islamaumaroc

المومياء

  دعوة الحق

163 العدد

لم أكن أدري أنني سألمس جرحا لم يندمل حين سألت مصطفى الليثي عن زميلنا القديم بالمدرسة الخديوية، «عبد المهيمن». فقد فوجئت به يكشر عن أنيابه، ويشوه تقاسيم وجهه، ويسنج أصابعه في حركة خنق لحلقوم خيالي، وقد عض على لسانه في سخط وشراسة يستحقان التصفيق.
وأخيرا استطاع أن يقول بعنف مكبوت:
«لا تسلني عن عبد المهمين!»
فسألت في اندهاش ووجل:
«الله! لماذا؟»
فرد وهو يلهث تعبا من المجهود العاطفي الذي بذله في قتل ذكرى عبد المهيمن:
«أرحم وصف يمكن أن أطلقه عليه هو أنه محدود الذكاء جدا .. ولن أتنازل عن حرف واحد!»
ولم يسمح لي بمقاطعته قبل أن يضيف:
«ولو كانت لي بلاغة بنت البلد وخيالها اللانهائي وهي تقسم على زوج بنتها: «وحياة من حشرك في البيني آدميين من غير مناسبة «لأنصفت عبد المهيمن».
قاطع قهقهتي قائلا:
«ولو كان لي سخاء لسان الأستاذ توفيق حنا، وقدرته الخارقة على تجسيم المقت لأشفيت غليلي من عبد المهيمن».
وقفزت إلى ذهني صورة الأستاذ توفيق حنا في القسم وهو يشير إلى عبد المهيمن من طرف خفي مواجها له في هدوء وأدب جم، يحملق فيه أولا بعينين وحشيتين تئلم حدتهما نظارته السميكة، ثم يصرخ فجأة: «يا سلام! بعضكم هنا مصفح ببلادة لا تخرق!».
فيتقمص عبد المهيمن شخصية المخبر السري، ويفتل شاربه، ويضيق عينيه ويجول بهما على الزملاء بحثا عن المصفح البليد!
ويرتعش الأستاذ «حنا» داخل جلده ..
وحين جمع القهوجي الكؤوس المكسورة والجرائد المغموسة كالفطائر في القهوة، ومسح رخام المائدة، عدت أسأل مصطفى الليثي على استحياء:
«ولكن ماذا فعل ليستحق كل هذا؟»
فأجاب في تحد عنيف:
«ماذا فعل؟ سأقول لك ماذا فعل .. كاد يتسبب في قتلي .. في إنهاء حياتي .. في وفاتي .. وإلحاقي بالرفيق الأعلى،، في وضع نقطة الختام لأيامي».
فقاطعته بقوة:
«كفى الله الشر! بعد عمر طويل يا أبا الليوث».
فتجهل دعواتي مستأنفا:
«كان سيقدمني هدية سهلة، وقربانا حيا لعبدة الأوتان في مغاور وادي الملوك! هذا ما فعل!»
فاستفسرت مندهشا:
«يا إلهي! وكيف كان ذلك؟» فزمجر:
«سأحكي لك .. وأحكم أنت بنفسك»
فجلست متحفزا لسماع حكاية لذيذة غريبة تربطني بأبطالها علائق شخصية لقد كنت أعرف عبد المهيمن معرفة حقة .. وعن طريقه عرفت الفرق بين الأبله والمغفل وفضلت الانتماء للوصف الأخير، إذا كان ولابد!
ولكن كان لعبد المهيمن حسناته ومميزاته الأدبية، مثلا، التي هي نوع من الفداء على مستوى أدنى، وبالخصوص حين يتطلبها الموقف بإلحاح .. وكثيرا ما كانت تحضر المناسبة في درس أستاذ اللغة العربية، الذي كان، كجميع أساتذة اللغة العربية في ذلك العهد، يعاني من عقدة الاضطهاد ويشعر بالعري والتبرج في بدلته الأوروبية، لأن حزة العمامة ما تزال على جبينه، وأذيال الجبة ما تزال تدغدغ كعبيه ..
