islamaumaroc

السلطان المولى سليمان مفخرة من مفاخر الدولة العلوية

  دعوة الحق

العددان 156 و157

الكل يعرف أن وجود هذه الدولة جاء في وقت الحاجة الملحة، حيث بلغ الحال بالبلاد المغربية و الدولة المغربية ان تفرقت و تشتت و اصبحت شبه ملوك الطوائف، يكاد التلف ان يطويها طيا، كما طويت عدة دول و اندثرت عدة امم!
جاءت الدولة العلوية فشرعت اول ما شرعت في ضم الصفوف و القضاء على التفرقة و تطهير البلاد شرقها و غربها جنوبها و شمالها من نفوذ و سيطرة المتطاولين على حقوق هذه الدولة، التي عرفت في مختلف العصور بالامجاد و الوحدة و العظمة، ليست هذه المهمة سهلة المنال، بل انها من الصعوبة بمكان، تحتاج الى جهد و قوة ارادة و مقاومة و سياسة و مغامرة و ، و .. و لقد بذل الاولون من رجالات هذه الدولة جهودا مضنية و مشكورة، حتى العهد الاسماعيلي الزاهر حيث تحققت وحدة المغرب الكبرى و هيبة السلطان العظمى.
جاءت الدولة العلوية لتطهير جوانب البلاد المغربية برا و بحرا من الدخلاء الاجانب الذين تسللوا تاة خفية ، و تارة جهارا، في عهد الانحلال و التفرقة؟ فاحتلوا عدة جوانب و شواطئ، من المغرب العزيز، فاستعمروها و استوطنوها ، و اصبحت كلمتهم نافذة المفعول ، و رغم مقاومة عدة رجالات من المرابطين المكافحين المجاهدين الذين بذلوا انفسهم و اموالهم و كل عزيز وغال عليهم في سبيل نصرة الاسلام، و تطهير بلاده من الكفر و عبدة التثليت، فقاوموا الكفر و جاهدوا الاحتلال، و رابطوا ما شاء الله ، فضيقوا على المحتلين الخناق، و بذلك تخففت الوطأة في الجملة، و لكن الحمل الثقيل و العبء العظيم من هذا الجهاد، و هذا الكفاح و هذا الرباط قضى عليه القضاء المبرم، الملوك العلويون بمجهوداتهم الجبارة ، و حميتهم و غيرتهم على دين الله، و شريعة رسوله في بلاد المغرب المسلمة.
جاءت الدولة العلوية فوجدت الثغور و المراسي و الأبراج "و السقلات" بدون حمية، بدون دفاع، بدون جند، بدون سلاح ! فشرع ملوك الدولة العلوية في مختلف عصور توليتهم ، و عقب توحيد الدولة و القضاء على الخوارج و المتسلطين. شرعوا في اقامة الابراج و بناء القلاع ، و انشاء الثكنات بكل انحاء المغرب، جهزوا الكل بما يحتاج من قوة و عدة و عدد حفظا للكرامة، و دفعا لشرور المحتل الغاصب، و القضاء على المتسلط الغاصب.
جاءت الدولة العلوية فوجدت البلاد في حاجة ماسة الى نشر التعليم والفضيلة، و القضاء على الجهل والرذيلة، الى تكوين اطر ادارية لسيره، و جهادية للدفاع عن كرامته، و دبلوماسية للتعريف بوجوده للدفاع عن كرامته، و دبلوماسية للتعريف بوجوده و كيانه، فانشأت الجيوش و هيأت الجماعات تلو الجماعات بالداخل و الخارج، و في مختلف المستويات، حيث نظمت البلاد تنظيما اداريا ، يسير شؤون الدولة في اتزان و اعتدال، و عملت على حفظ الثغور، فرممت و انشأت القلاع و الابراج هنا و هناك و سلحتها بالمدفعية و ما اليها ، و ملاتها بانواع الجيش "طبجية و بحرية" و جيش منظم مجهز برا و بحرا: و ما الى ذلك ، كما فتحت للطلبة المدارس المختلفة و جلبت اليها الاساتذة و العلماء، من كل الجهات للعمل على احياء ما اندثر من ماثر الدولة المغربية – مع نشر الدعوة المحمدية و احكام الشرع المطاع بسائر الاوساط. و العمل على القضاء على الاعراف المبتدلة "بزرف" الذي يتخذه الجهلة ورؤوس الفتن في بعض القبائل ابان الانحلال و الاحتلال، فعمت الاحكام الشرعية سائر اطراف البلاد، و عمت احكام الدولة سائر الارجاء، و طمأنت السابلة، و تنفس الشعب الصعداء.
