islamaumaroc

راضية

  دعوة الحق

163 العدد

شيء ما يعتلج في صدر الفتى. حركاته المضطربة تفصح عن ذلك. نظراته الزائغة تقول أن فكره شارد. تردده بين الاتكاء على حافة النافذة والجلوس إلى المكتب للمطالعة يدل على وجود صراع بين فكرتين. النشرات مبعثرة في كل زاوية وكل ركن، والكتب التي وردت منذ مدة لا زالت فوق المكتب تنتظر أن يمزق أغلفتها اللماعة. لكن عبد السلام لا يجد قابلية. كان ينظر إليها كما ينظر إلى مائدة متخم أو متسمم بمواد غذائية رديئة. إنه يعجب من نفسه كيف أصبح هكذا ضعيف الشهية، كان أصدقاؤه يلقبونه بالفار لكثرة ما يقرض ويلتهم من الكتب. وكان هو يفخر بمعدته الفكرية القوية الهاضمة لكل ما يبتلعه غثا كان أم سمينا. وما كان يضاهي افتخاره بهذه الميزة إلا انقلابه الفكري الغريب الذي أدهش أكثر أصدقائه تقدمية وثورية، وكونه ضحى بخطيبته من أجل أفكاره التحريرية. ضعفه الوحيد - كما كان يرى بعض أصدقائه –هو احتفاظه بمصحف داخل خزانته. كم حاولوا أن يقنعوه بالتخلص منه، إلا أنه كان يراوغ وينتحل الأعذار والمبررات، وبما أنهم كانوا يعرفون قصة المصحف فإنهم كانوا يتخذون من ذلك حجة على ضعفه، وعلى كونه لم يقطع بعد كل صلة براضية والماضي. وكان يجيب ربما لا زلت أكن لها شيئا، ولكنكم تعرفون أن هناك حائلا يفصل عقلا ثوريا متفتحا عن قلب مؤمن بالخرافة رجعي متزمت. لقد كفنت الوجودية ماضي القلبي المؤمن، ودفنته العقلانية والماركسية. فهل تستطيع علاقة أوهى من خيوط العنكبوت أن تخرج ميتا من رمسه. هكذا كان يجيب أو على الأصح يموه ويدعي، أما الحقيقة التي كانت تمنعه تقدميته من التصريح بها حتى لنفسه فإنها كانت بالنسبة له كعملة فضية ذات وجهين، كلما التفت إليها وسلط عليها أضواء فكرة تلمع صورة راضية على أحد وجهيها لتؤكد له أن ما يربطهما أقوى وأمتن من أن تعصف به وتمزقه تيارات الأفكار التي اعتنقها حديثا مهما كانت أعاصيرها عاتية، ومن ثم يستنتج ما في الوجه الثاني من أرقام وحروف ويحسس إحساسا غامضا أن الماضي لا زال حيا، وإنما نسي في أحد كهوفه النفسية، وازورت عنه شمس الفكر والذكرى. فما دامت راضية حية فإنه لن يموت، والأصل في تكوين هذه الحقيقة المركبة أنه كان كلما توقف عن الركض الفكري والتفت إلى الوراء بدا له شريط حياته منقسما إلى جزئين متباينين. يبتدئ الجزء الأول منذ أن  بدا يعي، وينتهي بانقلابه الفكري بعد التحاقه بالجامعة. ويمتاز بأنه كان فيه مثالا للأخلاق الفاضلة والاستقامة والسمعة الطيبة. تلقى تعليمه الأول في أحد الكتاتيب، وبعد أن حفظ القرآن الكريم التحق بأحد المعاهد الدينية، وكان يواظب على أداء الصلوات في أوقاتها ما سمحت له ظروف الدراسة. وحتى الفجر ما كان يتخلف عنه إلا نادرا، كان المواظبون على صلاته يضمرون له احتراما خاصا لكونه شذ عن سلوك بعض الشبان الذين هم في سنه. وكان أكثرهم احتراما له الإمام الذي ما كان يسلم ويلتفت إلا وقعت عيناه عليه في الصف الأول خاشعا مطرقا. ولم يكن محبوبا عند المصلين فقط، لقد أحبه ربه فأحبه كل من رآه واحتك به. وبالإجمال فقد عاش الجزء الأول من شريط حياته بنفس مؤمنة راضية مطمئنة، توج بخطبته لراضية ... لقد غامت في ذاكرته وقائع هذه الفترة وأحداثها، ولم يبق مضيئا إلا يوم اللقاء وما تلاه من أحداث قريبة، كان ذلك اليوم في غاية الصفاء النفسي وهو يؤدي صلاة المغرب، كان يحس أنه اقترب من ربه أكثر، وأن النور الإلهي لامس شغاف وسويداء قلبه. وكان ذلك بالفعل، فقد خرج من المسجد  وهالة تحيط بوجهه فتورده.  