته «نفاضة الجراب وعلالة الاغتراب» إما موضوعيا وإما على سبيل الاستطراد، هذه الأرض التي يصفها بأنها طيبة يرجو لأهلها كثرة الوفاق وعدم الافتراق، ولعرساتها أفانين من الخضرة والماء الرقراق.
ثالثا- إن ابن الخطيب قد قتل في المغرب في ظروف سيئة، وبوسائل أسوأ، نتيجة دس وكيد واتهام بالإلحاد الذي كان الكفرة وعملاؤهم، وخصوصا في عهد الطوائف، يلصقونه بالأتقياء بغية التخلص منهم.
وهذا ما يضفي على أسبقية الاحتفاء بذكراه صفة تكاد تقرب من المشروعية إن لم تكن هي المشروعية فعلا.
ولئن ابتلى ابن الخطيب بتلميذه العاق ابن زمرك مثلما ابتلي ابن زيدون بمنافسه الخطير ابن عبدوس، وهذا وجه من وجوه المقارنة بينهما في ميدان المحن والابتلاء، فإن ابن زيدون قد وجد في ابنه أبي بكر، نعم الابن البار، ونعم المواسي الرؤوف، حيث ظل الابن يرعى أباه ويقوم بعلاجه من مرضه الجسمي والنفسي، في حين أن ابن الخطيب لم يجد سوى قلوب قاسية لا تلين، وتلك سيئة ارتكبت في حق ابن الخطيب فوق هذه الأرض التي كان رحمه الله ينعتها بالطيبة.

فمن الطبيعي ومن المنطق أن يبادر المغرب إلى إحياء ذكرى هذا الرجل في مشهد يليق بمقامه كرجل ثقافة، ويليق بعواطفه نحو المغرب، لعله ينسخ مشاهد قتله التي لها في كل كتاب تحدث عنها، فن تجريدي وآخر تشكيلي. وفي انتظار تحقيق أمنية مثل هذا الاحتفال فإنني أقترح على القائمين بأمر مجلة «دعوة الحق» أن يناصروا دعوة الحق هذه، وذلك بإصدار عدد خاص عن لسان الدين ابن الخطيب، كما أنني أطلب بهذه المناسبة من الصديق العزيز الأستاذ عبد الله كنون أن يهب لنجدتي في هذه الدعوة، خصوصا وأنه كان قد سبق له أن هب لنجدتنا بالسلاح خلال أيام الكفاح المسلح، فلا يعز عليه أن يهب لنجدتي اليوم بقلمه وآرائه وخصوصا في ميدان ابن الخطيب الذي يعد الأستاذ من فرسانه الشجعان الأشداء.
إن الشاعر ابن زيدون شخصية أدبية يستحق أن يحتفى بها، ما في ذلك من شك، ولكن احتفاءنا نحن المغاربة بابن الخطيب يقتضي الأسبقية لأنه سيكون احتفاء ورد اعتبار قبل ذلك.

يقول الكاتب الإنجليزي (توماس كارليل) الذي وقف يرد على هؤلاء الذين رموا رسول الله صلى الله عليه وسلم - جهلا وكنودا- بقواذع الهجاء، وقواذف الذم، وقد رد عليهم بمقالة رائعة بعنوان: «البطل في صورة رسول الإسلام» وهي موجودة في كتابه الرائع: «في البطولة والأبطال وعنصر البطولة في التاريخ» والتي يقول فيها:
«لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متمدين من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يظن من أن دين الإسلام كذب، وأن محمدا خداع مزور، وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة، فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول مازالت السراج المنير لملايين من الناس طيلة هذه القرون».

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here