كان الأستاذ المسكين ببذل مجهودا هائلا في لفت النظر إليه .. وكنا نحن نستمر في أعمالنا، التي كان أهمها تجاهله، حتى بعد دخوله وتحيته وحكايته لنكتة أو اثنتين ..
«كان على نور» مع جماعته يطبلون على الأدراج ويغنون بأصوات شيوخ غليظة:
«حلة فيها محشي خالص! وكفى!» يغنون عن (الطنجرة) ومحتوياتها الشهية معبرين بذلك عن حرمان حي السيدة زينب الذي تقع فيه المدرسة الخديوية ..
وعباس العملاق الصامت يضرب بعنف التقامي بخشبة على درجة فيشذخه شذخا، ثم يعود لتمرين عضلاته على اقتلاع خشبة من إحدى جوانبه ..
في هذه اللحظات السعيدة من الإهمال الإيجابي كان لابد لفدائي أن يقوم بالاستماع للأستاذ المسكين الذي كان يتوسل الانتباه بكل جوارحه ويتصيد العيون لعلها تسقط في عينيه فيركز عليها صارخا بالدرس دون توقف، وفي عينيه بريق سادي يقول: «قبضتك!»
لذلك كان عبد المهيمن مهما .. لأنه وحده كان قابلا للإيحاء أو كان يجد في كلام الأستاذ ما يسليه، بل ويتجاوب معه. فقد ردد الأستاذ مرة في مقدمته لإنشاء عن بناء السد العالي أن مصر تحتاج إلى خمسة وثلاثين مليون جنيه لبدء بناء السد وأخذ يتساءل صائحا: «فمن أين نأتي بالخمسة والثلاثين مليون جنيه، يا جماعة؟» وبعد السؤال الخامس والثلاثين أجاب عبد المهيمن رأفة منه بحنجرة الأستاذ «نعمل عصابات يا بيه!»
                                          *   *    *
مرت كل هذه الصور في ذاكرتي في ومض سريع، وأنا أتهيأ للإصغاء لحكاية مصطفى الليثي الذي كان قد بدأ:
«حدث ذلك يا سيدي، أثناء الرحلة الشهيرة التي قامت بها المدرسة الخديوية إلى الأقصر وأسوان .. أتذكر؟»
فأجبت: «كيف أنسى؟»
فقال: «جاء عبد المهيمن من نصيبي! كلانا لا يلعب؟ الكتشينة» -الكرطة- التي تغلب بها بقية الزملاء على الساعات السبع عشرة التي قضيناها في قطار الصعيد .. ولنقتل السأم، ورتابة الطريق والوجوم، اخترعنا لعبة استنزفت كل عبقرية عبد المهيمن ليتقنها ..
«كنا نشتري من كل محطة شيئا ما كالبيض المسلوق مثلا، والعيش –الخبز- وقصب السكر ومن قصب السكر استوحينا لعبتنا الذكية .. وتتلخص في انتظار تحرك القطار خارجا من المحطة، والنزول بأقصاب السكر السميكة الثقيلة على أم رأس كل واقف على رصيف  المحطة من المودعين والباعة والمتفرجين والفضوليين ..
«وانتشرت لعبتنا العبقرية على طول ضفاف النيل من القاهرة حتى أم درمان .. والتقط أصولها المعقدة جميع سكان الصعيد بسرعة تثير الإعجاب، فازدحمت بهم أرصفة القطارات ليمارسوها على ركاب كل قطار عابر .. فعانى منها تلاميذ كل مدارس مصر بعدنا .. وكان لنا؟» قصب السبق، إن صح هذا التعبير.
«الحاصل .. التصق بي عبد المهيمن بعد ذلك حتى بعد وصولنا إلى الأقصر وأسوان وبعد زيارة المعابد والآثار الفرعونية بالمدينتين فوجئنا بإلغاء برنامج زيارة وادي الملوك، الذي كان بالنسبة لي أهم مرحلة في الرحلة فقررت أن أنفصل عن الجماعة وأذهب وحدي لوادي الملوك، وخصوصا وأن يوم البرنامج بقي فارغا لا أدري لماذا ..
