islamaumaroc

وصف الجحيم في كتب الحديث

  دعوة الحق

163 العدد

إن التحدث عن الجحيم بذكر أوصافها وخصائصها الواردة في كتب الحديث يتطلب قبل كل شيء تحديد مدلول الجحيم وخاصة في المصطلح الإسلامي حيث توجد نظريات وأقوال في المدلول الحقيقي لهذا اللفظ:
ولذلك سأتناول الموضوع حسب هذا التصميم: تحديد مدلول الجحيم، استخراج صورة للجحيم من ألفاظ الحديث، بيان المقصود الحق من هذه الصورة.

1) تحديد مدلول الجحيم:
تطلق الجحيم في اللغة على النار الشديدة التأجج، وعلى المكان الشديد الحر، وعلى النار العظيمة في مكان بعيد القعر.
قال في القاموس: «الجحيم النار الشديدة الحر، وكل نار بعضها فوق بعض، وكل نار عظيمة في مهواة، والمكان الشديد الحر كالجاحم» وبهذا المعنى ذكرت في القرآن في قوله تعالى حكاية عن قوم إبراهيم: «قالوا ابنوا لي بنيانا فالقوه في الجحيم» (الصافات)؛ إذ معلوم من الآيات الأخرى أنهم جعلوا في ذلك البنيان نارا عظيمة.
أما في المصطلح الإسلامي فالجحيم في نظر جمهور العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء ومتكلمين ذلك المكان أو الدار التي أعدها سبحانه على نمط خاص لا يعلمه إلا هو لتعذيب طائفة من الخلق في العالم الآخر لم  تستعمل ما أوتيته من عقل وفكر وسمع وبصر فيما نصب في هذا الكون من آيات وبراهن على وجوده وانفراده بالألوهية الحقة، وما جاء به الرسل ودعوا إليه من وجوب الإيمان به، والتزام ما يجب له من الطاعة والامتثال. «ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون» (الأعراف) «وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير» (الملك).
وسمي هذا المكان أو الدار جحيما لتلظي ناره واشتداد حرارته؛ فاللفظة ظاهرة في أنها صيغة مبالغة.
وعلى هذا يكون لفظ الجحيم مرادفا لسبعة ألفاظ أخرى؛ وهي: النار، جهنم، السعير، لظى، الحطمة، الهاوية.
وذهبت طائفة قليلة من علماء الإسلام إلى أن الجحيم درك من دركات النار تحمل الرقم السادس بحسب التدلي، وقالوا: إن النار تتكون من طبقات سبع: أعلاها جهنم، وأسفلها الهاوية، ولكل طبقة طائفة من المعذبين، وقد نظم هذه الطبقات مع بيان أصحاب كل منها الشيخ الأمير المصري؛ فقال:
جهنم للعاصي لظى ليهودها
              وحطمة دار للنصارى أولي الغمم
سعير عذاب الصابئين ودارهم
             مجوس لهم سقر جحيم لذى صنم
وهاوية دار النفاق وقيتها
             وأسأل رب العرش أمنا من النقم
وبهذا فسر البعض الأبواب في قوله تعالى: «إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين، وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم» (الحجر).
وهذا الرأي في الحقيقة إن هو إلا رأي دخيل في الإسلام غريب عنه؛ ومن ثم فهو لا يصح، وروايته عن علي وابن عباس رضي الله عنهم، ثم عن عكرمة وقتادة تلك الرواية التي حاول أصحابه أن يدعموه بها لم يثبت فيها شيء صحيح كما يقول الإمام عبد الرحمن بن أحمد السهيلي المالقي ثم المراكشي المتوفى 581 هـ في كتابه: التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام. وحديث الإسراء والمعراج الذي جعل منه الرواة والقصاصون معينا خصبا لما أبدعوه من صور للجنة والجحيم لم يرد في أية رواية من رواياته المدرجة في الكتب الثلاثة: الموطأ، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم – وهي أصح كتب الحديث إطلاقا – تفاصيل عن الجنة والنار، وإنما ورد في بعض تلك الروايات إشارة مقتضبة لأهل الجنة والنار، وهذه هي تلك الإشارة كما في بعض روايات البخاري ومسلم لهذا الحديث: «فلما علونا السماء الدنيا فإذا برجل عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. قال: قلت يا جبريل من هذا؟ قال: آدم؛ وهذه الاسودة التي عن يمينه وعن شماله هم بنوه، فأهل اليمين أهل الجنة، والاسودة التي عن يساره أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى».
