islamaumaroc

رسالة مفتوحة إلى الجندي المغربي المقاتل بالشرق العربي

  دعوة الحق

العددان 156 و157

يا جندينا البطل !!
انك تصنع اليوم تاريخا، و تعلي شأن حضارة، و تبدد خرافات الافاكين اعداء الانسانية، فالتاريخ قد وصل في هذه الايام الى مفترق الطرق بالنسبة الينا نحن ابناء الامة العربية و الى اعدائنا، وصل الى النقطة الحساسة التي تتفرع عنها شتى السبل و الاتجاهات . فالقوى العالمية تكتنفها من جانب، على ما فيها من تنوع و اختلاف. و القوة الداخلية الواغلة في ارض الوطن العربي تريد فرض اتجاهها من جانب اخر و الصراع العقائدي و المذهبي يمزق الوسط، و ينشر فيه البلبلة و التشويش، و انت واقف وقفتك الجبارة في الميدان، لا ميدان الكلام الفارغ، و الحذلقة اللفظية، و انما ميدان العمل الخلاق الفعال، الذي يصنع الاحداث، و يوجه الوقائع، و يرتفع فوق بلاغة البلغاء و فصاحة الفصحاء انك صانع التاريخ ! و متى صنع التاريخ على يدك – سلمت اليد التي لو استطعت لقبلتها – ما كان له ان يتغير الا بعد مئات السنين ارايت الى التاريخ الذي عشناه طويلا الى هذه اللحظات ؟
انه من صنع اجداد لنا قدماء، يخيل الي ان قاماتهم قد ملات الكون طولا و عرضا كابطال الاساطير، و لكثرة ما مر عليهم من عصور اثر عصور ! انهم خالد بن الوليد ، وسعد بن ابي وقاص و طارق بن زياد و موسى بن نصير و صلاح الدين الايوبي انهم هم الذين يرجع اليهم الفضل في بقاء عروبتنا و اسلامنا ، و في حلنا لجوازات سفر عربية، و بطاقات تعريف وطنية. فكلما رايت طابعا بريديا من المغرب او لبنان او مصر او سوريا تذكرتهم، و كلما قرات كتابا يحمل جنسية عربية تذكرتهم، و كلما شخصت عيناي الى راية عربية تذكرتهم، لانهم خلف كل هذه الاشياء.
و كما انك تصنع التاريخ ، فانك تعلي شان حضارة و من قال ان قوام الحضارة مجرد افكار و فلسفات و نظريات ؟ الا فلنكن على يقين من ان السيف و البندقية و المدفع، مما يدخل في وسائل المحافظة على الحضارة و صيانتها و التمكين لها في الارض. وقد علمنا التاريخ ان الحضارة لابد ان تكون مسلحة كي تستطيع ان تعيش، و الا تسلط عليها الغزاة و اعداء الحضارة و اكلة لحوم البشر، فخنقوا زهراتها اليانعات، و سمموا تربتها الطيبة، و كدروا نقاء هوائها المنعش الجميل. فحضارة اليونان و الرومان كانت مسلحة، و حضارة الاسلام كانت مسلحة و الحضارة الغربية انتشرت مع ظهور طابعها العسكري. و اعتقد ان توقف الحضارة على السلاح ظاهرة تتفق و نواميس الطبيعة. فالطبيعة عندما صنعت الطائر الجميل اعطته المنقار الحاد، و عندما ابدعت الوردة العطرة احاطتها بالشوك، و عندما صاغت الشهد ذاذت عنه بالنحل، و هكذا دواليك. فليست الحضارة اذن بدعا من اشياء هذا الكون الجميل في هذه القضية بالذات، الانبياء و الرسل انفسهم ذاذوا عن مبادئهم بقوة السلاح، و سيف عنترة كان يعطي شعره الحماسي معناه الصحيح، كالشأن في جميع الشعراء الفرسان، و نضال طارق بن زياد هو الذي وضع لخطبته الشهيرة مكانتها في تاريخنا الادبي و لولاه لكانت هراء لا يلتفت اليه احد.
