islamaumaroc

الثقافة العربية المعاصرة في شمال المملكة المغربية -5-

  دعوة الحق

163 العدد


                                                   -5-

مؤسسات أولى تعليمية:
ترتيبا عما سبق، وفيما يخص تطوان وما إليها أشير، أولا، إلى مؤسسات طلائعية (حديثة) خاصة بتعليم الأطفال المغاربة التي ظهرت بتلك الناحية في غضون العشر الأولى من هذا القرن العشرين، أي قبل نشوب براثين الحماية الإسبانية.
حيث أنه أثناء سنة 1908 أنشئت مدرسة (عصرية) للأطفال المغاربة بتطوان التي عرفت بالمدرسة القنصلية لكونها تابعة للقنصلية الإسبانية وكان مقرها الأول في زنقة الزاوية القريبة من ساحة الفدان. وهي التي تطورت فيما بعد إلى أن صارت المدرسة الابتدائية المغربية المعروفة الآن باسم «مدرسة مولاي إسماعيل»، الأمر الذي يمكن معه اعتبارها أول مدرسة حديثة بتطوان خاصة بالأطفال المغاربة. إلا أنها في أول لم تصادف عند الآباء إلا إقبال  ضئيلا جدا لما كانوا يتوجسونه من خيفة الانزلاق والانحراف على أولادهم، بدليل إنها مرت عليها سنوات ولم يسجل فيها إلا نحو ثلاثين تلميذا.
وفي نفس السنة 1908 والتي بعدها أنشئت مدراس مماثلة في كل من القصر الكبير والعرائش وأصيلا وكبدانة بالريف، بمبادرات فردية من بعض الإسبان وأهل الغيرة من المغاربة، وقد كانت كلها نواة للمدارس الابتدائية فيما بعد كالآنفة الذكر.
وكان القائمون على هذه المدارس، وجلهم من الإسبان، يحرصون أن يكون القرآن الكريم ومبادئ الدين الإسلامي والعربية بين المواد المقررة، وإن كانوا في الحقيقة يرمون من ورائها إلى تركيز نفوذهم الفكري، لذلك كانوا يجلبون أطر التدريس والتسيير من إسبانيا رأسا، مثل المعلم «نيتو» Nieto الذي يعتبر أول معلم رسمي مجلوب للتعليم المغربي الذي عين أولا بالعرائش ثم بأصيلا.
كما أشير إلى مدرستين قرويتين للأطفال المغاربة كانتا قائمتين قبل إعلان الحماية في قبيلة بني شيكر القريبة من مليلية بمبادرة بعثة قنصلية، وكانتا مزدوجتي اللغة وبها مدرسون مغاربة إلى جانب معلمين إسبان، وهذا النوع الإزدواجي كانوا يطلقون عليه إسبانية –عربية HISPANO-ARABE.
وبديهي أنني في هذا البحث لا أتعرض للمؤسسات الإسبانية الصرفة الخاصة بأبناء الإسبان وإن كانت تقبل أبناء مغاربة، ولا للمؤسسات الإسرائيلية المتميزة عن غيرها في سائر أطراف المملكة.

مؤسسات ثانية ...
 ولما أعلنت الحماية المنصوص في بنودها أن على الدولة الحامية أن تؤسس منشآت مدنية وإصلاحات حضرية لصالح الرعايا المحميين –ترددت الإدارة الإسبانية الاستعمارية طويلا في هذا الشأن وحارت في أي السبل تسلك لإيجاد سياسة تعليمية وتثقيفية تلائم الوسط المغربي، ولا سيما أن التجارب السالفة لها في هذا المضمار أبانت عدم جدواها كما دلت عليه نتائج المؤسسات الآنفة الذكر، وأيضا فإن إعلان الحماية والشروع في توطيد أركان القوات العسكرية هيج الخواطر وأثار العزائم وكتل القبائل والجماعات لمقاومة المستعمر وعرقلة خططه ومشاريعه.
لذلك ظلوا حائرين غداة تسلمهم زمام الإدارة بالشمال وأخذوا يتشاورون: هل يطيقون على المغاربة نفس السياسة التعليمية الخاصة بالإسبان أم يسيرون على نفس التجربة الضئيلة المحصل عليها في المؤسسات الطلائعية الأولى، أم يقتبسون السياسة التعليمية التي أخذت الحماية الفرنسية تطبقها في الجنوب، أم يبتكرون سياسة تعليمية جديدة، أم يتركون المغاربة يتعلمون على طريقتهم التقليدية المعهودة.
ويظهر أنهم تحت وطأة الأحداث ارتأوا الأخذ بالرأي الأخير الداعي إلى ترك ما كان على ما كان مع إضافة بعض التحسينات والتجهيزات المناسبة.

