islamaumaroc

الدعوة الناجحة

  دعوة الحق

العددان 156 و157

اهدي مقالي هذا لمجلتنا الراقية في عددها الخاص بعيد العرش المغربي في غمرة التبشير و التغيير بالبعث الاسلامي الذي تعيشه بلادنا منذ عامين بامر من امير المؤمنين مولانا الحسن الثاني رعاه الله و حقق دوام الخير على يديه، و الذي يعتبر اضواء كاشفة لحقائق هذا الدين في سبيل دعوة شاملة اليه قصد عودة حقيقية له، و حياة به و ريادة باسمه، و حضارة على اسسه.

مقدمة:
ما هي الدعوة الناجحة؟ انها الدعوة الاسلامية: و ما هي دعوة الاسلام؟ او ما هي دعوة رسول الله؟ و كيف نفهم هذه الدعوة و ندعو اليها ؟ و هل هي دعوة عالمية شمولية ؟.
قال تعالى: (ادع الى سبيل ربك ...).
قال ناصر الدين البيضاوي في تفسيره لهذه الاية ما يلي: (ادع) من بعثت اليهم (الى سبيل ربك) الى الاسلام ...". اما عن عالمية و شمولية هذه الدعوة فالايات الكريمة التالية تجيب و تبين:
(و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء و هدي و رحمة و بشرى للمسلمين).
(و كذلك اوحينا اليك قرانا عربيا لتنذر ام القرى و من حولها)
(تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا).
(و اوحي الي هذا القران لانذركم به و من بلغ).
قال الشيخ حسنين مخلوف عن هذه الاية: أي و انذر به من بلغه في كل عصر و مكان، من سائر الامم الى يوم الدين. فهو الحجة القائمة و الشاهد المصدق على من لم يؤمن به ممن بلغه.
قال سبحانه: (يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا، و داعيا الى الله باذنه و سراجا منيرا).
من الايتين هاتين نفهم حقيقة دور سيدنا محمد كرسول للاسلام بحق كما اراد الله له، فهو المبشر بالاسلام و الداعي اليه عن صدق، و هذا ما لمسناه في الاحسان منه و الاخلاص في التبليغ، لان مسؤولية الدعوة كانت عليه عظيمة فكان منه ان قدرها حق قدرها و احسن القيام بها صلى الله عليه و سلم، قال اصدق القائلين: (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك و ان لم تفعل فما بلغت رسالاته).
(فلذلك فادع و استقم كما امرت).
و بموجب هذه الحقيقة التي ابانتها هذه الايات، يكون رسول الله قد بلغ هذا الدين على اكمل وجه و تحتم على المؤمن به ان يبلغ على ضوء قوله صلى الله عليه و سلم:
(بلغوا عني)
و لكن كيف يبلغ هذا المؤمن او يدعو هذا المسلم؟
في القران الكريم اية واحدة قعدت الدعوة و بينت الكيفية التي ينهجها الداعية او المربي او المرشد او المعلم، و الحقيقة التي يجب الاقتناع بها اننا نغفل عن هذه الاية و لا نفهمها لانها هي الوحيدة التي تلقي الاضواء على دعوة الاسلام و كيفية التبشير به، قال عز و جل:
(ادع الى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن).
جاء في تفسير ابن القيم لهذه الاية الكريمة:
"جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق. فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق و لا يأباه : يدعي بطريق الحكمة، و القابل الذي عنده نوع غفلة و تأخر: يدعى بالموعظة الحسنة. وهي الامر و النهي المقرون بالترغيب و الترهيب. و المعاند الجاحد: يجادل بالتي هي احسن. هذا هو الصحيح في معنى هذه الاية لا كما يزعم اسير منطق اليونان: ان الحكمة قياس البرهان، و هي دعوة الخواص، و الموعظة الحسنة: قيلس الخطابة، وهي دعوة العوام، و بالمجادلة بالتي هي احسن: القياس الجدلي ، وهو رد شغب المشاغب بقياس جدلي مسلم المقدمات.