«وتسللت من المخيم الذي كنا ننزل به بعد الفطور مباشرة، وقصدت ضفة النيل يغمرني إحساس لذيذ بالمغامرة والانفراد .. والتفت خلفي لأتأكد من نجاح تسللي فإذا عبد المهيمن يقتفي خطاي في حذر هو الآخر .. ونظرت إليه وفكرت في أن أصرفه، ولكن كيف؟ ففضلت متابعة المسير، وأمري لله.
«واستأجرنا معدية قطعت بنا النيل إلى الضفة الغربية، وانطلقنا في الطريق إلى مقابر الملوك والملكات على متن حافلة محلية ..
.. و بعد مدة من الضرب في طريق صحراوي لافح القيظ، أشرفنا على وادي الملوك بكل بهائه، وعظمته وأسراره .. ولم يكن يهمنا في تلك اللحظة من المعابد إلا ظلها وما سنجده فيها من ماء ..
«وتوقفت بنا الحافلة العجوز في قرية صغيرة، فاسترحنا بإحدى مقاهيها ثم توجهنا سيرا على الأقدام قرابة ميل ونصف نحو مقابر الملكات ..
«وهناك بدأت قصتي مع عبد المهيمن ..
«كان يتقدمني برأسه كمعزي ضالة بين الأطلال، لا يلتفت ولا يقف لينظر إلى أي شيء، وأنا ألهت خلفه أحاول اللحاق به .. ولم أقف إلا لحظة أتأمل فيها رسما على جدار حتى غاب عن عيني فأسرعت لألحق به، فلم أجد أمامي إلا مدخل دهليز مظلم خيل لي أي سمعت قهقهة مكتوفة لعبد المهيمن تنبعث من داخله .. كان مكتوبا على بابه (ممنوع الدخول لغير المصرح لهم) فوقفت مترددا .. ولما لم أر حارسا يرعى المكان .. دخلت الدهليز وناديته قائلا أنني اكتشفت المقلب، والأحسن أن يخرج من مخبئه الممنوع، فلم أسمع جوابا إلا صدى صوتي ..
«وتوغلت داخل الدهليز البارد باحثا عنه، وأنا أخاطبه أن يكف عن لعبة الاستغماية الصبيانية ويخرج، متوقعا في كل لحظة أن ينقض علي من فجوة أو ركن مظلم ليرعبني ..
«ووجدت نفسي في مفترق طرق كلها مظلمة، فأخرجت عليه كبريت وأشعلت واحدة وقررت في الحال البدء من الطريق الأول على يميني .. ولم أكد أصل إلى نهايته على ضوء وقيدتي حتى وقعت في حفرة مربعة عميقة لم أكتشفها .. ولحسن حظي كان قعرها رملا ناعما فلم أصب بكسور ..
«وفزعت أول الأمر فأخذت أنادي باسم عبد المهيمن وأصيح ملء رئتي دون جدوى .. وأشعلت عود ثقاب آخر لأنظر حوالي، فإذا أنا في بئر مربع من حجر الصوان المنحوت  يزيد عمقه عن أربعة أمتار..
«وبحثت عن وسيلة للصعود منه فلم أجد .. كل ما يحيط بي حجرا أملس تكسوه رطوبة خفيفة ..
«وأشعلت الوقيدة تلو الأخرى وأنا أصيح وأستغيث حتى بح صوتي، ولا من مجيب .. وبدأت أحس بالخطر، فوقفت أهدئ نفسي، وأفلسف الموقف .. وفي النهاية قررت محاولة الصعود عن طريق الاتكاء بظهري على الحائط خلفي والدفع بقدمي على الحائط المواجه مع الاستعانة بيدي .. وبدأت في الصعود .. وما ارتفعت عن الأرض مسافة متر ونصف حتى أحسست بالحائط خلفي ينفتح بصوت احتكاك وصرير عال، فإذا الحائط باب تنقلب إلى الخلف وتبتلعني لتلقي بي على أرض رملية ثم تعود إلى الانغلاق بعد أن رمتني وزال عنها الضغط ..
«ووجدت نفسي في ظلام دامس وصمت هائل .. وتوقعت أن يطبق علي شيء ما في أية لحظة فشلني ذلك الشعور، ومنعني من كل حركة.