تعليمات عليا وخطط:
يتجلى ذلك في التعليمات الموجهة في 27 فبراير 1913 من السلطة المركزية بمدريد إلى قائد القوات الإسبانية بسبتة الموكول إليه العمل لتسلم مقاليد السلطة بتطوان، تقول الفترة الخاصة بالتعليم: تشكيل «لجنة للتعليم» من أهدافها اتخاذ التدابير اللازمة ليكون تعليم المغاربة الأهالي فعالا وشاملا وأن الدولة تتكفل بما يتطلبه ذلك.
وبعد ذلك جاءت تعليمات مفصلة توصي بالمبادئ الآتية فيما يخص التعليم المغربي:
-1توحيد التعليم بدون فروق إقليمية أو لغوية.
-2اعتبار اللغة العربية وسيلة التكوين الثقافي حتى في القبائل البربرية، وتسمى المدارس كلها المدارس الإسبانية العربية، ولا تكون هناك مدارس إسبانية بربرية.
-3تستغل التجارب المكتسبة مع المسلمين (في سبتة ومليلية) في التكوين الثقافي بالمنطقة.
-4يكون القرآن أساسا في التعليم الابتدائي.
-5رعاية تعليم اللغة العربية والدين الإسلامي بكيفية متوازية عند بناء المدارس وكذلك في إعانة التربية الدينية بصفة عامة.
-6تعليم اللغة الإسبانية كوسيلة للثقافة العصرية في السنوات الأولى وكلفة فقط فيما بعد.
-7تشجيع التعليم التقليدي الديني والشرعي لتكوين الفقهاء والقضاة مع تطوير مراكز هذا التعليم ونظمه.
-8جمع وإنقاذ بقايا الفنون الصناعية.
-9المحافظة على الآثار الفنية والتاريخية.
-10ترتيب المخطوطات والكتب والوثائق والمراجع.
-11منع  خروج المخطوطات وكل الأشياء ذات القيمة الفنية والعلمية.
-12دراسة وضعية الموسيقى العربية الأندلسية وجمع المواد اللازمة لنشرها.
-13العمل على تقوية وإيجاد البحث العلمي والأدبي والتاريخي.
وعلى الأثر تكونت لجنة عليا من الأساتذة الجامعيين الإسبان من بينهم مستشرقون كبار: أسين بلاثيوس، ريبيرا، ميثيندث بيدال وآخرون.. لأجل دراسة الوضع وإبداء الاقتراحات. فرأوا أن يتصلوا أولا بشخصيات مغربية قريبة من مفاهيمهم فزاروا عدة شخصيات، وبالذات وزير العدل للحكومة الخليفية الفقيه الحاج أحمد الرهوني الذي أشار عليهم ضمن تقرير قدمه لهم:
-1بتنظيم التعليم الإسلامي تنظيما إسلاميا خالصا في  المسجد الجامع والمحافظة عليه حسب المواد التقليدية المعروفة.
-2بإحداث مركز علمي يتعلم فيه المغاربة المواد العلمية الحديثة غير الدينية. تكون الدراسة فيه إجبارية على من سيتولون مهمات ووظائف عمومية.
-3بإحداث مدارس ثانوية تهيء للالتحاق بالتعليم العالي.
ثم أخذت اللجنة توالي استشاراتها ودراساتها وتقوم بأعمالها التمهيدية خلال السنوات 1913-1914-1915.
وفي 30 دجنبر 1916 وقع اجتماع في المجلس البلدي بتطوان حضره مائة مغربي وسبعة إسبان، بهدف انتخاب أعضاء لتأسيس هيئة ثقافية تسمى «المجمع العلمي المغربي» أو «المجلس العلمي»، وبعد التصويت السري انتخب خمسة عشر مغربيا وخمسة إسبان على النحو  التالي:
الرئيس: الباشا الحاج أحمد الطريس.
نائب الرئيس: وزير العدل الحاج أحمد الرهوني.
الكاتب: كاتب الصدارة الحاج محمد راغون
الأعضاء: مدير الأحباس: علي السلاوي – المحتسب: الحاج عبد السلام بنونة – كاتب الصدارة: أحمد غنمية – كاتب العدل: محمد المرير – كاتب العدل: محمد أفيلال – كاتب الصدارة: محمد الزواق – كاتب نيابة المالية: أحمد غيلان – الأستاذ أحمد الزواق- الأستاذ محمد ابن الآبار- الأستاذ محمد بن المؤدن – التاجر: عبد القادر الرزيني- عضو البلدية: عبد الكريم اللبادي.
ومهمة هذا المجمع أو المجلس هي اتخاذ الإجراءات اللازمة للشروع في تنظيم التعليم الديني إحداث تعليم عصري.
وقد شعر هذا المجلس بحاجته إلى إصدار جريدة تنشر مخططاته ومقرراته وتعلن البرامج والنظم. فاصدروا جريدة الإصلاح سنة 1917 التي تحولت فيما بعد إلى مجلة كما أحدثوا مطبعة عربية لنفس الغاية.
وفي فاتح يناير 1918 تمكن المجلس من إصدار ظهير نال التعليم الإسلامي بموجبه شيئا من التنظيم مع تعيين تسعة فقهاء أساتذة بالجامع الكبير بكيفية رسمية.