جاءت الدولة العلوية و المغرب يعيش في دوامة، قتل و نهب، سلب و فتك قطاع طريق، اختطاف اموال هتك اعراض بحيث كان المغربي يعيش تحت رحمة القدر، لا من يحميه و لا من ينصره ، و لا من يأخذ حقه، و لا من يكف عنه يد الاثم و العدوان. فقام سلاطين الدولة العلوية بتعيين العمال و القواد و القضاء و رؤساء الجيوش موزعين على انحاء البلاد للوقوف في وجه المعتدين، و نشر الوية العدل و الطمأنينة بين طبقات السكان، فيأمنون على أنفسهم و أموالهم و أعراضهم، و بذلك استبدلت الامة المغربية الخوف و الفزع بالامن و الطمأنينة و الاستقرار و العيش الهانيء، في ظل الدولة العلوية المجيدة.
جاءت الدولة العلوية فوجدت معالم الحضارة تخربت و تهدمت و اهملت، المساجد و المعاهد و المدارس في ضياع و تلف، الحصون و الابراج و الثكنات خبرا بعد عين ، فجددت الماثر و اضفت على الكل يد التجديد و التطور و اضافت اليها في عهود مختلفة ما يؤازرها و يساندها، و يحيي مجدها، شيدت القصور و المنتزهات هنا و هناك، جلبت لصنعها الفنانين و اضفاء فن العمران و التجديد فيها، و استخدمت في هذا الميدان المهرة من الاسرى الاوربيين الذين كانوا في حوزتها و تحت حكمها و قهرها حتى اصبح المغرب، المدن ، و القرى، في حلة قشيبة، عمرانا و حضارة ، و رقيا و حفاوة ، و امجادا خالدة، تشهد لاصحابها بالذوق السليم ، و المدنية المركزة على اسس العدل و الرفق و الحضارة.
جاءت الدولة العلوية فوجدت الجهل يعشش و يفرخ بشتى النواحي، و المحتالون المدلون .............. الجماهير العامية للوصول الى ماربهم و مصالحهم و منافعهم، فقضوا على اصحاب الدعاوة المغرضة، و تمكنوا من الضرب على يد المتلاعبين .................الجوفاء ............هذا ...........................حتمية لوجود هذه الدولة بالمغرب، انه امر واقع و محسوس ليس فيه ضرب من التغالي او التزلف، او التستر، نعم اخترت من بين هذه المجموعة من الملوك العلويين منذ نشأتهم الاولى، حتى اليوم بمناسبة ذكرى العرش المغربي الخالد الذي يرفع بنيانه و يجدد محاسنه الحسن الثاني دام له التوفيق و النصر.
اخترت من بين سلاطين هذه الدولة السلطان المسلم السلفي المولى سليمان للمزايا التي امتاز بها و شهر.
نقلا عن صاحب الاستقصا المؤرخ الشهير احمد بنخالد الناصري في الجزء الثامن من مؤلفه صفحة 169 طبع البيضاء.
قال ما نصه:  
لما بويع امير المؤمنين المولى سليمان رحمه الله رد الفروع الى اصولها، و اجرى الخلافة على قوانينها، باقامة العدل و الرفق بالرعية و الضعفاء و المساكين، و من وفور عقله و عدله "اسقاط المكوس" التي كانت موظفة على حواضر المغرب في الابواب و الاسواق، و على السلع و الغلل، و على الجلد و عشبة الدخان، فقد كان يقبض في ايام والده رحمه الله : خمسمائة الف مثقال معلومة مثبتة في الدفاتر مبيعة في زمم عمال البلدان، و قواد القبائل كل مدينة و ما عليها ، و من ذلك المكس كان صيار العسكر، في الكسوة و السروج و السلاح و العدة و الاقامة و الخياطة و التنافيذ لوفود القبائل و العفاة و المؤونة للعسكر و لدور السلطان و سائر تعلقاته.
