islamaumaroc

الحسن الثاني وازدهار القراءات القرآنية بالمغرب -4-

  دعوة الحق

العددان 156 و157

كنت في السنوات الثلاثة السابقة حدثت(1)، و بمناسبة عيد العرش المجيد قراء مجلة دعوة الحق عن القرار المولوي السامي، القاضي بتحقيق و طبع تفسير ((الجامع المحرر الوجيز في تفسير القرءان الكريم)) لابن عطية. ذلك التفسير الذي ، هو، كما سبق ان بينت، اصل ((لتفسير البحر المحيط)) لابي حيان الغرناطي الذي توجد منه الان في الدنيا طبعتان، كان الفضل في اظهار الاولى لهمة و شهامة السلطان العلوي مولاي حفيظ الذي امر بطبعه من ماله الخاص. و جاءت الطبعة الثانية التي انجزت في عاصمة المملكة السعودية، مصورة عن الطبعة الحفيظية لتلبي رغبة المتعطشين لقراءة هذا التفسير العظيم.
لقد بدأت تصلنا اخبار سعيدة جدا عن اعمال اللجنة المكلفة من طرف امير المؤمنين الحسن الثاني نصره الله باخراج هذا التفسير محققا تحقيقا علميا دقيقا الى الوجود. و اننا لننتظر من حين لاخر صدور جزء او جزأين من "الجامع المحرر الوجيز..." تعقبه الاجزاء المتممة له في اقرب الاجال، و لاشك، و لم تكن لجنة "الجامع المحرر الوجيز" هي اللجنة الوحيدة التي امر بتكوينها صاحب الجلالة ، و انما هناك لجن اخرى غيرها منكبة بعزم وصدق على تحقيق تراثنا المغربي الاسلامي الذي لاشك انه سيرفع وجه المغرب عاليا و يجعله يحتل، في هذا الميدان ايضا، المكانة التي يجب ان يتبوأها بين شقيقاته الدول العربية و الاسلامية.
ذلك ان لجنة "ترتيب المدارك و تقريب المسالك لمعرفة اعلام مذهب مالك" للشيخ الامام القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي قد قطعت اشواطا تحمد لها، و تشكر عليها.
و ان وجود العلامة الشيخ محمد المكي الناصري على رأس هذه الوزارة ليزيد في همة هذه اللجنة، ذلك انها تجد فيه دوما السند الذي ينشطها و الارادة التي تقوي عزيمتها.

 

