islamaumaroc

دعوة الحق: تاريخ نهضة وتراث جيل.

  دعوة الحق

163 العدد

أخي القارئ الكريم ...
ها هي ذي دعوة الحق اليوم بين يديك، تتخطى سنتها السابعة عشرة، قوية بروحها غنية بمبادئها، فتية بأملها، تمد إليك يدها لتمدها ببنات أفكارك، وتعرض نفسها عليك لتنيلها من طيب أنفاسك، وتتحدث إليك حديث المستهام المشوق الولهان إلى خدنه الوفي الذي حفظ العهد، ورعى الود، فلا ينحرف ولا يريم، وتقدم إليك من أفانين البحوث، وناضج الدراسات الفكرية والتطبيقية لتستشرف بك إلى عالم أرحب، وآفاق أوسع من ساحات البحث العلمي ومناهجه، والدراسات المنظمة التي تقضي حاجات القارئ الجاد، وتشبع نهمه وتطلعه، وتلبي أشواقه بما تتناوله من فنون الأدب العام وقضايا الفكر في شتى ضروبه، ومتنوع ألوانه.
ودعوة الحق إذ تدخل سنتها الجديدة يحدوها أمل قوي لتحقيق مكاسب كثيرة، ويحفزها باعث ملح لتضيف إلى سجلها الحافل مآثر أثيرة لمستقبل الثقافة وقضايا الفكر بنفس القريحة الصادقة، والإرادة المصممة التي غمرت أسرة تحريرها وكتابها الأوفياء، لمواصلة الخطى، ومتابعة السير قدما في السبيل القويم الذي انتهجته للعمل على إنتاج فكر مغربي أصيل؛ وقد استطاعت بإذن الله منذ بدأت نشاطها الحافل، وحياتها المليئة أن تشق طريقها إلى الغاية المنشودة التي رسمها لها مولانا محمد الخامس مؤسسها وباعث فكرتها، فربطت أمتن الصلات بينها وبين قادة الفكر في العالم الإسلامي، وأسهمت بحظ وافر في تقوية جانب الروح على جانب المادة جاعلة مثلها الأعلى دائما هو نشر  الدعوة الإسلامية في وضوح وجلاء بالتي هي أقوم وأدعى إلى القبول ... واستجابة للنهضة العامة التي عرفها المغرب، وتأثرا بالنشاط الشامل الذي أدركته البلاد فقد أثارت، بأبحاثها الناضة، ودراساتها الإسلامية الملتزمة أذهان العامة، وهذيت أفكار الخاصة، وسجلت أحداث الزمن، وجمعت مادة التاريخ، وحركت في الملكات الموهوبة ساكن الشوق إلى الإنتاج، وأهابت بالقوى المتفرقة لتجميع شملها حتى خرجت على يدها طبقة متنورة من الأدباء، وأفواج من المفكرين الإعلام، الذين ازدانت بهم الأبهاء العلمية والأدبية في هذه الربوع. وهي إلى ذلك تحاول دائما أن تعالج المشاكل التي يحياها الناس اليوم بالواقع الملموس بدلا من التحليق في أجواء النظريات المثالية أو اجترار الحلول التي وضعها الأولون من العلماء الأجلاء على ضوء أزمنتهم وبيناتهم الماضية، ومستلزمات الحاية التي عاشوها...
ولإتمام الدور العظيم الذي اضطلعت به منذ ستة عشر عاما الرامي إلى تركيز الثقافة الإسلامية الهادية المؤمنة، وإشاعة العلوم العربية التي يعمل لها دعاة الثقافة والفكر، واساة التهذيب والإصلاح في بلادنا. فإن دعوة الحق بموقفها الجاد الملتزم تتوخى في موسمها المقبل، المفعم بالعطاء أن تصل إلى المستوى المرموق الذي ترنو إليه في منطلق سعيها الحثيث دائما مضمونا وإطارا، لتكسب ساحات جديدة من أفكار جيلنا على طريق التوعية بمحتواها الدال الملتزم ... وهي تتمنى من أسرتها الكبيرة سواء في الداخل أو الخارج أن تجد فيهم العون الذي يمهد الطريق، والمؤازرة التي تبعث الحياة، والدعم الذي يضاعف النشاط، والتشجيع الذي يدلل  الصعاب لتمضي القافلة الهادية إلى طريقها المرسوم وسبيلها المأمون ...