فكان ذلك المكس كافيا لصوائر الدولة كلها، و لا يدخل بيت المال الا مال المراسي و اعشار القبائل، فزهد فيه هذا السلطان العادل "لما فيه من مخالفة لنصوص الشرع" فعوضه الله اكثر منه في الحلال المحض الذي هو الزكوات و الاعشار، من القبائل و زكوات اموال التجار، و العشر الماخوذ من بحار النصارى و اهل الذمة بالمراسي، و اما المسلمون فقد  منعهم من التجارة في ارض العدو لئلا يؤدي ذلك الى تعشير ما بأيديهم او المشاجرة مع الاجناس، هكذا بلغنا و الله اعلم ، و كانت القبائل في دولته قد تمولت و نمت مواشيها و كثرت الخيرات لديها من عدله و حسن سيرته، فصارت القبيلة التي كانت تعطي عشرة الاف مثقال مضاربة ايام والده ، يستخرج منها على النصاب الشرعي عشرون او ثلاثون الف مثقال، و ذلك من توفيق الله له و تمسكه بالعدل و الحلم و الجود و الحياء و جميل الصبر، و حسن السياسة ، و التأني في الامور، و اجتنابه لما هو بصدد ذلك.
اما الحلم فذاك دأبه و طبعه، و قد اتفق اهل عصره على انه كان احلم الناس في زمانه و املك لنفسه عند الغضب من ان يقع في الخطأ ، و مذهبه درا الحدود بالشبهات، و التماس التأويل و قبول العذر، حتى حكي عنه انه رحمه الله ما اعتمد البطش باحد، و تصدى لنكبته لغرض نفساني او لحظ دنيوي، و حسبك من حلمه ما قابل به الخارجين عليه؟.
ثو يقول اما الدين و التقوى فذلك شعاره الذي يمتاز به، و مذهبه الذي يدين الله به، يعظم العلماء الذين هم ورثة الانبياء، و يرفع مناصبهم حتى لقد تنافس الناس في اقتناء العلوم و انتحال صناعتها لاعتزاز العلم و اهله في دولته و سعة ارزاقهم.
و اما صبره على الشدائد و احتمال العظائم و تجلده عند حلول الخطب و نزول المقدور فحدث عن البحر و لا حرج و عن الجبل سكونا، و رسوخ قدم.
قال صاحب البستان : لو حدثنا بما شاهدناه منه لكان عجبا، اما العدل فكان ما ريء في ملوك عصره اعدل منه، و من عجيب سيرته انه كان يلزم العمال برد ما يقبضونه من الرعايا على وجه الظلم، من غير اقامة بينة عليهم على ما جرى به عمل الفقراء من قلب الحكم على الظلمة و اهل الجور حسب ما ذكره الونشريسي و غيره، و من عدله ما حكاه لنا الفقيه ابو العباس احمد بن المكي الزواوي المؤقت بالمسجد الاعظم بسلا قال: مر السلطان مولاي سليمان بسلا سنة ست و ثلاثين و مائتين و الف، فنزل برأس الماء، و استدعاني للقيام بوظيفة التوقيت عنده، قال: فدخلت عليه فاذا هو رجل طويل ابيض جميل الصورة، ففاوضني في مسائل من التوقيت، و كان يحسنه، فاجبته عنها، فاعجبه ذلك، ثم وصلني بضبلونين و اخرج مجانته من جيبه ليحققا فرأيت مجدولها من صوف، ثم حضرت صلاة العصر، فتقدم وصلى بنا فرايت سراويله مرقعة ! و عقب الصلاة رجعنا لمنازلنا فجيء بالطعام ، وهو قصعة من الكسكس عليها شيء من اللحم و الخضرة، و ليس معها غيرها. و كانت عادته في السفر الا يتخذ "كشينة" أي مطبخا انما هو طعام يسير يصنع له، و لبعض الخواص مما يكفي من غير اسراف، حتى ان الكتاب كانوا يقبضون شت "موزونات"و يعولون انفسهم.
اما سياسته في جبر الخواطر ، و جلب القلوب و ائتلاف الشارد، و تسكين المرتاب و ارضاء الولي و مجاراة العدو، و الدفاع بالتي هي احسن عند اشتباه الامور، و معاناة الرجال بوجوه المكائد و الحيل في الامور التي لا ينفع فيها الحرب و لا القوة، فشيء لا يبلغ فيه شأوه، و لا يشق غباره.
اما عاداته في الحروب فقد اخذ فيها بسيرة العجم، بحيث لا يباشر الحروب بنفسه، و يعمل بعمل اهل الصدر الاول، فيقف في قلب الجيش كالجبل الراسي، و امراؤه يباشرون الحروب ميمنة و ميسرة، وهو رديء لهم كلما رأى فرجة سدها او خللا اصلحه، وهو كالصقر مطل على حومة الوغى فاذا امكنته فرصة انتهزها.
