islamaumaroc

مع ابن الأزرق في مخطوطته -2-

  دعوة الحق

163 العدد

-2-
رتب الكاتب ابن الأزرق مؤلفه ترتيبا دقيقا وفصله تفصيلا متقنا أمكن معه أن نستخلص للمخطوط فهرسا تقريبا يستوعب سائر مادته ويعطي فكرة عن محتوياته سواء منا رؤوس الأقلام أو ما يندرج أو يتفرع على تلك الرؤوس.
ولعل من المفيد أن نتحمل استعراض هذا الفهرس أمامنا لنشوق الباحثين لمراجعة المخطوط واستشارته وذلك قبل أن نقدم الفن الذي وقع عليه اختيارنا...
يستهل الكتاب بمقدمتين الأولى في تقرير ما يوطن للنظر في الملك عقلا وفيه عشرون سابقة ... بينما تعالج المقدمة الثانية تمهيد أصول من الكلام في الملك شرعا وفي هذه عشرون فاتحة.
وبعدها يجزئ المخطوط إلى كتب أربعة، وخاتمة.
الكتاب الأول: في حقيقة الملك والخلافة وسائر أنواع الرياسات وفيه بابان: الأول في حقيقة ذلك وفيه ثلاثة أنظار، النظر الأول في حقيقة الملك وفيه خمس مسائل ... والنظر الثاني في حقيقة الخلافة وفيه خمس مسائل ... النظر الثالث في سائر أنواع الرياسات ... أما الباب الثاني فهو في سبب وجود الملك وشرطه والنظر في طرف سببه وما به قضى الله ذلك الشرط وهو الحرب والقتال وفيه ثلاثة أطراف: الطرف الأول في سبب وجود الملك، الثاني في شرط وجود الملك وهو العصبية أو ما يقوم مقامها، الثالث في الحروب التي تفضي إليها العصبية في طلب الملك أو الدفاع عنه أو غير ذلك وفيه ذكر الأمم في ترتيبها وما يلزم في تدريبها من الأدب والمكائد.
الكتاب الثاني: في أركان الملك وقواعد مبناه ضرورة وكمالا وفيه بابان: الأول في الأفعال التي تقام بها صورة الملك ووجوده وهي عشرون ركنا: الركن الأول، نصب الوزير وفيه مقدمتان وثلاثة مطالب –الثاني، إقامة الشريعة -  الثالث: إعداد الجند- الرابع: حفظ المال- الخامس: تكثير العمارة وفيه مقدمتان وثلاثة مقاصد- السادس: إقامة العدل- السابع: تولية الخطط الدينية- الثاني: ترتيب المراتب السلطانية-  التاسع: رعاية السياسة- العاشر: مشورة ذوي الرأي وفيه مقدمات ومقامات- الحادي عشر: بذل النصيحة- الثاني عشر: في أحكام التدبير- الثالث عشر: تقويم الولاة والعمال- الرابع عشر: كثرة اتخاذ البطانة وأهل البساط- الخامس عشر: تنظيم المجلس- السادس عشر: تقدير الظهور والاحتجاب- السابع عشر: رعاية الخاصة والبطانة- الثامن عشر: ظهور العناية لمن له الحق- التاسع عشر: مكافأة ذوي السوابق- العشرون: تخليد مفاخر الملك ومناثره، أما الباب الثاني ففي الصفات التي تصدر منها تلك الأفعال على أفضل نظام، والمقرر منها عشرون قاعدة ومقدمات.
القاعدة الأولى: العقل وفيها مسائل.
الثانية:  العلم وفيها مسائل.
الثالثة: الشجاعة وفيها نظران.
الرابعة: العفة وفيها مسائل.
الخامسة: السخاء والجود، وللنظر فيها منهاجان.
السادسة:  الحلم وفيها مسائل.
السابعة: كظم الغيظ والغضب، وفيها طرفان.
الثامنة: العفو وفيها مسائل.
التاسعة: الرفق وفيها مسائل.
العاشرة: اللين.
الحادية عشرة: التثبت وفيها مسائل.
الثانية عشرة: الوفاء بالعهد وبالوعد وفيه طرفان.
الثالثة عشرة: الصدق والكذب وفيها مسائل.
الرابعة عشرة: كتم السر وفيها مسائل.