«ولم يكن لي اختيار غير السير فيه إلى القاضية قبل أن أستعيد تفكيري، ولكن إحساسي بالزمن كان قد توقف ..
«وامتدت يدي وحدها إلى جيبي فأخرجت علبة الكبريت وأشعلت واحدة .. وانقشع الظلام أمام لسان اللهب القزم بين إصبعي، فإذا أنا في بداية أو نهاية نفق طويل متعرج ..
«ولم يكن لي اختيار غير السير فيه إلى نهايته لعلي أجد منه مخرجا قبل أن ينتهي وقيدي .. وأسرعت الخطى موقرا المسافة بين الوقيدتين حتى كادت تفرغ علبتي الصغيرة .. وحين ألقيت بعقب الوقيدة التي انطفأت بين أظافري، وقفت ألهث بفم مفتوح لقلة الأكسجين بالنفق، وأعد ما تبقى لي من وقيد بيدين مرتعشتين خائفا أن تسقط مني واحدة .. لم يكن قد بقي إلا ثلاث وقيدات .. فوضعت العلبة في جيبي ومشيت في الظلام مادا يدي أمامي كأعمى فقد عصاه ..
وسرت على غير هدى في طريق طويل يستقيم ويلتوي، ويتسع ويضيق، وقد نسيت من أين أتيت وإلى أين أسير ..
«ولم يعد لي إحساس بجسدي رغم أن قدمي كانتا تلمسان الأرض، ويدي كانتا تمسحان الجدران الباردة الندية .. كنت أحس أنني تحولت إلى مخ عار مجرد يسبح في ظلام الغيب أو في الفضاء الخارجي السحيق ..
«وفجأة وجدت نفسي داخل قاعة فسيحة عالية السقف .. فعاد إلى إحساسي بكياني البدني، ووقفت أتنفس بصعوبة. ثم بدأت أدور حول القاعة فإذا هي تتفرع إلى شقوق وثغور ومغارات ومتاهات .. فحرصت على ألا أدخل أية واحدة منها حتى أعثر على الامتداد الحقيقي للنفق الأصلي .. ووجدت نفسي أتم الدائرة وأعود من حيث بدأت .. فتركت الجدار وسرت بحذر نحو وسط القاعة في محاولة يائسة لاختيار طريقي .. وهناك وقفت بضع ثوان أنصت .. لم يكن الصمت مطبقا بالقاعة كما كان داخل النفق الطويل فقد كانت بعض قطرات الماء تقاطعه من حين لآخر، نازلة من السقف ..
«وأحسست بشيء .. فبدأت أرتعد بشدة وأنا أبحث في جيبي عن علبة الوقيد .. ولما خفت أن تفلت من يدي اتجهت نحو الحائط فاتكأت عليه وجلست على الأرض محاولا إقناع أعضائي، التي استقلت عني تماما، بالكف عن الارتجاف .. وهدأ روعي تدريجيا فأشعلت وقيدة بحذر بالغ ووقفت بها وسط القاعة أنظر حوالي .. وتحركت أدور مرة أخرى بالقاعة وأنا أنظر بتركيز إلى لسان اللهب الأصفر .. وفعلا صدق حدسي .. فقد تحرك اللهب وحده حينما اقتربت من أحد المسالك الواسعة ..
«وصرخت في أعماقي: «هراء! هراء» واندفعت في الحال على ضوء ما تبقى من لهب الوقيدة داخل النفق بخطى واسعة ..
«وبعد مدة من الضرب داخل ذلك النفق شعرت بأنني كنت أصعد منحدرا .. وانبسطت الطريق أمامي فجأة .. وما كدت اعتدل في مشيتي حتى لمست يدي شيئا يتحرك! وجمد الدم في عروقي ... ودق قلبي بعنف خلت معه أنه سيتوقف! وتسمرت في مكاني عاجزا حتى على الصراخ .. وأغمضت عيني منتظرا الضربة القاضية .. أن يتحرك الغول أو الحيوان أو الشبح الماثل أمامي ليجهز علي ..
