islamaumaroc

[كتاب] الأدب المفرد للإمام البخاري

  دعوة الحق

163 العدد

هذا كتاب جليل القدر كثير الفائدة، وهو بالرغم من شهرة نسبته إلى مؤلفه الإمام البخاري رحمه الله فإن نسخه الأصيلة قليلة لا يوجد منها إلا عدد ضئيل يعثر عليها بصعوبة في بعض المكتبات الإسلامية الكبرى وكثير من نسخ هذا الكتاب محشوة بالأخطاء والتصحيف ... وهو بالرغم من أنه طبع منذ أول القرن الرابع عشر الهجري إلا أنه كان يطبع طبعات رديئة مملوءة بالأخطاء غير مقابلة على النسخ التي يظن – على الاقل – أنها تعتمد على الأصل اعتمادا صحيحا ..وبهذا بقي هذا الكتاب الجليل المفيد غير مطبوع طبعة صحيحة يطمأن إليها، وغير متناول بالدراسات والتعليق تناولا يشفي الغليل .
ولعل أول من حاول محاولة جدية في هذا الموضوع هو العالم الجليل السيد فضل الله الجيلاني الهندي الأستاذ بالجامعة العثمانية بحيدر آباد –الدكن- الذي عانى كثيرا من المشاق في البحث عن نسخ "كتاب الأدب المفرد: وعانى كثيرا في المقابلة بينها، ثم وضع للكتاب شرحا قيما سماه "فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد".
وبذل الأستاذ فضل الله مجهودا مشكورا في تصحيح سند الأحاديث من تصانيف المحدثين الكبار، ومشيرا إلى المواطن التي ورد فيها الحديث في الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله، وبذل الأستاذ فضل الله الجيلاني مجهودا آخر في التعليق على متن الحديث، وبيان غوامض أسراره لغة ومضمونا مع إبداء الرأي والتعقيب والتنبيه، معتمدا في ذلك كله على التآليف المفيدة والهامة في الموضوع – كالفتح، والإرشاد، شرح الإمام النووي على صحيح مسلم وغيرها....
وكل هذه أعمال جليلة قدمها الأستاذ فضل الله خدمة لكتاب "الأدب المفرد" للإمام البخاري، تلك الخدمة التي هي في الواقع خدمة لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحدث الأستاذ الجيلاني في مقدمته المفيدة عن الدوافع التي دفعته إلى تحمل مشاق هذا العمل في هذا الميدان المبارك فقال : "وقد جمعت بهذا العمل بين أربعة خلال، أولاهن التيمن بسيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر أسوته المباركة وآدابه النافعة والتشرف بخدمة سننه وبالصلاة عليه لعل الله يحشرني في زمرة أولئك السعداء، ثانيها الأخذ والتأسي بهذا العلم النافع لعل الله يغفر لي خطيئتي يوم الدين ويدخلني جنة النعيم، ثالثها أن أبرز لإخواني المسلمين نسخة هذا الكتاب صحيحة سليمة من العيوب بقدر ما يسعه جهدي لعل دعوة واحدة منهم تبلغني فأنتفع بها، رابعها أن أضع للناشرين مثالا يهتدون به إذا حدثتهم أنفسهم أن يطيعوا كتابا من كتب أسلافنا"(1)

