islamaumaroc

يخللون…ويقدسون

  دعوة الحق

العددان 156 و157

اعتادت يد التاريخ ان تطوي صفحة من سجل الزمان. و تنشر اخرى. و تمحو رقما من الارقام، و تعوضه باخر، كلما استوفت الايام عدتها، و اتمت الافلاك دورتها، فتشرئب الاعناق استطلاعا !. و تتراقص حبات القلوب اشفاقا .. ! و تتبادل العيون النظرات. و الشفاه البسمات، ثم تسير الحياة سيرها المعهود – بما فيها و من فيها – الى اليوم المشهود .. !
على ان هناك في تاريخ الممل و النحل، و الشعوب و الامم صفحات و معالم، و سنوات و اياما، لا ترفعها رافعة الزمان ..! و لا تخفضها خافضة التاريخ ..! لان الايام استوفت عدتها .. و الافلاك تمت دورتها .. و "اليوميات" بدلت ارقامها..!
و عالم العرب و المسلمين في مشرق الدنيا، و مغربها، كان و ما يزال، على موعد مع التاريخ، يعد لكل غاشية من غواشي الضلال و الفتنة، رداءا من الايمان، و الوحدة، و يجابه كل رادفة من روادف الظلم ، و المكيدة، بما اودع الله فيه من شجاعة في القلوب، و هيبة في النفوس، و جرأة في الحق، و صبر في الشدة، و ثبات عند الابتلاء..!
لهذا كانت يد التاريخ لا تستطيع، و لن تستطيع، ان تطوي من سجل الزمن صفحة رمضان 1393 ه
- اكتوبر 1973 م فيما طوت من الصفحات. و لا ان تدخلها في ضباب الاحداث المتكررة، و الاعمال المألوفة و الحركات العادية للتاريخ..!
انها صفحة الاول المتجدد، و الماضي المنبعث ..!

