islamaumaroc

الإنسان في الإسلام

  دعوة الحق

163 العدد

الإنسان في الإسلام مخلوق في أحسن تقويم .. أبوه الأول آدم المخلوق من طين جسما ومادة ولكن الله تعالى نفخ فيه من روحه، فهو علوي الروح، ترابي المادة، والتزم منذ الأزل بمثياق الإقرار بالربوية يوم أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم "ألست بربكم قالوا بلى .." فهذا الميثاق يحدد طبيعة الإنسان الكونية وإدعائه لواقعه كجزء من الكون المخلوق بإرادة خالقه ليعمر الأرض ويؤدي بها رسالة الإنسان، ولهذا فهو قمة المخلوقات وأسماها  وأعلاها، حيث سخر الله له ما في الكون كله، ورغم اعتراض الملائكة على خلق الإنسان الذي ظهر عصيانه من تجربة خلقه خشية أن يفسد في الأرض من تجربة خلقه خشية أن يفسد في الأرض ويسفك الدماء فإن الله يعلم ما لا يعلمه أحد. وعصى إبليس ربه وأبى الخضوع والسجود لآدم كما فعلت الملائكة استجابة لأمر الخالق، وظل إبليس يترصد للإنسان ليحرفه عن الطريق السوي .... وبعث الله الرسل والأنبياء لهداية الإنسان. وظلت رسالة الأنبياء واضحة نيرة لا يختلف بعضها عن بعض إلا ما تقتضيه المرحلية، وبدأت الدعوة الدينية لملة إبراهيم في تعاليم فطرية ثم جاءت الموسوية بوصايا أولية ترشد الإنسان إلى التعلق بالخالق والابتعاد عن الشرك بالله وتنهى عن قتل النفس البريئة كما تنهى عن المحرمات، وتضع حدا للكهانة والنجامة .. ثم جاءت المسيحية لتنشر الرحمة والمحبة وتكميلا للمفتقد في التشريعات الموسوية واستمر الأنبياء يوالون رسالتهم ووعظهم لإنقاذ الإنسان، وكم اتعظ الناس بتوجيهاتهم واتبعوا طريق الرشاد، بل يرى كثير من مؤرخي الأديان أن حكم الفلاسفة والمصلحين في الصين والهند وفارس هي حكم ومواعظ وتشريعات مقتبسة عن دعوة الأنبياء والرسل مع تحريف اقتضاه بعد اللغة والبيئة ... وأخيرا جاء الإسلام مصدقا لما جاء به الرسل من قبل ومتمما لرسالتهم، وكان ظهوره يناسب عصر نضج الإنسان وارتقائه واستعداده لقيادة نفسه على أساس ما جاء به الوحي فكان خاتم الأديان ونهاية مطاف الإنسان، واستمر الخط الإسلامي ممتدا متطورا غير جامد ولا منحرف، فهو محفوظ بدستور القرآن، وملائم للتطور باجتهاد العلماء في إطار الكتاب والسنة ولذلك ظل عالم الإسلام يفتح صدره للمجتهدين من العلماء كأئمة المذاهب والمصلحين المجددين كالإمام الغزالي وابن اليم وابن تيمية والشاطبي وكالشيخ الأفغاني ومحمد عبده، والكواكبي، وإقبال وأمير علي وغيرهم كثير مما يعسر تقصيه.
ويجد المجتهدون في القرآن والحديث عينا ثرة لا تغيض، وعلما واسعا لا ينضب فكلما واجهوا مشكلا إلا وجدوا في الإسلام حلا ولا معضلة إلا وألقوا فيه فيضا ... بل كلما حز بهم الأمر واشتد عليهم الضيم هرعوا إلى الإسلام يستظلون به ...