«وسقطت مغمي على من شدة الانفعال والتوتر .. ولم أدر كم طال إغمائي .. ولكن حين أفقت كان ذهني من الصفاء، وأعصابي من القوة بحيث أخرجت علبة كبريتي .. وأشعلت واحدة دون لحظة تردد .. واستغربت لعدم فقدان صوابي للمنظر الذي كان مائلا أمامي .. كان عبارة عن مومياء مدلاة من السقف يسير قماشي من قمة رأسها دون أن تلمس قدماها الأرض كانت تتأرجح ببطء، ربما بفعل لمستي أو بفعل بعض نسمات الهواء التي كانت تهب من مسلك ما، وكأن من بداخلها عاودته الحياة ..
«ونظرت إلى السقف فإذا التابوت الخشبي الذي كان يحتوي المومياء ما يزال في وضعه الأفقي وقد نخرت قاعه الرطوبة فانفتح تاركا المومياء بيد حذرة، ووقفت على حافة الفتحة الأتربة تتساقط من السقف منذرة أنه سينهار في أية لحظة .. وخلف المومياء كانت فتحة شبه مستديرة تطل على قمة أوسع من الأولى .. فنحيت المومياء بيد حذرة، ووقفت على حافة الفتحة استكشف القاعة بسرعة على ضوء وقيدتي الغالية..
«ولحسن الحظ كان هناك طريق واحد واضح وبعض الشقوق التي لا يمكن أن تكون مسالك فقفزت المسافة بين الفتحة وأرض القاعة وتوجهت بسرعة نحو المسلك داعيا الله في قرارة نفسي بإيمان غطى على جميع شكوكي الفلسفية، أن يهديني سواء السبيل، ويخرجني من هذه المتاهة العمياء ..
«ولم أكد أخطو في اتجاهي الجديد حتى توقفت لأنصت في حلكة الظلام .. فقد خيل إلي أنني أسمع أصواتا آدمية آتية من بعيد، فوقفت لأتأكد من أنها ليست من صنع هواجسي ..
«وبعد عدة ثواني بدأ الشك يزايلني في أن تكون من خلق أوهامي .. كانت فعلا أصواتا بشرية تهلهل بصوت واحد، وترتل الأناشيد بألحان غريبة لا عهد لي بمثلها من قبل ..
«وكان رد فعلي الأول أن أصيح وأجري نحو مصدر الأصوات طالبا النجدة .. ولكنني تراجعت عن قراري لسبب لا أفهمه .. ووقفت مرهفا سمعي للأصوات التي كانت تقترب مني حتى بدأت أميز الكلمات التي كانت بلغة غير معروفة ..
«وانسحبت نحو القاعة متحسا الحائط نحو شق قريب ووقفت على بابه انتظر وصول أو ابتعاد الموكب الغريب ... واقتربت الأصوات مرددة تراتيلها الدينية ومعها موجة من ضوء المشاعل تختلط فيها راوائح الزيت والشمع والعرق والقطران وبعض البخور ..
«ودخل الموكب القاعة في نظام فاختبأت داخل الشق لأنظر ماذا سيفعلون ..
«كانوا جماعة من النوبيين .. ما نسميهم في مصر بمائة وإحدى عشر .. لأن الرقم (111) مرسوم على خدودهم لسبب قبلي أو صحي، لا أدري .. المهم أنهم وقفوا وسط القاعة صفوفا منظمة وتقدمهم شيخ يلبس قلنسوة طويلة، فتوجه نحو الفتحة التي قفزت منها للقاعة حيث توجد المومياء وركع على ركبتيه، فغرس مشعله في الرمل ووضع على الأرض موقدا نحاسيا كان يحمله بسلسلة، وأخذ يضع البخور فيه ويدعو متوجها نحو المومياء التي كانت تبدو من هناك غير واضحة وهي تتأرجح ببطء وسجد الباقون خلفه ..
«وفجأة كف إمامهم عن الصلاة ووقف مشيرا بيديه لأتباعه ليصمتوا، ثم أخذ يمسح القاعة بعينين مستريبتين حادتين في وجهه الأسمر المعروق ..
«وهدأت الأصوات، ولم تبق إلا ألسنة المشاعل تتحرك .. وبعد لحظة صمت نطق الإمام: «معنا غريب» وردد الباقون كلمة «غريب؟» متسائلين دون تصديق ..