و انت يا جندينا البطل ، بوقفتك الرائعة الى جانب اخوانك المصريين و السوريين، تسند اهرامات مصر، و تدعم بقامتك الفارهة الرفيعة هياكل المادن و المساجد و الكنائس في شرق البلاد العربية و غربها، و تعض باسنانك القوية على كتب الجاحظ و دواوين المتنبي و ابي فراس و البهاء زهير و سائر مدونات التراث العربي ، حتى لا تفتك بها خراب الهمج خلفاء هولاكو و جنكيز خان و تيمور لنك، و بتلكم الوقفة التي لا ادري كيف اصف اثرها في نفسي ، تحمي عرض امة ورقي و سعادة، و تصد الشياطين عن مهاد طفلنا الصغير رجاء، و طفلتنا الوديعة الرقيقة بشرى كي ينعما بنومهما اللذيذ البريئ، و تقاتل عن شيخنا الهرم عم ابراهيم، و خالتنا الطاعنة في السن الام رحمة، كي يسعدا في شيخوختهما الحكيمة الطيبة. و توسع الافاق افاق الامل امام اجيالنا العربية المتطلعة لحياة النور و الكرامة و تمهد الجو ليبقى صدى اذان المؤذنين في المشرق مترددا في افاق المغرب. و بتلكم الوقفة نفسها بما فيها من عظمة و تحد لكل المصاعب ، يتاتى للحمام ان يعود مساء الى اعشاشه في رشاقة و شاعرية، و لملايين الطيور ان تؤوب الى اوكارها بعد تجوالها في الاجواء تنشد الدفء و القوت و المرح، و هي تتناغى بلغتها الرقيقة الوديعة.
و بتلكم الوقفة يحس كل انسان عربي بالامن و السعادة، فيحب ، و يقرأ و يصلي و يغني و يتملى محاسن الطبيعة و يسعى في الحياة وراء كل مفيد و نافع و جميل . فانت القوة التي تحمي نظام الاشياء، و تدعم عدالة الكون و تصون انسانية الانسان، و تجعل الكلمة شامخة في فم الاستاذ و الاغنية عذبة في حنجرة المغني و القلم ثابتا في اصابع الكاتب و القافية طبعة للهاة الشاعر و النجوى منسابة من قلب العاشق المتيم ... لولا وقفتك، ووقفة رفاقائك في السلاح، لتهاوت اشياء كثيرة، و لما تهيأ للنار ان تتوهج في حجراتنا الباردة. و للبسمات ان ترف على شفاهنا الظمأى، و للحديث الشيق ان يدور بيننا حول انية الشاي.
يا جندينا البطل ! ! يا نشيدنا العذب الخالد! !
لقد رفعت رؤوسنا عالية ، و جعلت دماء الفخر تتدفق حارة في عروقنا، و اتحت لنا الا نخجل من ابراز بطاقات جوازاتنا عند زيارتنا لارض اجنبية، و اعدت لديوان الحماسة في تراثنا معناه و مغزاه، بعد ان اصبح كلاما فارغا يخجل من ذكره العرب، و تشيح عنه بوجهها قريش...
كنا - نحن العرب – ضائعين بين مذاهب الراي ممزقين بين ايديولوجيات الشرق و الغرب، فخططت لنا الطريق الصحيح، و انقذتنا من انفسنا، و كنا يائسين تعلو وجوهنا غمامة الخيبة و الفشل، فكنت لنا الامل  الباسم و الرجاء الحبيب. و كنا لبضع سنين على هامش التاريخ، و في حواشي الاحداث، فنقلتنا الى الوسط، و جعلتنا محور اهتمام العالم، فباي لسان نشكرك، و باية لغة نعدد افضالك و حسناتك؟
ان هدير مدفعك صار احب الينا من اصوات المغنين، و صرير سلاحك صار اشهى عندنا من الحان المطربين، ووقع خطواتك الزاحفة على ارض المعركة، صار احلى من نقرات العصافير على الشرفات، و من همسات المحبين خلال المناجاة. كل رصاصة توجهها الى قلب العدو تبعث فينا نخوة، و كل قذيفة تسحقه بها تحدث فينا رعشة، و كل صيحة تخلع بها قلوب المعتدين تنزل على قلوبنا بردا و سلاما...
ما اروعك و انت تحيل الارض من حولهم جحيما و تجعل التحصينات من خلفهم رميما ! ! ما راوعك و انت ترقص على السنة النار، و تتخطى الحواجز و تعلو الاسوار، و قد زال عندك الفرق بين الموت و الحياة، و استوى بالنسبة اليك الوقوع و النجاة، لانك وهبت نفسك لقضية، راميا اياها بين انياب المنية، فاما نصر عظيم او موت شريف! !