و هذا باطل. وهو مبني على اصول الفلسفة، وهو مناف لاصول المسلمين. و قواعد الدين .."(1) 
و جاء في تفسير سيد قطب لهذه الاية الكريمة:
"على هذه الاسس يرسي القران الكريم قواعد الدعوة و مبادئها، و يعين وسائلها و طرائقها و يرسم المنهج للرسول الكريم (عليه السلام) و للدعاة من بعده بدينه القويم. ان الدعوة دعوة الى سبيل الله لا لشخص الداعي و لا لقومه، فليس للداعي من دعوة الا ان يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة و لا على من يهتدون به، و اجره بعد ذلك على الله، و الدعوة بالحكمة و النظر في احوال المخاطبين و ظروفهم ... و الطربقة التي يخاطبهم بها، و التنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها، فلا تستبد به الحماسة و الاندفاع و الغيرة فيتجاوز الحكمة في هذا كله و في سواه"(2)  .
هكذا يجب ان تكون الدعوة الى الله في كل عصر و مصر، و ما يمكن ان تتخذه من اساليب ووسائل تبليغية عصرية لابد ان تعتمد من قريب او بعيد على : الحكمة و الموعظة الحسنة، و المجادلة بالتي هي احسن، لانها قواعد قرانية على ضوئها ندعو الى الله او ننصح او نوجه او نرشد بمعنى ان اسلوب الحكمة يستعمل مع من يناسبه، و الاسلوب الوعظي مع من يناسبه، و الاسلوب الجدلي مع من يناسبه، على ضوء قول رسول الله: امرنا معاشر الانبياء ان نكلم الناس على قدر عقولهم).
اننا و نحن في ميدان الدعوة تقديرا لمسؤوليتها و خدمة لها، يجب ان نعي و نفقه ان الاسلام يؤخذ ككل و يطبق ككل، فهو لا تجزئة و لا تفرقة فيه، فاما اسلام كامل او لا اسلام، انه الاسلام الذي لا وجود لمساومات و تنازلات على حسابه.
و الاسلام الكامل هو اسلام متفرد متميز في مفهومه العقيدي، و مفهومه التشريعي، و مفهومه السياسي، و مفهومه الاقتصادي، و مفهومه التربوي و مفهومه الفكري و مفهومه الاخلاقي.
ان الداعية يتحتم عليه – و هذا من اصول الدعوة الاسلامية و من اسباب نجاحها ماضيا و حاضرا و مستقبلا – ان يدعو الى الاسلام على انه دين و دولة، دنيا و اخرى، مادية و روحية: صحيحة و معتدلة، فتفهيم الاسلام و تبليغه على هذا الاساس من فقه الدعوة.
و من فقه الدعوة ان يلم الداعية بحقيقة بل ان يعرفها حق المعرفة و هي ان دعوتنا لهذا الدين هي دعوة للايمان به و العمل به و لالتزام به كدين كامل، فهكذا دعا رسول الله صلوات الله عليه، و بذلك نجح و بذلك ساد المؤمنون به.
و من فقه الدعوة ان يعلم الداعية بان من حكمة الله و من رحمته و من خصيصة دينه ان كان التدرج في الاسلام ميزة له و فرصة لا مثيل لها، اتاحها و يتيحها لتحقيق الانسان الصالح، انسان الاسلام الذي يعبد ربه و يتقيه و يعيش وهو من الذين امنوا و عملوا الصالحات .
و التدريج في الاسلام هو اساس التغيير الجذري به و الاصلاح الصحيح به، و هذا ما نستنتجه من الوجود النبوي بمكة كمرحلة اولية للدعوة للتوحيد، كانت ضرورية و اساسية، و ما نستنتجه من الوجود النبوي بالمدينة كمرحلة ثانية و اخيرة من تحقيق الهدف من دعوة الاسلام، وهي دولة الاسلام، فالاسلام وهو دين و دولة يحتوي على عقيدة متميزة، و شريعة متميزة، و طريقة متميزة، و فكرة متميزة ووجهة متميزة، لا فصل و لا انفصام بين اركانه و احكامه، و مبادئه و تعاليمه.
كيف نجحت دعوة الاسلام؟
مما لا ريب فيه ان من العوامل الاساسية في نجاح الدعوة الاسلامية ظهورها في الابان المناسب، و في الوسط المناسب، و بالعنصر المناسب، و على يد الرسول المناسب سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم قال تعالى: (الله اعلم حيث يجعل رسالاته).
و مما حقق نجاح هذه الدعوة الخالدة و زاد في انجاحها و ضمن هذا النجاح صمود هذا الرسول في سبيل الله و اخلاصه و تفانيه و تحديه من اجل الحق الذي يجسمع لنا قوله الصادق هذا صلى الله عليه و سلم: (و الله لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على ان اترك هذا الامر حتى يظهره الله او اهلك فيه ما تركته).