وعندما عقد سير حذائه وانتصب واقفا التقت العينان، كان طالبا بالباكالوريا وموعد الامتحانات يقترب، و لذلك أسرع إلى منزله لمراجعة الدروس، فتح كتاب الفلسفة وشرع في مطالعة موضوع «المادة والصورة» لكن الصورة الأخرى ألحت على ذهنه، حاول أن يطردها فما وجد لذلك سبيلا. قرر أن يبحث ويسأل، وكانت فرحته كبيرة عندما عرف أنها بنت خطيب الجامع وإمامه. وتوالت الأحداث، وجاء يوم قراءة الفاتحة، وكانت الهدية والخيط الذي لا زال يربطه بالماضي. يستطيع أن ينسى كل شيء إلا تلك اللحظة فإنه تظل  في ذاكرته حية مشرقة وضاءة، راضية  تقدم له شيئا ملفوفا في منديل أخضر. وعندما فتحه كان هناك مصحف. خجل من نفسه ومن راضية واستسغر هديته. قال لها بعدما قبل غلاف المصحف: سيكون أثمن ما أمتلك وأعتز به. وبالفعل كان ذلك المصحف أثمن ما يمتلك، فقد كان منقذه ومخرجه من دوامته الفكرية سالما، فعندما التحق بالكلية ودخل ذلك المنعطف التاريخي الخطير، وسقط في مصائد الحرب الفكرية والنفسية، وغاص في أعماق عالمه الجديد، اختفى ماضيه المؤمن بكل أحداثه ووقائعه كجزيرة غمرها طوفان، ولم يبق في ذاكرته من ذكرياته إلا رسوم باهتة كباقي الوشم في اليد، أو كتاب في غرفة مظلمة ولا سبيل إلى قراءته و تذكره إلى مصباح المصحف الذي كان يعود إليه كلما أحاطت به الخطوب واشتد عذابه وتمزقه، وجذبه الشوق والحنين إلى ماضيه المؤود، كان كلما فتح المصحف انفتح سجل الماضي في ذاكرته فيلمع الشريط وتبعث الأحداث والوقائع، فيعود إلى قراءة بعض رسائل راضية أو يكتب لها جوابا يصف حالته ويذكر شوقه وحنينه ثم يندفع في رحلته الشاقة المظلمة، فيختفي الماضي وينزوي في زاوية مظلمة.
يبدو أن الفتى عبد السلام توقف اليوم  عن الركض، وأنه يحاول الالتفات إلى راضية ورسائل الماضي، ترك المكتب وتوجه إلى الخزانة وأخرج ملفا يحتوي على مجموعة من الرسائل، فتح رسالة وأخذ يقرأ: «تقول في رسالتك أنك نبذت إيمان العجائز والسذج وأنك انطلقت في رحلة طويلة وشاقة باحثا عن الحقيقة، وتتمنى لو أنني لم أنخرط بكلية الشريعة والتحقت بكليتك لأرى ما ترى. إنني أحس بقشعريرة تسري في أعضائي كلما قرأت إحدى رسائلك الأخيرة، وأحس أنك أصبت بمس من الجنون. لقد كتبت في إحدى رسائلك الأولى تقول، إن بعض الشبان عندما يلتحقون بالجامعة يصابون بدوار فكري يغير لديهم مقاييس الحقيقة وموازينها. إنني أشك بل أكاد أوقن أنك أيضا أصبت بهذا الدوار. ترى عن أي حقيقة تبحث؟ عن حقيقة الله وقد نبذت الإيمان وتركته وراءك ظهريا، أم عن حقيقة نفسك وقد تنكرت لها!؟ هل تعتقد أن الإيمان معطف تستطيع أن تخلعه متى تشاء؟ أم  تظن أن النفس ورقة بيضاء تستطيع أن تكتب عليها أو تمحو منها ما تريد؟ لقد كنت يوما في أقصى حالات الصفاء النفسي وأنت تحدثني عن السعادة التي تغمر قلبك عندما تستقبل ربك أثناء صلواتك. إن ملامحك في ذلك اليوم لا يمكن أن تمحى من ذاكرتي أبدا مهما حدثني عن شكك وارتيابك، إنني أحس أنك تخادع نفسك وتخفي الحقيقة عنها عندما تجاهر باتجاهك الجديد، وأكاد أوقن أنك تفعل ذلك محاولة لأن تثبت  لي رجولتك ونضجك الفكري وكأنك تريد أن تقول لي إنك لم تعد طفلا ساذجا.  