والرجاء المعقود بحملة الأقلام وذوي الفكر والمواهب الذين يعدون نقطة الارتكاز، ومبعث المدد والذين رزقوا من قوة الحس، وصفاء النفس وطموح إلى الكمال أن يمدونا بالعون، ويرفدونا بما يأتي عفو الخاطر وتمرة القريحة لاسيما  في هذا العصر الذي تواجه فيه الأمة الإسلامية في طريقها الطويل أعداء الداء يحاولون بمختلف الوسائل وشتى الأسباب عرقلة مسيرتها وتمزيق وحدتها وتشتيت كلمتها وطمس شخصيتها تشايعهم عناصر منحرفة عميت بصيرتها وبطرت معيشتها، فعرفت بشذوذ الفكر وفساد في البدن وعجز عن الكمال .. بيد أن الشيء البارز والباقي في كل تلك الاختلاطات يتكشف محتواه عن حقيقة جلية هي أن الأمة الإسلامية تحتفظ في أعمق أعماقها بعناصر البقاء وقوة الصمود لا تقوى معها تلك الانفعالات الشريرة والمؤامرات الماكرة بما تملكه من وسائل القهر والتهديد أن تصل إليها أو أن تستأصل جذورها. فالعالم الإسلامي اليوم بتحرك نحو الغد المأمول، وتاريخه استعاد حركته، ودبت فيه الحياة قوية زاخرة إذ أضح في وضع متحرك يسجل تحريرا لعالمه الإسلامي من معوقاته ومثبطاته وقيوده الداخلية.
فقد أسهمت هذه المجلة منذ تأسيسها في تسديد وتطوير التحرك الإسلامي على مختلف المستويات الفردية والجماعية، استجابة للفكرة التي نادى بها مؤسسها بطل الاستقلال والنضال المغفور له مولانا محمد الخامس طيب الله نراه، الذي ما فتئ يدعو لهذا الدين، ويعمل له، ويجاهد دونه، ويكافح في سبيله كما جاء في الكلمة الافتتاحية التي توج بها رضي  الله عنه أول عدد من أعدادها: «إن حرصنا على الاعتصام بحبل الدين والتشبث بمبادئه والسير على سنته ليعد أحد العوامل الأساسية في خروجنا من معركة الحرية ظافرين منتصرين بالرغم عما اعترض سبيلنا من عراقيل وما منينا به من أهوال وخطوب، وسيظل عاملا أساسيا في تحقيق أهدافنا المنشودة كأمة تواقة إلى حياة راقية كريمة.
ولذلك سرنا أن تتولى وزارة الأوقاف إصدار مجلة جامعة تعني بصفة خاصة بناحية الإصلاح الديني كما تعالج مختلف الشؤون الاجتماعية والثقافية ولنا وطيد الأمل في أن يلتف حولها دعاة الفكر والثقافة والإصلاح في هذه البلاد وغيرها لتؤدي مهمتها خير أداء ...».
تلك هي الكلمة الهادية التي وجهها العاهل الراحل مولانا محمد الخامس طيب الله ثراه إلى مجلة دعوة الحق في أول عدد من أعدادها الأولى، وما زالت نبراسا نستظيء به في دجنة الليالي الحالكات ونستهديها لتنير لنا معالم الحياة والسبيل الأقوم الذي لا عوج فيه ولا أمتا..
                                                    -*-
إن للمسلمين رسالة في  الحياة يؤدونها ويمارسونها منذ تخلت الديانات الأخرى عن واجبها في هذه الرسالة ... ورسالة الإسلام هي السير بالإنسان في طريق معبد سليم تتحقق فيه العدالة والثقة والطمأنينة، وتجد فيها رغبات الإنسان ما يقومها ويهذبها، كما تجد فيا روحه ما يطهرها ويسمو بها نحو الكمال الممكن مع العمل والجد في حياة لا يسود ولا يعيش فيها إلا العاملون المجدون ...
والعالم الإسلامي مهدد بالتدمير والتخريب من عالم أوربي مسيحي ماكر شديد البطش والصولة والخبث ومن طرف الغزاة اللئام الفجرة الذين يسرون حسوا في  ارتقاء، وقد تفشت فيه خطاطيف التبشير تحت ثياب مزركشة، ونعقت بما شاءت بلا رقيب ولا حسيب، ويطبع مادة ثقافته بطابع دعوته الخبيثة التي تؤول آخر ما تؤول إلى استلحاق الفكر العربي الإسلامي استلحاق العبودية والخنوع والاستسلام لسلطان الثقافة الأوربية التي نبعت من الفكر المسيحي كما قال المؤرخ الشهير «تنوينبي» والمفكر «اليوت» وغيرهما ممن يعبرون عن الحقيقة دون حاجز يحجزهم عن التعبير، أو يدعوهم إلى تزوير الحقائق ابتغاء التغرير ..
                                                   -*-