والإنسان المسلم اليوم يواجه حضارة معاصرة تقنية مادية، تتسم بسيطرتها المطلقة على الطبيعة واغترارها بالتقنية والالكترونية حتى أصبح الإنسان عبدها الطيع الخاضع لسيطرتها أحب أو كره وبذلك ضاع في خضم المادية وقطع كل صلاته بالقيم الروحية ولم تبق له إلا صلات واهية ضعيفة وقد فتن الناس بهذه الحضارة طوعا أو كرها فتنكروا للديانات والماورائية وأنكروا الغيب والروح والقيم الروحية، ولكنهم جميعا يشعرون بضياعهم وقلتهم وعدم جدواهم في الحياة، ففقدوا طعم الحياة ولذة العيش، وظلت الفلسفات الوجودية والمادية تزيد في تعميق الجرح والشعور بالغربة فضاع الإنسان المعاصر، وفقد مكانته الحضارية والوجودية والتاريخية ومن  تتم أخذ المفكرون يبحثون عن فلسفة جديدة أو عن دين جديد لإنقاذ الإنسان الضائع، وبقيت الأطروحة الإسلامية تقدم للبشرية دعوتها الإصلاحية لتخرج الإنسان من الغربة إلى الثقة بالنفس والإيمان بالقيم، لأن الإنسان في الإسلام يعيش الطبيعة والماورائية، ويعيش التطور والمحافظة، والإبداع والتقليد، فالإنسان في الإسلام هو أسمى مخلوق فيه جوهر روحي خالد لا يتغير  وله عقل يتطور زمانيا ومكانيا، وهو إنسان مبرمج يتجه في التزام مبدئي إلى الحقيقة الماورائية، وهو إنسان حر وكائن عقلاني وإبداعي وليس عبدا إلا للخالق، وعبوديته لخالقه هي حريته وكماله وتعاليه فوق الحتميات التاريخية والطبيعية، وعبوديته للخالق وتعني خضوعه الإيجابي، والتزامه الإنساني للتاريخ والطبيعة والمجتمع ... وهو مع ذلك كله ملتزم بميثاق حقوق الله وحدوده .. فالإنسان أزلي وجديد وثابت ومتغير، متطلع إلى السمو والتعالي، وإلى الوحدة الشمولية .. وهذا مطمح الفكر المعاصر بل الحضارة المعاصرة التي أصبحت بفضل التقدم التكنولوجي ووحدة العمل الإلكتروني والسيرتيكي تتجه دائما لتحقق الوحدة سواء وحدة التجربة أو وحدة الرؤيا للموضوعات ثم العمل على الوحدة الكونية في عملية دائبة لغزو الفضاء حتى توحد المعارف الكونية كلها على أساس واحد ... وقد برهن الإسلام على طموحه لتحقيق الوحدة الكونية وتوصيل الإنسان للعالم العلوي والكسمولوجي في قضية الإسراء وغاية هذه الوحدة تمكين البشر من تحقيق المساواة والعدل نتيجة الوحدة الكونية التي هي العدل الحق، وعلى أساس هذه الوحدة أيضا تقوم القيم الأخلاقية التي تتجاوز الحق إلى الإيثار الذي هو تجاوز الذات إلى الغيرية والأنا إلى غيرها تلك الغيرية التي أعطت للأخلاق الإسلامية دينمية الخير والعدل والمساواة فكان تاريخ المسلمين تاريخ تضحيات وإيثار وخدمة للقيم الإنسانية.