توقف وإهمال:
ثم إن نشاط هذا المجلس قد توقف عند هذا الحد أو تضاءل شيئا فشيئا، إذ اعتراه فتور ولم يستطع إنجاز مخططاته ومشاريعه طوال نحو خمسة عشر سنة أي من سنة 1918 إلى سنة 1935. فإننا في هذه الفترة الطويلة لا نجد من المنجزات التعليمية الحكومية إلا ما يسمى بمداريس «الشرطة الأهلية» التي ظهرت في بعض نواحي المنطقة ابتداء من سنة 1917 إلا أنها كانت مدارس قروية محضة خاصة بأبناء البادية وكانت تدار من ضباط الشرطة وعرفت باسمهم. وهي أشبه ما تكون بحقول زراعية أو بأوراش أعمال، إذ لا تتوفر على بناءات ولا تجهيزات وإنما يجري التعليم بها في الهواء الطلق وبأسلوب بدائي. وأغلب ما يعلم فيها هو المواد الفلاحية وطرق الصحة مع شيء من مبادئ العلوم والقرآن والدين.
وقد علل الذين كتبوا عن هذه الفترة القاحلة بأن ذلك الإهمال الملحوظ للجانب الثقافي يرجع إلى حالة الحرب المتصلة من زعماء القبائل ضد الحماية. ولكن هذا العذر إن صح في أكثر القبائل والبوادي فهو لا يصح في معظم الحواضر التي استتب فيها الأمن والسلام. وكذلك فإن المقاومة العسكرية قد انتهت كلية في يوليوز 1927 ومع ذلك لم تكلف المنطقة بشيء ذي بال من العناية بالثقافة والتعليم المغربي من طرف المسؤولين الإسبان.
والشيء الوحيد الذي ظهر في فترة ما بعد حروب المقاومة هو شيء بالعناية بمدارس الشرطة الآنفة الذكر حيث حظيت بتطوير وتحسين وتعميم ابتداء من سنة 1928 فلقد أخذوا في تطعيمها بمواد أخرى وجهزوها ببناءات وأدوات وبمعلمين ومدربين وجعلوها تحت إدارة المراقبات، لذلك غدت تسمى «مدارس المراقبات».
هذا في البادية وأما في الحواضر فإن الإدارة الإسبانية ظلت تتعثر في أذيال الحيرة والإهمال تاركة الأجيال الصاعدة لآفات الضياع.
فكانت أصوات الوطنيين بسبب ذلك لا تفتأ تجأر بالشكوى وتنادي بوجوب المبادرة إلى تأسيس المعاهد والمدارس لتثقيف الشباب وإعدادهم لحياة أفضل.

