islamaumaroc

الإسلام والماركسيات المتعددة

  دعوة الحق

163 العدد

يتخوف كثير من الغيورين على الإسلام من اكتساح الماركسية لبعض العقول في البلدان التي كانت تشكل إلى غاية القرن العشرين دار الإسلام. وبموازاة هذا التخوف، يتبجح الماركسيون بانتصاراتهم الجزئية، ويصفونها بأنها نصر يبدد ضباب الخطأ، وعلم يحل مكان الجهل.
وبين هذا التخوف والتبجح، ينسى الجميع، أن الماركسية لا تحظى بنفس الاهتمام والتأييد الذي تستأثر به في البلدان غير الإسلامية، وأن الماركسيين في أغلبهم لم يستطيعوا التخلص من الرواسب الإسلامية، ويضيقون ذرعا بالمزاحمة الإسلامية، التي لا تكتسح العقول فحسب، بل وتجعلها أشد العقول مقاومة للماركسية. ثم إن  التخوف من الاكتساح الماركسي، كان مناسبا لمرحلة سابقة من الصراع الإسلامي الماركسي، يوم كانت المواجهة تقتصر على ردود فعل دفاعية، تتركز كلها حول ما فعلته الماركسية في البلاد التي تحكمها، وما يصحبها من إلحاد ومروق وإلغاء للملكية الفردية، وهذه كلها انتقادات لا تختلف في جوهرها عن  الانتقادات الغربية.
فالتخوف من الاكتساح الماركسي، لم يعد مناسبا للمرحلة الراهنة من الصراع الإسلامي الماركسي، لأن الإسلام لم يعد الآن في قفص الاتهام، أو في طور الدفاع، لظهور حركة بعث إسلامي تستهدف استئناف الحياة الإسلامية. ولهذا السبب لم يعد يسوغ للإسلاميين أن يكتفوا ببيان محاسن الإسلام، وببيان تناقضه مع الماركسية، وإنما أصبح من اللازم عليهم أن يقوموا بهجومات مضادة، تدعم مسيرة الحركة الإسلامية المعاصرة، على أساس تقييم جدي لإمكانيات نجاح الماركسية وعوامل إخفاقها.
على أن هذه الملاحظات، تؤدي بنا منذ البداية، إلى الاعتراف بأن الواجهة الفكرية للصراع الإسلامي الماركسي، مفتقرة إلى نقد إسلامي يستطيع أن يخرق حرمة الفكر الماركسي، ومفتقرة إلى أقلام تتناول القضايا الماركسية بعقلية إسلامية خالصة، وتستطيع بالتالي أن تبين تناقضات الماركسية القاتلة، وإفلاسها في البلدان الإسلامية.
ومن هنا فإنه من الواجب على الكتاب المسلمين أن يبينوا في المقام الأول، أن الإسلام واحد لا يعرف التناقضات، ولا يعرف أزمة الحلول والمواقف، ولا يقبل سيادة الطابع القومي عليه، وهذه كلها أمور لم تنج منها الماركسية، وأصبحت بسببها ماركسيات متعددة.
                                                      -*-