كان العالم كله يتتبع انباءك اثناء المعارك، بين اخ لك يود لو قبل الارض التي يزحف فوقها جسمك القوي، و صديق يعتز بصداقتك و يفخر بمعرفتك و عدو ياكل الغيظ قلبه، و تنهش الحسرة كبده. و انا كنت من بين اخوتك الملايين الذين تلتصق اذانهم المرهفة باجهزة الراديو، لالتقاط كل خبر عن فتوحاتك و كل اشارة لبطولاتك. ثم طالعتنا الصحف بصورك و انت تصنع الامجاد، و تكتب بدمك اروع قصة من قصص التضحية و الفداء. و كنت انا واحدا من طوابير القراء من ابناء بلادي، نتطلع الى صورك، و انت بالغ الروعة و الى جانبك و من حولك نبارك انتصارات، و نقفو اثار خطواتك، و نقبل مواطئ قدميك، ان كل عائلة مغربية كنت رجلها في تلك الايام الخالدة التي لا تنسى، يعتز بك الرجال و النساء، و يتغنى بامجادك الاطفال .. و طفلي انا، لقد انشأت قطعة ادبية تشيد  بفضائلك، و قدمتها اليه ليحفظها عن ظهر قلب، فكان يرددها و ارددها معه !! و قد تندت عيناه الجميلتان الوديعتان !! لقد رددها مرات عديدات، حتى شعرت بانه قد كبر عشر سنوات !!
لقد حارب المغاربة كلهم في شخصك، فكانوا يرقصون طربا اذا نلت من عدوك و سقيته كأس المنون حتى الثمالة، و كانوا يغضبون و يزمجرون و يخاصمون كل الاشياء، اذا مررت بشدة، او نالك مكروه ! لن انسى ابناء بلدي و بلادك الطيبين، وهم يتحدثون عنك في زوايا البيوت، و على ارصفة المقاهي ، و بين ابنية المدارس و الادارات، و على متن الحافلات، و حتى في الاسواق، و على ابواب الدكاكين !! لم يكونوا يتحدثون عنك ، لا ، لم يكن حديثا هذا الذي يأخذون فيه اذا اجتمع بعضهم الى بعض. قل انه مناجاة، او قل انه غناء او قل انه هيام، و غرام!! و قل انه (مونولوج) فلقد كان احدهم يحدث الاخرين عنك، و كأنه يتحدث الى نفسه، اذا تخرج الكلمات من فمه حارة، قوية مفعمة بالانفعال، و عليها مسحة من شاعرية !! خطباء المساجد في ايام الجمع كانوا يدعون لك، و المصلون عندما تمس جباههم اديم الارض كانوا يدعون لك و شبابنا كان يتبارى في تسجيل اسمه للالتحاق بك و الوقوف الى جانبك، حتى لا يفوته شرف التواجد معك في ساحة الشرف. و لا عجب فقد اصبحت ابنا لكل اب و اخا لكل ولد، و فارس احلام كل عذراء تتعشق البطولة و الابطال، و يصطخب قلبها بحب الوطن، و الهيام بالعروبة و الغيرة على الاسلام !!
لقد سمعنا الكثير عن وقفتك الرائعة حول مدينة السويس المجاهدة، تحمي منها الاعراض، و تصون الحرائر، و تدب عن المرضى و المجروحين، كنت في مداخلها، و من حولها، سدا منيعا يرد عنها الطاعون، و يرد الوباء، و يرجع الوحش الكاسر ينزف دما وهو مثخن بالجراح. لقد انضم اليك ابناء السويس افواجا اثر افواج، يتبثون معك للموت، و يصمدون لغائلة الجوع و العطش، في ملحمة من اروع ما عرفه تاريخ الكفاح الوطني من ملاحم. كنت تدافع عن مدينة السويس، و كانك تدافع عن فاس او مراكش او الرباط و كنت تدب عن اهلها الشجعان الطيبين، و كانك تدب عن ابنائك و ابويك و اخوتك الاقربين، لقد انعدمت الفوارق و صارت السويس رمزا لكل الوطن العربي و صار اهلها رمزا لكل اسرة عربية في شرق البلاد و غربها.