انها مجابهة و مجاهدة منه صلى الله عليه و سلم للاعداء، لم تنفع معها مساوماتهم و لا مناهضاتهم، و كيف يتراجع او يتقهقر وهو رسول الله بدين الحق و صاحب الصراط المستقيم، قال تعالى: (وهو الذي ارسل رسوله بالهدي و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون).
و قال تعالى : (انك لتهدي الى صراط مستقيم) و قال عالى : (و ادع الى ربك انك لعلى هدى مستقيم).
و لقد كانت صفاته و اخلاقه و تصرفاته و اعماله تجسم جمال الاسلام و تبرهن على خير الدعوة الاسلامية
مما يحبب هذا الدين للناس فينجذبون اليه عن طواعية و يدخلون فيه افواجا لانه عليه الصلاة و السلام كان كما شهدت له هذه الاية:
(لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة).
اما حلمه و صفحه و عطفه و حنانه فاسباب مباشرة جعلت المكابرين و المحاولين القضاء عليه يبادرون للايمان به، فهو لا ينتقم و لا يدعو على عدوه بل يدعو له، شعاره دائما صلى الله عليه و سلم:
(اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون).
علاوة على انه منذ بعث وهو يعمل بقول الله:
(ادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك و بينه عداوة كانه ولي حميم).
اما اساليب توجيهه و ارشاده فكانت في غاية التوفيق و الدقة، و ان صح التعبير قلنا بلغة العصر بانه صلى الله عليه و سلم كانت الدعوة عنده فنا، فهو الرسول الوحيد الذي تفنن في الدعوة بمعنى انه كان يدعو على بصيرة و تبصر، يستعمل اللين متى لزم، و الشدة متى لزمت، يرغب و يرهب في الوقت المناسب، و يخاطب بما يناسب شتى النفسيات و المستويات على ضوء الاية الكريمة:
(قل : هذه سبيلي ادعو الى الله على بصيرة انا و من اتبعني ...).
و بما انه صلى الله عليه و سلم كان الاسوة الحسنة فقد كان حقيقة المثل الحي للاسلام الذي يبرهن للناس على واقعية هذا الدين و صلاحيته للبشرية و ايجابيته في الانقاذ و احقيته في الايمان به و العمل و العيش تحت لوائه.
و قد كانت شخصية الرسول كمثل حي كافية للتاثير على الغير الذي بادر و كان يبادر للايمان بدعوة الحق، بل ان واقعية الاسلام الممثلة في شخص رسول الله جعلت المؤمنين به يخلصون في الايمان و العمل، و اهلتهم ليكونوا خير تلاميذ لخير معلم كما قال عن نفسه صلى الله عليه و سلم: ( ... و انما بعثثت معلما) و كما قال عنه معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه: (ما رايت معلما قبله و لا بعده احسن تعليما منه)، فكانوا و هم الصحابة الاجلاء ورثة النبوة، و دعاة الحق و اساتذة الحياة، اينما حلوا و ارتحلوا دعوا و انقذوا، و افادوا و خلصوا.
و بيت القصيد في موضوع الدعوة الاسلامية، و كيف نجحت و كيف تنجح: هو في ان يمثل الداعية المسلم بل يشخص حقائق الاسلام، لان في تجسيمه الصحيح تدليلا على انه دين الحق و الخير، هذا التجسيم الصادق الذي يرى فيه الناس جمال و فضائل الإسلام مما يحتم ضرورة الحياة به و في ظلاله، و قد كان هذا النوع الفريد من التجسيم من الاسباب الرئيسية في ايمان سكان معظم البلدان التي لم تصلها جيوش الفتح الاسلامي كجزر المالديف و الفليبين و اندونيسيا و غيرها من البقاع.
و بعد ما نجح صلى الله عليه و سلم في تكوين و تربية و تخريج الثلة المؤمنة بمكة و صمد في الدعوة الصادقة على ضوء: (قولوا لا اله الا الله تفلحوا) راى ان يبعث من يدعو في مناطق عدة و بالاخص في يثرب (المدينة) على اثر التجربة الناجحة في العقبة الاولى و الثانية التي كانت منها صفوة المؤمنين من اهل طيبة.
هذه التجربة التي اوحت اليه بتوفيق من ربه بان النجاح الكامل و المباشر لدعوة الاسلام على اوسع نطاق، و على المدى البعيد و الى يوم القيامة لابد ان تنطلق من المدينة المنورة من اجل اقامة دولة الاسلام و لتأمين حرية الدعوة له، و لتحقيق القوة الاسلامية الفعالة المؤثرة الرائدة الشاهدة.