التناقضات الماركسية:
 فإذا كان الإسلام، بالنسبة لأتباعه وأعدائه على السواء، لا يعني سوى الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وتطبيقه، واتخاذه أساسا للتفكير والعمل، فإن الماركسية، وإن كانت من بنات أفكار شخص واحد، لم تعد الآن تعبر عن اتجاه معين للتفكير أو طريقة معينة للعمل، بل إنها أصبحت تجرد مؤسسها نفسه من ماركسيته في بعض الأحيان.
إن الماركسيين يلتقون جميعا في تعريف الماركسي بأنه الشخص الذي يفكر بالطريقة التي فكر بها ماركس وصديقه انجلز، ويعمل وفق الطريقة التي عمل بها لينين. لكن هذا الإجماع، تبدأ بعده طرق خاصة للتفكير، تجرد ماركس نفسه أحيانا من الصفة الماركسية، كما تأتي بعده طرق متعددة للعمل الماركسي تجعل من اللينينية ومشتقاتها، أساسا لخلاف عميق، يهدم الأصول النظرية للماركسية، وحتى بعض إنجازاتها واجتهاداتها العملية.
فرغم الصفة الوحدوية التي يخلعها الماركسيون على أنفسهم، تبدو تناقضاتهم الفكرية والعملية، بادية على صعيد المجموعات الماركسية من ناحية، وعلى صعيد سياسة كل بلد يتحكم فيه الماركسيون من ناحية أخرى. ورغم أن هذه الحقيقة تضيع بين  زخرفة الدعاية، وحماسة الكلمات، وبريق الشعارات، فإنها مع ذلك أزمة داخلية ناسفة.
فلم يعد خافيا الآن على أن الماركسية تفرض على معتنقيها، تناقضا مبدئيا، يتمثل في مطالبتهم بالخضوع الإيماني المطلق للنظرية الماركسية من جهة، وفي  إلزامهم بقبول تطبيقات تبتعد بهم بعدا ساحقا عن الأصول النظرية للماركسية من جهة أخرى. ولذا بذلت القيادات الماركسية، منذ بداية التطبيق الماركسي، مجهودات لا تشكر، في الدفاع عن العقائد الماركسية وتمجيدها وتقديسها، ومنعت في نفس الوقت، التدقيق في مواقفها العملية، وتحديد مركزها على ضوء التعاليم الماركسية النظرية.
على أن هذه المحاولات، لم تنجح في إخفاء التناقضات الماركسية، لأن الانتقادات المرة التي يثيرها بين الفينة والأخرى، أعضاء في القيادات الماركسية،  أو مفكرون ماركسيون، جعلت الماركسيين يعترفون طوعا أو كرها بهذه التناقضات. كما أن هذه الانتقادات بدورها، كانت أساسا لصياغة الأسطوانة الماركسية الجديدة، التي تسلم بوجود طرق متعددة لفهم الماركسية وتطبيقها.
لكن النقد الذاتي، الذي صار الماركسيون يعجبون به في الأعوام الأخيرة، لا يقتصر على الاعتراف بتناقضاتهم الفكرية فحسب، بل يبين بما لا يقبل الشك، أنهم كانوا على خطأ أصيل، يسترونه بالتشويهات الفكرية، وبالانحرافات عن التعاليم الماركسية النظرية، التي تتسبب فيها أكثر فأكثر، مواقف المكاتب السياسية واللجان المركزية والصراعات من أجل السلطة.
                                                   -*-

أزمة الحلول والمواقف:
ورغم أن الماركسيين يشتركون في المفاهيم الأساسية، إلا أن تباين المواقف النظرية والحلول العملية التي يقدمونها، جعلت من الماركسية فلسفة غامضة غير محدودة، يستطيع المرء في ظلها أن يحصل على صفة الماركسي دون حاجة إلى شروط مسبقة. بل إنه أصبح من غير الممكن الآن، التمييز بين الماركسي الحقيقي والماركسي بالاسم فقط.
وبالإضافة إلى ذلك، يمكن للشخص الآن أن يكون ماركسيا في مواقفه تجاه مشكلات معينة، ويكون غير ماركسي في مواقفه بالنسبة لمشكلات أخرى. وهذا الازدواج، لا يحول دون خلع الصفة الماركسية على الشخص المذكور، بل إنه يمكنه أن يدعي أن خصمه، الذي يتبنى الخط الماركسي الصحيح في جميع مواقفه، تحريفي، ولا يفهم الماركسية على حقيقتها.
ويسهل على المرء الآن أن يلمس هذا التناقض بوضوح في موضوعات أساسية يعتبرها البعض متوافقة مع الماركسية الحقيقية، في حين يعتبرها البعض الآخر النموذج المضاد للماركسية. والأهم في كل هذا، هو أن كل فريق يدعم نظريته ببراهين ماركسية جيدة، تبرر هذا التناقض، وتخلع عليه لباس الشرعية.
وهذه الأزمة، تتجاوز نطاق الفكر والدراسات النظرية، لتطفح على السلوك السياسي للمجموعات والقيادات الماركسية، بل و تنعكس آثارها على الحلول الاقتصادية والاجتماعية لكل دولة شيوعية على حدة. ورغم التقليل من أهمية هذه الأزمة، فإن الحقيقة التي لا جدال فيها، هي أن الماركسية شهدت ردة في التفكير والعمل، جعلت كل مجموعة ماركسية تدعي أنها تقدم الوصفة المعصومة التي تتضمن الدواء السحري لجميع المشاكل التي يعاني منها العالم.
على أن الخلافات الماركسية تتخذ أبعادا خطيرة على صعيد السياسة الدولية، لأنها تعني الاختيار بين الأساليب الدموية أو الأساليب السلمية للسيطرة على الحكم، وتعني من جهة أخرى الانتصار للنعرات القومية أو للنزعة الأممية. ومن هنا فإن هذه الخلافات قد تؤدي في المستقبل إلى صدامات عسكرية بين الدول الشيوعية، وهو ما لاحت بوادره في حشد القوات العسكرية بين أكبر دولتين شيوعيتين حول حدودهما الاستعمارية.
                                                -*-

