islamaumaroc

فطرية الدين

  دعوة الحق

العددان 156 و157

يصادف صدور هذا العدد من "دعوة الحق" ذكرى جلوس مولانا امير المؤمنين على عرش اسلافه المنعمين. و بهذه المناسبة اهدي هذا المقال المتواضع الى مجلتنا الغراء اسهاما في البعث الاسلامي الذي نادى به حامي حمى الملة و الدين.
يرى فقهاء اللغة – وخاصة منهم دارسي السنسكريتية ، وكتب الهند القديمة – ان الدين نشا بداة ذي بدء عن تعظيم الانسان للظواهر الطبيعية، و تكريسه طقوسها لها لخدمتها ، لما كان يراه فيها من خصائص الهية، ذلك انه كان يجد نفسه تحت رحمة هذه الظواهر ، و كان يراها مصدرا للخير و الشر، لما كان يعتقده فيها من عظمة وهول، و ما قد تقوم به من تخريب و تدمير اذا ما غلت ثورتها و فار فائرها. و ما تدر عليه من نعم و تغدق عليه من خيرات حين هدوئها و رضاها. و من امثلة ذلك "قزح" الذي عبده العرب في جاهليتهم و اعتبروه الها للرعد و الخصب، بل لعل في قصة ابراهيم عليه السلام، و الكوكب، و القمر، و الشمس، ما يدل على تعظيم الانسان الاول لبعض ظواهر الطبيعة . يقول الله تعالى:
"و كذلك نرى ابراهيم ملكوت السماوات و الارض و ليكون من الموقنين، فلما جن عليه الليل راى كوكبا قال هذا ربي، فلما افل قال لا احب الافلين، فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي، فلما افل قال لئن لم يهدني ربي لاكون من القوم الضالين، فلما راى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر، فلما افلت قال يا قوم اني بريئ مما تشركون، انه وجهت وجهي للذي فطر السماوات و الارض حنيفا، و ما انا من المشركين"
و انما قال ابراهيم ذلك – وهو خليل الله و نبيه – عن طريق السخر الفني، مسايرة لفكرة قومه المشركين، كانه على شرعتهم، ليقيم عليهم الحجة بان ضوء النيرات التي راها ما كان له ان يعبد، او يتخذ الها، فهو مربوب و ليس برب.
و يذهب علماء الاناسة   الى ان عبادة الارواح هي التي كانت منشأ الدين لدى الجنس البشري، و قد هداه الى عبادتها حالات النوم و اليقظة. و البدائيون كانوا يحسبون رقود الانسان موتا له .