و لتحقيق هذه الانطلاقة العظيمة الربانية كان التخطيط الموفق الفريد من نوعه، تخطيط الرسول للهجرة من مكة للمدينة، هذا التخطيط الذي نلمس منه عن كثب كيف يكون التدبير و الحركة في الاسلام.
على ضوء هذه الحقيقة يكون لزاما على كل من يتعرض للحديث عن نجاح الدعوة الاسلامية ان يتعرف على حادث الهجرة لانه سبب مباشر فعال في انجاحها، فما معنى الهجرة؟ و لماذا الهجرة هذه؟
انها هجرة للتعليم و التنظيم و التوجيه: تعلم كيف نخطط للعمل الاسلامي بذكاء، و تعودنا التنظيم بدقة لنكون مؤمنين حركيين ايجابيين، بعيدين عن التهور و الارتجال و بريئين من العشوائية و الفوضى، و توجه كل مسلم بان يكون خالص النية في كل ما يصدر عنه نقيا راقيا بدين الله في ميادين الحياة، و توجيه بتدقيق الى توفيق و نجاح الدعاة في ميدان الدعوة بشرط ان يكونوا امثلة حية تمثل حقائق هذا الدين، و قدوة صالحة تستقطب و تدل عليه، و تدعو بلسان الواقع الحي الصحيح للايمان و الالتزام به.
و هذه الهجرة توحي الينا بان الانسان الصالح بعد التكوين و الاعداد لابد له من وسط مناسب يفرض فيه وجوده لكي يسود بالخير و للخير و ينقذ الغير و يسعده بهذا الدين، لذلك كانت الهجرة و كان مجتمع المدينة الذي اعلن عن وجود انسان الاسلام و حتم حمايته و قوته و حضارته و دعوته، فهو نموذج حي للمجتمع الفاضل تحقق لاول مرة في التاريخ.
و هذه الهجرة تفهمنا ان بعد الكد و العمل و الصمود و المجابهة في سبيل الله يفلح حزب الله الذي يمثل الحق و دعوته و يدعو له لان الحق يعلو و لا يعلى عليه، و حزب الشيطان هو الخاسر في الجولة الاخيرة رغم ما يستعمل من تضليل و اضلال، و ما يتفنن فيه من ايذاء و اضرار لرجال الحق و عرقلة و حيلولة في ميدان الدعوة و الدعاة.
لان الله وعد بنصر من ينصره (ان تنصروا الله ينصركم ...) وعد المتقين من عباده المجاهدين في أي ميدان، و العاملين و المخلصين و المضحين في سبيله بتفريج الكروب و تيسير الصعاب: (ان مع العسر يسرا).
(و من يتق الله يجعل له مخرجا ...)
و نفهم من هذه الهجرة بان الاسلام لبن كامل لا يرضى بالترقيع و التضييع، و لا يقرر الانسلاخ عن المبدأ، و لا يقبل بالانصهار في بوثقة الغير، لانه دين فريد فيما اتى به و دعا اليه، و يتميز عن هذا الغير بربانية المبادئ و الاحكام و الانظمة و المناهج: (قل: يا ايها الكافرون، لا اعبد ما تعبدون، و لا انتم عابدون ما اعبد، و لا انا عابد ما عبدتم و لا انتم عابدون ما اعبد لكم دينكم و للي دين).
و نتعلم من هذه الهجرة و من مبدأ التاريخ بالهجرة بان الاسلام منفرد و المؤمن به اما ان يؤمن به ككل او لا  يؤمن، فهو اسلام حقيقي لا صوري، و لا شرقي و لا غربي، و للتوضيح و التدليل لا امريكي و لا روسي، فهو لربانيته لا يسمح بالغزو الفكري و الاستعمار المقنع، و لا يعترف بالتزييف في التوفيق بينه و بين المذاهب او الحلول المستوردة الوافدة التي تدل على غفلة عن جهل او خيانة عن سبق اضرار.
بعد هذه الاضواء من الهجرة نواصل القول عن الدعوة الناجحة فنقول: بعد ما تحققت الهجرة بنجاح، صارت الدعوة الاسلامية في طور جديد اساسه عمل عظيم قام به الرسول وهو بناء المسجد، بيت الله، المستثقى الروحي، مدرسة النبوة، منبع النور، منهل المعرفة، محكمة العدل، مجمع الدعاة، مقر القيادة العسكرية، مجلس الشورى، و باختصار فكل انواع الخير تنبثق منه، و كل ادوار الخير يجب ان تظهر من معتاديه.