غلفة الطابع القومي:
على أن تعدد الماركسيات، لم يتسبب فيه غموض النظرية الماركسية فقط، واحتمالها لتفسيرات متناقضة فحسب، بل تسبب فيه أيضا عدم استطاعة الماركسية التحكم في الشرط الإنساني. فالماركسية لم تستطع القضاء على النزعات القومية للشعوب التي حكمتها. ولهذا فإن القيادات الماركسية راحت منذ البداية تهتم بالمصالح القومية، فتميزت الخصائص العملية، وتميزت النظريات، وتباينت الحلول والمواقف، وسقطت بذلك النزعة الإنسانية التي تعدها الماركسية من دعائمها الأساسية.
ولهذه الظاهرة انعكاساتها في صفوف الماركسيين، لأن دعاة النزعة الإنسانية منهم، أصبحوا نظريين أكثر من اللازم، لكون الماركسيين القوميين، رغم نزعتهم القومية التي تكرهها الماركسية، قد استطاعوا في النهاية نزع الاعتراف بماركسيتهم، بالرغم من أن  تجاربهم تجمع آراء وأفكارا ليست من الماركسية في شيء.
على أن تسليم هؤلاء الماركسيين النظريين بوجود ماركسيات متعددة، أو إنكارهم لهذا التعدد عن طريق إخراج المذاهب الأخرى من نطاق الماركسية، لا يؤثر في شيء على فشل النزعة الإنسانية للماركسية. فأقدم تجربة ماركسية عرفت منذ بدايتها رغبات متباينة في تسيير المجتمع وفق طريقة أو أخرى، كما عرفت صراعات على السلطة وإعدامات جماعات يعبر عنها بالحركات التطهيرية للثورة المضادة، أدت إلى انتصار الستالينية، وتنمية الشعور القومي، وإعطاء الأسبقية للمصالح القومية على حساب التعاليم النظرية.
لم تكن التجارب الماركسية اللاحقة بأحسن حال من التجربة الستالينية، فقد اتخذت كل تجربة خصائص تميزها عن الأخرى، وأصبح للشعور الوطني، وللمصالح القومية، الأثر البارز في تحديد السياسات الداخلية والخارجية لكل دولة شيوعية على حدة، وصار لذلك الحديث مألوفا عن الشيوعية الصينية أو الشيوعية اليوغوسلافية أو الشيوعية الكوبية أو غيرها.
بل إن  النزعة القومية تجلت على صعيد الصراع بين الدول الكبرى نفسها. فالدول الكبرى الماركسية دخلت مرحلة المنافسة الدائمة مع الدول الرأسمالية الاستعمارية، ولم تعد تعبأ بالتعاليم النظرية في معاملاتها مع الدول غير الماركسية. بل إنها لجأت كالدول الرأسمالية إلى فرض وصايتها على الدول وعلى الأحزاب والمجموعات الماركسية التي تعيش في الدول الأخرى، وإلى اكتساب مناطق النفوذ بغض النظر عن المبادئ والأصول النظرية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here