islamaumaroc

المبادئ الإنسانية في الجامع الصحيح للإمام البخاري

  دعوة الحق

163 العدد


حياة الإمام البخاري وصحيحه:

في يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومئة للهجرة أطل محمد بن إسماعيل البخاري على الدنيا في بخارى الرابضة على المجرى الأسفل لنهر زراغستان والتي آلت إلى المسلمين في مطلع النصف الثاني من القرن الأول للهجرة.
ولد رضي الله عنه في بيت علم وتقى، فقد كان أبوه إسماعيل من العلماء المتوفرين على دراسة الحديث وحفظه، وكذلك كانت والدته حتى ذكرها بعض المؤرخين في عداد الصالحات.
ولقد مات والده أثناء طفولته فحضنته والدته ورعت نشأته بقلبها الكبير، فكان لها بذلك أبعد الأثر في تسديد خطاه وحفزه في طريق العلم والصلاح. وقد عرف عنه أنه كان رقيق البنية، قليل الأكل، تصيبه الآفات البصرية من وقت لآخر كما عرف عنه أنه كان عزيز النفس عفيف اليد. وقد طلب العلم في سن مبكرة وحفظ الحديث حتى برز فيه ولفت أنظار العلماء والحفاظ في بلده.
وفي السادسة عشرة من عمره رحلت به أمه مع أخيه الأكبر إلى بيت الله الحرام، ثم رجعت إلى بلادها تاركة إياه مع أكابر العلماء من الرواة والحفاظ والفقهاء، فكان معروفا بينهم بذهن وقاد، وحافظة واعية، وعقل حازم، وذكاء براق، وصبر عجيب في مجالسة العلماء.
وقد أقام في الحجاز ستة أعوام ثم تنقل في بلاد الإسلام جريا وراء العلم ورواة الحديث، فزار خراسان والعراق والشام ومصر والجزيرة والبصرة والكوفة فلقى أكثر من ألف رجل أخذ عنهم. وقد قال جعفر بن محمد القطان سمعت البخاري يقول: «كتبت عن ألف شيخ من العلماء وزيادة وليس عندي حديث لا أذكر إسناده».
وقد قضى رحمه الله في قرية خرتنك التي تبعد قرابة فرسخين عن سمرقند وقد لجأ إليها مضطرا بعد محنة أصابته في نيسابور وبخارى من قبل أميريهما وبعض علمائهما.
ولقد جمع الإمام البخاري رضي الله عنه نصيبا موفورا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبق أن ظفر بمثله وبدقته وضبطه أحد قبله. فكان له أن اختار من هذه الأحاديث كتابة الجامع الصحيح، الذي نحن اليوم بصدد الحديث عنه. ولقد روى عن البخاري أنه قال: «أخرجت هذا الكتاب من نحو ستمائة ألف حديث وضعته في ست عشرة سنة وجعلته حجة فيما بيني وبين الله».
وهكذا فإن الجامع الصحيح هو الكتاب الذي ضمنه البخاري أصح ما ثبت عنده من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان ولا يزال عند المسلمين عامة أصح كتاب بعد كتاب الله، وقد عرفه صاحبه بأنه «الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وإمامه. «وقد قال عنه البعض بحق أنه كان فتحا جديدا في خدمة السنة النبوية». لم يسبق بنظير منذ ابتدأ المسلمون كتابة الحديث على عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى مجيء البخاري رضي الله عنه.