وبهذه الإخراج المفيد لكتاب "الأدب المفرد" مع التوثيق والتحقيق يكون العلامة فضل الله الجيلاني الهندي قد أسدى للأمة الإسلامية خيرا مشكورا وعملا مهما ذا نفع عميم ...
والكتاب يقع في جزئين يضمان أكثر من ربعمائة وألف صفحة. أما موضوع الكتاب فهو يستاد من عنوانه الذي وضعه له مؤلفه الإمام البخاري رحمه الله "الأدب المفرد" والمراد به آداب النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه الكريمة وتوجيهاته وإرشاداته القيمة، وبوبه الإمام البخاري إلى أربعة وأربعين وستمائة باب، والباب الواحد قد يشمل أحاديث وآثارا من توجيهاته والإرشادات الثمينة التي كان "ص" يتخلق بها ويوصى بها أصحابه والمؤمنون به، وهي أخلاق وآداب عالية سامية ما أحوج المسلمين اليوم إلى التأدب بها والتخلق بروحها.
عمل الإمام البخاري رحمه الله في كتابه " الأدب المفرد" على جمع الآداب النبوية في مختلف الميادين برواية ذلك عن الثقات من أساتذته وشيوخه مسندا كل حديث إلى رواته مبينا أسماءهم أو ألقابهم أو كناهم، بذلك تجمعت لديه مادة الكتاب الذي رتب أحاديثه حسب الأبواب التي يدل كل باب منها على الخلق الكريم من أخلاقه "ص"، ومجموع هذه الأخلاق هو الدستور الأخلاقي لهذه الأمة المحمدية التي وصف الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله "وإنك لعلى خلق عظيم"(2) وهو مصداق قوله "ص" "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ومصداق قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها – لما سئلت عن أخلاقه (ص) : "كان خلقه القرآن".
وبدا الإمام البخاري كتابه هذا – بعد البسملة مباشرة بقوله رحمه الله : "باب قوله تعالى : "ووصينا الإنسان بوالديه حسنا" ثم قال : "حدثنا أبو الوليد(3) قال حدثنا شعبة قال الوليد بن العيزار أخبرني(4) قال سمعت أبا عمر والشيباني(5) يقول : حدثنا صاحب هذه الدار واومأ بيده إلى دار عبد الله(6) قال سألت النبي (ص) : أي العمل أحب إلى الله عز وجل ؟ قال : الصلاة على وقتها، قلت ثم أي ؟ قال : ثم بر الوالدين، قلت ثم أي؟ قال : الجهاد في سبيل الله" قال : حدثني بهن ولو استزدته لزادني(7).
وهذا حديث جليل وعظيم، لأنه يشتمل على أمهات الطاعات، وأتى به الإمام البخاري رحمه الله بعد الآية الكريمة التي هي قول الله تعالى : " ووصينا الإنسان بوالديه حسنا"(8) منبها إلى ما بين القرآن الكريم والحديث النبوي من التناسق والترابط، والحديث الذي افتتح به كتابه الإمام البخاري يشمل أهم الطاعات التي هي : الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله. ثم عقب بعد ذلك بحديث آخر في نفس الموضوع الذي يتحدث عنه فقال : "باب بر الأم" وأتى على عادته بسلسلة لرواة "حدثنا أبو عاصم عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، قلت : يا رسول الله من أبر ؟ قال أمك، قلت من أبر؟ قال : أمك، قلت من أبر؟ قال :أمك. قلت من أبر؟ قال : أباك ثم الأقرب فالأقرب".