إذا كان هذا هو قصدك والغالب أنه هو فثق أنك لن  تزداد في  عيني إلا صغرا، ومن قلبي إلا ابتعادا» ثم طواها وفتح أخرى: «تقول في رسالتك، كان الإيمان بالله مهدئا لهواجسي النفسية، كعامل أمن واطمئنان ورضى ولما نبذته حل مكانه صراع دام يدور حول محورين. حقيقة وواقع. حقيقة نفس مؤمنة بالفطرة تشبث بإيمانها تشبث  الأعمى بعصاه، وواقع ملحد أنتجته مذاهب أجنبية لم أنتبه لخطورتها إلا بعد أن دخلت بطنها، لما فقدت نور الإيمان قذفت بنفسي في مجاهل مظلمة مخيفة لا سنا ولا ضياء فيها غير صورتك وأنت تقدمين إلي المصحف فأعود إليه لأحس برد الإيمان. لقد ذقت في رحلتي هذه كل أنواع العذاب النفسي والقلق والتمزق، وضيق الحياة وضنكها، أحس  كأن شبحا غريبا تقمصني فقادني ودفعني رغما  عني .. تقول هذا وتنسى «ومن أعرض عن ذكري فإنه له معيشة ضنكا..» وقوله تعالى: «ومن ..... عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، ألا إنهم يصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون» قلت في رسالتك: «لقد كنت بالإيمان واحدا، فعددني الشك ثلاثة . كان العقل والقلب يكونان وحدة يربطها ويعصمها حبل الإيمان ولما ضاع من يدي حلت بين الاثنين علاقة جديدة قوامها النزاع والشقاق والصراع الدامي الذي لا هوادة فيه ولا مكان للرحمة والرأفة، كنت بالإيمان واحدا قويا صلبا فصرت بالشك ضعيفا مستلبا منقادا لكل موضة ومستورد جديد، لا تزيدني دراسته إلا عذابا وتمزقا واضطرابا. تقول هذا وكأنك لم تقرأ في الهدية الخضراء: «ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون إيمانكم دخلا بينكم.
تقول في رسالتك: «لقد اندفعت في هذه الرحلة المظلمة المضنية الشاقة باحثا عن الحقيقة غير أنني أحس الآن بعد سنوات من الإنكباب على دراسة الفلسفات والمذاهب الملحدة، أنني لم أقترب من الحقيقة قيد أنملة بل أنها لا تزداد عني إلا ابتعادا، ولا ازداد إلا تعطشا وظمأ كلما نهلت من هذه الكتب وامتصصت حبرها. لقد بدأت أدرك أنني أحرقت سنوات من عمري الغض البائع فيما لا طائل من ورائه. إنني أحس أحيانا كأنني فقدت الأرض التي كنت أقف عليها، وأن فكري أصبح معلقا يدور فراغ، وأنني مندفع في قضاء لا نهائي وساقط في مهاوي سحيقة لا قرار لها، وكان أفكاري الجديدة أشباح مطاردة مفترسة. تقول هذا وكأنك لم تفتح المصحف مرة وتقرأ: «ومن بشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق«. وبعد أن قرأ مجموعة أخرى تناول ورقة وقلما وأخذ يكتب: «.. بواسطة الشعار الفارغ الزائف التحرر والتقدمية غرسوا في ذهني أن الماضي أساس كل بلاء وسبب كل مصيبة،  وأن الارتباط به رجعية وجمود وتخلف، ولا مستقبل للرجعيين. فهمت التحرر على أنه ثورة على الماضي والدين وكل ما يرتبط بهما، ترت على نفسي المؤمنة المطمئنة، على صورتك التي تربطني بالإيمان، وتذكرني به، وثرت على نفسي اللوامة، وعلى أبي الذي كان يكثر من لومي وتوبيخي كلما تهاونت في أداء الصلوات في أوقاتها. «حياة» فقط –لقد سألتني عنها فأقول لك أنها إحدى بنات الشوارع تعمل ساقية في مقهى- أطعتها