الخامسة عشرة: الحزم وفيها مسائل.
السادسة عشرة: الدهاء والتغافل وفيها نظرات.
السابعة عشرة: التواضع وفيها ثلاثة مطالب.
الثامنة عشرة: سلامة الصدر من الحقد  والحسد وفيه طرفان.
التاسعة عشرة: الصبر وفيه مسائل.
العشرون: الشكر وفيه مسائل ...
الكتاب الثالث: فيما يطالب به السلطان تشييدا لأركان الملك وتأسيسا لقواعده وفيه مقدمة وبابان.
المقدمة في التحذير من محظورات تخل بذلك المطلوب شرعا وسياسة.
الباب الأول: في جوامع ما به السياسة المطلوبة من السلطان ومن يليه وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول، في سياسة السلطان ويندرج تحته سياسات الأولى سياسة الرعية.
الثانية: سياسة الأمور العارضة التي هي الجهاد والسفر والشدائد النازلة والرسالة والوفود.
الفصل الثاني: في سياسة الوزير وفيه ثلاثة سياسات...
الفصل  الثالث في سياسة سائر الخواص والبطانة في صحبة السلطان وخدمته.
أما الباب الثاني ففي واجبات يلزم السلطان سياسة القيام بها وفاء بعهدة ما تحمله وطلب منه:
والواجب الأول حفظ الدين.
والواجب الثاني تنفيذ الأحكام بين المستشارين وقطع الخصام بين المتنازعين.
والواجب الثالث إقامة الحدود وفيه مسائل، والواجب الرابع في عقوبة المستحق وتعزيره.
الواجب الخامس رعاية أهل الذمة وفيه مسائل ...
الكتاب الرابع في عوائق الملك وعوارضه وفيه بابان:
الاول في عوائق الملك المانعة من دوامه وفيه ثلاثة أنظار:
النظر الأول في التعريف بالعوائق:
العائق الأول: حصول الترف والتعميم للقبيلة.
الثاني: لحاق المذلة للقبيل.
الثالث: استحكام طبيعة الملك.
الرابع: إرهاف الحد.
الخامس: الحجاب الواقع دليلا على الهرم.
السادس: حجر السلطان والاستبداد عليه.
السابع: استظهار السلطان على قومه.
الثامن: انقسام الدولة الواحدة بدولتين.
النظر الثاني: في التعريف بكيفية طروء الخلل إلى الدول.
النظر الثالث: في التعريف بأن مقتضى الإنذار يمنع دوام الملك.
أما الباب الثاني ففي عوارض الملك اللاحقة لطبيعة وجوده وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول في عوارض الملك من حيث هو وفيه مسائل.
الثاني في اختيار المنازل الحضرية وفيه مسائل.
الثالث في اكتساب المعاش بالكسب والصنائع وفيه مسائل.
الرابع في اكتساب العلوم وفيه مسائل ...
الخاتمة في سياستي المعيشية والناس وفيها مقدمتان وسياستان:
المقدمة الأولى في التقوى، والثانية في حسن الخلق وفيها مسائل.
السياسة الأولى: سياسة المعيشة، وفيها ثلاثة مطالع، المطلع الأول في كليات مما ندبر به  المعيشة من جانب الوجود وفيه إنارات ... المطلع الثاني في أمهات مما تحفظ به من جانب العدم وفيه إضاءات.
المطلع الثالث: في مهمات دينية يعتبر بها حفظ المعاش من جانبي الوجود والعدم وفيه لوامع ...
السياسة الثانية: سياسة الخلق وفيه مقدمات وست مسائل:
الأولى في ملك اللسان.
الثانية ملك الحواس.
الثالثة في صورة الإنسان ظاهرا وباطنا.
الرابعة في أحوال الإنسان الخارجة عنه.
الخامسة في الإخوان والصديق.
السادسة في المعارف ...
وضمن الكتاب الثالث: حول ما يطالب به السلطان تشييدا لأركان الملك وتأسيسا لقواعده يوجد الباب الأول في جوامع السياسة المطلوبة من السلطان...