المعرفة من أجل الإنسانية:
لقد كان فضل البخاري عظيما على تاريخ الفكر الإسلامي لأنه ساهم إلى حد كبير في حفظ معاني الإسلام السامية التي حوتها أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فجعلها في هذا العمل الدقيق الصادق في متناول الإنسانية جميعا، وهو في ذلك لم يعتمد النقل والتسجيل عن الرواة تلقيا قابلا دونما قيود أو شروط وتحر وضبط، بل اعتمده بشروط أخلاقية إنسانية علمية هي لازمة لكل عالم يطلب الحقيقة طلبا موضوعيا خالصا من الهوى، لا أثر للذات فيه، فكانت شروط رواية الحديث الصحيح التي تتلخص بأنه «الحديث المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن  مثله حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى منتهاه من صحابي أو من دونه ولا يكون شاذا ولا معللا بعلة قادحة «وقد قال العلامة ابن كثير أن أول من اعتنى بجمع الصحيح أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وتلاه صاحبه وتلميذه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري فكتاباهما أصح كتب الحديث والبخاري أرجح لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه .
وبهذا الالتزام الأخلاقي الإنساني العلمي في طلب الحقيقة ساعد رضي الله عنه على ترسيخ القيم الإنسانية في مجال العلم انطلاقا من التزامه بالإسلام الذي حض على طلب العلم كما حث على التدقيق في كل مروي أو منقول حتى ينجلي وتنكشف به الحقيقة سافرة ناصعة لا لبس فيها ولا إبهام، جاهزة لتكون مادة مفيدة للإنسان في كل زمان ومكان.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم (نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع)  ويقول «من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقده من النار» .
إن هذه المعاني في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤكد ضرورة الالتزام بالصدق والأمانة والموضوعية في نقل المعرفة بأخبار رسول الله، وهو ما فعله البخاري رضوان الله عليه خدمة للحقيقة وللإنسانية معا.
إن حق المعرفة الصحيحة الصادقة النافعة، هو أول الحقوق الإنسانية وأشرفها، يسعى إليه العالم ليس استئثارا بخير، وإنما خدمة للإنسانية كلها، ودفعا لها في معارج الرقي والتقدم. ومن هنا كان البخاري في حرصه على المنهج العلمي الذي اتبعه، بغية تقديم المعرفة الصحيحة الصادقة النافعة للإنسان مسهما بدرجة عالية وبجهده الشخصي، وإبداعه الخاص، وإخلاصه في عمله لله سبحانه وتعالى، كان مسهما بحق في تعزيز المبدأ الإنساني الذي يؤكد بداهة حق المعرفة الصحيحة الصادقة النافعة كحق إنساني لا جدال فيه ولا نزاع عليه.

أزمة المبادئ الإنسانية:
إن المبادئ الإنسانية كما جاءت لدى الفلاسفة والمفكرين هي مجموعة المنطلقات النظرية والعلمية التي تهدف إلى تحقيق كرامة الإنسان، وبالتأكيد على حقوقه الأساسية في هذا الكون، كحقه في الحرية والعدالة والعمل والمساواة والتقدم والسلام.
ولقد تباينت نظريات هؤلاء وهؤلاء في تحديد المبادئ الإنسانية وطرق الوصول إليها، فمنهم من وسع هذه المبادئ، ومنهم من اقتصر على بعضها، ومنهم من ذهب إلى أن الوصول إليها لا يأتي إلا من خلال فردية الإنسان، التي يجب أن تكون عند هؤلاء محورا للتربية وللسياسة وللاقتصاد بل وللفكر والوجود بشكل عام. ومنهم من ذهب إلى أن الوصول إلى هذه المبادئ لا يظهر إلا من خلال المجتمع ككل حتى أصبح المجتمع عندهم هو المقياس لأي تقدم تربوي أو سياسي أو اقتصادي أو ما إلى ذلك، بل إن المجتمع أصبح  بذلك الغاية النهائية لكل ما في هذا الوجود من عوالم وأكوان.
ولقد تضاربت الآراء لدى الفلاسفة والمفكرين القدامى منهم والمحدثين، حول ما إذا كانت حقيقة الإنسان روحية تحكمها المشاعر والأفكار، أم مادية تحكمها الأشياء والأجسام.
وفي خضم هذه الاختلافات المذهبية العامة أصاب المبادئ والقيم الإنسانية بشكل خاص قدر كبير من الانتكاس، فغدت هذه القيم والمبادئ مهزوزة مشوشة، بل وموضع نزاع في كثير من الأحيان، أدى بالنتيجة في ظروف تاريخية وسياسية معقدة إلى الاقتتال بين الشعوب، وبقيت الإنسانية من جراء ذلك كله مهددة بنزعات التسلط والعدوان التي توفرت لدى معظم الدول والأمم على مر التاريخ البشري وبكلمة واحدة نستطيع أن نلاحظ أن السبب الرئيسي لانتهاكات مبادئ الإنسانية على مر التاريخ كان يمكن باستمرار في اختلاف البشر على تحديد معنى هذه المبادئ بشكل قطعي.
ويغلب على الظن أن أزمة الاختلاف على المبادئ الإنسانية هذه إنما تعود في الأصل إلى ضيق النظرة نحو واقع الكون والإنسان عند هؤلاء وهؤلاء، الذين حاولوا إما التمسك بالمبدأ الواحد أو بالانصراف الكلي عن حقيقة صلة الإنسان بالله عند تفسيرهم لمظاهر الكون والحياة.