وهكذا يسترسل الإمام البخاري في الإتيان بالأحاديث النبوية، والآثار الموقوفة على الصحابة رضوان الله عليهم وكلما فرغ من باب فتح بابا آخر إلى أن عقد أربعة وستين وستمائة باب كلها في بيان كيفية الآداب مع الله ومع الخلق وأحيانا حتى مع الحيوان الأعجم.
وفي موضوع بر الوالدين وحده عقد الإمام البخاري أربعة وعشرين بابا، ثم أردف ذلك بأبواب في وجوب صلة الرحم والحث عليها مع ذكر الوعيد الذي يهدد قاطع الرحم... وتكلم عن ذلك في ستة عشر بابا، ثم بعد ذلك تكلم عن الآداب مع الموالي والإماء ... ثم مع الأبناء والبنات، ومع الجيران .... وآداب معاملة الأيتام. والتواضع مع الخدم وحب الخير لهم، ومعاملتهم بالحسنى، ثم الحث على التعاون بين الناس والسعي في قضاء مصالحهم...
وهي آداب شتى وأخلاق كريمة تحث على المعاملة والرأفة والرحمة، والخير والتسامح، والصفاء والمحبة والتنبيه إلى ما يجب على الإنسان من احترام الآخرين والسعي في مصالحهم، وعدم التكبر والتحقير والسخرية ... مع الحق على الصبر وحسن المعاملة ولين الكلام، واماطة الأذى عن الناس وحتى عن طريقهم ... وعدم التحريش بين البهائم....
فكتاب الأدب المفرد للإمام البخاري رحمه الله جمع كثيرا من الآداب التي حث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي آداب جمة وكثيرة تشمل سلوك الإنسان مع نفسه ومع غيره في الرضى والغضب والسفر والحضر، والدين والدنيا، والآلام والآمال، وفي المحافل والمآتم، وفي المنشط والمكره ...لأن حياة الناس بعضهم مع بعض تحتاج إلى كثير من الآداب ومن الأنظمة الخلفية التي على الناس أن يتعودوها حتى يطمئنوا إليها ويتخلقوا بها، وبتعودهم على ذلك تقل أو تنعدم نوازع الشر في الإنسان من شر، وظلم، وطغيان، وجفاء، وعدم المبالاة بالآخرين، وبما يقاسمونه من حرمان وتعاسة وشقاء ...
تلك آداب نبوية سامية تنظم حياة الأفراد والجماعات الإنسانية على وجه هذه الأرض، وهي آداب وأخلاق تتضاءل أمامها الأخلاق الفلسفية والحكم البشرية، لأنه صلى الله عليه وسلم قال : "أدبني ربي فأحسن تأديبي" فهي إذا آداب ربانية أدب بها خالق الخلق عبده ورسوله محمدا (ص) ليكون قدوة وأسوة حسنة للعالمين، وليكون نبراسا أخلاقيا وطبيبا نفسانيا يداوي بالآداب التي أدبه بها ربه ما جبلت عليه النفوس البشرية من أنانية وزيغ وهوى وشره وبطر....
هي آداب أوحى بها عالم السر والنجوى، الخبير بالخفايا والخبايا الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه فهو وحده سبحانه القادر على معالجة هذه النفوس التي هو خالقها وهي مباشرة إليه.
هي آداب تصغر أمامها كل آداب لا تنهل من فيض معينها ...
ورحم الله الامام البخاري خادم السنة النبوية والآداب المحمدية فهو بحق أمير المؤمنين في الحديث، وطبيب علله وخبير أسراره وناظم لآلئه ودرره، ومنسق جواهره وبواقيته وجمانه، رحمه الله رحمة واسعة، وجواه عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء، وأنابه انابة المتقين الأوفياء، ونفع الأمة الإسلامية بكتبه القيمة التي هي على قيد الوجود، ويسر سبحانه العثور على ما هو منها مفقود، حتى تزيد الفائدة وتعم. ومن المؤسف أن بعض مؤلفات الإمام البخاري لا تزال مفقودة لأنه رضي الله عنه له مؤلفات عديدة، منها كتابنا هذا الذي نتحدث عنه " الأدب المفرد"، ومنها كتابنا هذا الذي نتحدث عنه "الأدب المفرد"، ومنها الجامع الصحيح، و"بر الوالدين:، و"كتاب الهبة"، والقراءة خلف الإمام"، "ورفع اليدين في الصلاة"، و"خلق أفعال العباد"، و"التاريخ الكبير"، و"التاريخ الأوسط"، و"التاريخ الصغير"، و"الجامع الكبير"، و"كتاب الأشربة"، و"كتاب العلل" و"أسامي الصحابة"، و"ثلاثيات البخاري"، و"كتاب المبسوط"، و"كتاب الكنى"، و" كتاب الفوائد".