وهذا الباب يتفرع إلى ثلاثة فصول الأول في سياسة السلطان، وتحت هذا سياسات كما أسلفنا .. وفي مبحث السياسة الثانية نجد تفصيلا عن الأمور العارضة كما تقدم وقد عالج العارض الرابع موضوع الرسالة كما عالج العارض الخامس موضوع الوفود، وكلا العارضين الرابع والخامس نقترح على القراء مطالعتهما معنا تأكدا من أسلوب الكتاب وعلو نفس مؤلفه وبعض المصادر التي يعتمدها أو يتأثر بها... مؤملين من ذلك مزيد الفات النظر لهذا المؤلف الجميل:
قال ابن الأزرق تحت عنوان العارض الرابع:
«...  ولموقعها –أي الرسالة- من الملوك عند الحاجة إليها تخصها رعايات من السياسة سابقة ولاحقة.
الرعاية الأولى: تحقق أن موقع الرسول من السلطان موقع الدليل من المدلول والبعض من الكل، ففي سياسة أرسطو(1) : أعلم أن الرسول يدل على عقل من أرسله إذ هو عينه فيما لا يرى وأذنه فيما لا يسمع ولسانه فيما غاب عنه. وقالوا: الرسول قطعة من المرسل قلت: ومن المشهور قولهم ثلاثة دالة على صاحبها: الرسول على المرسل والهدية على المهدي والكتابة على الكاتب.
الرعاية الثانية: اختيار من يرضي لها لأجل هذا الموقع ففي بقية كلام أرسطو المتقدم مقررا لما يترتب عليه: فيجب أن تختاره أرفع من في حضرتك عقلا وبصبرة وهيبة وأمانة تجنبا لجميع الريب.
إذا كنت متخذا رسولا
              فلا  ترسل سوى رجل نبيل
فإن النجح في الحاجات يأتي
              لطالبها على قدر الرسول
الرعاية الثالثة: تقسيم الإرسال بحسب اتصالهم بما يطلب فيهم إلى ثلاثة كما يظهر من كلام أرسطو: أولهم الكامل الإتصاف بما شرط فيه وهو المفوض إليه بعد المعرفة بغرض مرسله ولذلك لا يوصى لاحتمال أن يرى عند المشاهدة أن الصواب في غير ما وصى به، قال:
إذا كنت في حاجة مرسلا
             فارسل حكيما ولا توصه
وإن باب أمر عليك النوى
             فشاور لبيبا ولا تعصه (2)

النسخة د/ 582 ... كما يحكي ابن رضوان أن الوزير الشهير أبا عبد الله بن الحكم (صوابه: الحكيم) لما وفد رسولا عن سلطانه ملك الأندلس على السطان أبي يعقوب ملك المغرب قال له: ما طلب سلطانك بعد أن فعلنا له كذا وأسعفناه بكذا .. وعدد ما قدمه إليه من الصنائع الحسنة، فقال له نعم يا مولانا رضي الله عنكم، كل ذلك كان ولم ينكره مولاي ولا أجهله لكن لسان حاله ينشد: أي ملبسي (البيت).
الثاني المتوسط للاتصاف اقتصارا على الثقة والأمانة والتقيظ وهو المقصور على ما ألقى إليه من غير زيادة ولا نقص ليؤدي الجواب عليه كما سمعه.
الثالث المقتصر على الأمانة فقط وهو الموجه بكتاب ليأتي بجوابه. قلت: والعرف الآ، أنه لا يعد من الإرسال وإنما يسمى رقاصا ورتبته مختلفة عنهم بكثير.
الرعاية الرابعة: اجتناب تخصيص الوزير بها وإن كان المتصف بأكمل الصفات وأجمعها، ففي  سياسة أرسطو: «إياك أن ترسل وزيرك ولا تخرجه من حضرتك فإن في ذلك فساد ملكك» قلت: لأن منزلة الوزير من السلطان منزلة السلطان من الرعاية فكما لا تستغني الرعية عن السلطان لا يستغني هو عن الوزير، وقد تقدم تقريره ...
الرعاية الخامسة: اعتماد التلطف في الوصول إلى المقصود بها والتيقظ لوجوه التصدي إليه تحصيلا واستجلابا كما حكى ابن رضوان (3) أن الوزير الشهير أبا عبد الله بن الحكيم (4) لما وفد رسولا عن سلطانه ملك الأندلس على  السلطان أبي يعقوب ملك المغرب قال له: ما مطلب سلطانك بعد أن فعلنا له كذا وأسعفناه بكذا وعدد ما قدمه إليه من الصنائع الحسنة فقال له: نعم يا مولانا رضي الله عنكم، كل ذلك كان ولم ينكره مولاي ولا أجهله لكن لسان حاله ينشد:
أيا ملبسي النعما التي جل قدرها
                 لقد خلقت تلك الثياب فجدد!