و نجد المسجد في الاسلام من اجل حرية العبادة فيه، و اسس لاستمرار الدعوة منه، و الاعلام الحق لصيانة الحق و التعاون على البر و التقوى، كان في البداية منه، فهو كان و يجب ان يكون منارة هدي، و معلم ايمان، و مؤسسة اجتماعية، و منتدى تربوي في المجتمع الاسلامي.
و ان غابت و ضاعت اهدافه و ادواره تلك فالخطأ فينا و ليس فيه، و التقصير منا و ليس منه، و المسئولية علينا عظمى نحن بيوت اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه.
ان اهمية المسجد في الاسلام تبرهن عليها و تدل عليها اية من القران و قولة من السنة: (انما يعمر مساجد الله من امن بالله و اليوم الاخر و اقام الصلاة و اتى الزكاة و لم يخش الا الله ...).
(اذا رايتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالايمان).
ثم اتبع الرسول بناء بيت الله بعمل عظيم اخر، يتحقق لاول مرة في تاريخ الدعوات وهو المؤاخاة بين المهاجرين و الانصار، مؤاخاة فريدة دلت على ان الاخوة في الدين هي من ركائز دولة الاسلام شهد لها القران اعظم شهادة: (للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم و اموالهم يبتغون فضلا من الله و رضوانا و ينصرون الله و رسوله اولئك هم الصادقون، و الذين تبوأوا الدار و الايمان من قبلهم يحبون من هاجر اليهم و لا يجدون في صدورهم حاجة مما اوتوا و يؤثرون على انفسهم و لو كان بهم خصاصة، و من يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون، و الذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا و لاخواننا الذين سبقونا بالايمان و لا تجعل في قلوبنا غلا للذين امنوا، ربنا انك رؤوف رحيم).
و نتيجة لهذه المؤاخاة صار سكان المدينة من المسلمين يمثلون معسكر الايمان باضافة معسكر اليهود و غيرهم، و للحفاظ على هذا الكيان الجديد لعهد الاسلام بالمدينة ارتأى رسول الله كتابة معاهدة بين المسلمين و اليهود تضمن وحدة اهل الاسلام و قوتهم و تنبئ عن صدق رغبتهم في التعاون و التحالف مع غيرهم لمصلحة الكل من المتساكنين بالمدينة تحقيقا للعدالة و الامن، و هذه بنود او مبادئ المعاهدة كما اوردها مفصلة المغفور له مصطفى السباعي في كتابه (السيرة النبوية):
1) وحدة الامة المسلمة من غير تفرقة بينها.
2) تساوي ابناء الامة في الحقوق و الكرامة.
3) تكاتف الامة دون الظلم و الاثم و العدوان.
4) اشتراك الامة في تقرير العلاقات مع اعدائها لا يسالم مؤمن دون مؤمن.
5) تأسيس المجتمع على اسس النظم و اهدافها و اقومها.
6) مكافحة الخارجي على الدولة و نظامها العام ووجوب الامتناع من نصرتهم.
7) حماية من اراد العيش مع المسلمين مسالما متعاونا، و الامتناع عن ظلمهم و البغي عليهم.
8) لغير المسلمين دينهم و اموالهم، لا يجبرون على دين المسلمين، و لا تؤخذ منهم اموالهم.
9) على غير المسلمين ان يسهموا في نفقات الدولة كما يسهم المسلمون.
10) على غير المسلمين ان يتعاونوا معهم لدرء الخطر عن كيان الدولة ضد كل عدوان.
11) و عليهم ان يشتركوا في نفقات القتال ما دامت الدولة في حالة حرب.
12) على الدولة ان تنصر من يظلم منهم، كما تنصر كل مسلم يعتدى عليه.
13) على المسلمين و غيرهم ان يمتنعوا عن حماية اعداء الدولة و من يناصرهم.
14) اذا كانت مصلحة الامة في الصلح، وجب على جميع ابنائها مسلمين و غير مسلمين ان يقبلوا بالصلح.
15) لا يؤخذ انسان بذنب غيره، و لا يجني حان الا على نفسه و اهله.
16) حرية الانتقال في داخل الدولة و الى خارجها مصونة بحماية الدولة.
17) لا حماية لاثم و لا لظالم.
18) المجتمع يقوم على اساس التعاون على البر و التقوى، لا على الاثم و العدوان.