وكيف يصح هذا الرأي عن أولئك الأجلة. وهو مناقض لظاهر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
فمن الآيات القرآنية المناهضة له قوله تعالى: «إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا» (النساء).
فهذه الآية صريحة في مناقضة ما ذهب إليه أصحاب هذا الرأي من أن جهنم طبقة من طبقات النار السبع، وأنها مخصوصة بعصاة المؤمنين، وأن المنافقين لهم الهاوية.
ومنها قوله سبحانه: «إن الذين ياكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا» (النساء)؛ إذ هو يخالف أيضا هذا المذهب في كون السعير طبقة خاصة بالصابئين.
ومنها قوله: «فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا، وأما الفاسقون فكانوا لجهنم حطبا» (الجن)؛ إذ هو ي بين أن جهنم ستكون مأوى للكافرين والمشركين لا لعصاة المؤمنين كما يزعم هذا الرأي.
ومنها قوله تعالى: «وكفى بجهنم سعيرا» (النساء) وقوله: «وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبيس المصير إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا؛ وهي تفور تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير، قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال  كبير، وقالوا لو كنا نسمع أو ونعقل ما كنا في أصحاب السعير، فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير» (الملك)؛ إذ هما يدلان بصراحة على اتحاد مدلول جهنم والسعير على خلاف ما ذهب إليه ذلك الرأي.
ومن أحاديث النبوة المبطلة لهذا المذهب ما جاء في حديث الإسراء والمعراج في بعض رواياته: «ثم أتى (أي النبي) على واد؛ فسمع صوتا منكرا، فقال: يا جبريل ما هذا الصوت؟ قال: هذا صوت جهنم تقول: يا رب ائتني أهلي وبما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وجحيمي وغساقي وغسليني، وقد بعد قعري، واشتد حري. قال: لك كل مشرك ومشركة، وخبيث وخبيثة» (الحديث).
فهذا الحديث يدل على أن كلا من الجحيم والسعير صفة من صفات جهنم لا أنهما طبقتان مخالفتان لها.
وعلى كل حال فظاهر القرآن والحديث يدل على أن هذه الأسماء تستعمل تارة على أنها من أوصاف النار، وتارة على أنها أعلام للنار مرادفة لها.
ثم ألا يكون اختلاف أصحاب هذا الرأي في توزيع الأرقام والمعذبين على هذه الدركات من أقوى الأدلة على بطلان ما ذهبوا إليه، فنحن نجد أنه بينما البعض كالضحاك يعطي للحطمة مثلا رقم ثلاثة كما في أبيات الشيخ الأمير، يعطيها البعض الآخر رقم: 4، وبينما يمنح البعض للجحيم رقم: 2 يختار لها غيره كالكلبي رقم: 6، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذا القول لا ينبني على أساس، وليس له ما يسانده من عقل أو نقل.

2) صورة  الجحيم:
وحتى إذا ما انتهينا إلى هذا الحد وأصبحنا على بينة من مدلول الجحيم فلنتساءل: ما هي صورة الجحيم كما رسمتها كتب الحديث؟
والجواب أن الدارس لكتب السنة التي ترتقي آثارها عند نقاد الحديث وحفاظه إلى درجة الاعتبار يرى أن تلك الآثار لا ترسم صورة واحدة للجحيم فحسب ولكنها ترسم لها صورتين تختلف إحداهما عن الأخرى تمام الاختلاف شأنها في ذلك شأن الآيات القرآنية.