الإسلام والمبادئ الإنسانية:
لقد جاء الإسلام، الذي التزم البخاري به، دينا سماويا يصوب نظرة الإنسان إلى إنسانيته فأكد حرصه على كرامة الإنسان، بل وحقوق الإنسان الأساسية في كل زمان ومكان. فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم» .
وقال جل شأنه: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر» . بل إنه تبين لنا في أكثر من مناسبة أن السموات والأرض والنجوم والكواكب والأفلاك والشمس والقمر والجبال والأنهار قد خلقها الله تعالى تكريما للإنسان إذ يقول تعالى: «ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم» . ويقول: «ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم» .
وقد جاء الإسلام دين السماء على لسان الأنبياء السابقين وبخاصة النبي محمد عليه الصلاة والسلام يعزز كرامة الإنسان ويعلي من قدره ويرفع عنه الاصر والأغلال التي طرحتها عليه جهالات الأجيال المتعاقبة فنادى بحرية الإنسان وحارب الرق وهتف عمر بن بن الخطاب أمير المؤمنين في وجه عامله عمرو بن العاص «يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا». وقال صلى الله عليه وسلم: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» .
وإذا كان الإسلام قد سخر كل ما في الكون لسعادة الإنسان وكرامته بصرف النظر عن أصله أو عرقه أو زمانه أو مكانه، فإن الإسلام من خلال نظرته العادلة الوسطية التي يعبر عنها القرآن الكريم في قوله تعالى: «وجعلناكم أمة وسطا» قد أكد أن إنسانية الإنسان تقوم في التوسط بين حاجاته المادية وحاجاته الروحية، بين مطالبه الفردية ووجوده الاجتماعي ففتح بذلك عين البشرية على الطريق الأقوم والسبيل الأسلم للفلاح في الحياتين الدنيا والآخرة على السواء.
إن التوسط في الإسلام يأتي متلازما مع مبدأ التيسير في ديننا الحنيف، وهما من أهم المبادئ الإنسانية التي ينبغي الالتفات إليهما والاهتمام بهما...
ذلك أن الإنسان كائن حي له طاقات محدودة لا يملك أن يتجاوزها وله نزعات وأهواء من الخطر الكبير تجاهلها أو إهمالها، ولذلك فقد كانت النظرة الإسلامية كما وردت في القرآن وفي الجامع الصحيح تركز على هذين المبدأين الإنسانيين العظيمين فتخاطب الإنسان بهما وتكلفه بأن لا يحيد عنهما أما بخصوص مبدأ التيسير فيقول تعالى: «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» . ويقول: «فاتقوا الله ما استطعتم» .
بل إننا نستطيع أن نجزم بأن نزول القرآن على الناس منجما كان بالإضافة إلى حكم كثيرة للتيسير على الناس في حفظه والتزام أحكامه وحدوده.
وكذلك كان منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في الحياة مستمدا من هذين الأصلين الإنسانيين كما بين لنا الجامع الصحيح. فقد نقل أنه صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما . وما رأى من أصحابه تطرفا في العبادة أو السلوك إلا استنكره وطلب إليهم التوسط فيه والتيسير على أنفسهم، فقد أنكر صلى الله عليه وسلم على أصحابه مواصلة الصيام، كما أنكر صوم الدهر، واستحسن صوم داوود عليه السلام، وأنكر على الثلاثة الذين تقالوا عبادته إلى عبادتهم صلى الله عليه وسلم فاختار أحدهم قيام الليل أبدا والثاني صوم الدهر، والثالث الترهب، فقال لهم: «إني لأخشاكم لله وأتقاكم ل، ومع ذلك فإني أقوم الليل وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» . كما قال صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة»، وقال ابن عباس: «كل ما شئت والبس ما شئت، ما خطئتك اثنتان سرف أو مخيلة» 7/33 البخاري والنسائي والإمام أحمد.