19) هذه المبادئ تحميها قوتان: قوة معنوية، و هي : ايمان الشعب بالله و مراقبته له و رعاية الله لمن بر ووفى. و قوة مادية، وهي رئاسة الدولة التي يمثلها محمد صلى الله عليه و سلم(3) .
و لكن اليهود وهم الذين مردوا على النفاق و الخيانة و التكذيب و الاساءة و العدوان، لم يخلصوا لرسول الله و لم يحسنوا مجاورة المسلمين، و لم ترضهم قوة المسلمين، و لم يرحهم تكاثرهم فصاروا يكيدون و يمكرون و ياثمون و ينافقون و يساعدون اعداء الاسلام من كفار و مشركين و منافقين، و قد ظهرت مساعدتهم و خيانتهم في توجه احد زعمائهم وهو كعب ابن الاشرف الى مكة يواسي مهزومي قريش في غزوة (بدر) و يحثهم على اخذ الثأر و الانتقام من رسول الله و المسلمين، فهو الذي سأله ابو سفيان : اناشدك الله اديننا احب الى الله او دين محمد و اصحابه ؟ و اينا اهدى في رأيك و اقرب الى الحق ... ؟ فقال له كعب : انتم اهدى سبيلا، فانزل الله على رسوله صلى الله عليه و سلم: (الم تر الى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت و الطاغوت ، و يقولون للذين كفروا: هؤلاء اهدى من الذين امنوا سبيلا).
و قد زار ايذاء و غدر يهود عند محاولتهم اغتيال رسول الله على ايدي بني النضير، و لما لم يفلحوا و افتضح امرهم طردهم رسول الله و اجلاهم، قال تعالى: (هو الذي اخرج الذين كفروا من اهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر، ما ظننتم ان يخرجوا و ظنوا انهم مانعتهم حصونهم من الله، فتاهم الله من حيث لا يحتسبوا و قذف في قلوبهم الرعب، يخربون بيوتهم بايديهم و ايدي المؤمنين، فاعتبروا يا اولي الابصار).
و زيادة من الغدر و الخيانة قرر بقية اليهود جمع العرب الكفرة في مجابهة مسلحة قوية تقضي في نظرهم على الاسلام، فكان لهم العمل لحشد الاحزاب من قريش و كنانة و تهامة و غطفان، فخيموا قرب المدينة ينتظرون الوقت المناسب للانقضاض عليها، و هنا و في هذه اللحظات الحرجة العصيبة يوفق رسول الله لقبول خطة حربية مهمة من الصحابي سلمان الفارسي وهي ان يخندقوا في الجهة الشمالية خارج المدينة منها يأتي الخطر عليها، بسببه يتوقفون عن اية زحف و هجوم عليها.
و لكي تتأكد لدينا اهمية معركة الاحزاب او الخندق كمعركة حاسمة في تاريخ الاسلام و دعوة الاسلام، كفى الله بسببها المؤمنين القتال، و نصرهم نصرا مؤزرا، فاندحر الاعداء كلية و لم تقم لهم قائمة تذكر يتحتم علينا الاطلاع على خارطة هذه المعركة لنلمس بموجبها حكمة و كنكة و فنية رسول الله الحربية(4) ، كما يتحتم علينا الاشارة الى الدور الفذ الذي قام به نعيم بن مسعود الغطفاني في تخذيل و تفريق قوة الاحزاب مما يدل على اهمية الحرب النفسية في أي صراع مسلح على ضوء استعمال الحيل و الخدع الحربية، و هذا الدور الذي قام به نعيم الذي كان كافرا ثم اسلم في الليلة قبل الاخيرة لهذه المعركة كان بموافقة من رسول الله و تشجيع، فكان ان قال له يدعوه الى هذه المبادرة الفنية الحربية: (انما انت فينا رجل واحد فخذل عنا ان استطعت، فان الحرب خدعة  )(5).
كما يتوجب علينا الالمام بخطط العملية الدفاعية عن المدينة و ساكنيها على الاسس التالية، و كما اوردها صاحب كتاب (الرسول العربي و فن الحرب):
1) ان يبقى المسلمون في المدينة للدفاع عنها و لا يخرجوا للقاء الاحزاب.
2) ان تكون خطط الدفاع الرئيسية من الطرف الشمالي من المدينة، و الواقع امام جبل (سلع) على ان يكون هذا الجبل على يسار القطاع الدفاعي عن المدينة.
2) ان يقوم المسلمون بحفر خندق عميق (وهو الذي المحت اليه) يجعلونه حاجزا يمنع جيوش الاحزاب من التقدم نحو المدينة.