وإذا كان الإسلام تأخر بسبب تأخر المسلمين في فهمه أو في تطبيق تعاليمه فقد اجتهد كثير من المفكرين في البحث عن أسباب التخلف عن المسيرة التاريخية .. وكادوا أن يتفقوا عما أصاب الإسلام من تغيير وتفريغ محتواه وإعطائه الصبغة والشكل دون العمق بل أصبح الإسلام ترديد كلمات ومحاولات تقليد للمذاهب، وصوفية سلبية .. وتفجير العواطف وحدها واستغلال شعاراته .. وقد يصعب أن نقيم محكمة للبحث عن المسؤول عن تحريف القيم الإسلامية، هل ترجع المسؤولية إلى بداية عصر الأمويين يوم استحكمت الخلافات السياسية لاعتبارات قبيلة واقتصادية فبدت المذاهب المختلفة والطوائف المتنافرة جاعلة من العقيدة نفسها مجالا لتبرير الخلافات المذهبية والسياسية والاجتماعية. أم ترجع إلى التيارات الفلسفية والدينية التي دخلت إلى الإسلام وحملت إليه كثيرا من انحرافات الإسرائليات والمسيحية والمذاهب الفلسفية الهيلينية والغنوسية والفارسية والهندية أم ترجع إلى التيار الفلسفي الإغريقي الذي صادف قلبا خاليا فتمكن ... وكان أساس الصراعات العقائدية بين المتكلمين السنيين، والمعتزلة والقدرية وغيرهم. أم على الحروب الطويلة بين الشيعة والسنة والخوارج وغير هؤلاء من الطوائف والفرق المذهبية التي جعلت الدين قاعدة خلافاتها.
أم إلى المذاهب الصوفية والخالقات والزوايا والربط المختلفة التي اختلفت بينها في تهذيب الروح وإشاعة القيم.
أم إلى الفلاسفة المسلمين الذين حاولوا التوفيق بين الدين والفلسفة فاتهمهم الفقهاء بالانحراف واعصوصب كل فريق حول نفسه يقيم تفسيرات مختلفة للأصول الإسلامية اتقاء البدع الفكرية أو الجمود الفكري.
أم إلى انهزامات السياسيين والحكام أمام الغزو المغولي والحروب الصليبية.
أم إلى بعض المجددين كالإمام الغزالي الذي مكن للصوفية على حساب العقلانية الإسلامية.
أم إلى الهزيمة العسكرية في الأندلس يوم سقطت العواصم الإسلامية واحدة بعد أخرى حتى آخر المعاقل بضواحي غرناطة.
أم إلى عوامل الهزيمة خارجة عن العالم الإسلامي وترجع لحقد الكنيسة ودسائس الصهاينة.
أم ترجع لسبق أروبا لاكتشاف البخار ودخول الغرب عهد التصنيع مما ساعد على تكوين اقتصاد جديد وجد في العالم الإسلامي مجالا للغزو والفتح، وفي العلم الغربي مجالا للتطور الاقتصادي والعلمي.
أم ترجع إلى استيلاء الغرب على أمريكا وارتياد البحار واحتلال الشواطئ النائية للعالم الإسلامي ثم انقضاضه على المسلمين وثقافتهم.
أم ترجع للتطور العلمي في أوروبا واستنزافها لخيرات عالم الإسلام مما كون عقدا في نفسية المسلمين أنفسهم فاستشعروا بالضعف والهزيمة.
أم ترجع إلى فهم المسلمين، للقدر فهما سلبيا وسقوطهم في الخمول والدونية.
أم ترجع لهلهلة التعليم الإسلامي وركوده مما أشاع الخمول الفكري وأضعف النشاط العقلي.
أم ترجع إلى الضعف في الدراسة التقنية التي كانت بسبب نهضة الغرب.
أم ترجع إلى اتساع رقعة العالم الإسلامي اتساعا عظيما صعب معه وعسر الحكم المركزي والتوجيه المركز على مختلف المستويات الاقتصادية والفكرية.
أم ترجع إلى حقد المذاهب والطوائف الأجانب المتعايشين مع المسلمين في عالمهم ومحاولاتهم الدائبة في إثارة الشك والفتن والقلاقل.
أم هي حتمية التاريخ وانتقاد كل حضارة لمرحلتها كما ترى الخلدونية.