المبادئ الإنسانية في الجامع الصحيح:
 يقول تعالى عن رسوله الصادق الأمين «وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى» . فأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المجموعة في الجامع الصحيح المسند إلى رسول الله هي وحي من رب العالمين جاء مفسرا للقرآن وموضحا له.
يؤكد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «أوتيت القرآن ومثله معه»  أي السنة.
وقد جاء الحديث بنماذج من مبادئ الإسلام التي لا سبيل إلى ذكرها كلها هنا. ولكن نقول إن من أوائلها تلك التي تدور حول المبادئ الإنسانية كما هو واضح في الجامع الصحيح.
غير أننا نريد هنا أن نشير بالقول إننا لكي نحدد المبادئ الإنسانية في الجامع الصحيح أو أهمها فإننا لا نستطيع أن نأخذ حديثا بالذات أو مجموعة من الأحاديث فنقول أن المبادئ الإنسانية تبرز فيها دون غيرها، ذلك أن الإسلام في نظرنا كل لا يتجزأ،  وأن كمال إنسانية الإنسان لا تتوفر إلا من خلال التزام الإنسان بالإسلام كله، قرآنا من عند الله وسنة لرسوله في آن معا.
ومن هنا يصبح الإيمان بالله في الإسلام أهم المبادئ الإنسانية على الإطلاق، إن هذا الإيمان الذي يعطي الجامع الصحيح عنه صورة مشرقة، هو جماع الخير للإنسان، وذروة البر والرحمة، وقمة السمو الخلقي لدى بني البشر. ومما يؤكد ذلك أن الإمام البخاري رضي الله عنه قد خص به الكتاب الأول من جامعه بعد التحدث عن الوحي.
ولا عجب فإن الإيمان هو النافذة الواسعة التي يستطيع الإنسان منها أن يحسن الإطلالة على الحياة فيفهم الكون والإنسان ويدرك تحديد العلاقة بينهما، بل إن الإيمان شرط أساسي لاستقامة معنى المبادئ الإنسانية في ضمير الإنسان وفي مسيرته المصيرية في هذه الحياة.
ولعل حديثا شريفا واحدا عن الإيمان يلخص هذا كله وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها كلمة لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» . ونحن هنا نرى ضرورة التوقف قليلا عند هذا الحديث، لأن
التوقف، عند طرفيه بالذات، يشكل في الحقيقة تعبيرا جامعا للمبادئ الإنسانية في أرقى مفاهيمها.

كمال الحرية ... في كلمة لا إله إلا الله:
فكلمة لا إله إلا الله وهي الطرف الأعلى من الإيمان تمنح الإنسان أرقى درجة من درجات الحرية الإنسانية على الإطلاق، إنها في صيغة الرفض المقصودة التي صيغت بها، تشكل تحريضا مستمرا على العبودية، إنها تدعو الإنسان الفرد كي يرفض أي  تأليه كان للذات البشرية أو أهوائها المنقلبة، أو للمادة وضغوطها العمياء، أو للمجتمع وظواهره المتغيرة، أو للموجودات في عالمنا مهما كانت، ذلك أن تأليه هذه الأشياء، إنما يؤدي في واقع الأمر إلى خضوع الإنسان لاعتبارات التفاضل الأعمى بين الناس، ووضع الإنسان في مرتبة أدنى من المادة، ومن الظواهر الاجتماعية بأشكالها المادية المختلفة. وبمعنى آخر أن هذا التأليه للأشياء يعني في نظر هذه (الكلمة) استلابا لمبادئ الإنسان ولحقه في الحرية والمساواة والعدالة.
إن كلمة لا إله إلا الله وهي تنزع عن الأشياء عبودية الإنسان لها، إنما نركز في الوقت نفسه وبشكل خاص ومتفرد على توجيه الإنسان في طريق الحرية الحق، باعتباره المبدأ الإنساني الأول، الذي ينبغي أن يعيش الناس جميعا في ظله على قدم سواء.