 التعليم الحر:
ولم يكتف الوطنيون بالمطالبة والمناداة بل اتكلوا على أنفسهم وعلى مجهودات المواطنين، فأخذوا يفتحون منذ العشرينيات مدارس حرة ويؤسسون نوادي ثقافية وينشرون صحفا ومجلات وطنية.
وكانت المدرسة الحرة الأولى بتطوان هي التي حاول إحداثها الفقيه أستاذنا السيد العربي الخطيب عقب عودته من مصر وقد درس بالأزهر وبمدرسة الشيخ رشيد رضا. إلا أن مدرسة السيد العربي الخطيب لم تعش طويلا.
ثم كانت المدرسة الأهلية هي بحق المدرسة الحرة الأولى للتعليم العصري بتطوان التي أعطت نتائج سارة ومثمرة. تأسست سنة 1925 بحماس جماعة من شباب تطوان على رأسهم أستاذنا الحاج محمد دواد المؤسس الحقيقي لها وقام بإدارتها وتسييرها مجانا وبمساعدة بعض الأعيان ومنهم الوطني المشهور الحاج عبد السلام بنونة.
وكان من الذين تعاقبوا على إدارة هذه المدرسة الأساتذة:
أستاذنا المرحوم محمد بن عبد السلام ابن عبود، والأستاذ المرحوم التهامي الوزاني، والأستاذ محمد المكي الناصري.
وكان للمدرسة الأهلية فروع مستقلة في جل مدن المنطقة كالعرائش والقصر الكبير وشفشاون. وكان لها جميعا فضل كبير لتنشئة الشباب نشأة عربية إسلامية.
ثم تلتها المدرسة الحرة للبنات المسلمات التابعة للجمعية الخيرية الإسلامية بتطوان. تأسست سنة 1934 بغية توفير التعليم للبنات النازلات في الجمعية الخيرية ثم اتسعت المدرسة فصارت تقبل جميع البنات (فكانت أول مدرسة حديثة للبنات بتطوان) وقد أسندت إدارتها للأستاذ محمد بن علال الخطيب الذي ظل على إدارتها بحزم إلى آخر أيام حياته رحمه الله. وأضافت الجمعية إليها سنة 1935 مدرسة أخرى للبنين.
وبعد ذلك، أي في سنة 1936، تأسست بتطوان المؤسسة الكبرى المعروفة ب«المعهد الحر» بعناية الأستاذ عبد الخالق الطريس وتحت إدارته الأولى، قصد استكمال حلقة التعليم الثانوي للمحصلين على التعليم الابتدائي من المدارس الحرة. وقد حقق هذا المعهد ما كان مأمولا منه والذي ما زال يواليه في صبر وثبات.
وفي سنة 1939 بادر الأستاذ الشيخ محمد المكي الناصري وأسس بصفة حرة وتحت إدارته «معهد مولاي المهدي» بأقسامه الأربعة: روض الأطفال، قسم ابتدائي، قسم ثانوي، قسم داخلي لإيواء الطلبة وإطعامهم. وكان من جملة أساتذته، أساتذة مصريون مستقدمون لهذه الغاية بجانب الأساتذة المغاربة والإسبان.
وفي هذه  الأثناء عرفت جمعية الطالب المغربية نشاطا ثقافيا ملحوظا كان من نتائجه تأسيس مدارس ابتدائية كان أثرها المحمود منها مدرسة مولاي الاحسن ومدرسة الشعب ومدرسة للا عائشة وللا فاطمة ومدرسة الفضيلة التي ما زالت توالي أداء رسالتها التعليمية والثقافية.
هكذا استطاعت المؤسسات الحرة التعليمية على أيدي رواد الوطنية الأوائل أن تسد ذلك الفراغ الهائل في حقل الثقافة والتعليم الذي أحدثه تهاون الإدارة الإسبانية وإهمالها الشنيع للواجبات التمدينية الملقاة على كاهلها.