من أجل هذا وذاك وانطلاقا من رسالتنا الإسلامية المؤمنة وحفاظا على مقومات مبادئنا وأخلاقنا، وعملا بتوجيهات سيد البلاد مولانا الحسن الثاني الذي جعل من وكده الحثيث بعثا إسلاميا صحيحا في شتى المجالات، فإننا نستقبل ابتداء من هذا العدد سنة معطا، في دنيا الفكر والدراسات الإسلامية، ونستشرف آفاقا عالية واضحة تسهم في إقامة جسور الحوار بين الفكر الإسلامي وغيره من الأفكار والمبادئ والنظريات يحدونا أمل راغب ومستقبل واعد، وثقة مكينة، وإرادة حازمة لنضيف إلى حياة هذه المجلة العامرة وسجلها الحافل حلقة جديدة في بناء شخصية المغرب الثقافية وإحياء العقيدة السليمة، والعمل على نشر المعرفة الحق وتربية الشعب بما يرقي عقله ويهذب ذوقه، ويصقل ذهنه ويفتح أمامه سبل الخير والفلاح.. لذلك فإننا سنعمل بإذن الله على تطوير عملنا قدر الإمكان وفي حدود الطاقة حتى نصل إلى الرأي الحق في  المشكلات المتنوعة التي يتخبط فيها العالم الإسلامي، وتعترض طريق الإسلام فكرا وتطبيقا في عالمنا المعاصر، ونهتم بعرض تراث الفقه الإسلامي عرضا جديدا ومقارنة أفكاره ومباحثه بالأفكار والمبادئ والدراسات القانونية النافذة ... وإثراء الفكر الإسلامي بالدعوة إلى الاجتهاد الواعي للأصول، والمتفتح على العصر.
                                                -*-
لقد مرت ستة عشر عاما على صدور أول عدد من دعوة الحق، وهي لاشك، سنوات حافلة بالعطاء الثر، زاخرة بالانتاج القيم، مليئة بالغذاء الصالح حيث واكبت الحركة الفكرية والعلمية منذ بداية الاستقلال، واستقطبت الصفوة المختارة التي تعد من الطراز الأول في ساحات الفكر والمعرفة والدراسات الناضجة والتي تزخر بالعقول النيرة والأخيلة الخصبة والنفوس الخيرة والعقيدة السليمة، والدين المتين، فباتت أعدادها كاملة سجلا حافلا لتاريخ نهضة، وتراث جيل، كما أنها كانت أداة تنفسي يعبر عما يعتلج في ضمير الجماعة المفكرة العالمة التي يضمها هذا الوطن الحبيب الذي يزخر بطاقات فكرية نابضة في شتى المجالات، كما أنها أيضا، فتحت صدرها للشعوب المجاورة والبعيدة المكروبة المغلوبة والتي كانت تعاني من ويلات الاستعمار في عز نهاره ونكبت به بلادها فوجدوا فيها متنفسا ومقيلا، ومفيضا لمطالبهم المشرعة، وعواطفهم الجائشة، وقد ندد كتابها، إلى جانب أبحاثهم الإسلامية والفكرية، بألاعيب الاستعمار كيفما كان لونه وجنسه وشجبوا مخلفاته، وخصوصا في العدد الماضي الخاص بعيد العرش حيث فضحوا السياسة الاستعمارية التي تنهجها إسبانيا التي اقتطعت أجزاء من ترابنا الوطني حتى أصبحت جريمتها النكراء من طرف الضمير العالمي والشعوب المحبة للسلام شغل الالسن .. وحديث الناس ..
وكتاب دعوة الحق، إذ يستأنفون جهادهم الواصب في سبيل التحرر من رواسب الاستعمار ومخلفاته ومركباته يغتنمون هذه المناسبة فيعبرون، وهم يستقبلون سنة جديدة، عن استنكارهم لفظاعة الاستعمار الإسباني ضد الشعب المغربي الذي بعد همه، وربا بنفسه عن مواطن الذل، وسما بعزمه إلى معالي الأمور، ورنا بطرفه إلى اليوم الذي يتحقق فيه الجلاء، وتحل فيه مشكلة استكمال التراب وتحرير لكل الأجزاء المغتصبة السلبية التي تحتلها إسبانيا في الساقية والوادي ومدينتي سبتة ومليلية والجزر الشاطئية ..
فلو أني بليت بهاشمي
            خؤولته بنو عبد المدان
لهان على ما ألقى ولكن
            تعالوا فانظروا بمن ابتلاني!!
حقق الله النصر، وقطع دابر القوم الذين ظلموا، وأعان على النهوض ...


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here