فهي تارة تصورها في شكل مهواة بعيدة القعر، متعددة الأبواب، مترامية الأطراف، شديدة الظلمة، ملتهبة النيران، عظيمة الحر، تعلوها سرادقات من سحب دخانية سوداء كثيفة ينتظر المعذبون أمطارها حتى إذا ما فعلت زادت نارهم التهابا، وضاعفت سلاسلهم وأغلالهم، وتتخلل مفازاتها جبال نارية مفزعة يرمى من قممها المعذبون، وجبال مخيفة، وأودية موحشة ملئت كلها صديدا ودموعا وقاذورة، وتنتشر في جنباتها حيات كاليخت وعقارب كالبغال، وهوام سامة تجد لذتها في اللدغ واللسع والنهش، ليس لنيرانها من وقود سوى أجسام العصاة وكتل الصخر والكبريت، في أصلها، بالرغم من النيران العظيمة، شجرة غريبة الشكل كريهة المنظر، خبيثة الأكل، يتناول منها الظالمون، ثم يشربون من غساق وغسلين وحميم؛ فتتمزق أمعاؤهم، يدخلها أهلها في أشكال غريبة، وأوضاع متنوعة؛ فمنهم من يسحب، ومنهم من يلقى، ومنهم من يكبكب إلى غير ذلك من الكيفيات، حتى إذا ما اداركوا فيها جميعا واشتد بهم العذاب أخذوا يدعون فلا يسمع لهم دعاء، ويستغيثون فيزداد لهم العذاب، ثم يوتى بالموت على شكل كبش فيذبح على مرأى منهم كعلامة للخلود فيما هم فيه، تتشوه أجسامهم فتنمو في غير ما تناسق، وتسود على شكل رهيب حتى تصبح مناظرهم موحشة، ومشاهدهم مفزعة، يسلط عليهم البكاء إلى أن يبكون الدم، وهم مع كل هذا ليسوا متساوين في العذاب بل كل حسب جرائمه ومخالفاته، قد وكل أمر المهواة إلى ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم، بيدهم مقامع وسلاسل وأغلال يتولون بها تعذيب العاصين.
ولعل ألطف ما في هذه الصورة أن تلك المهواة قد أحيطت بمغريات ومفاتن جعلت الناس يقبلون عليها إقبالا عظيما غير مبالين في داخلها من مكاره وأهوال، وبما ينتظرهم هناك من عذاب ومحن.
وأين تقع المهواة؟ إنها قريبة من الجنة بحيث يتحدث أهلها مع أهل دار النعيم، أما جهتها أو مكانها فهذا ما لم يرد به أثر صحيح.
وهذه بعض الأحاديث التي تكون هذه الصورة سأسوقها من كثير من كتب الحديث مقتصرا على أقصر الروايات:
«سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوتا هاله؛ فأتاه جبريل عليه السلام؛ فقال رسول لله: ما هذا الصوت يا جبريل، فقال: هذه صخرة هوت من شفير جهنم من سبعين عاما، فهذا حين بلغة قعرها، فأحب الله أن يسمعك صوتها» (مسلم والطبراني) «ناركم هذه التي توقدونها جزء من سبعين جزء من جهنم» (مالك والبخاري ومسلم وغيرهم) «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء كالليل المظلم» (الترمذي والبهقي وابن ماجه) «ينشئ الله سحابة سوداء مظلمة؛ فيقال: يا أهل النار أي شيء تطلبون، فيتذكرون بها سحابة الدنيا فيقولون: يا ربنا الشراب، فتمطرهم أغلالا تزيد في أغلالهم وسلاسل تزيد في سلاسلهم الحديث (الطبراني) «إن لجهنم لجبابا في كل جب ساحلا كساحل البحر فيه هوام وحيات كالبخت، وعقارب كالبغال، فإذا سأل أهل النار التخفيف قيل: اخرجوا إلى الساحل فتأخذهم تلك الهوام بشفاههم وقلوبهم وما شاء الله من ذلك الحديث» (ابن ابي الدنيا) «من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاع أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم «سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة» (البخاري) «ويل، واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره» (أحمد و الترمذي) «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: وقودها الناس والحجارة؛ فقال: أوقد عليها ألف سنة حتى احمرت الخ  حديث البيهقي.
«لو أن رجلا من أهل النار أخرج إلى الدنيا لمات أهل الدنيا من وحشة منظره ونتن ريحه» (ابن أبي الدنيا) «إن أهون أهل النار عذابا رجل في أخمص قدميه جمرتان يغلى منهما دماغه كما يغلى المرجل بالقمقم» (البخاري ومسلم) «منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته ، ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته» (مسلم) «يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود لو أرسلت فيها السفن بحرت» (ابن ماجة وأبو يعلى) «أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط» (البخاري ومسلم) «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات حتى لقد كاد أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها» (أبو داود والنسائي والترمذي) «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت في صورة كبش حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت. فيزداد أهل الجنة فرحا، ويزداد أهل النار حزنا» (مسلم).