و يظنون ان قوة محجوبة لا تدركها الحواس، هي التي تميته، و تقبض نفسه المميزة له، و توقفه عن التصرف و الحركة، على ان تعيد اليه الحياة و تبعثه متى شاءت لها ارادتها!
و انتقلت الفكرة الدينية عند الانسان من عبادة الارواح الى اتخاذ الاصنام الهة، و كانت منحوتات و صورا لاشياء مما في السماء، او مما في الارض، او مما تحت المياه، مصنوعة من خشب او فضة او غيرها من المعادن.
و من عبادة الاصنام تدرج التدين الى الشرك و تعدد الالهة   حتى انتهى الى مرحلته الاخيرة مرحلة التوحيد و عبادة الله الواحد الاحد.
و مهما يكن من شيء، و مهما تضاربت المذاهب، و اختلفت المشارب في نشوء الدين عند بني البشر فان حقيقة واحدة تظل صامدة قائمة: تلك هي "فطرية" الدين في النفس الانسانية، و اذا كان الانسان قد سلك سبيلا مرحلية في سلم العقائد، من تعظيم القوى الطبيعية، فالوثنية، فالشرك، فالتوحيد، فما ذلك الا لانه كان يحس في قرارة نفسه ان هناك قوة فاعلة مدبرة لهذا الكون الذي هو جزء منه. فظل يبحث عنها معينا   في بحثه، حتى هدته فطرته الى وجود خالق عادل يلجا اليه من كل وسواس، و يقصده في الرغائب و يستعينه في المصائب، و يصمد اليه في الحاجات، و يدعوه كلما مسه ضر او حزبه مكروه، فاتخذه قاعدة عظمى تقوم على العقيدة ، مسلما بخالق هذا الكون و منظمه و القيوم عليه وواضع اسسه. و دفعه كل ذلك الى ان تسمو نفسه فوق مصائب الدنيا، و معاكسة القدر، و الم الدهر، و قسوة الطبيعة التي كان يعبده. و عيوب المجتمع، و نقائص الناس، كل ذلك مما انبث في نفسه من شعور باله قدير هو مصدر كل عاطفة سامية، تملا القلب، و تسكن بها النفس، و يصفو بها العيش، و يرتاح بها الضمير، و تجعل المرء يطفح تفاؤلا و استبشارا.
و انما تنزع النفس الانسانية الى الدين، لان قوى غيبية تدفعها الى شعور محجوب، يطفو كالماء، يحدوها نحوه حاد لا يعرف اللين و لا الهوادة، فاذا هي امام فطرة كامنة فيها، تعود الى استشعار الانسان للضعف و العجز امام هذه القوى الغيبية التي لا تقع تحت حواسه، و لا يدركها عقله ، و لا ينتهي الى اكتناهها مبلغ علمه.
فالدين فطرة في الانسان، و مبدأ جبلي موجود في النفس وجودا حقيقيا سابقا على التجربة يصحبها في حلها و ترحالها في عالم المحسوس، فيحيلها عواطف و احاسيس تنشر في جنباتها روعة و جمالا هما من نور الله و جلاله.
و الفطرة السليمة تنشد الله و تطلب طريقها اليه من اقرب السبل. و الطفل عند خروجه الى هذا العالم يولد مزودا بطاقة روحية تلهمه طريق الصواب، و تريه سبل الرشاد، ذلك لان الانسان بطبعه خير و الخير اصيل اثيل ، اما الشر فحادث فيه عارض، فهو يخلق سليم الفطرة، مستقيم السلوك، صافي الروح، نقي النفس، شفافي الاحساس، مستعدا للخير استعدادا كاملا غير منقوص، ولو ترك فطرته و جبلته الاولى لنشا على الايمان، و عاش حسن السيرة و السريرة ، متبعا دين الله الذي خلق الناس له.
عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:
"كل مولود يولد على الفطرة، فابواه يهودانه او ينصرانه، او يمجسانه، كما تنج البهيمة بهيمة جمعاء  ، هل تحسون فيها من جدعاء   " ؟.
ثم يقول ابو هريرة و اقراوا ان شئتم :
"فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم، و لكن اكثر الناس لا يعلمون"  .
و الله تعالى يخلق قلوب بني ادم مؤهلة لقبول الايمان كما يخلق اعينهم و اسماعهم قابلة للمرئيات و المسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول و على تلك الاهلية، ادركت الايمان ووجدت حلاوته .......... تلد ولدها كامل الخلقة، سليما من الافات بريئا من العيوب، اما اذا عميت العيون ، و صمت الاسماع، و طبع على القلوب، فلا فطرة حينئذ!
و يرى بعض المفسرين ان الاطفال ان ماتوا صغارا قبل ان يبلغوا العقل، صاروا الى الجنة، سواء اكانوا لاباء مؤمنين ام كانوا لاباء مشركين ، لانهم يموتون على الفطرة. و لانه تعالى فطر الخلق على الايمان به، و لانه سبحانه لما اخرج ذرية ادم من صلبه في صورة الذر، اقروا له بالربوبية. يقول سبحانه:
"و اذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذرياتهم و اشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى ، شهدنا'  .
فكل مولود هو من تلك الذرية التي شهدت بان الله ربها و بارئها، و لا يغني هذا الميثاق الذي اخذه الله على ذرية ادم مولودا بلغ مبلغ الادراك. لما قد يعتوره من فساد الفطرة و تغير الحيلة.
فبالفطرة الدينية يستقبل الانسان نور الله الذي منه يستقي حشد طاقاته، ليحمل الامانة و ليحقق الغرض من وجوده، و الغاية التي من اجلها خلق: تلك هي حمد الله و تمجيده وطاعته:
"و ما خلقت الجن و الانس الا ليعبدون، ما اريد منهم من رزق و ما اريد ان يطمعون"  .

 

1- سورة الانعام، الايات 75 حتى 79.  
2- الاناسة: تعريب لفظة 
  وهو علم يبحث في اصل الجنس البشري، و تطوره و اعرافه، و عاداته، و معتقداته.Anthropologie   
3 أي الايمان بتعدد الالهة: polythéisme
4- عيث: مشى مشية الاعمى ، او طلب شيئا باليد من غير ان يبصره  
5 - جمعاء: كاملة الخلق، ليس فيها نقص او تشويه 
6- جدعاء: مقطوعة الانف  
7- سورة الروم، الاية 30
8- سورة الاعراف، الاية 172 
9 - سورة الذاريات، الايتان 56 و 57

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here