«واقشعر بدني من الخوف فالتصقت بباطن الشق كاتما أنفاسي، و أنا أتساءل كيف عرف ..
«ورأيته يشير لهم إلى آثار حذائي على الرمل الناعم كغبار القمر .. كان أصحابه جميعا حفاة .. وفجأة صاح:
«يوجد بالمكان دخيل ابحثوا عنه»
وانتشرت الجماعة بمشاعلهم يبحثون .. ولما لم يكن بالقاعة مخبأ إلا الشق المظلم الذي اندسست فيه، فقد سهل عثورهم علي، فأخرجوني كالأرنب الأعزل وأنا أرتعد من الرعب ..
«وأمام قائدهم أمسك أحدهم بشعر رأسي وسحبه إلى الوراء دافعا صدري إلى الأمام بركبته، واستل آخر خنجرا معقوفا من حزامه وسعى نحوي ليذبحني! واغمضت عيني حتى لا أرى العملية الشنيعة! يا لها من موتة خبيثة لم أفعل في هذه الدنيا شيئا على الإطلاق لأستحقها ولما لم أكن مستحضرا شيئا لمثل هذه المناسبة، فلم أتشهد ولم أذكر خالقي لأموت على الأقل مؤمنا شهيدا ..
«ولما طال انتظاري لحد الخنجر البارد على جلدي فتحت عيني، فإذا وجهه أمام وجهي مباشرة، وعيناه تخترقان عيني وهو يكلمني دون أن أسمعه. كان نبض قلبي من الارتفاع بحيث كنت أحسه يدق على طبلة أذني.
«وفي النهاية ترامى إلي صوته:
«من أنت؟ ومن أين أتيت؟
«قلت وأنا أتنفس بصعوبة:
«أنا طالب من مصر .. وقعت في حفرة بمقابر الملكات، وهمت على وجهي في الأنفاق حتى وصلت إلى هنا.
«فنطق أحد أتباعه:
«كذاب أنت لص .. حرامي، دخلت للبحث عن كنوز المدافن.
«وأقسمت لهم بالإيمان المغلظة وهم يفحصونني بعيون فولاذية غير مصدقين .. وفي النهاية فكرت وقلت:
«إذا لم تصدقوني فأبحثوا في جيوبي .. بطاقة تعريفي المدرسية هناك ..
«وأدخل رئيسهم يده في جيب قميصي فأخرج رزمة أوراقي ونظر إلى بطاقة التعريف، فقلت في تهديد ضمني:
«أبي من كبار رجال الحكومة في الشام .. بعثني لأدرس بمصر .. وسوف أدرس الآثار .. لذلك أنا مهتم بمدافن الفراعنة ..
«فسأل رئيسهم:
«كيف وصلت إلى هنا؟
«فأجبت:
«لقد قلت لك .. وقعت في حفرة بمدافن الملكات ..
«فقاطعني: مدافن الملكات بعيدة من هنا ..
«فأصررت:
«أقسم لكم أنني أقول الحق همت على وجهي في المتاهات والأنفاق حتى خرجت إلى هذه القاعة من تلك الفتحة ..
«وأشرت بيدي إلى حيث المومياء المدلاة من السقف فاكفهرت وجوههم.
«فراجعني الإمام بصوت خفيض فيه جد غاضب:
«لم تأت من هناك .. لابد أنك دخلت من حيث دخلنا .. من هنا ..
«وأشار بأصبعه إلى الطريق .. فأجبته ببلادة لابد أنها علقت بي من عبد المهيمن
«بل دخلت من هناك .. والدليل هو أنني ارتطمت بالمومياء المدلاة هناك من سقف الكهف فكدت أموت رعبا ..
وفي الحال أغلق الرجل فمي بيده بعنف كاد ينتزع فكي، و عاد ذابحي إلى امتشاق خنجره المعقوف، فلعنت نفسي وتمنيت لو قطع لساني قبل أن يحز رقبتي ولكن ماذا قلت؟
«المهم هو أن يد الرجل تشنجت على فمي وأنفي حتى كدت اختنق .. ولم يدرك هو ذلك حتى بدأت ارتعش واهتز فرفع يده عن وجهي لأتنفس، وأشار للجميع أن يغادروا المكان إلا خادما عملاقا كان يبدو عليه أنه أصم أبكم أو متخلف عقليا ..