وأسلست لها القياد. نفسي الشهوية فقط –الإمارة بالسوء الخادمة الذليلة للفجور والخمور –خضعت لها وركبتها فرسا جموحا فانطلقت بي تعب في كل رذيلة، لا تعبأ بصغيرة ولا كبيرة، كل ذلك تحت شعار ممارسة الحرية، والتقدم. وكلما ازددت إمعانا في هذا العالم كلما زادت الدنيا حولي قتامة وظلاما. وازددت عذابا نفسيا وتمزقا واضطرابا. كنت أعلم أنني ظللت وأنني أصبحت عبدا لشهواتي عندما تحررت وتحللت من سلطة الإيمان، ومع ذلك لم أكن أملك القدرة على الانسحاب أو تغيير خط السير، لقد فقدت السيطرة على نفسي وأسلمت زمامها لتيار قوي غلاب.. لقد ضحيت بالدين من أجل الحرية، وبالماضي من أجل المستقبل. وها أنا أكشف بعد تجارب مرة فاشلة، وبعد سنوات من العذاب والقلق قضيتها بين أحضان الكتب والفلسفات المادية الملحدة، ها أنا أكتشف أن الحرية الحقيقية لا توجد إلا في رحاب الدين لأنه يحررنا من غرائزنا البهيمية ومن شهواتنا، ويسمو بنا فكريا وروحيا. أما عندما نلحد أو نشرك فإننا نسقط في شراك الشهوات والموبقات. ها أنا أكتشف بعد أداء ثمن فادح أن التضحية بالماضي تضحية بالمستقبل. إذ لا مستقبل لمن لا ماضي له. فالماضي أرض والحاضر قاعدة ننطلق منها إلى سماء المستقبل. وكيف نستطيع أن ننطلق إذا لم تكن تحت أرجلنا أرضية صلبة ثابتة نتخذها قاعدة، ومحطة للتزود بالوقود، ومرصدا للمراقبة وتغيير السير إذا ما وقع زيغ أو انحراف؟ .. إنني أحس الآن وأنا أندفع في عالمي الجديد المظلم أنني ككوكب اصطناعي فقد الاتصال بالمحطة الأرضية واندفع في الفضاء شاردا. ما أشبهنا بالكواكب، بعضنا يضيء من تلقاء ذاته، وبعضنا يستمده من غيره، ولذلك يظل يدور حول مصدر الضباء، لقد قالوا أن الكواكب تدور حول الشمس بفعل الجاذبية، غير أن دورانها يذكرني بصورة تلح  على ذهني كلما تذكرت النور والجاذبية. كنت أذهب إلى المسجد ليلا لأداء صلاة العشاء، وكنت أرى الفراش يدور حول المصباح الزيتي لا يملك أن يغادره كأنما هو مأسور بخيوط خفية، كنت إذ ذاك أضحك من بلادة الفراش. وعندما أتذكر اليوم قوله تعالى «الله نور السموات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا  غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء». وأقارن بين وضعي حاليا وبين دوران الفراش حول النور –رغم البون الشاسع- فإنني أدرك أنه يعبد النور بالفطرة، وأننا فراش مثله لا سعادة لنا ولا هداية لنا إلا بالاستمداد من النور الإلهي» ثم وضع الرسالة وأطرق يفكر، ترى هل تكون هذه الرسالة الأخيرة التي يعترف فيها بزيفه وانحرافه، أم هي ككل الرسائل السابقة يكتبها ويرميها، ثم يعود إلى علمه الجديد فينجرف ويدور حول «حياة» والمقاهي والموبقات؟ ترك المكتب واتجه إلى النافذة واتكأ على حافتها. كان القمر يرتفع فوق العمارات الشاهقة، ويرسل أشعته الفضية على السطوح، تذكر حدثا عظيما وقع في مثل هذا اليوم، خاطب نفسه: اليوم السابع عشر من رمضان، اليوم وقعت معركة فاصلة بين الخير والشر والحق والباطل، بين نور الإيمان وظلام الجهل والكفر. فئة قليلة مؤمنة تهزم فئة كبيرة كافرة. لماذا استسلم للضعف، وأقول إنني ضعيف أمام التيار. لقد اقتلعني وطوح بي بعيدا ومع هذا فإن جمرة الإيمان لا زالت خامدة في أعماقي رغم ما يغطيها من رماد ورغم