قال فأكمله مطالبه ووفي بحسن تلطفه مئاربه
الرعاية السادسة: اتقاء التساهل في اختيار الرسول لما يؤدي إليه من عظيم الضرر مع الموالي والمعادي، فعن بعض الحكماء: «اختر رسولك في الحرب والمسالمة فإن الرسول يلين القلوب ويخشنها ويبعد الأمور ويقربها ويصلح الود ويفسده» وكان أردشير يقول: كم من دم سفكه الرسول بغير حق، وكم من جيوش قد قتلت وعساكر قد انتهكت وقال قد نهب وعهد قد نقض بخيانة الرسول وكذبه (5).
الرعاية السابعة: امتحان الرسول عند ترشيحه للرسالة، قال الجاحظ: «من الحق على الملك أن يمتحن رسوله محنة طويلة قبل أن يجعله رسولا» ثم حكى عن ملوك الأعاجم أنها كانت تمتحن من نختاره للرسالة بجعله رسولا إلى بعض خاصته مع جعل عين عليه، فإذا طابق ما أحصاه العين عليه وعلم صدق لهجته جعله رسولا إلى عدوه مع بعث العين، فإن اتفقا فيما رجعا به وعلم أن قد صدقه صيره رسولا إلى ملوك الأمم ووثق به وأقام بعد ذلك خبره مقام الحجة. انتهى ملخصا.
الرعاية الثامنة: إرداف الرسول بثان أو ثالث أو رابع، وإن كانا اثنين فذلك مما أخذ به بعض حكماء الملوك مبالغة في التحفظ من خيانة الرسول أو تقصيره فعن أردشير أنه كان يقول: «يجب على الملك إذا وجه رسولا إلى ملك آخر أن يردفه بآخر. وإن وجه رسولين أن يتبعهما باثنين فإن أمكنه أن لا يجمع بين رسولين في طريق ولا ملاقاة ولا يترافقا فيتوافقا فعل(6) . قلت: وهذه مبالغة بعسر العمل بها والميسور منها لا يترك.
الرعاية التاسعة: تربص العمل بمقتضى ما ورد به الرسول حتى يوقف على حقيقته من جهة أخرى، ذكر الجاحظ قائلا (7) على السلطان إذا عاد إليه رسوله بكتاب أو رسالة من ملك في خير أو شر أن لا يحدث في ذلك أمرا حتى يكتب إليه مع رسول آخر بحكاية كتابه الأول حرفا فإن الرسول ربما أحرم بعض ما أمل فافتعل الكتاب وحرض المرسل على المرسل إليه وأغرى به كذبا عليه. ثم حكى ما اتفق لرسول عن الإسكندر لما أمر بخلع لسانه من قفاه حين وقف على زيادة منه تعرفها بإعادة الرسول إلى من كذب عليه ذلك الرسول. قلت: «الوقوع في ذلك نادر والتحفظ منه بهذه المبالغة ربما يتعذر فلا توقف لما ذكر، والصواب ما يقتضيه الحال والله تعالى المرشد إليه والمعين لمن شاء عليه.