4) ان يقوم المسلمون باخلاء المدينة من النساء و الاطفال و الشيوخ، و تجميعهم في الحصون و المواقع المنيعة، بعيدا عن تاثير العدو، و لتسهيل حمايتهم من غدر يهود بني قريظة الذين تقع منازلهم في المدينة نفسها.
5) ان تتولى دوريات الجيش الاسلامي المتحركة اعمال الحراسة القتالية من المدينة من الغسق الى الفجر(6) .
و انتهت معركة الاحزاب بانتصار المسلمين و انهزام الكفرة بعد عشرة ايام من شن الغارة و المحاصرة من طرف الاعداء بحيث ارسل الله عليهم ريحا عاصفة باردة، اطفأت نيرانهم، و اقتلعت خيامهم، و ارجفت اجسامهم، و ادخلت الرعب في قلوبهم ، قال تعالى: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، و كفى الله المؤمنين القتال، و كان الله قويا عزيزا).
و عن صمود المسلمين وقوة ايمانهم، و صدقهم لدينهم، و اعتقادهم في وعد الله لهم بالتأييد و النصر و السيادة، قال تعالى: (و لما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله و رسوله، و صدق الله و رسوله و ما زادهم الا ايمانا و تسليما).
و نظرا لمحاولات و استفزازات يهود بني قريظة التي قصدوا منها ارهاب و ارعاب اهل المدينة ابان معركة الخندق فقد امر الوحي رسول الله بالسير الى اخوان القردة هؤلاء للقضاء عليهم، فسار اليهم بطائفة من جيشه، و نفذ فيهم حكم سعد بن معاذ الذي اختاروه حكما و تقبلوا ما يحكم به عليهم، و قد كان سعد حليفا لهم و صديقا في الجاهلية، و العجيب في امر هذا الحكم الذي وفق اليه و الذي رضيه الله و رسوله انه منصوص عليه في التوراة، و هذا منتهى العدل و قمة الحكم بالحق، فكان ان قبلوا به مرغمين راضخين.
و ينص الحكم على قتل المقاتلة منهم، و سبي الذرية و النساء و تقسيم الاموال، وورث المسلمون كل ممتلكاتهم من ارض و ديار و اموال، و بذلك طهرت المدينة المنورة و ضواحيها من نجس ووجود يهود.
و من باب الحيطة و الحذر، و لتأمين الدعوة من شر و خطر يهود في اطراف الجزيرة من الناحية الشمالية، امر الرسول بالمسير اليهم، فلما علموا بمجيئهم اظهروا رغبتهم في الصلح على نصف ما بايديهم من غير قتال، و قبلوا اداء الجزية، و خضعوا.
و بتامين الدعوة من ناحية الشمال، امنها من ناحية الجنوب بابرام صلح الحديبية، هذا الصلح الذي دل على دبلوماسية الرسول صلى الله عليه و سلم، و كان ارهاصا بفتح المكرمة في القريب من مستقبل الشهور.
و في السنة الثامنة للهجرة من عمر الدعوة الاسلامية، بالمدينة كان فتح مكة ايذانا بانتشار و انتصار دعوة الاسلام، و تحقيقا لدولة القران و قيادة لانسان الاسلام، و كانت معاملة الرسول السمحة، الرفيقة لمشركي مكة تدعو للاسلام و تحبب الناس اليه و خير مثال على هذه المعاملة قوله صلى الله عليه و سلم للوفود منهم: (... اذهبوا فانتم الطلقاء) و هكذا طهرت ام القرى من (360) صنما من معالم الوثنية و ظهر الحق و زهق الباطل، فاندحرت الجاهلية بفتح مكة، و فرض الاسلام وجوده بحرية الدعوة اليه، وقوة المؤمنين به، و كانت سرايا و غزوات الرسول تجسيما لقوة المسلمين و تاكيدا على ضرورة الدعوة لهذا الدين.
و كانت غزوة تبوك(7)  العسيرة الشاقة امتحانا للمؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، و ردعا للرومان و عملائهم و انصارهم من القبائل الذين ندبهم هرقل للقيام بحرب قاضية على الدين الجديد و لكن وهو يتهيأ لهذه الحرب الظالمة سبقه الرسول و باغته في تبوك بجيش عظيم من 30 الف مقاتل و عشرة الاف من الخيل، فتناقلت الناس خبر هذا الجيش فادخل الله الرعب في قلوب الاعداء و العملاء، فلم يدخلوا ميدان حرب المسلمين، و بذلك عاد رسول الله بدون حرب عسكرية.