وقرب الجحيم من الجنة المستفاد من هذا الحديث هو ما تشير إليه آيات القرآن بحسب ظاهرها؛ مثل قوله تعالى: «ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا، قالوا نعم، فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون وبينهما حجاب الآيات» (الأعراف) وقوله: «فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب» (الحديث) وقوله: «فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون؛ قال قائل منهم أنى كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما إنا لمدينون، قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرآه في سواء الجحيم» (الصافات).
وكل هذا لا يدل على القرب الحقيقي، لأن أمور الآخرة –كما سنرى بعد- على غير المعهود. والمحادثة والمكالمة والمحاجة بل وحتى الرؤية قد تتم مع تباعد المنازل والديار كما أثبت ذلك العلم الحديث في عصرنا هذا.
وتارة أخرى تبين الأحاديث الجحيم في شكل مخلوق عظيم هائج تأخذ بأزمته أمة من الملائكة؛ فتحد من هيجانه، له إرادة وعقل، وإدراك ومنطق يكاد يتميز غيظا لدى رؤية ضحاياه، لا يكفيه منهم عدد، لذلك هو دائما يطلب المزيد.
وهذه بعض الأحاديث التي ترسم الجحيم بهذا الشكل: «يوتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» (مسلم) «لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة تبارك وتعالى فيها قدمه، فتقول: قط، قط، وعزتك. ويزوى بعضها إلى بعض» (مسلم) وروي عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: «إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا» (الفرقان)، ذلك إذا جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام يشد بكل زمام سبعون ألف ملك، لو تركت لأتت على كل بر وفاجر.
ثم هل الجنة والنار بصورتيهما مخلوقتان؟ ذلك ما ذهب إليه معظم علماء أهل السنة مستدلين بقصة آدم وحواء وإسكانهما الجنة، وبالآيات والأحاديث الظاهرة في إعدادهما نحو قوله تعالى: «سارعوا إلى مغامرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس الآية» (آل عمران) وقوله: «فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين» (البقرة) وحديث ..«عرضت علي الجنة؛ فتناولت منها عنقودا ولو آتيتكم به لأكلتم منه ما بقيت الدنيا» (البخاري)، وحديث: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها في نفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف» الحديث (البخاري أيضا).
وذهب أكثر المعتزلة إلى أنهما غير مخلوقتين الآن مستدلين بنحو قوله تعالى: «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا» (القصص) بتفسير نجعلها فنخلقها في المستقبل، وأجاب الجمهور عن ذلك بما هو معلوم في محله.
وذهب فريق ثالث من العلماء إلى أنهما مخلوقتان إلا أن أعدادهما لا يتم إلا بعد فناء الدنيا، واستدلوا بعض الأحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم: «من بنى بيتا في المسجد بنى الله له به بيتا في الجنة».
وابن عربي الحاتمي من أصحاب هذا الرأي إلا أن دليله غير علمي؛ إذ هو يستدل بالمشاهدة التي لا يقتنع بها سواه.

3) المقصود من الصورة:
هذه هي الجحيم كما ترسمها كتب الحديث التي ترقى إلى درجة الاعتبار كما أشرت إلى ذلك من قبل وإن كانت لا تخلو من مطعن في جملتها إلا أنه ينبغي التساؤل هل هذا التصوير محمول على الحقيقة، بحيث نقول: إن بجهنم عقارب وحيات وسلاسل وأغلالا وآبارا وديانا وشجرة في أصل الجحيم إلى غير ذلك مما ورد في ألفاظ الحديث؟
إن كثيرا من الذين لم يتعمقوا في الدراسات الإسلامية حملوا ذلك التصوير على الحقيقة، فوقعوا في الخطأ، وتجنوا على الإسلام، وبالتالي عرضوه للنقد والطعن.
والواقع كما يراه السلف الصالح، أن ذلك الظاهر غير مقصود بل ولا يجوز قصده، وذلك لأن أمور الآخرة من عالم الغيب؛ فلا ندري كنهها وصفاتها الحقيقية من الألفاظ المعبرة عنها، والواجب الإيمان بالنصوص مع تفويض أمر الكنه إلى عالم الغيب سبحانه.