الرعاية العاشرة: تعلم الرسول ما يجب عليه شرعا وسياسة، فقد قال النووي في فضل معرفة ما يحتاج إليه المسافر حسبما تقدم عنه: «إن كان رسولا عن سلطان أو نحو اهتم بتعلم ما يحتاج إليه من آداب المخاطبات وأجوبة المحاورات وما يحل من الضيافات والهدايا وما يجب عليه من رعاية النصيحة وتوقي الغش والخداع والنفاق والحذر ومن التسبب في مقدمات العذر إلى غير ذلك مما يتعين عليه. انتهى. تتميم. من مستحسن ما وقت به الإرسال من حقوق مرسلها في الثناء عليه بحسن السيرة على أبلغ بيان فأحدث به الجاحظ عن الفضل بن سهل قال: كانت رسل الملوك إذا جاءت بالهدايا للمامون يجعل اختلافهم إلي، فكنت أسأل رجلا منهم عن سير ملوكهم وأخبار عظمائهم، فسألت رسول ملك الروم عن سيرة ملكهم فقال: بذل عرفه وجرد سيفه فاجتمعت عليه القلوب رغبة ورهبة، لا يبطر جنده ولا يحوج رعيته سهل النوال حزن النكال، الرجاء والخوف معقودان في يده، فقلت: وكيف حكمه؟ قال: يرد الظلم ويردع الظالم ويعطي كل ذي حق حقه، فالرعية اثنان راض ومغتبط. قلت: وكيف هيبتهم له؟ قال: يتصور في القلوب فتغضى له العيون. قال: فنظر رسول ملك الحبشة على إصغائي له وإقبالي عليه، فسأل ترجمانه: ما الذي يقول الرومي؟ قال له: يذكر ملكهم ويصف سيرته. فتكلم مع الترجمان بشيء فقال لي الترجمان: إنه يقول: إن ملكهم ذو أناة عند القدرة وذو حلم عند الغضب وذو سطوة عند المغالبة وذو عقوبة عند الاحترام، وقد كسى رعيته جميل نعمته وخوفهم عنيف عقوبته فهم يتراؤنه ترائي الهلال خيالا ويخافونه مخافة الموت نكالا وسمعهم عدله وردعتهم سطوته، فلا تمتهنه مزحة ولا توهنه غفلة، إذا أعطى أوسع وإذا عاقب أوجع، فالناس اثنان راج وخائف، فلا الراجي خائف الأمل ولا الخائف بعيد الأجل، قلت: فكيف هيبتهم له؟ قال: لا ترفع العيون إليه أجفانها ولا تتعبه الأبصار إن ساءها، كأن رعيته قطا رفرفت عليهم مقور صوائد  (8) فحدث المأمون بهذين الحديثين فقال: كم قيمتهما عندك؟ قلت: ألفا درهم. قال: يا فضل إن قيمتهما عندي أكثر من الخلافة، أما علمت قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قيمة كل امرئ ما يحسن، فتعرف أحدا من الخطباء البلغاء بحسن أن يصف أحدا من خلفاء الله الراشدين المهديين بمثل هذه الصفة، فقد أمرت لهما بعشرين ألف دينار واجعل العذر مادة بيني وبينهما في الجائزة فلولا حقوق الإسهام وأهله لرأيت إعطاءهما ما في بيت مال العامة والخاصة دون ما يستحقانه.
وبعد هذا مباشرة ينتقل ابن الأزرق للفصل التالي تحت عنوان (العارض الخامس الوفود).
وللسياسة الفاضلة بهم عنايات.
العناية الأولى احتفال السلطان للقائهم باظهار زينة الملك وجماله، فقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم  حلة يتجمل بها للوفود والعظماء، قال القرافي: وذلك أهيب وأوقع في النفوس وأجدر لحصول التعظيم في الصدر، قال ابن رضوان: فهو أمر عادي شرعي.
العناية الثانية: إكرام من يرد منهم من ذوي النباهات في قومه، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وفد عليه زيد الخيل بسط له رداءه وأجلسه عليه وقال: إذا  أتاكم كريم قوم فأكرموه.
العناية الثالثة: حسن الإقبال عليهم بالتلطف لهم في الخطاب تأنيسا لهم وإدلالا، ففي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه ومسلم كان رفيقا بالوفود، قلت كقوله صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى.
العناية الرابعة: الإذن في الكلام لمن هو أهل في المقام السلطاني ليلا يتجاسر عليه من لا يستحقه، ففي وفادة قريش على سيف بن ذي يزن قوله لعبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان لا يعرفه وأراد أن يتكلم: «إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك»، وفي وفادة الحجازيين على  عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قوله للغلام الذي تصدر للكلام: ليتكلم من هو أسن منك.
العناية الخامسة: إفاضة الإحسان على وفد التهنئة مبالغة في البر بهم وإدخال السرور عليهم، قال ابن رضوان: وهي من سنن الملوك الحسنة وكأنها في معرض شكر الله تعالى بإدخال المسرة على خلقه على النعمة المهنأ بها ...
انتهى.
شرح إشارة تقدمت بحكايتين فيهما جمل من آداب هذا المقام.