«وارتحت لقراره بعض الشيء، فقد رأيت صاحب الخنجر يعيده إلى غمده وينصرف مع الجماعة ظامئا إلى دمي، يحدجني بعينين فيهما تهديد ووعيد .. وأخذ الإمام يذرع القاعة جيئة وذهابا في حيرة وارتياب ..
«وفي النهاية توجه إلي بقوله:
«سوف أطلق سراحك .. ولكن بشرط ألا تعيد كلمة مما رأيت أو سمعت ما حييت .. فهمت؟»
«وحركت رأسي متلهفا بالإيجاب قائلا:
«أقسم لك ألا أعيده على أحد أبدا»
«فأضاف بلهجة شبه أبوية:
«يا ولدي، هذا مكان مقدس بالنسبة إلينا .. وأنت قد اقترفت جرما كبيرا يهتك حرمته واقتحام سر أسراره .. ورفع يده ليوقف اعتراضي .. طبعا عن غير عمد .. ولكن الواقع هو أنك دخلت المحراب المقدس الحرام ..
«قلت معتذرا:
«أعتذر من صميم قلبي .. ولكني كنت تائها خائفا في ظلام النفق الطويل .. ولم يكن هناك مخرج غير ذلك .. ولحسن الحظ أنني لم أتسبب في سقوط المومياء من السقف أو السقف بكامله على رأسي»
«فقاطعني بيد مرتعشة:
«تذكر أنك أقسمت ألا تعيد خبر ما رأيت على مسمع أحد .. وذلك يشملني حتى أنا
«فقلت: حاضر .. ولكن ألا تريد، كإمام للجماعة، أن تعرف ما هناك؟
«فأجاب: كلا .. لا أريد أن أعرف ..
«فقلت بجرأة بليدة:
«ولكن ماذا ستفعل حين ينهار السقف ويسطع ضوء الشمس داخل المكان؟
«فوضع يديه على أذنيه رافضا أن يسمع فاحترمت شعوره وقلت:
«طيب .. سأفي بعهدي ..
«وهنا أشار إلى العملاق الصامت فعصب هذا عيني بخرقة سوداء، وأمسك بذراعي يقودني في طريق طويل منعرج
«وأحسست ببرد الهواء على وجهي فأدركت أننا خرجنا من المغاور للعراء .. وانضم إلينا باقي الجماعة، ولكن سرعان ما ابتعدوا .. لابد أن أمرا أعطى لهم بذلك .. ثم أركبوني جملا وأنا ما أزال معصوب العينين وساروا بي لا أدري كم مدة، ثم توقفوا فجأة وأنزلوني .. وجاءني صوت لم أسمعه من قبل يقول لي:
«قف هنا، ولا تتحرك حتى آمرك بذلك ..
«وبقيت هناك واقفا تحت شمس ضعيفة لابد أنها كانت تغرب إذا لم تكن غربت، أنصت إلى ما حولي من أصوات .. ولما لم يحدث شيء لمدة لم أدر كم طالت تجرأت فرفعت يدي على حذر وأنا أتوقع صفعة أو لكمة ..
ولما لم يتحرك شيء زحت العصابة من عيني ونظرت حوالي فإذا أنا على بعد كيلومتر تقريبا من قرية على النهر .. أما رفاقي فقد اختفوا تماما كما يختفي الكابوس عند اليقظة ..
ورميت العصابة وانطلقت أعدو نحو القرية .. وما كدت أتوسطها حتى سمعت صوتا ينادي باسمي .. والتفت فإذا عبد المهيمن وخلفه موكب من رجال الشرطة والحراس والفلاحين والنسوة والصبيان وهو يعدو نحوي فاتحا ذراعيه ..
والتفت الجميع حولي يستمعون لقصتي بانتباه كبير .. وفي النهاية تجشأ الشاويش الذي كان يبدو أنه يتزعم فرقة البحث عني، وأدخل يده تحت طربوشه وهرش رأسه ثم علق:
«لابد أنها ضربة الشمس!»
