islamaumaroc

شبه القارة الهندية غزاها الإسلام بالحب

  دعوة الحق

163 العدد

لقد ادى عمل التربية الباطنية والتاثير الروحي دورا عظيما هاما في ربوع الهند واحدث اتقلابا في الميول والعادات والاخلاق والسلوك ولم يكن ذاك لفترة محدودة من الزمن بل انما قام رجال هذا العمل العظيم باداء واجبهم نحو الدعوة الى حياة الخير والانسانية والاسلام النبيلة عبر قرون متوالية واستطاعوا ان يتركوا وراءهم اجيالا مومنة كثيرة، فان تاريخ خدماتهم في هذه البلاد حافل وعظيم جدا.
وقد اكن الهنود بطبائعهم وقلوبهم الين الناس نفوسا واشدهم ميلا الى النفحات الروحية واكثرهم قبولا لتاثيرها، والهند بلاد واسعة يعيش فيها الوان كثيرة واجناس شتى من الناس، لهم ديانات مختلفة ولغات مختلفة، ولهم درجات والوان ثقافية وادبية مختلفة لم يكن من السهل ربطهم جميعا وجمعهم على خير الا عن طريق الحب وبالتاثير الروحي الذي هو بمثابة لغة القلب على مكان العقل، وان التاريخ الانساني ليشهد بان لغة القلب هي اقوى اللغات اقناعا للنفوس واكثرها تاثيرا عليها، فالقلب حينما يحنو على رجل ويفضى اليه بحديث مشوب بالحب  يصغى هذا المخاطب بقلبه المفتوح ويتلقى منه كلامه القلبي به كلاما آخر مما يتركب من الالفاظ والجمل الخالية من الحب مهما كان هذا الكلام بليغا ورائعا.
فنحن اذا اوغلنا في ثنايا مراكز الاشعاع الروحي بكثرة تفوق العد والاحصاء، وكانت منبثقة في اطراف الهند وكان الناس يقتبسون منها ما يحتاجون اليه من زاد لاوحي يغذون به انفسهم وقلوبهم فيزيلون به ما قد تعاني منه نفوسهم من الخواء الروحي والعناء النفسي والبعد عن معرفة الرحمة الالهية العظيمة التي تحنو على جميع وتحيط بكل نفس ولا شك ان هذه المعرفة لا تحصل الا عن طريق شخصيات عملاقة  وقفت نفوسها في سبيل خدمة الانسانية البائسة وانقدها من الفساد والعذاب، ولقد نشات بفضل هذه الشخصيات العظيمة مراكز الحب والهداية في طول البلاد وانحاءها المختلفة، واشعت بالامن والمحبة والخير، واقام فيها اصحابها البررة ينيرون القلوب ويغمرون الناس بالمحبة والكرم، وقصد اليهم الوف من الناس كانوا يتهافتون عليها تهافت الفراش على نور الشمع الوهاج وهم ينيرون القلوب ويغمرون الناس بالمحبة الكرم، وقصد اليهم الوف من الناس كانوا يتهافتون عليها تهافت الفراش على نور الشمع الوهاج وهم ينيرون القلوب ويزيلون كروبها بنظراتهم البلسمية ومحبتهم المخلصة التي لم تكن تفرق بين قوي وضعيف وكبير وصغير، وبعيد وقريب
وبدون النظر الى ما هو دينه، او ما هو مركزه في الحياة. فمحبتهم كانت محبة شامخة تظلل بظلها الوراف كل من يقترب الى شجرتها منهم ويستظل بظلها فكم من الايتام نسوا في ظل محبتهم انهم ايتام، وكم من البائسين والمشردين من الناس نسوا انهم في غير الاهل والاخوان، لتمتعهم بكل العطف والمحبة التي كانوا يتمتعون بها.
وان الصلة القلبية والروحية ورباط الحب والاجلال كان يربط الناس بهؤلاء الشيوخ والمرشديم وظهر تاثيره في الآثاروالاحداث التي امتلأت بها كتب الهند الاسلامية ونسرد قليلا في هذا المكان.
كان السيد آدم النبوري دفين البقيع (م1053هـ) ياكل على مائدته كل يوم الف رجل ويمشي في ركابه الوف من الرجال ومئات من العلماء، ولما دخل السيد فير لاهور عام 1052هـ كان في معيته عشرة آلاف من الاشراف والمشايخ وغيرهم حتى اوجس بشاهجيال ملك الهند منه خفية، فلرسل بمبلغ من المال ثم قال له  "قد فرض الله عليك الحج فعليك بالحجاز" فعرف ايعاز الملك وسافر الى الحرمين حيث مات(1).
وهذا الشيخ محمد معصوم (م 1079هـ) ابن الشيخ الكبير الامام احمد السرهندي قد بايعه وتاب على يده تسعمائة الف من الرجال واستحلف في دعاء الخلق الى الله وارشاد الناس وترتبيتهم الدينية سبعة آلاف من الرجال.