الحكاية الأولى: قضية وفادة قريش على سيف ابن ذي يزن: يروى عن ابن عباس رضي الله عليه وسلم أتاه وفد العرب وإشرافهم وشعراؤهم لتهنئه ومدحه، وأتاه وفد قريش فيهم عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس وخويلد بن أسد في عدة من وجوه قريش وأهل مكة وأتوه بصنعاء  وهو في قصره الذي يقال له غمدان، فاستأذنوا عليه وهو متضمخ بالعنبر بيض المسك من مفارقه وعن يمينه ويساره الملوك وأبناء الملوك، فاستأذن عبد المطلب في الكلام وكان أجل القوم قدرا وأعظمهم فخرا وأعلاهم نسبا وأكرمهم حسبا ولم يكن سيف يعرفه فقال له: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك، فقال عبد المطلب: أيها الملك إن الله عز وجل قد أحلك محلا رفيعا صعبا منبعا شامخا باذخا وأنبتك نباتا طابت أرومته وأعزت جرثومته وثبت أصله وبسق فرعه في أكرم معدن وأطيب موطن، وأنت رأس العرب وربيعها الذي به تخصب وعمودها الذي عليه العماد ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد، سلفك خير سلف وأنت فيهم خير خلف ولن يخمل ذكر من أنت خلفه. أيها الملك نحن أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي بأبهجنا بك، فنحن وفد التهنئة لا وفد التعزية. قال: فأيهم أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، قال: ابن أختنا؟ قال: نعم، قال: أدن. فأدناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم، وقال: مرحبا وأهلا وناقة ورحلا وأمنا ومناخا سهلا وملكا فحلا يعطي عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم، لكم الكرامة ما أقمتم والحباء إذا ظعنتم، فأخبره ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم من قومه وأمر لكل واحد منهم بمائة من الإبل وعشرة عبد وعشر إماء وعشرة أرطال ذهبا وعشرة أرطال فضة وكرش عنبر ... وأمر لعبد المطلب بعشرة أمثال ما أمر لهم.
الحكاية الثانية خبر وفد الحجازيين على عمر بن عبد العزيز رضي  الله عنه: يروى أنه لما ولى الخلافة وفد عليه وفود من كل بلد، فوفد عليه الجازيون فتقدم غلام منهم للكلام وكان حديث السن فقال له عمر: ليتكلم من هو أسن منك، فقال له: أصلح الله أمير المؤمنين إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه فإذا منح الله عبدا لسانا لافظا وقلبا حافظا فقد استحق الكلام وعرف فضله من سمع خطابه من الأنام.
ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن لكان في مجلسك هذا من الأمة من هو أحق منك: فقال: نعم صدقت، قل ما بدا لك، فقال الغلام: أصلح الله أمير المؤمنين نحن وفد تهنئة لا وفد  تعزية، وقد أتيناك لحق الله الذي من علينا بك، لم يقدمنا إليك رغبة ولا رهبة أما الرغبة فقد أتتنا منك، وأما الرهبة فقد أمنا جورك بعدلك، فقال له عمر: عظني يا غلام، فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، إن ناس من الناس عزهم حلم الله تعالى وطول آمالهم وكثرة ثناء الناس عليهم فزلت أقدامهم فهووا في النار، فلا يغرنك حلم الله تعالى وطول أملك وكثرة ثناء الناس عليك فتزل بك قدمك فتلحق بالقوم فلا جعلك الله منهم وألحقك 
النسخة د/ 1340 آخر ورقة من المخطوط التي تعالج كمسكة الختام – بيان ما يدل من الأخبار على فضل النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا نزل به الأمر فوض المخرج فيه إلى الله تعالى، أحب الطعام إليه ما كثرت عليه الأيدي ... أكثر لباسه البياض ... لا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفوا ويصفح .. أجود الناس كفا وأوسعهم صدرا وأصدقهم لهجة ... . صلى الله عليه وسلم ... وعلى آله الأبرار وأصحابه الناصحين له في الإعلان والإسرار ما تعاقب الأزمان يوما وغدا، وراح إليه مشتاق الوصول غدا» ويلاحظ أن هذه النسخة كملت يوم 13 جمادى الثانية 1268.