ما اعتراني من ضلال وانحراف لابد من المقاومة وجهاد النفس الذي سماه الرسول عليه السلام جهادا أكبر. فإذا لم أنتصر على نفسي فإن مصيري مظلم حالك، ما أشبهني براكب قارب في بحر لجي مظلم، ولا بوصلة ولا طرق للنجاة غير الإيمان بالله. كان القمر يرتفع وقمر آخر يشرق في قلبه المظلم وذاكرته المعتمة. حشد كل طاقته الفكرية والعاطفية في محاولة حاسمة لإعادة الصلة بين قلبه وفكره، بين وجوده القديم وواقعه الحديث. كان يحس أن هناك حاجزا وغطاء على عين قلبه يذكره بقوله تعالى: «بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون» لقد صمم على إزالة هذا السور الحاجز الذي تكونت لبناته من الشرور التي ارتكبها أثناء شروده وضلاله، والذي صممه مهندسو الفلسفات الملحدة، لابد من تحطيم هذا  السور، لابد من التوبة والوحدة، هكذا كان يكرر، وهو يعصر طاقته الفكرية ويسلطها على محتويات الماضي ومستودعاته، القمر لا زال يرتفع وأشعته تغمر أرجاء المدينة، السطوح العالية تظهر أولا، المنارات تبدو كصواريخ تتأهب للانطلاق. صوت المؤذن يشق الفضاء الصامت، «الله أكبر» خيل إليه كأنما يسمع هذا الصوت لأول مرة، أو أن بينه وبين سماعه آخر مرة أمدا بعيدا.  إنه يسمع هذا الصوت في كل يوم ولكنه لم يكن يعيره أي انتباه، ولم يكن يحرك فيه أي ساكن، إذ كان يبدو كأي صوت من الأصوات العديدة التي  تصدم كل يوم أذنيه الموقرتين ثم ترتد دون أن تصل إلى قلبه، فتضيع في جلبة الزحام والصراع والحاجات التي تعمي وتصم. لكن «الله أكبر» اليوم له رنة أخرى ووقع في النفس عميق. كانت الأمواج الصوتية تمتزج بأشعة القمر ثم تتساقط على الشوارع والأزقة والمنازل والآذان والقلوب. صوت المؤذن يخترق الحواجز المقامة بين قلبه وعقله وينساب إلى أغواره فيحرك كوامن وإحساسات ظلت راكدة منذ سنوات. غمر الصوت والضياء تلك الكهوف المظلمة من أغوار نفسه، فاستطاع أن يرى بكل وضوح أشباح الأشخاص التي تربطه بالماضي والإيمان، كانت هناك والدته بخمارها الأبيض وهي تنهي صلاتها وتمد يديها داعية له بالهداية، وكان هناك أبوه وقد اختفت سحنته الموبخة المتوعدة  على ترك الصلاة، كان الرضى يبدو على وجهه وهو يلوح بيديه حاثا إياه على الدخول إلى المسجد. وفي زاوية أخرى كانت راضية وهي تفرغ من صلاتها وتلتفت إليه متهللة، كانت تبدو واثقة من نفسها وكأنها تقول ها أنت تعود أخيرا، لقد كان إيماني بعودتك عظيما، ترك النافذة وعاد إلى المكتب يتابع كتابة الرسالة: «.. راضية، ثقي بي إذا قلت لك اليوم أنني صادق فيما أكتبه إليك. لقد هداني ربي أخيرا، إنني أحس الآن كما لو أنني خارج من كهف مظلم عشت داخله سنوات، لقد كتبت إليك سابقا أنه لا أمل لي في الحصول على الإجازة هذه السنة لأنني لم أكن أحضر  المحاضرات أو أراجع دروسي بسبب قلقي واضطرابي، أما الآن فأبشرك أن الثقة في نفسي عادت إليّ، وأنني سأوفق بإذن الله، أرجو أن تصلك رسالتي قبل أن تتم خطبتك الجديدة، لا أستطيع أن أكتب إليك أكثر، فإن سعادة الإيمان والاطمئنان القديم تغمر الآن قلبي ..
وبعد أن طوى الرسالة ووضعها داخل غلاف فتح المصحف وأخذ يتلو: «يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي..».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here