وهكذا كان الاقبال على المصلح الكبير السيد احمد الشهيد (1246م) اقبالا منقطع النظير، انه لم يمر ببلدة الا وثاب على يده وبايعه عدد كبير من العلماء حنى ان المرضى في مستشفى بنارس ارسلوا اليه يقولون "اننا رهائن الفراش واحلاس الدار، فلا نستطيع ان نحضر، قلو راى السيد ان يتفضل مرة حتى نتوب على يديه لفعل" وذهب السيد ان يتفضل مرة حتى نتوب على يديه لفعل" وذهب السيد وبايعهم واقام في كاكتا شهرين وبقدر ان الذين كانوا في بيعة الثوبة على يده لا يقل عددهم عن الف نسمة يوميا وتستمر البيعة الى نصف الليل(2).
ومن حسنات هؤلاء المشايخ ان زواياهم كانت ماوى رحبة تاوى اليها آلاف من الناس ويجدون فيها طعامهم وشرابهم ويتلقون الهداية والتربية والايمان، وقد كانت مائدة طعامهم مائدة عامة يردها الصديق والعدو، والقريب والبعيد والغني والفقير وكانت مائدة الشيخ نظام مشهورة يضرب بها المثل في السعة والتانق.
وكان يحضر زاوية الشيخ سيف الدين السرهندي الف واربعمائة رجل يتناولون الطعام على مائدته صباح مساء، واكثرهم على حسب رغبتهم واقتراحاتهم، كتب السيد احمد خال مؤسس الجامعة الاسلامية في علبكرة في كتابه "آثار الصناديد" يذكر الشيخ غلام على الدهلوى فقال :
"لا يقل عدد المقيمين في زاويته عن خمسمائة رجل تقوم الزاوية بنفقاتهم"(3).
وامتازت الهند بكثرة شخصيات كهذه وشدة اقبال الناس عليها، في زواياهم التي كانت ملاجىء انسانية منتشرة في انحاء في مختلف ادوار التاريخ الهندي الاسلامي كان يقصدها مئات الالوف من الناس ولم يكونوا يرجعون منها الا باصلاح قلوبهم وصحة نفوسهم وزوال اسقامهم الروحية ولا توال هذه الجهود التربوية والايمانية باقية في حياة عدد وجيه من الجيل المسلم الموجود، بمدى تاثير المربين من اولياء الله في الهند واعمالهم الخالدة في خدمة الدين والعقيدة والايمان.
فقد كانت حياة الشيخ معين الدين السجزي في اجمير الهند، وحياة الشيخ نظام الدين اولياء في دلهي الهند، وحياة الشيخ شرف الدين يحيى الفردوسي في منير من بهار الهند خير اسوة في هذا المجال.
وهناط شخصيات عملاقة كان تاثيرها في النفوس على نطاق عجيب، فقد دخلت اقطار باسرها في نطاق الاسلام بجهود هذه الشخصيات وتاثرت شعوب بكاملها بتاثيرها التوحيهي والروحاني العظيم فلنما يدل تاريخ الدعوة الاسلامية في الهند عل ان بلاد كشمير دخلت باسرها في حوزة الاسلام بسسعى المربى الاسلامي العظيم الشيخ على بن شهاب الهمداني (م 784هـ) فقد قدم الشيخ رحم الله الى منطقة كشمير مع عدد حافل من تلاميذه وقد كانت البلاد خاضعة للكفر والبرهمية فقام الشيخ اولا بجولة استطلاعية بسيطة بسيطة في ربوعها المختلفة، فلما فرغ منها اعاد الكرة بجولة اخرى كانت اكثر تفصيلا واهتماما بتبليغ الهداية الاسلامية الى اهلها الكفار وبعد الانتهاء منها قام بجولة ثالثة وهي التي غطى بها الشيخ كل انحاء البلاد الكشمرية واختلط بالشعب اختلاطا مؤثرا وتوغل في اركان البلاد كلها مخاطبا لنفوس اهلها مؤثرا بقوته الربانية على قلوبهم نفوسهم فما لبث ان احدث فيهم تحولا عاما من الكفر الى الاسلام وما هي الا ان دخلت هذه الامة باسرها في زمن غير طويل في حوزة الدين الاسلامي(4) وهي معدودة اليوم باسلامها في حساب هذا الرجل الرباني العظيم وتلاميذه الذين رافقوه في جولاته الدعوية ولا يزال اهل كشمير معترفين له بهذا الفضل.
والذي وقع في كشمير من عموم انتشار الدعوة الاسلامية فيها وقع  في مساحة كبيرة من منعلقة بنجاب المسلمة فانما نقرا في التاريخ ان اغلب اهلها دخلوا في حظيرة الايمان والدين الاسلامي بمجهود رجل واحد وهو الشيخ علي بن عثمان الهجويري (م465) رحمه الله(5)
ولا ننسى في هذا الشان منطقة بنغال ايضا التي تكتظ اليوم بالسكان والتي يتوزع اهلها بين ارض الهند الشرقية وبين قطر بنغلاديش الواقع بشرقي الهند فقد كان اهلها جميعا بعيدين عن الخضوع لتعليمات الدين الاسلامي والحب له قبل قرن واحد واكثر.