بصالح هذه الأمة. ثم سكت فسأل عمر عن سن الغلام فإذا هو ثمان عشرة سنة ثم سأله عن نسبه فإذا هو من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي  الله عنه وتمثل بقوله:
تعلم فليس المرء يولد عالما
                وليس أخو علم كمن هو جاهل
فإن كبير القوم لا علم عنده
                صغير إذا التفت عليه المحافل
وإن صغير القوم –والعلم عنده-
                كثير إذا ردت إليه المسائل
                                             *
لعل جولة القارئ في كل تلك الرعايات والعنايات والسياسات تعطيه نظرة عن مخطوطة ابن الأزرق التي كانت محل اهتمام وتتبع من سائر الملوك والقادة الذين وجدوا فيها سلوى لهم عند الأذكار ومرشدا لهم وقت الاختيار وإذا كانت الاستطرادات في بعض الأحيان مما لا يستسيغه التسلسل فإن استطرادات ابن الأزرق على العكس من ذلك تشعرك وأنت تنتقل في ثناياها وبين رحابها بأنك فعلا في بستان مبهج بزهوره المتنوعة وتماره الملذة ومناخه المنعش، وإن الذي زاد في قيمة الكتاب ووزنه أن مؤلفه معدود من الخبراء بالسياسة العارفين بأحوالها، عرف الوزارة والسفارة كما زاول مهنة الخطابة والقضاء فهو لذلك خير من يقدم لنا مثل هذا العطاء، وأصدق من يحدثنا عن السياسة والرياسة.


1- ألف أرسطو طاليس كتابه السياسة في تدبير الرياسة لتلميذه الملك الإسكندر بن فيليبس اليوناني، وفي مكتبة برلين نسختان منه، وقد نقله إلى العربية يوحنا البطريق.
2 - البيت لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب. راجع كتاب رسل الملوك، تأليف ابن الفراء تحقيق الدكتور صلاح الدين 8 الفخري في الآداب السلطانية، ص: 70.
3 - هو رئيس الكتاب الصدر البليغ أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان البخاري من أهل مالقة كان من أعيان كتاب السلطان المستعين بالله سالم المريني النفح ج 6 ر 107.
4 - أجمعت النسخ المخطوطة التي أشرنا إليها على تسميته هكذا: ابن الحكم والصواب ابن الحكيم وهو ذو الوزارتين أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى اللخمي الرندي وأهل سلفه من أعيان إشبيلية ثم انتقلوا إلى رندة في دولة بني عباد، ويحيى جد والده هو المعروف بالحكيم لطبه، وقد قدم ذو الوزارتين على حضرة غرناطة أيام السلطان أبي عبد الله محمد بن محمد ابن نصر إثر عودته من الحج في رحلته التي رافق فيها العلامة أبا عبد الله بن رشيد الفهري فألحقه السلطان بكتابه إلى أن توفي هذا السلطان وتقلد الملك بعده ولي عهده أبو عبد الله  المخلوع فقلده الوزارة والكتابة ثم لقبه بذي الوزارتين، ولكن السياسة
لم تشغله عن المطالعة والدرس .. إلى أن توفى بحضرة غرناطة قتيلا غدوة يوم الفطر شوال سنة ثمان وتسعمائة يوم خلع سلطانه، ومن شعره:
فقدت حياتي بالعراق ومن غدا         بحال نوى عمن يحب فقد فقد
ومن أجل بعدي عن ديار الفقها        جحيم فؤادي قد تلظى وقد وقد!
وقد ورد ابن الحكيم سفيرا على السلطان أبي يعقوب يوسف عام 701 صحبة الوزير عبد العزيز الداني لأحكام عقد الموالاة بين الأندلس والمغرب وقد تم اللقاء بضواحي تلمسان، مما قيل في رثائه:
قتلوك ظلما واعتدوا                 في فعلهم حد الوجوب
ورموك أشلاء وذا                   أمر قضته لك الغيوب
إن لم يكن لك سيدي                  قبر فقبرك في القلوب
الإحاطة 2 ر 180- النفح 2 ر 618 – 5 ر 598 الاستقصا 3 ر 82.
5 - التازي: تاريخ المغرب الدبلوماسي – طبعة فضالة ص 8-9.
6 - رسل الملوك ص 25.
7 - التاج في أخلاق الملوك.
8 - رسل الملوك ص 31.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here