قد تكون هذه العوامل كلها، وقد يكون بعض منها، وقد أصيبت مختلف الحضارات بالإنهيار كذلك لنفس هذه الأسباب أو لبعضها، ولكن الشيء المحقق أن الحضارات الأخرى التي أصيبت بنفس العلل والأمراض لا تشبه الحضارة الإسلامية .. لأن هذه الحضارة تملك دائما وسائل الانتقاد بيدها مما لا تملكه حضارات أخرى ذلك لأن العالم الإسلامي يملك قرآنا واحدا يستطيع أن يوحد بسهوله بين المسلمين أو يقيم بينهم اتحادا رغم الاختلافات البسيطة الطبيعية وأن يمدهم بثقافة متجددة حية مرنة كما يرى المؤرخ تويتبي ولكن المهم من هذا كله أن المسلمين أصبحوا في تخلف وخلاف من أمرهم، وأن الإسلام تأثر جدا بهذه الخلافات في شكله دون  أن يمس في جوهره، ولن نعود إلى الإسلام إلا بالعودة إلى صلب الإسلام نفسه، سواء من الوجهة السياسية حيث الديموقراطية والشورى أم من الناحية الاجتماعية لتحقيق عدالة ومساواة، أو من الناحية الأخلاقية لممارسة الصدق والأمانة والالتزام، أو من الناحية الفردية لإشاعة الحرية والتخلص من عبادة الأصنام والأشخاص والأوهام فحرية المسلم واستقلاله الفكري واجتهاده وتطوره الدائب، وجواره المستمر وتجربته المتوالية هي هدف وجوده في الحياة ليحقق الإبداع والتطور، لأن الإسلام في جوهره عدل ومساواة ووسطية .. عدل بين الفرد والمجتمع والأسرة والأمة. يعتمد التربية الدينية في تعميق التجربة والمعاملات النزيهة في تسيير المجتمع اقتصاديا وأخلاقيا.. لذلك حرم الربا، وتكديس الرمال وصنع التأميم المطلق وتعطيل الجهد الفردي بحرمانه من التملك، وقد تعرض المسلمون منذ بداية الإسلام لهجومات عقائدية وسياسية وأخلاقية واقتصادية .. ثم استفحلت الحروب ضد الإسلام في هجمات جهنمية أثناء محاكم التفتيش بإسبانيا، ثم تعرض بعد ذلك لغزو تبشيري وصهيوني منظم على يد الفاتيكان .. و حركات الدوما والماسونية حيث عمل كل ذلك على زعزعة ثقة المسلمين بأنفسهم وتشكيكهم في واقعهم ومستقبلهم وأنظمتهم وتاريخهم ولغتهم وقيمهم واقتصادهم، حتى شعر المسلمون بالضعة وقلة ثبات عزيمتهم،وأفتوا بنهاية عصر الجهاد والبحث عن السلامة
والخنوع للسادات المتعمرين والدونية الأخلاقية والاقتصادية .. ولولا نفر تولى إعادة الثقة من جديد .. ولولا الكتاب المقدس بيد المسلمين، ولولا أحرار من المفكرين في الشرق والغرب لكانت حالة المسلمين أكثر ضعة وانحلالا، وقد روج الجميع لفكرة الهزيمة دون حياء .. وأطال في عالمنا بعض أنصار الثقافات الغربية يصيبون المسلمين بضربات أوجع ويدعون إلى الاستسلام السياسي والثقافي واللغوي فمنهم من ارتأى أن نلقي بأنفسنا في أحضان الغرب لغة وعقيدة وسلوكا ... وهؤلاء آثروا الاندماج والفناء في مجتمع أجنبي لا يسخرهم إلا لعبوديته .. ثم يتشاكون باخرة ويتباكون أسفا على نهاية حزينة وتجربة قاسية وحرقة على اللبن  الذي سال فاختلط بالتراب.
ومنهم من يدعو إلى أخذ الغرب قدوة، وتقليده خطوة خطوة وهؤلاء يسلبون المسلمين شخصيتهم ويطوحون بهم في عالم الاستسلام والاستيلاب  الثقافي.