التعليم القرآني:
لكن السلطات الإسبانية لما رأت إزدهار مؤسسات التعليم الحر أخذت تحس من جديد بما عليها من مسؤوليات وتذكرت مشاريعها القديمة وتخطيطاتها الأولى الهزيلة فبادرت واستصدرت ظهير 18 يوليوز 1935 الخاص بتشريعات جديدة تناولت إصلاح بعض النواحي في التعليم المغربي –أو الإسلامي كما كانوا يسمونه- وفي نفس الوقت وضعت قيودا وشروطا في وجه تأسيس المدارس الحرة. ثم جاء إصلاح آخر في 29 يناير 1937 وآخر في 25 ماي 1938 بهدف إنشاء المدرسة المغربية العصرية باللغة العربية مع إسناد تعليم الإسبانية وبعض المواد إلى أساتذة إسبان. وإسناد الإشراف عليها ووضع الخطط التعليمية وبرامجها إلى مجلس أعلى للتعليم الإسلامي المخول له إحداث شهادة ابتدائية.
وقد رأى هذا المجلس تطبيقا لتلك النصوص التشريعية الصادرة أن يجعل من التعليم الديني ومن التعليم القرآني المنطلق الأساسي ونقطة البداية للمدارس المغربية .. فأدخلوا بعض الإصلاحات على المعاهد الدينية. وأرادوا إدخال إصلاحات على الكتاتيب (المسايد) القرآنية وأن تكون هي النواة للمدرسة الحديثة المزمع إحداثها على الصعيد الحكومي محليا وإقليميا.
لذلك توجهوا أولا إلى المسايد يحصون أعدادها وأعداد أطفالها في سائر مدن الإقليم. فوجدوا ما يلي:
في مدينة تطوان: 29 مسيد.
في مدينة العرائش: 8 مسايد.
وفي القصر الكبير: 18 مسيدا.
وفي أصيلا: 4 مسايد.
وفي شفشاون: 6 مسايد.
بمعدل حوالي 30 طفل في كل مسيد، فيكون مجموع المسايد 65 ومجموع الأطفال 1950. وهو قدر ضئيل جدا بالنسبة إلى السكان. مما يدل على تدهور حالة التعليم عموما آنذاك.
 وتداركا للحالة رأوا أن يجمعوا مسايد كل مدينة في مقر واحد تتوفر فيه بعض الشروط الصحية والتربوية وتخصيص فقهاء ومدربين لكل مجموعة. وترتيب معلمين مختارين لتلقين الدروس والمواد الابتدائية.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه كان بتطوان إذ ذاك مسايد خاصة بالبنات الصغيرات تتولاها سيدات حافظات لكتاب الله ويتقن الخياطة والتطريز من ذلك مسيد البنات بحومة الجامع الكبير الذي ما زالت الأمهات والجدات يتحدثن عنه وعن معلمته بكل اعتزاز وإكبار.
وقد تمت الخطة المرسومة من طرف المسؤولين، ففتحت مدارس تعرف ب«مدارس قرآنية» في أطراف المنطقة على حساب الكتاتيب القرآنية. وكان المقر الأول التي بتطوان في بناية تقع بنزقة المشور وقد دشنت في فاتح أكتوبر 1936. ولتسيير هذه المدارس القرآنية ومثيلاتها أحدثت إدارة للتعليم المغربي عليها مدير مغربي ومعه مفتشون مغاربة وإسبان ومجلس علمي... غير أن المؤسسات التعليمية المغربية الحكومية ظلت محدودة وقليلة العدد في مجموع الإقليم لا تتجاوز عدد أصابع كلتا اليدين بما فيها مدارس البنين ومدارس البنات التي أخذت في الظهور إذ ذاك –وكانت تعرف بالأرقام لا بالأسماء، كمدرسة البنات رقم 1 المفتوحة في تطوان سنة 1937.