اما جمعه لاشتات العلوم فلقد كان وارثا من ورثة الانبياء، حاملا للواء الشريعة جامعا مانعا اذا بوحث في الاخبار كان كجامع سفيان، او في الاشعار فكنابغة ذبيان، او في الفنة و الفراسة، فكااياس، او في النجدة و الراي كالمهلب، و اذا خاض في السنة و الكتاب ابدى ملكة مالك و ابن شهاب، و او تصدى في الفقه للفتوى و التدريس لم يشك سامعه انه ابن القاسم او ابن ادريس، و اذا تكلم في علوم القران انهل بما يغمر مورد الظمآن.
قال صاحب البستان و لا يعرف مقدار هذا السلطان الا من تغرب عن الاوطان، و حمل عصا التسيار، و رمت به في الاقطار الاسفار، و شاهد سيرة الملوك في العباد، و ما عمت به البلوى في سائر البلاد، و لا يتححق اهل المغرب في عدله الا بعد مغيبه و فقده !
 المرء ما دام حيا يستهان به
                        و يعظم الرزء فيه حين يفتقد
اما ماثره العمرانية فاكثر من ان تذكر فتشكر، و جلها باقية خالدة ، يرفع فضل العمل بها لصحيفته النقية.
ثو يقول صاحب الكتاب:
و ختم ديوانه بالحسنة العظمى و المنقبة الفخمى، وهي عهده بالخلافة لابن اخيه الشهم المولى عبد الرحمن بن هشام، على كثرة اولاده ووجود بعض اخوته، و لعمري ان هذا العهد لمنقبة جليلة للعاهد و المعهود، اما العاهد فانا لم نسمع بعد امير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه باحد من خلفاء الاسلام و ملوكه عدل بولاية العهد عن ولده المستحق لها الى غيره، حتى كان هذا الامام الجليل الذي احيي سيرة العمرين، نعم قد عهد سليمان بن عبد الملك لابن عمه عمر بن عبد العزيز رحمهم الله.
و اما المعهود اليه فان في العهد اليه دون الابناء و الاخوة شاهد على كمال فضله و احرازه لخلال الخير و تبريزه فيها على من عداه من بني ابيه و عشيرته، و  لعمري ان ذلك لكذلك، فان المولى عبد الرحمن بن هشام قد اشتهرت ديانته و امانته عند القاصي و الداني، حتى صار لا يختلف فيه اثنان.
و يقال من برور جلالته بهذا الخلف الصالح انه طيب الله ثراه، وجهه ضمن قافلة اولاده البررة لاداء فريضة الحج، وزوده ببضاعة ينفق منها في سفره، و لكنه لما اب منه اتاه بتلك البضاعة على حالها ! معلنا انه كان يتزود لهذا الغرض الشريف منذ امد حتى تجمع له ما انفقه في هذا السبيل، و قد حصلت الكفاية شاكرا لجلالته بروره و رعايته. فعجب من امره و حزمه، و ازداد له حبا و تقديرا و اعتبارا، كما اسند اليه مسؤولية الولاية اولا بالصويرة ثم بفاس، فكان في الجميع مثال الحزم و النزاهة و الاقتدار.
ثم اعود فانقل لقراء المترجم له صاحب الجلالة المولى سليمان قدس الله سره، ما قاله الاستاذ بلقاسم ابن احمد  الزياني في "البستان الظريف في دولة اولاد مولاي الشريف"  "للمشرفي".
