islamaumaroc

الوزن الدولي للمغرب في غضون القرن الثامن عشر -2-

  دعوة الحق

163 العدد

- 2 –
هذه الصورة عن المناخ الدولي في القرن الثامن عشر، تتيح انطباعا واضحا عن الوضع الذي وجد فيه المغرب ساعتئذ، وجسامة المسؤوليات التي طرحها عليه الظرف، وما تنطوي عليه من ملابسات دقيقة.
لقد شكل الكيان المغربي ساعتها، واجهة اساسية ازاء كل هذه التيارات الدولية الرائجة في العالم وفي المنطقة الموجودة فيها بلادنا، وتمكن – بحكم ذلك – من امتصاص هذه التيارات كلما دنت منه، وتحويلها – في الكثير – الى حيث تلتقي معه على خط الصداقة والمودة وتتعاون واياه في مجالات شتى مما يعنيها ويعنيه، بل ان المغرب استطاع بديناميته هذه، ان يحافظ على صورة للعرب قوية وكفؤة ومشرقة جدا، وتجاه العالم العثماني، وذلك في الحال الذي كان فيه العثمانيون يمسكون بمقاليد الوطن العربي شرقه وغربه، وةاستطاع بنفس المقدار، بلورة صورة عن المسلمين، قوية وكفؤة ومشرقة كذلك، واجه بها القوى التوسعية الغربية، التي كلنت قد ذهبت شوطا مهما في استصفاء الوجود الاسلامي الفعال في المحيط العالمي، ولم تفتا تواصل سعيها للاجهاز على فاعلية الباقي من هذا الوجود ان كان شرق او غرب، واستطاع المغرب في محط آخر، الاحتفاظ بصورة عن الافارقة قوية وكفؤة ومشرقة هي بدورها، هذا فيما كانت القارة السوداء آخدة في التهاوي أزاء سطوة البعثات الغربية، المزودة بكافة الممكنات لفرض وجودها على المجتمعات الافريقية.
لقد تهيا للمغرب، في نطاق هذا الظرف، القيام بدور استقطاب ضخم، مقابل الاستقطاب الذي مارسته الدولة العثمانية في حوض البحر المتوسط والبحر الاحمر والخليج، وحالة الاستقطاب الذي اخذت اوروبا الغربية تمارس اسبابه بحركتها التوسعية عبر العالم.
الا ان الاستقطاب المغربي، كان شيئا آخر، غير ذلك الاستقطاب الذي اتسمت به حركة الآخرين.
كان الاستقطاب اولئك، استقطابا، قوامه الهيمنة والتوسع، اما الاستقطاب المغربي، فكان مبناه، الاخد بزمام فاعليات الصمود الافريقي الاسلامي، تجاه توسع الغرب، واستجماع صفات الاصالة العربية في وجه حركة الاستيعاب التركي للوطن العربي في وهذه وظيفة ذات صفة تاريخية فريدة، اهل الظرف المغرب لها، ليكون فيها محورا ومرتكزا، وكان البلد فعلا في مستوى الاضطلاع بها، وادائها على الوجه اللائق، التي آداها به.
كما نلمحه من ثنايا هذه الملاحظات، فان وزن المغرب على الصعيد الدولي، قد سجل خلال القرن الثامن عشر مستوى جيدا، تتناقض كثافته، مع  الاحوال المهزوزة التي ادت بمختلف مناطق افريقيا وآسيا الى الوقوع تحت طائلة التبعية، وهذه المناطق تصلها بالمغرب – كما يعلم –صلات انتماء متعددة، اما في نطاق جغرافي (افريقيا) او في اعتبار سلالي (العالم العربي) او على مستوى روحي وثقافي (العالم الاسلامي) او في مضمون حضاري وثقافي (العالم الاسلامي) او في مضمون حضاري (العالم الثالث).
وتتجلى معايير هذا الوزن الذي اتيح للمغرب في مظاهر شتى تجمل بعضها فيما يلي :