اما اطلالتك علينا من جبل الشيخ بالجولان ، من خلال الصور، و انباؤك المجيدة و انت قابض على هذه البقعة من ارض العروبة، ففي نفوسنا منها الشيء الكثير، لقد رايناك في خنادقك عرين الاسود، و ملعب النسور، و مرابص النمور!! ووراء مدفعك قابضا عليه بيد من حديد، على اهبة كاملة لاطلاق رعده المكتوم ... هناك ، كانت قلوبنا تخفق من حولك و نفوسنا ترف فراشات بجانبك.كانت اصابعك المغربية القوية الطيبة، مفاتيح عالم جديد ... و كانت بندقيتك الواثقة، الشجاعة صانعة الحياة، تجلب لنا الطمأنينة، و تهبنا الاحساس بالامن ... و كانت نظراتك المفتحة اليقظة الواعدة بالنصر مصدر انس لنا نتعلق باشعتها و نلوذ بضيائها كما تلوذ الفراشات بضوء المصباح ... ستذكر الجولان دائما انك كتبت على اديمها اروع الصفحات، و انك ذذت عن شموخ هضابها و دافعت عن كبرياء صخورها، و حاميت عن منابت العشب و اعشاش الطيور و الحمائم بين ربوعها ...
يا جندينا البطل !!
اتمنى ان القاك عندما تعود، و ان اوجد في عينيك الوضاءتين اللتين اصبحت افضلهما على كل العيون حتى عيون النساء الجميلات ... لاني اريد ان ارى فيهما احلام الشرف، و غبار المعارك، و نيران المواقع، و زحف الجيوش، و مصرع الاعداء ... انهما عيناك!!
سلمت عيناك ... كانتا يقظتين، لا تنامان اياما و اسابيع، حتى لم يعد النوم من طبيعتهما .. و بفضل يقظتهما الكاملة، تغفو عيون ملايين الاطفال و النساء و الشيوخ العرب، تداعبها الاحلام ... وتسبح في باطن اجفانها الرؤى و الاطياف...
اتمنى ان القاك، و ان اضع يدي في يدك الكريمة الجريئة، البطلة، التي تبدو روعة الرجولة في اديمها و تلوح الصلابة في شعراتها، و يشمخ العزم في اعصابها !! احب ان اضع يدي في يدك، لاحس بالفخر، و باني قوي، و باني استطيع السير و انا مرفوع الرأس و اني ابن هذا الاطلس، و اني طويل القامة، متين الساعدين...
اتمنى ان القاك، و ان المس كتفيك، كتفيك الهائلتين الرائعتين ن الرفيعتين، كاكتاف الهة اليونان، كصخور الاطلس العظيم، كاعمدة الهياكل الضخمة، كانهما صورة مجسمة لعزمك الذي لا يقهر. عاشت كتفاك ... لقد نهض فوقها بناؤنا الجديد، و ارتفع مجدنا العظيم، و اتكأت عليهما نهضتنا الاخيرة، عندما رددنا جيوش الغزاة، و كافحنا ابالسة الشر، و غالبنا اعداء الانسانية.
نود تسلق كتفيك كاطفال يفرحون بابيهم العائد نريد تسلق كتفيك ... كطيور تأوي الى فرع شجرة كبيرة، نريد تسلق كتفيك ... كلاجئين الى حصن منيع، نريد تسلق كتفيك ...
اتمنى ان القاك و انت بغبار المعارك، و قد لفك دخان البارود، و اشتعلت في مقلتيك نار الجهاد المقدس، و توهجت في خديك جمرات الغضب العارم، و تصبب منك عرق الزحف العظيم ... يا له من عرق ابن من طيبه ازكى العطور .. !! انه عطر الابطال !! فيه شيء من عرق الفرس الاصيل ساعة يتوثب ... و شيء من لعاب الاسد الهصور اذ يتحفز ... وشيء من افراز الغصن الربان اذ يتعرض لاولى اشعة الشمس.. !