تربى فتيا و الشبيبة فتنة
                    فلم ير الا في اجتهاد المذاهب
سليمان ذو علم و عدل و حكمة
                    و هدي ورشد للظلوم المحارب
يقول : فكان وحيد عصره في الاعتناء باقتناء العلوم بالمغرب و سعي في تقريب كل ماهر و مطلب، و جمع ائمة الحديث، و لازال منصور الراية، قامعا لاهل الطغيان و الغواية، محسنا للرعية، باثا عدله فيما بنهم بالسوية، و عندما كثرت الفتن و تعددت الخوارج قال: ما وجدت معينا على الحق و كم مرة تحدثني نفسي ان اترك هذا الامر، و اتجرد للعبادة حتى اموت مستريحا من المسؤوليات :
و يقول المؤرخون انه رحمه الله عندما سئم الحياة، و مل العيش، و اراد ان يترك امر الناس لابن اخيه المولى عبد الرحمن ابن هشام، و يتخلى هو لعبادة الله حتى يأتيه اليقين، قال ذلك غير ما مرة، و تعددت في هذا رسائله و مكاتبه فمما كتبه في ذلك وصيته التي يقول فيها:
الحمد لله ، لما رايت ما وقع من الالحاد في الدين، و استيلاء الفسقة و الجهلة على امر المسلمين،وقد قال عمر ان تابعناهم على ما لا يرضى و الا وقع الخلاف. و اولئك عدول و هؤلاء كلهم فساق، و قال عمر فبايعنا ابا بكر فكان و الله خيرا.
الى ان قال: و لن تزال هذه الامة بخير ما اخذوا بالكتاب و السنة و قد عهدت لابن اخي مولاي عبد الرحمن ابن هشام و رجوت الله ان يكون لي في هذا الامر مثل ما لسليمان بن عبد الملك في عهده لعمر بن عبد العزيز، و يقول وقد اديت لامة رسول الله صلى الله عليه و سلم، ما علي من النصيحة، و ارجو الله ان يثيبني بهذه النية الصحيحة وهو المطلع على ما في الضمائر، و العالم بالاسرار، و السلام" ربيع 1 عام 1238 ه.
و تمادى السلطان مولاي سليمان في مرضه الى ان توفي يوم ثالث عشر ربيع 1 من نفس السنة،و مات وهو ثابت الجنان صحيح الذهن على غاية من اليقين و الفرح بلقاء الله، و دفن بضريح جده المولى علي الشريف بباب ايلال من مراكش ه.
و يقول في كتاب "التاج و الاكليل":
و اما تنزيله و تواضعه في رسائله لاهل مودته فشيء يسلب الوقار، و يفعل في العقول ما يفعله العقار، فالقت العلوم اليه زمامها، و اصبح لائمة الانام حجتها و امامها، فقد احيى الله به من سلف من سيرة التابعين و لسلف، و شيد به ركن الدين، وثل به عرش المفسدين و الملحدين، و اضحك به الاسلام حتى بدت نواجذه ، و احزن به ابا مرة، فهو بناحيته اخذه، وقد اقامه الله بين ابناء هذا الزمان.. الكثير الاشقياء الاغبياء، القليل النصحاء و الاولياء، حاملا للواء الشريعة، قامعا لاهل الباطل و الخديعة، و لولاه لاكل القوي الضعيف، و دعا داعي التبديل و التحريف، يتقلب بين سهل و جبل، و يظعن في حروقه ووحل، من الشروق الى الغروب. و من الشمال الى الجنوب، لاقامة حق الغني و الفقير، و لا معين له و لا مشير، يحرس غنما في وهاد و شعاب، و جبال شامخات صعاب رعاتها اسد و نمر و ذئاب، لا ينام و لا يستريح طول يومه في تعب و نصب و تبريح، لا وزير ناصح يعتمد و يعينه، و لا امير صادق يدمغ المبطل و يهينه، و لا قاضي عادل لا تأخذه في الله و لا في الحق لومة لائم، و لا يحوم حوله بالدينار و الدرهم حائم، و لا مفتي يعمل لله بفتواه بل لا يكتب حتى يحصل ما يرضاه. ولا محتسب يكف عن اكل اللحم السمين و العسل ، و يقنع باكل الخبز بالزيت و الخل و الملح و البصل، كما كان عليه من سلفخلفا عن سلف، و لا امين عفيف يتحاشى عن الغش و التدليس و الخيانة و التفرنيس ! و لا يتبع القواعد التي قررها عبد النبي بنيس، فبقي اعانه الله بين القوم فردا فريدا، و اماما وحيدا، في زمن علماؤه لصوص، و تجاره عن الصدق نكوص، و سفهاؤه كالبنيان المرصوص، وقد اخرنا الدهر حتى شاهدنا منهم ما لم يكن لنا في حساب، و رمونا بالافك و سهام الاباطل التي انكرها ذوو الالباب، فمن تمسك بالحق رفضوه، و من امر بالمعروف و نهى عن المنكر زندقوه، و من خالف مذهبهم فسقوه، و شتتوا شمله و عرضه..