1) من منظور الاحوال الداخلية :
لقد شهد المغرب في غضون القرن الثامن عشر، عهدين عظمين بالمدلول الكامل لهذا الوصف، هما عهد المولى اسماعيل الذي امتد فيما بين القرن السابع عشر، والربع الاول من القرن الثامن عشر، ثم عهد المولى محمد بن عبد الله وقد استغرق هذا العهد ما بين العقد السادس من القرن الثامن عشر الى ما يشارف متم العقد التاسع منذ القرن تقريبا.
وقد بلغ المغرب في هذين العهدين اللامعين، من متانة الوضع في الداخل، مالا مزيد عليه بالنسبة لدولة راسخة قوية وطامحة، فقد تحررت الثغور التي كانت رازحة الاحتلال الاجنبي (طنجة، العرائش، اصيلا، المهدية، الجديدة) وثم تنفيد خطط انمائية وتعميرية ذات نطاق واسع لصالح تلك المدن، الامر الذي نشات عنه حالات جيدة من الاستقرار فيها، مقرون بنمو عوامل تطور اجتماعي، وتوسع في المرافق اللازمة له على مختلف المستويات.
وقد استتب القانون والنظام في ارجاء البلاد، نتيجة لتماسك البنيان الاجتماعي، ودقة تنظيم المؤسسات، ويقظة مراقبة الدولة، وتشير بعض الوثائق التاريخية، الى حادث سفينة فرنسية كانت قد غرقت في منطقة من مناطق الساحل الصحراوي المغربي، فكتب المولى محمد بن عبد الله الى القطر الذي يعنيه امر السفينة، مطمئنا اياه سلامة الافراد الذين نجوا من الغرق، وانهم سيرجعون آمنين الى بلادهم، الامر الذي يعطي انطباعا عما كانت عليه سلطة الدولة من شمول يستوعب اقاصى البلاد شمالها والجنوب، وتاطر السكان اينما كانوا في نطاق هذه السلطة.

2) من ناحية اقتصادية :
ان متانة الوضع الاجتماعي والسياسي ببلد، ينعكس بالضرورة على حالة الاقتصاد فيه، زراعة وصناعة وتجارة وتوسعا في المبادلات، واطرادا للرواج عموما.
وكذلك كان الحال في العهدين العظيمين اللذين تميزت بهما حياة المغرب في غضون القرن الثامن عشر.
وتوميء مؤشرات النشاط المينائي في تلك الحقبة، الى جانب فعالية حركة التجارة التي كانت قائمة بين المغرب والبلدان الاخرى، خاصة البلدان الاوروبية، وبحسب ما يستفاد من المعاهدات المعقودة مع هذه البلدان، فان الصلات التجارية التي تكونت للمغرب مع الاوروبيين، كانت على نطاق واسع، بحيث شملت مجموعة كبيرة من دول القارة، سواء منا دولتا شبه الجزيرة الايبرية، او دول بحر المانش، او الدول الاسكندنافية، او منطقة جنوب وسط اوروبا، او بعض جزر البحر المتوسط.
وقد ادخلت في عهد المولى محمد بن عبد الله تجهيزات مينائية مهمة، وفي طليعتها انشاء ميناء الصويرة، وتجهيز ميناء الجديدة، وكلاهما اعد ليقوم بمهام واسعة في مضمار التجارة الخارجية، هذا الى سعة النشاط الذي عرفته الثغور الاخرى، خاصة منها الثغور الواقعة على الساحل الاطلسي.
ومثل هذه النشاطات المينائية، تقتضي عادة وجود ارضية اقتصادية في الداخل، ذات جذور وروافد سليمة، وقد عرفت الزراعة المغربية في تلك الحقبة ازدهارا مرموقا، مما يدل عليه، اشهاد شعرى للزياني، نقله عنه صاحب الاتحاف ويستفاذ منه، في ضمن ما جاء فيه، ان فترات الامطار كانت مطردة بقدر ملائم، وكان من غزارتها ان كثرت الثمار، وعم الرخاء، ورخصت اسعار الحبوب والدهون والمواشي، ووفرت المواد بمقادير غزيرة.