انها الدليل العملي على ان التمزق كان رجسا من عمل الشيطان..! و مكيدة من مكايد الانسان..! و اضاولة قام على فسادها البرهان..! انها العطاء التاريخي لجدوة العقيدة، التي ظلت متقدة في الضمير المسلم تغذيها الايام بتناقضاتها و الامها، و تنميها الارادة بمحاولاتها، و تجاربها.
انها سجل ذهبي خط فيه ابناء المغرب العربي المسلم الى جانب اشقائهم في العقيدة، و اخوانهم في اللغة و شركائهم في الحضارة و التاريخ، ما خطه الرواد الاخيار، و القادة الابرار، منذ تحملت هذه الامة عبء حماية المقدسات، و الدب عن الحرمات، و نصرة الحق، و الوقوف في وجه العدوان، متحدية انصار البغي و الطغيان..!
و اذا كانت الملابسات المعاصرة قد الفنا منها تسمية الاشياء بغير اسمائها .. فالخداع سياسة.. و النفاق كياسة.. و الغدر تدبير .. و التفاهة تفكير..! فان ذلك ليس الا احبولة يقع فيها عادة اغرار التفكير، و ببغاوات التعبير..!
اذا لماذا لا نسمي الاشياء باسمائها المناسبة، التي تدل وضعا و عرفا على الحقيقة الواقعة، لا على الخيال الوثاب..؟ فحرب رمضان جهاد مقدس، لا من اجل غبار، او بر، او بحر فقط.. و لكن من اجل ان تكون هذه الاشياء وسيلة لهدف اسمى ، و غاية انبل، عرفها من عرفها و جهلها من جهلها..!
ان الاسلام الذي قامت شريعته على الوحدة و التوحيد، و سارت سياسة اهله على التوفيق و التسديد، و اضاءت انواره الافق القريب و البعيد، ظل اهله محسدين متابعين، لما انجزوه من اعمال، نطقت الخرس، و اسمعت الصم، و لما ضربوه من امثلة، و ما بذلوه من تضحيات في تعليم الجاهل، و ارشاد الحيران، و تحرير المستعبد، و اصلاح التربة و تعمير الخراب..!
فعلوا ذلك و لم يكرهوا احدا على دين..! و لم ينصبوا مكاتب تفتيش لمراقبة اديان و عقائد المستضعفين ..! فعلوا ذلك و لم يطمسوا معلما من معالم التاريخ .. و لم يشوهوا حقيقة من حقائق الدنيا و الدين..!
فعلوا ذلك وهم يعايشون ، و يعاملون بالحسنى كل من اراد التعايش و المعاملة ، و لا يستثنون الا من استثنى نفسه بكيد اضره، و غدر اظهره، و فتنة ايقظها، و امانة خانها.. فعلوا ذلك و قضية الدماء و الالوان، و الاجناس قضية مهملة لان رب العزة جلت قدرته، خاطبهم بقوله في شأنها:
"ان اكرمكم عند الله اتقاكم".
و قد جمع الايمان و التقوى الابيض و الاحمر و الاصفر و الاسود فكانوا، و ما يزالون يشعرون في اعماقهم بهذه الوضعية النبيلة التي وضعهم فيها القران، و يتعاملون في حياتهم على اساسها..!
اما انانية الانسان فما تزال تلتوي، بين غموض المبدأ، و تلون التطبيق، و اختلاف الاوضاع، و تضارب المصالح، و تداخل المقاييس، و من اجل ذلك ينمو محصول المتناقضات في عالم الانانيات..البعيدة عن الهدي السماوي..!
و لعل القضية  الفلسطينية كانت و ما تزال المظهر العملي للاسلام المحسد، و المسلمين المتابعين فمهما تبدلت الاصباغ، و تعددت الالوان و تعاقبت الاوضاع فان القضية في عمقها هي، هي .. تجد في كل عصر من يلونها بلون خاص، و يربطها بمصلحة خاصة .. ليحاول في اخر فصول الرواية "ستر" ما بدا للعيان في اولها.
و من الجائز في عالم التضليل و الدعاية ان ينظر الى هذه القضية نظرات اخرى، من الزوايا الاخرى، و ان يقع ضحية ذلك كل من لم تمكنه دراسته، او حاسته، او عقيدته، من تفهم الاشياء من المنبع الى المصب، لكن الحقيقة تظل دائما ضد على ذلك كله ..
و من الجذير بالذكر هنا و نحن نتحدث عن ابعاد القضية الفلسطينية في نفوس المسلمين و ضمير التاريخ الاسلامي في المغرب و المشرق، ان نعرج على التعبير اللغوي الذي عرف في المغرب و تداولته الالسنة في القديم و الحديث و هذا التعبير هو (يخلل و يقدس).
فاهل المغرب بالمعنى العام الذي يشمل الاندلس و اقطار بر العدوة، كانوا اذا ذهبوا لاداء فريضة الحج يرون من اكد اعمالهم، و اشرف مساعيهم، ان يخللوا و يقدسوا ..!
و قد اطلقوا التخليل على زيارة قبر الخليل ابي الانبياء: ابراهيم عليه السلام..
كما اطلقوا التقديس على زيارة القدس مسرى خاتم الانبياء عليه الصلاة و السلام، و موطن المسجد الاقصى، و ملتقى الاديان السماوية..
و كان تحقيق هذه الرغبة في التخليل و التقديس لا يتم دون معاناة الاهوال، و الشدائد بسبب ما كان يحيط بهذه البقعة الطيبة، من مطامح و فتن، و حروب، اشترك في اثارتها كل من كان و ما يرزال يحسد المسلمين على ما اتاهم الله من فضله .. منذ الحروب الصليبية الى الان ..
و كتب الرحالين المغاربة بالمعنى الذي قدمنا حافلة باخبار هذا التخليل، و هذا التقديس و الظروف و الاحوال التي وقعا فيها ..
و لا ريب ان تلك الظروف و تلك الاهوال، و الاحوال، التي عانها المخللون و المقدسون، هي التي جعلتهم يضفون على التعبير معنى الشدة و الالم و معاناة الصعاب..!

فكلما رأوا انسانا يعاني الاما في جسمه. او عذابا في عمله. قالوا: هو يخلل و يقدس .. كانه يعاني ماعاناه اولئك الرحالون، قبل ان يحققوا رغبتهم النبيلة، في زيارة القدس و قبر الخليل..!
فهذا التعبير اللغوي ان دل على شيء فانما يدل على مكانة القدس و الخليل في القلوب المؤمنة و الضمائر المسلمة التي ترعى المقدسات حرمتها على ناي الديار، و بعد المزار، و كثرة الاهوال و الاخطار..
و لا ندري هل رسب مثل هذا التعبير في لهجة من لهجات اخرى في الاقطار العربية و الاسلامية، ام انفرد المغرب بهذا التعبير الذكي الذي يحمل في صيغته و حروفه و مدلوله، كل ما اراد له المتكلمون به .. من علاقة لا تبلى جدتها .. و صلة لا تنقطع ارحامها ..
و المسلمون في حرب رمضان من قمتهم الرشيدة المؤمنة، الى قاعدتهم الواعية النبيلة، خللوا و قدسوا "بالمعنى الثاني" و سيحللون و يقدسون بهذا المعنى.. يؤدون بذلك رسالة. و يجددون عهدا، و يرضون ضميرا، الى ان ياتي اليوم الذي يخللون فيه و يقدسون "بالمعنى الاول"
و يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ..!

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here