«وعارض العمدة قائلا:
«لا .. لا.. أشباح وادي الملوك طلعت عليه .. وعلمت فيه كده ..
«وتدخلت سيدة عجوز بعد روتين من الإشارات والتعاويذ:
«اسم الله عليك يا بني .. لا تكونش جات لك لعنة الفراعنة!»
                                                *   *   *
«المهم .. عدنا إلى الأقصر ذلك المساء وأنا أسعد من أن ألوم عبد المهيمن أو أحاول الدفاع عن سلامة عقلي أمام فرقة البحث عني ..
«وفي الغد ركبنا القطار عائدين إلى القاهرة .. وجاء من نصيبي مرة أخرى، عبد المهيمن ووقفت أطل من النافدة أسترجع أحداث اليوم السابق وأنظر إلى صفحة النيل الناعمة، وأعجب لما تحمله ضفافه من أسرار في خدر لذيذ تساعده عليه حركة القطار ورتابة عجلاته على القضبان ..
«وتوقفنا بإحدى القرى الصغيرة ثم تحركنا دون أن تقاطع اصوات الباعة وضوضاء المحطة الصغيرة شريط أحلامي ..
«ولكن سرعان ما لفت نظري شيء جذبني بعنف إلى الواقع وأخرجني من غيبوبتي. كانت جماعة الوثنيين السرية التي أسرتني في المغاور الفرعونية بالأمس كلها جالسة صفوفا تصلي بفناء مسجد القرية يتقدمهم إمامهم .. لابد أن اليوم كان جمعة، والجامع مزدحما فجلسوا خارجه كالعادة بالصعيد ..
«وبحركة لا شعورية اختفيت حتى لا يروني .. ولاحظ عبد المهيمن ذلك فسألني ماذا حدث، فقلت له، لغباوتي التي لا تغتفر، إنهم عبدة المومياء .. وهداه عقله المستحم في أبخرة الجهالة أن يتصدى لهم من النافذة، وقد رأوني اختفي تحتها، ويصيح فيهم بالشتيمة واللعنات:
«اخص عليكم يا وثنيين يا عبدة الأصنام! بتعملوا إيه في الجامع؟ ما تسيبو ربنا بقى وتروحو للموميا بتاعتكم.
«وحاولت إسكاته فلم أفلح .. وأطللت من النافذة فإذا رئيسهم يقف في مصلاه ويتابع القطار بنظرات حاقدة، وبحركة سريعة يصدر أمره إلى الرجل القصير صاحب الخنجر المعقوف فيقفز هذا من مقعده جاريا نحو القطار، وهو يرفع أديال جلبابه ويعض عليها بأسنانه.
«وهبط قلبي وأنا أراقب الرجل يعدو خلف القطار ليمسك بسلم العربة الأخيرة والقطار تزداد سرعته وأنا أدق الأرض بقدمي وكأنني أحث جوادا على الركض حتى ابتعد الرجل، وهرب عنه القطار فتوقف عن العدو وهو يهدد ويتوعد ملوحا بقبضته في الهواء ..»
                                             *   *   *
وتنهد مصطفى الليثي وهو يختم قصته مع عبد المهيمن قائلا:
«ومنذ تلك اللحظة وأنا أعيش على أعصابي خائفا أن ألتقي بالرجل ذي الخنجر المعقوف في أي مكان، وفي أي وقت من الليل أو النهار .. وربما يأتيني من الخلف فيحز رقبتي دون أن تكون لي حتى فرصة الشهادة وكل هذا بفضل عبد المهيمن ابن ال ..»
فقاطعته قبل أن تستولي عليه هيستيريا عبد المهيمن وقلت مخففا عليه:
«لعل السقف قد سقط فوق المومياء، وانكشف الأمر لعبدة الأوثان المساكين وحينئذ سيدركون حقيقة ما قلت لهم ..»
فقال رافعا كفيه بالدعاء:
«يا رب من فمك للسما»
ثم أضاف:
«ولكن لا فائدة .. فحتى لو انكشفت لهم حقيقة المومياء فسيبحثون عن وثن آخر ..»

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here