ومنهم من يدعو إلى تبعية الغرب مع الاحتفاظ باللغة إبقاء على معالم الشخصية الإسلامية وهؤلاء رضوا بنصف الهزيمة فقط ولكن هناك رجال مفكرون أبوا الاستسلام وعرفوا الداء وكافحوا ليسقطوا شهداء في معركة فاصلة، وكتبوا عن الإسلام حتى أجلوا عنه كثيرا من الشك، وقد اجتمع المفكرون المسلمون في مؤتمرات سياسية واقتصادية واجتماعيا وأصبحوا أكثر إيمانا بمستقبله من قبل.
وقد تكون الأطروحة الإسلامية اليوم خير من يقدم للإنسان المعاصر لانقاذه من الدونية والحيرة والاستيلاب، هذه الأطروحة التي تعطي للإنسان المعاصر قوة جديدة وفكرا جيدا ووجدانا ملتهبا وثقة صلبة وتعطي للمجتمع سعادة وفضيلة وتآزرا وتآخيا ... وتعطي للإنسانية كلها سلاما وتقدما وتطورا .. لا على حساب طائفة دون أخرى أو شعب غير آخر أو لون على لون أو ثقافة على ثقافة.
الإنسان المسلم إنسان حر سعيد يحظى بعناية أزلية مستمرة من خالقه .. فالحرية أساس حقوق الإنسان كلها، فلا ضمان لأي حق إنساني دون حرية، وهي كل ووحدة لا تقبل التجزيء والتفرقة .. الإنسان المسلم خليق بالحرية التي يرقى بها وترقى به كلما علت درجاته حتى يتحمل تكاليفها عن أهلية واستحقاق .. فالحرية الفكرية أولا أن نتحرر من الرق والعبودية، ثم حرية العقل ثم حرية الفكر والإرادة، فالحرية يتمتع بها الإنسان المسلم بشرط الاستحقاق فالمعتوه والقاصر والسفيه تحد حرياتهم في التصرف ويعفون من التكليف، ويتمتعون بحرياتهم الاجتماعية والبشرية، والمجرمون تحد حرياتهم الاجتماعية، وحرية الفكر والتعبير والمناقشة والجدل ضرورية للفرد الإنساني ولتطوره الاجتماعي .. وحرية الرأي ترتبط بمسؤولية  إقرار الحق والدعوة إليه والنهي عن المنكر معصية والدفاع عن الحق فريضة وما جعل الله للإنسان العين واللسان إلا للدعوة إلى الخير والنهي عن المنكر .. ويتبع ذلك أداء شهادة الحق التي هي حد من حدود الله أما أداء شهادة الزور فشر ما مني به البشر .. وحرية التفكير والتعبير في الإسلام ترتكز على حرية الإدارة والاختيار بشرط التكليف .. وحرية التفكير تنطلق من حرية العقيدة فلا إكراه في الدين ومن هنا يطرح الاسلام العلاقات بين إرادة الإنسان وإرادة المجتمع وعلاقة ذلك بالإرادة الإلهية التي توجه الكون بما فيه الإنسان نفسه. فهل يسعى الإنسان وفق إرادة الله في حتمية الكون كله أو له مسؤولية في الاختيار ويجازي عن عمله وفق العدل الإلهي هل الإنسان مجبور في دائرة الحتميات أوله الاختيار المطلق أو هناك دائرة للاختيار يستطيع الإنسان أن يبدو فيها إنسانا حرا ودائرة قدرية خارجة عن طاقته .. أو هناك إنسان ذو بعد داخلي يحقق به اختباراته وبعد خارجي يتجاوز طاقته .. فهذه أسئلة تثيرها الفلسفات الإنسانية في عهد الإغريق وقبلهم بكثير ولكن تحليل التوجيه القرآني يبدو منه أن للإنسان مسؤولية تخف وتشتد حسب الحتميات التاريخية والوراثية والاجتماعية بل ذهب المتصوفة إلى عكس هذه القضية نفسها من