و يقول صاحب كتاب "الحلل البهية في تاريخ ملوك الدولة العلوية":
تولى ملك المغرب الملك التقي الورع المولى سليمان في عام 1206 ه و انتقل للدار الاخرة في 13 ربيع الاول عام 1238 ه فتكون مدة ولايته 32 سنة.
و يقول مؤلف كتاب "ثلاثة قرون و عشر سنوات عن تاريخ الدولة العلوية" ما نصه:
همة الدولة العلوية منذ نشأتها هو الشروع في الوقفة الحاسمة و القضاء على كل عناصر التفرقة، وهي مرتبة حاسمة في تاريخ المغرب، فعند دخول القرن الحادي عشر اصبح المغرب يجني بعض ثمار الوحدة المغربية، حيث قضى على كل الامارات الطائفية، التي كانت تمزق وحدة المغرب، و قضى ايضا على المستعمرين بابعادهم و طردهم عن اطراف البلاد وهم من شتى الدول الاوربية، فالمولى الرشيد قضى على العدوين اللذوذين الفوضى و الانحلال و الخراب الاقتصادي، و العدو الاجنبي المحتل للثغور، اما المولى اسماعيل العظيم، فهو منظم الدولة، و رافع شأنها، و ناشر الامن و الطمأنينة بسائر ربوعها، و منشئ الجيوش و القلاع و الحصون لاعزاز كرامتها، و حفظ كيانها، و لم يقف عند هذا الحد ، بل برز بالدعوة الاسلامية يدعو بها ملوك اوربا و قساوستها للدخول في الاسلام، دين الحق و الهدى، اما محمد بن عبد الله فلم يقف جهده عند تنظيم الجيوش برا و بحرا، بل تجاوزه الى فك اسر المسلمين ثم اضاف لذلك المكارم و المفاخر فزود ملوك بني عثمان خلفاء المسلمين بالمال و العدة لمساندتهم في الوقوف ضد المغيرين على بلادهم، اما المولى سليمان صاحب الترجمة ، فقد طهر جوانب البلاد من العدو و الشعوذة ، و رجع للامة المغربية نظارتها و بهجتها، ففي حوالي خمس سنوات مضت على ملكه استطاع استرجاع وجدة و قبائلها و سهولها من يد مغتصبها، و لقد كان هذا الملك الورع و الامام العدل و السلفي الصريح متمسكا شديد التمسك بالاحكام الاسلامية لا ينبغي بها بديلا.
كتعليق على المقال : انقل ما حرره الاستاذ محمد الاخضر منشورا بمجلة دعوة الحق، العدد 2 من سنة 16 الجارية قال باللفظ :
حول المولى سليمان – منجزاته في الميدان الثقافي
كان مولاي سليمان عالما، قبل ان يكون ملكا فانه عمل بالخصوص في الميدان الثقافي: زار مرات
عديدة "جامعة القرويين" و حضر مجلس اعلامها و ناقشهم في اعوص المسائل، محاولا ايجاد الحلول المناسبة لها، و كان يزور الفقهاء بنفسه في تواضع كامل متقصيا اخبارهم المادية، و احوالهم الشخصية، و هكذا ذهب لزيارة المحدث ابي زكرياء يحيى ابن المهدي الشفشاوني امام ضريح المولى ادريس، وشيخ الجماعة بفاس التاودي بن سودة، و عاد عبد القادر بن شقرون الفاسي وهو على فراش الموت، ثم حضر تشييع جنازته، و ساعد على وضعه في قبره، و لم ينصرف الا بعد ان تمت عملية الدفن و سوى التراب على القبر .
كما كان يحضر الحفلات التي تقام بمناسبة ختم الدروس العلمية. و يختلط بجمهور الطلبة، دون اية امتيازات رسمية، فنجده يوم 24 شعبان 1211 ه يحضر ختم شيخه الطيب بن كيران تفسير القران الكريم في زاوية ابن رحمون، و عندما اتم محمد الجريري شرحه على قافية ابن الونان المعروفة باسم "الشمقمقية" و اهداه الى مولاي سليمان اعطاه مبلغا من المال مهما مكافأة له على عمله الادبي، و قد اوقف هذا الملك العالم عددا من المخطوطات المهمة، و خص مكتبة اسفي منها بعشرين كتابا.
و من السمات المميزة لمولاي سليمان تصوفه و تعلقه المتين بالمبادئ الصحيحة للاسلام، كذلك حارب بشدة جميع البدع المخالفة للسنة النبوية، و كان اول من رحب بظهور الوهابية في الجزيرة العربية و طبق بالمغرب بعض تعاليمها الصارمة ا ه .