وكمال المسؤولية ... في إماطة الأذى عن الطريق:
وإذا كانت الحرية في الإسلام، وهي في جوهرها تحرر من عبودية الغير، حرية مطلقة من كل قيد دنيوي، فإنها في الوقت نفسه حرية ملتزمة.  ومن هذا الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية أمام الناس. وأدق صور هذا الالتزام الاجتماعي تتمثل في ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من «إماطة الأذى عن الطريق» لأننا مسؤولين كي لا يتأذى مخلوق ولا يتضرر إنسان.
إن روعة هذا الحديث الشريف تتجلى بعد هذا في ما حواه من لقاء فريد بين الأطراف المتباعدة في الظاهر، بين الحرية والمسؤولية، بين الفردية والجماعية، بين الحق والواجب، وبين العقيدة والعمل وكل ذلك من خلال روح الوسطية في الإسلام، وفي إطار الإيمان بالله والإخلاص لله في العبودية.
إن مكانة الإيمان، وانعكاساته الإنسانية، بالغة الأهمية في الأحاديث العديدة، وسنقتصر هنا على ذكر بعضها. يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .
ويقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بوائقه»  وقوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»  وقوله: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا إيمان لمن لا عهد له» . وقوله: «المؤمن ليس بطعان وليس بلعان ولا بفحاش ... إلى ... عجبا للمؤمن إن أمره كله خير » .

كل الإنسانية ... في الإيمان:
وهكذا فإن إنسانية  الإنسان مرهونة بهذا المبدأ الإنساني العظيم، تقوى وتضعف، وتتسع ظلالها وتضيق، وتلين وتقسو بنسبة ما يكون وضع الإيمان لديه حتى إذا وصل إلى درجة محبة الله ورسوله، وذلك لن يكون إلا من خلا التحرر الكامل والمسؤول، يكون في الواقع قد وصل مرتبة الإنسانية الكاملة.
هكذا كانت تجربة الإيمان في مطلع الدعوة الإسلامية وكان فعلها المدهش في الارتفاع بقيم الإنسان والعمل على تحريره أخلاقيا واجتماعيا، والسمو به في معارج الرقي الإنساني حتى ارتفع في أقل من نصف قرن إلى مستوى الريادة بعد أن ظل الإنسان العربي دهورا متخلفا في أخريات الأمم.

ومن هذا الحديث مبادئ إنسانية كثيرة:
إن قوله صلى الله عليه وسلم الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها كلمة لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق إذا كان يشير إلى أعلى المبادئ الإنسانية وأدقها، فإن بينهما كما قال رسول الله بضعا وسبعين شعبة من الإيمان، لعلها المبادئ الإنسانية بعينها كما أرادها الله سبحانه وتعالى تكريما للإنسان وتعزيزا لقدره.
ومن هذه المبادئ التعاون والتراحم بين الناس في ما رواه البخاري  عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا» وفي حديث آخر  يقول: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى».
ومنها العدالة والتساوي بين الناس. روى البخاري بسنده المتصل عن رسول الله قوله: «إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى» .
بل إن العدالة والتساوي بين الناس ارتفعت في الإسلام بالإنسانية من مستوى الصداقة إلى مستوى الأخوة فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا» .
أما في مجال التنديد بأي مظهر من مظاهر الاضطهاد والعدوان حفاظا على حقيقة الإيمان، وحرصا بالتالي على مبادئ الإنسان، فإن الإسلام يندد بالظالم والمعتدي.  وروى البخاري بسنده المتصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» . كما روى أيضا قوله صلوات الله وسلامه عليه «من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يأخذ من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه» .
إن الإسلام وهو يؤكد، من خلال الإيمان بالله، على المبادئ التي ترفع من قدر الإنسان، يدعو إلى الكفاح صراحة ضد أي مظهر من مظاهر الاضطهاد والظلم والعدوان. يقع على بني الإنسان فيقول تعالى: «أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم...» .
إن هذه الدعوة هي الوجه الآخر والنضالي من حقيقة الإيمان من أجل الحفاظ على المبادئ الإنسانية وتحقيق العدالة بين بني البشر.