تجاوز إرادة الإنسان لكل إرادة معتمدين الحديث أن لله عبادا لو أقسموا على الله لأبرهم فقالوا إن لله عبادا إذا أرادوا اراد ولكن المحقق أن الحتمية التاريخية والخيرية القدرية لا تعني في الإسلام التواكل والانهزامية فهي سلاح ذو حدين وقضية ذات منطلقين عكسيين .. فقد تحرك المسلمون في عمل  دائب من إرادة الله لتحقيق العدل والمساواة والسلام .. فالإسلام نية وقول وعمل فالنية أساس كل عمل ولا عمل بدون نية وإلا كانت عشوائية ولا نية بدون عمل وإلا كانت تعطيلا، فالأخلاق الإسلامية ليست مثلا عليا وإنما هي واقع، ومن ثم فالإسلام ليس ميتافيزيقية ولا نظرية ولا فلسفة وإنما هو واقع حي فقط ليس فيه ازدواجية مفارقة بين المثل العليا للأخلاق وتطبيقها وإنما الإسلام نية مجسدة في العمل وعمل صادر عن عزم وإرادة فاختيار الإنسان مسبق ومولد للنية الدافعة للإرادة المجسمة في العمل (فمن يرد ثواب الدنيا نؤته منها) فالجدل والحوار ومناقشة حاجات طبيعية لتطور الإنسان ولأجل أن يكون الإنسان حرا في تصرفاته يجب أن يكون حرا في عقيدته ولا يكون حرا في عقيدته إلا إذا كان مقتنعا بها مؤمنا بها أما القسر العقائدي فهو استيلاب وتعطيل واستبداد واستضلال للإنسان ولتحقيق حرية العقيدة حرم، الإسلام السلطة الكهنوتية والدينية والبابوية والإجبارية بكل أشكالها ومظاهرها وأبطل الوساطة بين الخالق والمخلوق واتخاذ الأولياء والعلماء وسائط بين الخالق والمخلوق وإصدار الحكم على الناس بإدخالهم رسميا في الدين أو إخراجهم رسميا من الدين إلا إذا ارتدوا عن الدين قولا وعملا كما هو معلوم في محله.
ومبدأ حرية العقيدة والاقتناع بها كل أصل مبدأ التسامح الديني لأن الإسلام يصدق بما جاء به المرسلون من قبله، ولأنه يدعو إلى الاقتناع فإن الإسلام كذلك ت صديق لما جاء به الأنبياء والعقل السليم ولذلك كان أول داعية إلى مؤتمر السلام وإلى ميثاق حقوق الإنسان الفكرية والاجتماعية والسياسية وإلى مؤتمر التسامح الديني في الآية القرآنية (تعالوا إلى كلمة سواء أن لا نعبد إلا الله وأن لا نشرك به شيئا وأن لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) وهكذا نشأت عن هذه الحرية المعترفة بسواسية الناس أصلا ولونا وبيئة وثقافة فلا أفضلية إلا بالتقوى دون إقامة شعارات خارجية أو نصب تماثيل وإلا بترسيخ الجوهر الحق بقلب الإنسان وتعميقه بداخله بتلاوة القرآن وأداء الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج وتمجيد الإنسان بتقواه الفكرية وعلمه وتقواه الخلقية وسمو أخلاقه وتقواه البشرية والمساواة بين الناس وتقواه الوجدانية بالإحساس النبيل ..ذلك العلم الذي ينفع الإنسان ولا يضره والأخلاق التي تجعل السوبرمان المسلم يتفانى في خير المجتمع وتقواه الروحية التي توحد بين الناس وتعين من يطلب العون وتنصر المظلوم وتحارب المعتدى ثم تجنح للسلم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here