و في عهده رحمه الله صارت تتصاعد الدول النصرانية، و تتطلع للاستعمار، فعهده واكب الحركة الاستعمارية خصوصا في افريقيا السوداء، كما ظهرت في عهده الثورة الفرنسية و برز نابليون بونبارت ، كما واكبت ظهور الدعوة الوهابية بالحجاز، لم يكد يستقر ملك سليمان على عرشه حتى سعى في القضاء على الانحراف، و لم يقف مكتوف اليدين ، امام الدعوة الوهابية ، و ما راج حولها اذ ذاك ، لانها تهم بلاد الله الحرام و شعائر الله المقدسة التي يجب حمايتها و الدفاع عنها و البحث فيما يجري في شأنها و هيأ وفدا من علماء الاسلام بالمغرب لجانب ولده المفدى المولى ابراهيم و من اليه من الاخوة و القرابة و في هذا يقول مؤلف كتاب الاعلام القاضي عباس بن ابراهيم التعارجي المراكشي في الجزء الخامس صفحة 167 و يقص ما حصل لجلالة السلطان في مشكل وجود الوهابية في الحجاز:
فلقد اوفد رحمه الله وفدا من علماء الاسلام بالمغرب يرأسه محمد بن ابراهيم الزداغي قاضي مراكش، و عضوية الفقيه العلامة القاضي عباس بن كيران الفاسي، و الفقيه الشريف البركة سيدي الامين بن جعفر الحسني الرتبي، و الفقيه المؤقت الصادق الامين السيد عبد الخالق الاودي، لجانب ولده البار الامير المولى ابراهيم لاداء فريضة الحج، و الاتصال بالسادات الوهابيين، و التعرف على مذهبهم و نحلتهم، ليصبح على علم و بصيرة من واقع الامر يقول المؤلف، حدث كل واحد منهم انهم ما رأوا من ذلك السلطان سعود ما يخالف ما عرفوه من ظاهر الشريعة، و انما شاهدوا منه و من اتباعه الاستقامة و القيام بشعائر الاسلام من صلاة و طهارة و صيام و نهي على المناكر المحرمة و تنقية الحرمين من القاذورات و الاثام، التي كانت تفعل بها جهارا و بلا انكار ! و ذكروا ان حاله كحال احد من الناس، لا تميزه من غيره بزي و لا مركب و لا لباس، و انه لما اجتمع بالشريف الخليفة مولانا ابراهيم، اظهر له من التعظيم الواجب لاهل البيت الشريف ، و جلس معه كجلوس هؤلاء المذكورين و غيرهم من خاصة مولانا ابراهيم، و كان الذي تولى الكلام معه القاضي ابن ابراهيم الزداغي و كان من جملة ما قال لهم، يعني الملك سعود : ان الناس يزعمون اننا مخالفون للسنة المحمدية فأي شيئ رأيتمونا خالفناه في السنة و أي شيء سمعتموه عنا قبل رؤيتكم لنا ؟ فقال له القاضي المذكور : بلغنا انكم تقولون بالاستواء الذاتي المستلزم لجسمية المستوى ، فقال لهم : معاذ الله، انما نقول كما قال الامام مالك الاستواء معلوم، و الكيف مجهول، و السؤال عنه بدعة، فهل في هذا مخالفة ؟ قالوا لا و بمثل هذا نقول نحن ايضا، ثم قال القاضي و بلغنا عنكم انكم تقولون بعدم حياة النبي (ص) و اخوانه من الانبياء عليهم السلام في قبورهم! فلما سمع ذكر النبي (ص) ارتعد و رفع صوته بالصلاة و السلام على رسول الله و قال : معاذ الله بل نقول انه (ص) و كذلك غيره من الانبياء احياء في قبرهم حياة فوق حياة الشهداء، ثم قال له القاضي : و بلغنا انكم تمنعون من زيارته (ص) و زيارة الاموات قاطبة مع ثبوتها في الصحاح، التي لا يمكن انكارها، فقال له : معاذ الله ان ننكر ما ثبت في شرعنا ، و هل منعناكم انتم لما عرفناكم انكم تعرفون كيفيتها و ادابها . و انما نمنع منها العامة الذين يشركون العبودية بالربوبية. و يطلبون من الاموات ان تقضي لهم أغراضهم التي لا تقضيها الا الربوبية، و انما سبيل الزيارة الاعتبار بحال الموتى، و تذكار مصير الزائر الى ما صار اليه المزور ثم يدعو له بالمغفرة، و يستشفع به الى الله، و يسأل الله تعالى المنفرد بالعطاء، و المنع بجاه ذلك الميت ان كان ممن يليق ان يستشفع به هذا قول امامنا احمد رضي الله عنه و لما كان العوام في غاية البعد عن ادراك هذا المعنى، منعناهم سدا للذريعة، ، فاي مخالفة للسنة في هذا القدر، هذا ما حدث به اولئك المذكورين باجماع ، و اما هذه المذاكرة الصريحة لم يبق لاي مخوض ان يلعب ، فالمذهب مذهب اهل السنة و الجماعة.