هذه المبادئ أصلها قرآني:
وإذا كانت هذه المبادئ الإيمانية، التي أصبحت عند البعض إنسانية، قد جاءت من خلال الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما رواها البخاري وغيره بالسند المتصل، فإن هذه المبادئ النضالية قد أتت أولا في سياق النصوص القرآنية صريحة بينة. يقول تعالى:
«وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»  ويقول: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون»  ويقول: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان» . ويقول: «ولا يجرمنكم  شنآن قوم على ألا تعدلو اعدلوا هو أقرب للتقوى» .
وإذا كان الله تعالى ينهى المسلمين عن الظلم والعدوان ويدعو إلى قتال الظالمين المعتدين، فإنه تعالى أيضا يدعو الناس إلى العدل والتعارف والتعاون فهو جل من قائل يقول: «إن الله يامر بالعدل»  ويقول بلسان رسول الله: «وأمرت لأعدل بينكم» كما يقول: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند  الله أتقاكم» .
إن المبادئ الإنسانية كثيرة إذن، أهمها الحرية والعدالة والمساواة بين الناس، وفي إطارها يأتي حق الإنسان في المعتقد، والرزق والعمل، والحياة، والاستقرار، والعيش بسلام في هذا العالم. وكلها مبادئ كفلها الإسلام ونص عليها القرآن، وجاءت السنة المطهرة والحديث الشريف تأكيدا لها.
إن المشكلة الإنسانية اليوم هي مشكلة القيم في الأساس، تلك القيم التي تحدد غاية التعامل بين الناس والمجتمعات والشعوب، إن المشكلة بهذا المعنى تصبح مشكلة أخلاقية بالنتيجة، ولهذا جاء الإسلام، دينا من عند الله، يهذب أخلاق الناس ويحدد لهم درجات القيم، ولعل ما رواه البخاري عن رسول الله من حديث يلخص المشكلة الأخلاقية والإنسانية في مسألة التعامل البشري تلخيصا إسلاميا قال فيه رسول الله: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» .

وهذه المبادئ .. في عالمنا:
إن عالمنا يشهد اليوم أزمة حادة تعانيها هذه القيم السامية على صعيد علاقات الأفراد والمجتمعات والشعوب والدول، فالظلم والعدوان والاضطهاد والتسلط ومشاكل التمييز العنصري، ومحاولات السيطرة الاقتصادية، ومخططات العنصريات الدينية والتسابق على اقتناء السلاح الرهيب، والتهديد المستمر للشعوب المستضعفة، والاستئثار بالإنجازات العلمية، وانقسام العالم إلى مناطق متقدمة ومناطق شاسعة من العالم وكثل هائلة من البشر تعاني من الجوع والمرض والجهل في الوقت الذي يستشري فيه الفساد في بعض المجتمعات الثرية المتخمة، كل هذا وغيره من شأنه أن يدفع بهذه القيم السامية نحو الهاوية.