فاقبل اليهم الداعية الرباني الكبير كرامة علي الجونفورى وهو من خلفاء المجاهد الكبير الامام السيد احمد الشهيد رحمه الله (م1246هـ) وقام بدعوة اهل هذه المنطقة الى التثبيت باهداب الدين والتمسك بشريعته وكان لدعوته وتوجيهاته وروحانيته تاثير عميق جدا بحيث استطاع بامر الله عز وجل هذا الشعب التائه الغافل عن الدين من ظامات الضلال والفساد الديني الى فضائل الدين وهداية الاسلام(6).
ويحسن بهذه المناسبة ذكر التاثير الرباني على النفوس للمصلح الرباني الجليل السيخ احمد السرهندي (م1024هـ) الذي يسمى في انحاء الهند بمجدد الدين في الالف الثاني الهجرى وذلك عندما قام الامبراطور الغولى الكبير جلال الدين اكبر بالتمرد على التمسك بالدين وظهر من ذلك خطر عظيم للحياة الاسلامية الموجودة في البلاد، ففطن الشيخ الجليل لهذا الخطر ونشط لمحو الآثار التي تركتها سياسة هذا الحاكم بمعاداة الاسلام الى الوفاء بالاسلام الى الوفاء بالاسلام والعودة به الى حظيرة دينه وقد نجح الشيخ الجليل في ذلك نجاحا باهرا، فقد استطاع بعد جهود مضنية بذلها هو ابناؤه واتباعه بوسائل توجيهية وتربوية واسترعاء انتباه القائمين بالحكم وحثهم على مجانية كل ما يضر ومساندة كل ما ينفع ان يحدث التحول في نفوس الحاكمين وقد بلغ هذا التحول الى مداه عندما تولى الحكم رجل من احفاد الامبراطور جلال الدين "اكبر" نفسه وهو الامبراطور  اورنج زيب عالمكير(7) الذي لقبه بعض علماء التاريخ الاسلامي بسادس الخلفاء الراشدين، وكان اتقى افراد الاسرة المغولية المالكة واشدهم ورعا وتقوى، وكان من المتبعين لتوجيهات اسرة الشيخ السرهندي ومن احزم الناس في سياسة البلاد واكثرهم معرفة بدقائقها ومصالحها وبذلك عادت الهند الى صبغتها الاسلامية بل الى حالة احسن من السابق بكثير، وكسب الدين الاسلامي بل الى حالة احسن من السابق بكثير، وكسب الدين الاسلامي بذلك والمسلمون في هذه البلاد خيرا كثيرا(8)، ولا يزال يعود الفضل في بقاء خير اسلامي كثير في هذه البلاد الى هذا الحاكم المسلم الغيور.
على كل فان الاثر الذي تركته جهود المصلحين الربانيين في هذه البلاد الهندية النائية من مهد الاسلام كان اثرا صبغ هذه البلاد الواسعة بصبغة اسلامية خاصة وجعل للاسلام موضعا هاما في حياة شبه القارة هذه.
فاننا نرى تجربة الهند الطويلة في تاريخها الماضي للدعوة الاسلامية تجربة مفيدة ومشجعة في اخيار مناهج الدعوة ويمكن الاستفادة منها في الاحوال المماثلة لما ذكرناه، ولا يخفى على كل دارس لتاريخ الدعوة الاسلامية ان هناك اقطارا وبلادا عديدة سعدت بجهود مماثلة من دعاة الاسلام قد دخلت في حظيرة الاسلام ولاتزال اعضاء لاسرته العالمية ويمكن معرفة ذلك بدراسة تاريخ انتشار الدين الاسلامي في اقطار الشرق الاقصى الاسلامية.
اما الاقطار والبلاد التي لم تسعد بجهود سليمة دعوية بل غلبت فيها مسحة الجهود العسكرية والسياسية التي يبذلها السياسيون والغزاة من ابناء الاسلام، فان شعوبها لم تستطع ان تتشرب روح الاسلام ولا ان تحتضنه يكون ضمانا لرسوخ الاسلام وانتشاره فيها بل ضعف الاسلام وانسحب عنها في بعض الاحيان عندما زالت عنها شوكة الاسلام العسكرية والسياسية.
                                                                   
ياس ! ..
كيف الوصول الى سعاد ؟ ودونها
                       قنين الجبال ! ودونهن حتوف !
فالرجال حافية ! ومالى مركب !!
                والكف صنر ! ! والطريق مخوف !!    


(1) ربانية لا رهبانية – للستاذ الحسن الندوى
(2) اذا هبت ريح الايمان  للاستاذ الندوى
(3 ) ربانية لا رهبانية - ايضا
(4) نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر للعلامة عبد الحي الحسني
(5) ايضا
(6) سيرة السيد احمد الشهيد للاستاذ ابي الحسن الندوى
(7) الدعوة الاسلامية وتطورتها في الهند للاستاذ ابي الحسن الندوى
(8) صورة وخواطر للاستاذ علي الطنطاوي

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here