اقبل علينا بعرقك المشتهي ، بل بعطر رجولتك، و نفحات فحولتك... لا تغسل ثيابك، و لا تحلق عارضيك و لا تغير منك شيئا لانا نريد رؤيتك في روعة جهادك و ليك من المعركة بقايا و اثار ... حتى نملأ عيوننا من امجادك، و مظاهر بطولاتك ... لا تغسل سلاحك من دمائهم، لا تزل من ثوبك اثار ارجاسهم، لا تنظف سكاكينك من صديد احشائهم ...بل اقبل علينا كما انت ... لانا نحبك كما انت ... لا لشيء الا لانك انت ...
يا جندينا البطل!!
عندما ذهبت الى الشرق ، لتقاتل ضد لصوص الوطن فتحول دون سرقتهم لحقول القمح، و مزارع القطن، و كنوز المعابد، و مصادرتهم للنور و الشمس و الهواء، و نهبهم لاشجار التفاح و البرتقال، عندما ذهبت من اجل ذلك صلت من اجلك الحقول و الاشجار و باركتك السماء، و صافحتك الشمس ... و لسوف تصلي من اجلك سنابل القمح و عروق الدوالي و السكر الذائب في اصلاب الكروم ... و عندما اخذت موقفك بين الفدائيين من ابناء مصر العزيزة، و سوريا الغالية فامتزج دمك بدمائهم ، و تداخلت انفاسك مع انفاسهم و اقتسمت معهم البسمة و الدمعة، و الشربة و اللقمة، كنت تنقل مئات الاشجار من جبال الاطلس لتغرسها في جنان سوريا و على ضفاف وادي النيل .. و كنت تحول صخورها العظيمة لتبني بها اهراما كاهرامات الفراعنة ... و كنت تصل افواه الاطفال هناك باثداء الامهات المغربيات، فيتدفق اللبن الى النخاع... و كنت قد جمعت العطور من خلاصة ملايين الزهور ببلادي، لتعطر بها كل شبر هناك وطئته قدماك ... عندما ذهبت الى هناك، صاحبتك من بلادنا زغاريد النساء ... و دعوات الامهات ... و المعاني الحائرة في عيون الاطفال ... و ما اختزنته في لحمك و اعصابك من شمس المغرب و هوائه، و قمحه و اعنابه ... عندما ذهبت كان كل شيء في الطبيعة قد تغير ... من ذلك ان الشمس اصبحت تشرق من المغرب.. !
ان ضربتك التي انزلتها هناك بالعدو، تردد صداها في المغرب مزبدا من اللبن في اثداء الامهات.. و من الورود في جنان الخمائل .. و من الصفاء في اعماق البحيرات... و من الاشراق في جبين الوطن ... و ان قطرات الدم التي سالت من جسمك، تفجرت ببركتها مئات العيون في بلادنا، و سارت رعشة الحياة في ملايين الاغصان التي ادركها الذبول ...و التأمت جراح كل القلوب، و ان كان قد تخلف عنها بعض الندوب ... و ان رصاصك اذ يحصد العدو، كان يتحول عندنا حبا يلتقطه الطير ... وكرات ملونة يلعب بها الاطفال.. و ثمرا ناضجا تزدان به جموع الاشجار...
تغيرت فينا اشياء كثيرة عندما حدثتنا نسمات الشرق عن مجيد اعمالك .. فقاماتنا ازدادت طولا .. و اصواتنا ازدادت جهارة..و اقدامنا صارت تحس تحتها بصلابة الارض... و لهجتنا اتضح فيها معنى الوثوق ... و ارادتنا اكتسبت معنى العناد ... و ليس هذا كل شيء بل اننا اخذنا نصالح اشياء عديدة كنا قد خاصمناها منذ ايام الهزيمة الشنعاء... فصرنا نحملق في الوجوه الملاح .. و في الضفائر الطويلة ...و في القدود الميادة من دلال ... و لاول مرة منذ الهزيمة البشعة، شرعنا نستمع الى تغريد البلابل في حدائقنا ... و نلحظ انعكاس اشعة الشمس على زجاج نوافذنا ... و ندير اعناقنا اذا مرت بنا ذات روعة و فتون...
كل ذلك حصل، لانك قاتلت بشجاعة و كفاءة .. لانك رفضت الخضوع و الاستسلام ... لم نعرف، اننا نملك كل هذه الطاقة الكبيرة، من القدرة على وضع المعاني في الاشياء...و على اعطائها صفات الجدة و الطرافة، الا عندما وضعت فوهة بندقيتك في دماغ العدو...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here