من زاوية ديبلوماسية :
يدخل فيض النشاط التجاري الذي عرفته الموانئ المغربية خلال القرن الثامن عشر – في اطار النشاط العام والفعال الذي سجلته العلاقات المغربية مع الخارج، وهو نشاط مضبوط وممنهج، استوعبت فاعليته ديبلوماسية واسعة في الافق في مبادراتها، وما تقيمه من صلات.
لقد استطاعت ديبيلوماسية المولى اسماعيل، والمولى محمد بن عبد الله، ان ترسم للمغرب اطارا من العلائق المتنوعة والجيدة، مع مختلف القطاعات الدولية بحوض البحر المتوسط، وغيره، وامكنها بذلك ان توفر للمغرب ميزتين اساسيتسن، كانت من عوامل توفقه في الاحتفاظ بوضعه الدولي السليم اثناء تارجحات السياسة الدولية في تلك الفترة، فمن جهة، انصرف اهتمام الديبلوماسية، الى تجنيب المغرب مختلف انعكاسات او مضاعفات الصراع الدولي الناشب حينئذ، وتحصينه من آثار السياسة التوسعية الاوروبية، الآخذة ساعاتها في التصاعد، كما انصب من جهة اخرى، على استقصاء امكانيات التعاون مع الدول التي ترغب في التعاون، والافادة من ذلك على الصعيد الاقتصادي وما يتصل به.
وتعكس سلسلة المعاهدات التي عقدت بين المغرب ودول اوروبا، اهتماما جليا بهذه المسائل من جوانبها المختلفة. وهذا ما يظهر في المعاهدات المبرمة مثلا مع فرنسا والسويد والدانمارك والبرتغال وغير هذه الدول، والملحوظ ان بعض المعاهدات من هذا القبيل، كان يتطلق من مبدا الصلح بعد تصفية حالة من حالات النزاع بين المغرب والبلد المتعاهد، والملحوظ كذلك، انه كان يحدث احيانا ان الدولة الاوروبية المتناوع معها، كانت هي التي تتهافت على طلب ود المغرب، والارتباط بمعاهدة الصلح والتعاون معه، ومرجع ذلك ما كان يحصل لدول كهذه من باس من النيل من المغرب عن طريق الصراع معه، ومن ثم، لم تكن تجد اجدى لها من نفض يدها من مناداته، والاقبال على الافادة والتعاون معه، اقتداء بسلوك دول كثيرة اخرى في علاقتها بالمغرب على صعيد التعاون.
ونمت مبعث مخصوص للنشاط في اطار الديبلوماسية المغربية في ذلك العهد، وهو النشاط الناجم عن شعور التعاطف مع الاقطار الاسلامية، والحرص على توثيق روابط الاخوة بها.
ولقد انطبعت العلاقات المغربية العثمانية، بطابع يحمل في قلبه اكثر من دلالة على هذا الشعور، وتعدت هذا النطاق نفسه، فشملت افقا مهما من التعاون بين الدولتين، خاصة ما يتصل من ذلك بالشؤون الحربية.
والى هذا كانت هبات المغرب – بحدوه شعوره الاسلامي العميق – الى شد ازر المسلمين بكل ما لديه من ممكنات مالية، ونفوذ ديبلوماسي، مبديا من الحرص في ذلك، والدؤوب عليه، ما يتجاوز الحد العادي في مثل هذه الاحوال.