اجل لم تقف همة المولى سليمان عند هذا الحد، بل بادر بتوجيه النصيحة السليمانية للشعب المغربي وهي منشورة بنصها في مؤلف الشيخ ابن زيدان : "اتحاف اعلام الناس" الجزء الخامس صفحة 465 فليرجع اليها من يتطلب معرفة محتواها و مغزاها و مرماها.
ان الدولة العلوية لا تزال حتى يوم الناس تسلك سبيل الرشد و الرشاد، و تقتفي اثر اسلافها الميامين، و ما توفقوا اليه من خدمات جلى للدين الاسلامي و امتزاجه بالعرش المغربي الخالد.
فهذا الامام المصلح و المجاهد في سبيل العزة و الكرامة محمد الخامس طيب الله ضريحه ، ضحى بعرشه في سبيل الذود عن كيان المغرب و شرفه، و تطهيره من رجس العبودية و الاحتلال، و كافاه الله بالنصر و التأييد ، فرجع لى المغرب منصورا و معززا و مكرما ، و خلد للاجيال مواقف البطولة و الصمود في سبيل الكرامة و الشرف، وهي نفحة نبوية، و عزة هاشمية سلكها و يسلكها ملوك هذه الدولة ابا عن جد، و ما هي باول بركات ال محمد و لا نبعد كثيرا فموقف جلالة الملك المفدى "الحسن الثاني" صاحب ذكرى الجلوس على هذا العرش الكريم، اجل من ان نذكر ان مواقفه الخالدة، و لا اذكر منها النهضة الفكرية و الاقتصادية داخل البلاد ، و لكنني اخص منها بالذكر ، موقف جلالته من قضية العروبة و الاسلام بالشرق الاوسط، و تكالب الصهاينة و من على شاكلتهم و في ركابهم يعملون ، فانه اعزه الله اهتم كل الاهتمام، و استعد كل الاستعداد منذ النكسة التي حلت بالامة العربية 1967.
فالجنرال الشاذلي رئيس جيوش التحرير بالقناة سابقا، قد عرفنا بما سمعه عند لقائه لجلالة ابان الاستعداد للمعركة، فقد قال عنه : ان جلالته بعد المصيبة التي حلت بالعرب و المسلمين، حلت بنا نحن . و ان اسعد ايامه هو يوم اللقاء للتحرير، و بارك خطواته ، و ما كاد ان يصل في رحلته الثانية لمسقط راسه، حتى بادر صاحب الجلالة بارسال اول تجريدة من خيرة افراد القوة الملكية للرباط بالجولان، و ما انفجرت المعركة الشرقية الخالدة حتى بادر اعزه الله بارسال التجريدة الثانية للقناة، دارت رحى الحرب، و امتزجت دماء الجنود العربية المسلمة فنادى اعزه الله بالتطوع بالدم ، و كان اول من بادر بهذا السخاء ، فاقتدى به الشعب في سخائه ، ثم عقب ذلك بفتح باب الاكتفاء للدعم و العون لابناء الشهداء الميامين، فكانت الدعوة مستجابة، و ها رئيس جمهورية مصر العربية يزوره، و ما بالعهد من قدم فيجد في جلالته كل الاستعداد، للتضحية و البذل في سبيل الكرامة العربية و الاسلامية، فليبارك الله دولة العلويين، و من الله نطلب للجالس على اريكته العون و التوفيق للمزيد في العمل من اجل رفعة كلمة الاسلام، و الذود عن كيانه، و نشر تعاليمه، قياما بما تعهده به سلفه، فيكون احسن خلف لاحسن سلف.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here