وبعض هذه الكتب مفقودة لحد الآن
وهذه جولة قصيرة مع الإمام البخاري في كتابه الأدب المفرد، وهي جولة كنا نتمنى أن تطول لأنها تعرفنا بمصدر من مصادر آدابنا وأخلاقنا كاملة إسلامية، تلك الآداب والأخلاق التي تنكرنا لكثير منها اليوم، والتي أصبحت تحل محلها آداب وأخلاق بعيدة كل البعد عن روح الإسلام الصحيح، وبعيدة عن مقومات الإنسانية الحقة، آداب وأخلاق صادرة في معظمها من جاحدي مهمة الرسل ومنكري البعث والحشر ... وهي أخلاق تنظم الدنيا تنظيما ماديا ينظر إلى العاجل ولا ينظر إلى الأجل، تحترم القوي ولا يهمها أمر الضعيف، وهي أخلاق لا تعرف للحياء معنى، وهي أخلاق جعلت من الناس عناصر وطبقات، وميزت بين ألوانهم وأجناسهم، ولا تعترف بأن الناس سواسية كأسنان المشط، ولا بأن الناس كلهم من آدم وآدم من تراب.
أنظمة لها مذاهب وتيارات بعضها بسفه بعضا، جعلت من الناس طوائف متصارعة متنابزة، حاقدة على بعضها، ناقمة ... وجعلت من الجاسوسية والمؤامرات والكبد والمخابرات ... جعلت من كل ذلك شرعة ومنهاجا، هي أخلاق شرعت فيما شرعت : - الغاية تبرر الوسيلة – مهما تكن هذه الوسيلة ...زنى أو قذف أو قتل ... وتنكرت للروح وللوازع الخلقي في الإنسان.
تلك هي بعض الآداب المستوردة والتي أصبحت تحل في مجتمعنا الإسلامي محل الآداب النبوية، والأخلاق المحمدية التي هي أخلاق القرآن الكريم المنزل من عند رب العالمين.
فكتاب الأدب المفرد للإمام البخاري رضي الله عنه هو تسجيل لما صح عند مؤلفيه من آداب النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن آدابه صلى الله عليه وسلم هي آداب جمة لا يسعها كتاب واحد، ولا عدة كتب، لأنها آداب رسول بعث ليتمم مكارم الأخلاق ...وعلى المسلمين أن يتخلفوا في سلوكهم ومعاملاتهم بأخلاق نبيهم الكريمة التي حثهم على التخلق بها، والتي أن تخلقوا بها ثبت عزهم ورجحت مكانتهم ولله در شوقى القائل :
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهب أخلاقهم ذهبوا
فالأمم الإسلامية يثبت عزها وترسخ مكانتها بقدر بقاء أخلاق نبيها فيها، فإن هي حادث عن أخلاق وصولها الذي هو رسول رب العالمين حاد عنها التوفيق وحاد عنها الفلاح والنصر، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، وصدق الله العظيم ورحم الله الإمام البخاري الذي أتحف الأمة الإسلامية بكتابه القيم " الأدب المفرد".

(1)  كتاب فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد –ج-1- ص 19 و20 – نشر وتوزيع المكتبة الإسلامية بحمص سنة 1388 هـ -1969 م.
(2)  الآية الرابعة من سورة القلم.
(3)  هو هشام بن عبد الملك الباهلي الطياليسي الحافظ متقن نبت توفي سنة 227 هـ روى البخاري عنه في الجامع الصحيح مائة وسبعة أحاديث.
(4)  من تقديم اسم الراوي على الصيغة أي أخبرني الوليد.
(5)  أبو عمر والشيباني هو : سعد بن اياس صاحب عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما.
(6)  دار عبد الله، إذا أطلق الإمام البخاري اسم عبد الله فالمقصود به هو : عبد الله بن مسعود.
(7)  ضمير الفاعل في زادني يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، وضمير المفعول الذي هو الياء بعد نون الوقاية يعود على عبد الله بن مسعود، قال ابن حجر : وإنما خص هذه الثلاثة بالذكر لأنها عنوان ما سواها من الطاعات ... فمن ضيعها فهو لما سواها أضيع.
(8)  الآية الثامنة من سورة العنكبوت المدنية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here