من وجهة الاعتبار العسكرية :
ايجاد جهاز عسكري موفور التنظيم والتدريب، ومرود بالوسائل الحربية المناسبة : هذه خلفية ضرورية لحماية العمل الديبيلوماسي، ان وجد في حاجة الى مثل هذه الحماية، والحفاظ على الكيان بمجموعه، ازاء تيارات التناقض والتضارب في الحياة الدولية.
وبالنسبة للمغرب في غضون القرن الثامن عشر، فان هذه الخلفية، كانت طليعة عمل وطني تاريخي، قاده المولى اسماعيل، والمولى محمد بن عبد الله، اجلاء للاجانب عن الثغور التي كانوا يحتلونها، وتقويما للوضع غير المعقول الذي كان يجسمه اولئك الاجانب بوجودهم الاحتلالي هناك.
ويبدو من ملاحظات التقنيات الحربية التي استعملت حينئذ (كالحالة المائلة في عملية فتح مدينة العرائش حيث انشئت تحث الميناء خنادق ملغمة، كان من تاثيرها ان نسفت مداخل المدينة، وامكن للمجاهدين اقتحامها) ان الخبرة العسكرية كانت قد قطعت في ذلك العهد بالمغرب اشواطا مهمة، وتهيات اطر قيمة للعمل بمقتضاها، استمدادا من المعلومات الحديثة المتوفرة حينئذ.
وبطبيعة الحال، فان تنظيم الجيش على عهد المولى اسماعيل، وتقوية تسليحه بالمعدات المتطورة، وتجديد اوراش الصناعة البحرية العسكرية، وتطوير الاسطول الحربي على عهد المولى محمدبن عبد الله، كل ذلك، كان معلمة ضخمة في تعزيز طاقة المغرب الدفاعية، وقد منح بلادنا اعتبارا هاما في موازين القوى الدولية وكان من شانه ان يساند خطها الديبلوماسي السلمي، بما يكفل له القدر للازم من الاحترام في الاوساط العالمية.
وتعاون المغرب مع الدولة العثمانية في المضمار الحربي، كان ذا قيمة عملية، بقدر ما اكتسى قدرا كبيرا من الاهمية نفسيا وسياسيا وديبلوماسيا، وقد افاد المغرب في تدريب وحدات جيشه، من خبرة الترك العسكرية، كما افاد ايضا منهم في مضمار الصناعة المتصلة بهذا القطاع، وبالمقابل، اغدق المغرب على العثمانيين مساعدات مادية ومعنوية مختلفة ذات طابع سياسي وما شاكله.
على ان مهرة المغرب الديلوماسية، قد استدرجت الاوروبيين بالذات، الى تزويده بمساعدات قيمة فيما يخص تجهيزه الحربي، ويقول صاحب نشر المثاني، فيما نقله عنه ابن زيدان في (الاتحاف) "وطوع الله له الروم. أي المولى محمد بن عبد الله، فلا يامرهم بالاتيان بشيء، الا بادروا لامتثاله،.."
وبدهي ان مكانة المغرب ساعتذاك، وبراعة ديبلوماسية المولى محمد بن عبد الله، هما اللتان يمكن ان تفسرا هذه الطواعية لدى اوربيبي ذلك العهد، للاستجابة لمتطلبات المغرب.
هذه لمحات عابرة حول مغرب القرن الثامن عشر، حيث تمكنت هذه البلاد من تجاوز كافة الظروف الدولية المعقدة التي عرفها العالم آنداك، ووسعها ان تقيم لنفسها – وسط ذلك الخضم – اسس مناعة ذاتية مترسخة، وتكتسب – بحكم ذلك – قيمة دولية لا تدانيها فيها اكثرية الاقطار التي تشاكلها في الانتماء الجغرافي والتاريخي والحضاري.
ولا جدال في ان هذا الوزن الذي تاتى للمغرب في عالم القرن الثامن عشر، لم يكن – البتة، مجرد نتاج ظروف خارجية ملائمة، بل كان مدعاه – كما يلاحظ بوضوح – ما توفر للكيان المغربي من مؤهلات خاصة، كانت في مستوى مواجهة الظرف، وتحمل تبعاته، بل والاقتدار على اخذ زمام المبادرة في تياره لنجدة الآخرين، او للدفاع عن وجهة نظر مبدئية، تتعلق بالحق الدولي، او بالتضامن الاسلامي، الى مثل هذا.
وبدهي ان حسن القيادة، وجودة عطائها، كان تاثير اساسي في هذا المجال، فقد اوتي المولى اسماعيل، والمولى محمد بن عبد الله مواهب القادة الكبار، الذين يعرفون كيف ياخذون بزمام التاريخ، ويراقبوا اتجاهات تياراته، ويلموا باعمق خلفيات المنطق، المتحكم في وجهته، وينجحوا في صياغة احوال، مستمدة من هذا المنطق ما فيه من ايجابية، متحاشية ملابسات السلب، التي قد تروج في محيطه.
وتهيا للقيادة في مقدرات هذا الوطن، وما هو موفور له على هذا الصعيد، من اصالة محند، وعرافة مقومات، ورسوخ قدم في الفكر والحضارة، ووفرة طاقات بشرية، وموارد طبيعية، ما مكن من صنع هذا الانجاز التاريخي، المتمثلة قيمته في ان قطرا وحده في القطاع الغربي البخر الابيض المتوسط، قد استطاع ان يتحدى بمفرده كل عوامل التقهقر التي اخذت تحيط خلال القرن الثامن عشر بالقارة الافريقية، وبعالم العروبة والاسلام، وباغلبية الشعوب خارج النطاق الاوروبي، وامكنه ان يوفر لنفسه – تجاه جبهة الاستعمار الحديث حصانة، جعلت القوى العالمية الكبرى آنئد، تقبل على خطبة مودته، والتماس صداقته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here