و يحق لنا ان نقول في هذا الصدد بان غزوة تبوك كانت بمثابة حرب نفسية قاسية ارهبت الاعداء و اوقفتهم عند حدهم.
و خير ما نختتم به هذه الكلمة المتواضعة عن الدعوة الناجحة من بدء بعثة المصطفى و حتى وفاته صلى الله عليه و سلم خطبته في حجة الوداع، هذه الخطبة الشهيرة التي كانت وثيقة خالدة للمبادئ العامة في الاسلام:
((ايها الناس: اسمعوا قولي، فاني لا ادري لعلي لا القاكم بعد عامي هذا، بهذا الموقف ابدأ، ايها الناس، ان دمائكم و اموالكم حرام عليكم كرحمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، الا و ان كل شيء من امر الجاهلية تحت قدمي موضوع، و دماء الجاهلية موضوعة، و ان اول دم اضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، و ربا الجاهلية موضوع، و اول ربا اضع ربا العباس بن عبد المطلب، فانه موضوع كله.
ايها الناس، ان الشيطان قد يئس من ان يعبد بارضكم هذه ابدا، و لكنه ان يطمع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من اعمالكم، فاحذروه على دينكم.
ايها الناس، ان النسيء زيادة من الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما و يحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله و يحرموا ما احل الله.
و ان الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السماوات و الارض، السنة اثنا عشر شهرا، منها اربعة حرم، ثلاثة متواليات : ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و رجب مضر الذي بين جمادى و شعبان.
اتقوا الله في النساء، فانكم انما اخذتموهن بامان الله و استحللتم فروجهن بكلمة الله.
ان لكم عليهن حقا و لهن عليكم حقا: لكم عليهن حقا ان لا يوطئن فرشكم احدا تكرهونه(8) . فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، و لهن عليكم رزقهن و كسوتهن بالمعروف، فاعقلوا ايها الناس قولي فاني قد بلغت، و قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده ان اعتصمتم به: كتاب الله و سنة رسوله.
يا ايها الناس، اسمعوا و اطيعوا و ان امر عليكم عبد حبشي مجدع اقام فيكم كتاب الله تعالى، ارقاءكم ارقاءكم .. اطعموهم مما تاكلون و اكسوهم مما تلبسون و ان جاءوا بذنب لا تريدون ان تغفروه ، فبيعوا عباد الله و لا تعذبوهم.
ايها الناس اسمعوا قولي و اعقلوه، تعلمن ان كل مسلم اخ للمسلم، و ان المسلمين اخوة، فلا يحل لامرئ من اخيه الا ما اعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن انفسكم ، اللهم هل بلغت ؟
و ستلقون ربكم فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، الا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه ان يكون اوعى له من بعض من سمعه، و انتم تسالون عني، فما انتم قائلون ؟
قالوا: نشهد انك قد بلغت و اديت و نصحت، فقال باصبعه السبابة، يرفعها الى السماء، و ينكتها الى الناس: اللهم اشهد (ثلاث مرات)))(9) .

 


1- ( التفسير القيم لابن القيم) جمع  محمد اويس الندوي و تحقيق محمد حامد الفقي، صفحة : 344
2- (في ظلال القران)، جزء 14، صفحة 109 – 110
3- عن السيرة النبوية: دروس و عبر ) ط . اولى، صفحة 78-79-80.
4 - انظر (الرسول العربي وقت الحرب) اللواء الركن مصطفى طلاس، الفصل الثالث عن غزوة الخندق، صفحة: 177.
5- نفس الفصل من نفس المصدر، صفحة:  
6- نفس الفصل من نفس المصدر، صفحة: 193
7 - لم اتعرض بالذكر لكل غزوات الرسول، و قد فعلت ذلك على سبيل المثال لا الحصر، فكل غزواته صلى الله عليه و سلم وافقه فيها التوفيق الرباني و حالفه التدبير الحكيم، و لقد كان هدفي من الوقوف طويلا عند غزوة الخندق اشارة مني الى فن الحرب عند الرسول القائد عليه الصلاة و السلام.
8- المقصود بذلك ان لا ياذن لاحد ممن يكرهون دخوله عليهن، و ليس وطء الفراش كناية عن الزنا كما قد يتوهم ( عن كتاب فقه السيرة للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي)، صفحة 514 ط ثانية .
9- انظر كتاب (فقه السيرة) للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، صفحة : 513-514-515.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here