الصهيونية واللانسانية في شرقنا العربي:
ثم إن الشرق العربي، الذي يدين بالإسلام إجمالا، ويتمسك بالتالي بهذه القيم الرفيعة ويعمل على ترسيخها، يجد اليوم أن القيم الإنسانية أصبحت منتهكة في أرضه، يفعل العدوان الإسرائيلي، الاستيطاني في أرض فلسطين؟ إن هذا العدوان الصهيوني الذي تدفق على أرض فلسطين من جميع الدول الأجنبية عن المنطقة، وبمساعدة منها، قد قام على أساس من تمييز عنصري غير إنساني بين الإنسان والإنسان. كما قام على سياسة التوسع والإرهاب واحتلال أراضي الغير بالقوة، وعلى سياسة الحرق والدمار كما تشهد بذلك مديننا القنيطرة والسويس وغيرهما، فضلا عن العدوان الوحشي على جنوب لبنان، وقراه الآمنة وشواطئه المسالمة، وإنزال الخسائر بأرواح الشيوخ والنساء والأطفال من اللبنانيين المدنيين وتخريب أراضيهم وحرق مزروعاتهم وتحطيم أدوات كسب الرزق لديهم.
وإذا كان المسلمون في هذه المنطقة قادرين، بما يحمل الإسلام لهم من مبادئ إنسانية، على الكفاح ضد العدوان الصهيوني وضد أي شكل من أشكال العدوان على معاني الإنسانية في كل مكان، وذلك لتحقيق العدالة والمساواة بين الناس، وترسيخ حرية الشعب الفلسطيني بشكل خاص، وحقوقه الإنسانية والوطنية. إن المسلمين إذا كانوا قادرين على كل ذلك فإن الواجب في الحفاظ على القيم الإنسانية يقضي على دول العالم مساندة هذا الكفاح بشتى أشكاله وصوره، وإن أي تخلف عن هذه المساندة تعتبر بحق تخلفا عن ركب الإنسانية السائرة بالضرورة في معارج التقدم والنصر.
إن مسؤوليتنا في ذلك مسؤولية إنسانية لأنها مشتركة بين أبناء البشر جميعا، فبالقدر الذي يتم فيه التعاون على رفع الظلم ورد العدوان  نكون في الطريق الأسلم الموصل إلى تدعيم قيم الإنسان.
إن الإسلام كما يتضح لنا من مراجعة أبواب وفصول الجامع الصحيح لم يكتف بترسيخ مفاهيم العدل والمساواة بين الناس ودعمها ورفع كوابيس الظلم عنهم بل سهل لهم طريق التآخي عندما اعتبرهم إخوة، وسقى إخوتهم برحيق عذب من الآداب والأخلاق والأنظمة حتى أورقت وعم أفضالها العالم.
وبعد:
فلقد قضى الإمام البخاري زهرة شبابه وكهولته في طلب العلم وحل من بلد متحملا المشاق ومثابرا على الصعاب والبلاء لينقل إلينا هذا التراث النبوي العظيم في كتابه الجامع الصحيح وبمنهجه الدقيق المنضبط فكان وسيبقى صاحب الفضل الأول في حفظه وإبرازه للناس على اختلاف نحلهم وأزمنتهم وأمكنتهم.
إن المبادئ الإنسانية التي لفتنا النظر إلى بعضها في هذه الكلمة العاجلة والتي جهد البخاري في التقاط نصوصها من السنة الرواة والحفاظ رسخت مكانة هذا الإمام العظيم في نفوس المسلمين الأولين والمتأخرين ورفعت مقامه إلى مصاف الأولياء والصالحين.
وفق الله الجميع لما فيه تعزيز الإسلام عقيدة ونظاما وسلوكا لأنه الدين الحنيف الذي أعطى للإنسان كرامته، وحث المسلمين كي يكونوا أول الداعين إلى الحق، المتمسكين بالعدالة، العاملين من أجل السلام.

مـا الكمــوج
سأل تلميذ أستاذه: ما الكموج؟ فقثال الأستاذ: وأين رأيت هذه اللفظة؟
قال التلميذ في قول امرئ القيس:
«وليل كموج البحر أرخى سدوله»
فقال: نعم، الكموج: دويبة من دواب البر تحمل الكتب ولا تعلم ما فيها ..

1 - الباعث الحثيث لابن كثير -7-8.
2 - رواه الإمام أحمد الترمذي وابن حبان 6/283 فيض القدير و 6/472 المعجم.
3 - 6/214 فيض القدير. رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم.
4 - سورة التين.
5 - سورة الإسراء 70.
6 - سورة الحج 18.
7 - سورة الحج 64.
8 - رواه الشيخان والنص لمسلم 285 جامع العلوم لابن رجب.
9 - سورة البقرة 185.
10 - سورة التغابن 16.
11 - رواه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم.
12 - رواه البخاري في باب النكاح جـ 3/116 ومسلم والنسائي والدارمي والإمام أحمد 2/275.
13 - سورة النجم 3و4.
14 - رواه الترمذي جـ 4 ص 145 وابن ماجة والدارمي.
15  - البخاري جـ 1 ص 8، والنص لغيره، ومختصر شعب الإيمان للبيهقي.
16 - البخاري جـ 1 ص 9.
17 - أخرجه الإمام أحمد.
18 - رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة.
19 - رواه مسلم في الزهد.
20 - رواه الترمذي في باب البر والإمام أحمد.
21 - جـ 1 ص 80.
22 - جـ 7/78.
23 - جـ 1 ص 9.
24 - رواه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم.
25 - رواه البخاري في باب التفسير جـ 5/214.
26 - رواه البخاري في باب المظالم جـ 3 ص 99 والهبة والإمام أحمد جـ 3/ د 506.
27 - سورة البقرة 19.
28 - سورة البقرة 190.
29 - سورة النحل 90.
30 - سورة المائدة 2.
31 - سورة المائدة 8.
32 - سورة النحل 90.
33 - سورة الحجرات 13.
34 - رواه الموطأ في باب حسن الخلق رقم 8.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here