المؤسسات الأخيرة:
 إلا أن الحالة التعليمية تحسنت كثيرا خلال الأربعينيات حيث أخذت المدارس الابتدائية والمعاهد الثانوية والصناعية والمهنية والفنية تظهر في تطوان وما إليها بشكل بارز وبأسلوب عربي شامل تتولاها الإدارة المغربية ويسيرها مديرون مغاربة ومديرات مغربيات مع وجود مستشارين إسبان ومستشارات إسبانيات. وصدرت تشريعات تنظيمية تكفل لها النظام والاستمرار كما جهز معظمها ببناءات مناسبة وأدوات حديثة ولا سيما بعد أن أقيمت مجموعة البناءات المدرسية القائمة بتطوان المعروفة بالمدينة المدرسية.
وهكذا تأسست المدارس الابتدائية: التعليمية والصناعية والمهنية في سائر أطراف المنطقة للبنات والبنين.. وإن كانت لم تستطع أن تفي بالحاجة وتستوعب جميع الأطفال رغم صدور ظهير إجبارية التعليم في 26 أكتوبر 1946 الذي لم يطبق إلا في حدود ضيقة فبقي حبرا على ورق. وعلى أي حال فإن حالة التعليم الابتدائي تحسنت كثيرا وانتظمت وانتشرت في الأربعينيات وخاصة خلال  السنوات الأخيرة منها ما بين 48 إلى 1950 حيث صدرت ظهائر ومراسيم تنظيمية يطول ذكرها.
وكذلك التعليم الثانوي أخذ يزدهر بإحداث المعهد الثانوي الرسمي في سنة 1942 (منافسة للمعهدين: المعهد الحر ومعهد مولاي المهدي) ثم أسس المعهد الثانوي للبنات في سنة 1949 كما أسس قبل ذلك المعهد البوليتكنيك في سنة 1946 للتعليم المهني: الزراعة- التمريض- التجارة- مسك الدفاتر- الضرب على الآلة الكاتبة ومهن أخرى.
وبجانب ذلك مدرستا المعلمين والمعلمات- ومدرسة الصناعات البدوية- ومدرسة الرسم- والمعهد الموسيقى.. وغير ذلك من المؤسسات الثقافية العصرية، وغالبها معرب تعريبا كاملا، والبعض مزدوج اللغة.
كما تأسس المعهد  الثانوي الديني- والمعهد العالي الديني لتخريج المدرسين الدينيين والقضاة الشرعيين.
وفتحت أقسام داخلية حديثة تأوي الطلبة والطالبات كل في قسمه الخاص، حيث يتمتعون جميعا بمنح وإعانات مدرسية.
وبجانب هذه المؤسسات كانت هناك إدارة مغربية مسيرة: المجلس الأعلى للتعليم المغربي، ورئيسه الأول السيد الحاج أحمد الرهوني، ثم مديرية التعليم المغربي، ومديرها الأول السيد عبد الكريم اللوه، ثم وزارة المعارف ووزيرها الأول السيد محمد زريوح .. وبجانب كل هذا هيئة التفتيش التي تعاقب عليها الأستاذ الحاج محمد داود والأستاذ محمد عزيمان والأستاذ محمد ابن عبود وآخرون.
وختاما لهذه الحلقة أورد إحصائيات رسمية في خصوص المنشآت الابتدائية، أجريت عند انتهاء عهد الحماية وبزوغ فجر الاستقلال على تلك الربوع من الوطن العزيز:
عدد المدارس المغربية الابتدائية: 204 بها 568 قسم يعمل بها 136 معلم ومعلمة مغربية و213 مدرس و236 مدرر و26 معلمة خياطة مغربية و50 مساعدا للتعليم الابتدائي.
يتعلم في هذه المدارس 19.555 تلميذا و 7.144 تلميذة.
وفي هذه المدارس أقسام للكبار بلغ عددهم 5.247 تلميذ.
وفي 13 مؤسسة للتعليم الابتدائي الحر يتلقى التعليم 1.139  تلميذ و 725 تلميذة.
وفي مدرستي المعلمين والمعلمات نحو مائة طالب وطالبة، يتخرج منهما كل عام دارسي نحو عشرين معلم ومعلمة.
وإجمالا فإن الإحصاءات المدرسية بتاريخ 31 مارس 1955 كانت 96.229 تلميذ و 84.773 تلميذة وكان باقيا خارج المدرسة حوالي 120.000 من الجنسين، الأمر الذي كان يفرض إنشاء حوالي 3000 قسم جديد حسب التصميم ثلاثي كان يرمي إلى إنشاء 150 مدرسة قروية جديدة ومدارس جديدة حضرية.
وفي  الحلقة القادمة أتعرض لبقية أنواع النشاط الثقافي العربي هناك إن شاء الله.


إذن، فإتباع الجهل قد كان أحزما ...
إذا قيل هزا منهل، قلت قد أرى
                    ولكن نفس الحر تحتمل الظما
يقولون لي فيك انقباض وإنما
                    رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما
الشقي به غرسا، وأجنيه ذلة
                     إذن فاتباع الجهل قد كان أحزم

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here