والحكمة في خطابنا بذلك الظاهر هي تقريب العذاب الأخروي إلى أذهاننا وأفهامنا؛ فيحملنا ذلك على الخوف والإمتثال، وهذا ما يفصح عنه كلام غير واحد من أئمة الإسلام.
يقول الإمام الغزالي حسبما نقل ذلك عنه شراح البخاري ومسلم لدى كلامهم على حديث: «ناركم هذه التي توقدونها جزء من سبعين جزء من نار جهنم»، «نار الدنيا لا تناسب نار جهنم، ولكن لما كان أشد عذاب الدنيا عذاب هذه النار عرف عذاب جهنم بها، وهيهات لو وجد أهل  الجحيم مثل هذه النار لخاضوها هربا مما هم فيه».
وأسلوب التقريب والتفهيم بحمل المجهول على المعلوم وإبرازه في صورته أسلوب معروف معمول به عند العرب؛ فلقد تحدث الله سبحانه وتعالى عن شجرة زقوم جهنم، فوصف طلعها بأنه كرؤوس الشياطين، وما ذلك إلا لكون الشياطين وإن لم تكن مرئية مشاهدة فإنها أصبحت متعارفة بين الناس وخاصة منهم العرب يكل بشاعة وقبح.
وهذا الذي ذهب إليه علماء السلف الصالح هو ما تفيده آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
فلقد أشار الله سبحانه في غير ما آية إلى أن جهنم وكذلك الجنة مما تتعذر معرفة كنهه على البشر، ولا طاقة لهم بإدراك حقيقته، وغاية ما ينبغي لهم أن يطلبوه في هذا الباب من علم هو معرفتها بصفاتها الواردة في الوحي أو على لسان النبي صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: «سأصليه سقر، وما أدراك ما صقر»؟ وقال: «فأمه هاوية، وما أدراك ما هية»؟ وقال: «لينبذن في الحطمة، وما أدراك ما الحطمة؟»، وإذا كان المخاطب في هذا كله هو صاحب الرسالة على ما يراه كثير من المفسرين فكيف لغيره أن يتطلع إلى معرفة ما تعذر عليه من أمور الغيب وعالم الآخرة.
ولما ذكر الوحي في صفة النار أن عليها تسعة عشر، وجعل الكافرون والمتشككون يتساءلون: ما هؤلاء التسعة عشر؟ ولماذا كانوا تسعة عشر ولم يكونوا عشرين؟ أما لرب محمد أعوان إلا تسعة عشر؟
بل ذهبوا إلى أبعد من هذا؛ فقال أبو جهل لقريش: «تكلتكم أمهاتكم أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد من هؤلاء الخزنة التسعة عشر؟ فقال أبو الأسد الجمجي –وكان مشهورا بالقوة والبطش-: «أنا أكفيكم سبعة عشر فأكفوني أنتم اثنين فقط» أنزل الله على سبيل الرد والتوبيخ قوله الكريم: «وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا» (المدكر).
أي ما جعلنا عدة الخزنة بهذا المقدار إلا لتكون النتيجة والعاقبة للوثنيين الجاحدين الجامدين على ما ورثوه من تقاليد، وما ألفوه من تفكير أن يفتتنوا ويضلوا ويزيغوا ويعرضوا فيتساءلون: ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ ما هؤلاء التسعة عشر؟ ولماذا كانوا تسعة عشر؟ إلى غير ذلك من أسئلة السخرية والهزء. أما بالنسبة لأهل الكتاب الذين تمرسوا الوحي وأسلوبه، ولهم عهد بالكتب المنزلة فستكون عاقبة تلك العدة أن يوقنوا بصحتها لورود نظائر لها في كتبهم المقدسة، فكم في هذه الكتب من أخبار عن العالم الأخروي وعالم الغيب أرسل القول فيها إرسالا، وأودعت من الأغراب في الوصف، والإيغال في التمثيل ضروبا وأشكالا، ومع ذلك فقد آمنوا بذلك وحملوه على أنه رموز  وإشارات لا يمكن فهمها على حقيقتها. وكذلك الأمر بالنسبة للمؤمنين؛ فهذه العدة سوف لا تترك في نفوسهم أثرا من شبهة وإن خفيت الحكمة عليهم فيها، بل ستقوى من إيمانهم وتضاعف من يقينهم.
وقال سبحانه متحدثا عن الجنة التي أعدها لعبادة المؤمنين: «فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون» (السجدة).
قال الإمام الزمخشري: «لا تعلم النفوس كلهن، ولا نفس واحدة منهن لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب أدخره لأولئك وأخفاه عن جميع خلقه لا يعلمه إلا هو؛ مما تقر به عيونهم».
وكما أشارت آيات القرآن إلى تعذر معرفة أمور الآخرة بالحقيقة والكنه أشارت إلى ذلك أيضا الأحاديث والآثار فقد أخرج ابن جرير عن التنوخي رسول هرقل قال: «قدمت على رسول الله بكتاب هرقل؛ وفيه: «إنك تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض؛ فأين النار؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! وأين الليل إذا جاء النهار؟
والمعنى كما يقول أبو الثناء الألوسي في تفسيره: «إنه لا معنى لهذا السؤال؛ إذ القادر على أن يذهب الليل حيث شاء قادر على أن يخلق النار حيث شاء».
وفي الحديث القدسي: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».
وهذا يكاد يكون صريحا في أن أمور الآخرة على غير المعهود، وأن ما ورد فيها من ألفاظ لا ينبغي حملها على ظاهرها؛ لأنه إنما قصد بها التقريب والتفهيم، ولم يقصد التصوير المطابق للواقع؛ لأن هذا الواقع مما لا ترقى عقولنا لإدراكه.
وقد رأيت من المفيد أن أسوق في النهاية كلمة في الموضوع للشيخ المرحوم عبد القادر المغربي نائب رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق وعضو المجمع  اللغوي بالقاهرة سابقا أوردها لدى تفسيره قوله تعالى في سورة الحاقة: «وأما من أوتي كتابه بشماله... الايات» قال: «وبعد، فإن ما أتى على ذكره كتاب الله من وصف دار النعيم والمنعمين ودار العذاب والمعذبين إنما هو تنزل في الخطاب إلى ما اعتدناه من الأساليب، وتقريب لحقائق الغيب في مألوف التراكيب، وإلا فإن إفهامنا ذلك بالكنه والحقيقة متعذر ما دام العالم الآخر مباينا لعالمنا في سننه ونواميسه وطبيعته التي ركبها الله فيه. وكما يستحيل على الكاتب –مهما تفنن في الوصف- أن يفهم غلاما فاقدا إحدى الملذوذات الجسدية حقيقة تلك اللذة قبل بلوغه زمنها، كذلك يستحيل علينا أن نفهم حقيقة نعيم الدار الآخرة وعذابها قبل بلوغنا زمنهما .
ثم إن عجزنا عن تعقل الجنة والنار بكنههما وحقيقتهما لا يستلزم انتفاء وجودهما ما دام الوارد بشأنهما غير محال عقلا، إذ كم من أمر ثابت الوجود في دنيانا هذه، بل يكون علمنا به بديهيا أحيانا لا نقدر أن نتعقله بكنهه، وإنما نتعقله بأثره الصادر عنه والدال عليه، لا نمثل لك بالكهربائية والأثير والمادة وأجزائها الفردة التي تتركب منها مما لا يزال مجهول الحقيقة في العالم الطبيعي، وإنما نحيلك على نفسك التي بين جنبيك؛ فإنك بالطبع تعترف بأنها موجودة، لكنك تعجز وتفحم إذا قلنا لك صفها لنا وصفا يوصلنا إلى كنه أمرها وحقيقة سرها، وكل ما تقدر عليه من التعريف بها هو قولك: إنني أريد، وأفعل، وأهم، وأعمل، وأنسى، وأتذكر، وأفكر، وأتصور، وكل ذلك لا يكون إلا بقوة موجودة بالفعل في بدني تصدر عنها تلك الآٍثار؛ إذ لا يصدر موجود عن معدوم ولا سيما أن تلك القوة إذا زايلت بدني لم تعد تلك الآثار تصدر عنها، مع أن البدن سالم لم ينقص منه شيء. تأمل –يا أخي- ثم اعترف معي بأن للدين مجهولات، كما أن للعلم مجهولات، وإنه ليس من الانصاف أن نطأطئ رؤوسنا بين يدي الثانية ثم نشمخ بأنوفنا أمام الأولى.

1 - الحجزة والجمع حجز كغرفة وغرف معقل الازار، ومجمع سند السراويل.
2- أصل هذا التنظير لأبي حامد الغزالي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here