1- انظر ((دعوة الحق)) العدد الثالث من السنة الرابعة عشر الصادرة في ذي الحجة و محرم الحرام عام 1391 ه الموافق لفبراير 1971، صفحة 110 . و كذلك ((دعوة الحق)) العدد الاول من السنة الخامسة عشرة الصادر في محرم الحرام 1392 ه الموافق لمارس 1972م ، صفحة 90 و كذلك ((دعوة الحق)) العدد الثامن، السنة الخامسة عشرة، الصادر في صفر الخير، سنة 1393 ه الموافق لمارس 1973 صفحة 146.
و لقد ظهر من "ترتيب المدارك و تقريب المسالك" حتى الان اربعة اجزاء2   بتحقيق علماء مغاربة نشيطين ملمين المام واسعا بمادة الكتابة. و ان اجزاء اخرى قد دفعت مسوداتها للطبعة و سترى النور قريبا.
كما ان لجنة "التمهيد لما في الموطا من المعاني و الاسانيد للعلامة الامام الحافظ ابي عمرو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الاندلسي التي امر بانشائها صاحب الجلالة هي ايضا منكبة بجد لا يعرف الفتور على انجاز ما كلفت به3.
و لقد بلغني ان جزأين اخرين جديدين عدا الاجزاء التي ظهرت منه قد سلمت لمطبعة فضالة قصد الطبع. و لن يمر شهر او شهران حتى يكونا بين يدي الباحثين و العلماء و المهتمين بالفقه الاسلامي على العموم و بالفقه المالكي على الخصوص 4.
و هناك لجن اخرى غير ما سبقت الاشارة اليه اعلاه منكبة، بدون انقطاع، هي ايضا على احياء تراثنا الخالد 5
و ان وزارة الاوقاف و الشؤون الاسلامية و الثقافة لجادة كل الجد، امتثالا لللامر المولوي الشريف لانشاء لجن اخرى قصد العمل في الميادين الاخرى الباقية من التراث العربي الاسلامي الخالد.
اما اللجنة، التي يهمنا اعمالها الان، و التي كلفها جلالة الملك باحياء "الجامع المحرر الوجيز..." فقد علمت كما علم كل المتتبعين لنشاطها، انها تسير سيرها الحسن، جادة في اتمام ما كلفت به.
لكن، لابد من مضافرة جهود جميع المثقفين المغاربة، ذوي الاختصاص، ليخرج هذا العمل الجبار تاما مفيدا، نقدمه لهذا الجيل الصاعد من الشباب المسلم، و للاجيال اللاحقة بعده بفخر و اعتزاز.
و لذا و اسهاما متواضعا مني كنت قدمت في الحلقات الثلاثة السابقة ثلاث تخريجات للقراءات القرانية، اثبتها ابن عطية في تفسيره، و نقدها بشدة ابو حيان الغرناطي في تفسيره الكبير 6 "البحر المحيط 7". و اليوم اواصل ذلك.
و كان التخرج الرابع الذي لم يقبله ابو حيان، هو ذلك الذي ذهب اليه ابن عطية عند تفسيره لقول الله تبارك و تعالى :" و لتجدنهم احرص الناس على حيوة، و من الذين اشركوا يود احدهم لو يعمر الف سنة"

2) حقق الجزء الاول الذي صدر بتاريخ 17 شوال عام 1384 ه موافق لـ 19 فبراير 1965 الاستاذ محمد ابن تاويت الطنجي. ولقد اشير في غلاف هذا الجزء على انه هو الرقم 1 من السلسلة التاريخية. و حقق الجزء الثاني الذي صدر بتاريخ 14 جمادى الاولى 1386 ه الموافق لـ 31 غشت 1966 الاستاذ عبد القادر الصحراوي السفير الحالي لصاحب الجلالة بلبنان، و حقق نفس الاستاذ الجزء الثالث الذي صدر بتاريخ 5 ربيع الثاني 1388 موافق لـ 2 يوليوز 1968، و الجزء الرابع الذي صدر بتاريخ 17 ربيع الاول 1390 موافق لـ 29 مايو 1970.
3) ظهر من التمهيد لحد الان جزان بتحقيق من هيأة الاساتذة العاملين بوزارة الاوقاف بدون تاريخ.
4) قام بتحقيق الاجزاء التي سلمت للمطبعة صديقي العلامة سعيد اعراب.
5) لقد اصدرت هذه اللجنة "الاعلام بحدود قواعد الاسلام" للامام ابي الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي.  حقق هذا المصنف البالغ الاهمية الاستاذ محمد ابن تاويت الطنجي. و اصدرته وزارة الاوقاف تحت الاشارة "السلسلة الدينية"، و كان هذا المؤلف رقمها الاول. ولقد وصلت الان الى ايدي القراء الطبعة الثالثة منه مشكولة بالشكل التام.
6) اسمي البحر المحيط لابي حيان بالتفسير الكبير، لان هذا العلامة ترك لنا تفسيرا مختصرا سماه "النهر الماد من البحر" وهو الذي يعجبني ان اسميه ب "التفسير الصغير".
7) كنت تعرضت لاول تخريج نقده ابو حيان في العدد الاول من "دعوة الحق" السنة الخامسة عشرة، صفحة 91 و كان هذا التخريج يدور حول الآية 74 من السورة الثانية، البقرة، و تعرضت للتخريج الثاني في دعوة الحق العدد الثامن السنة الخامسة عشرة، صفحة 146. و تعرضت للتخرج الثالث في نفس العدد من المجلة المذكورة، صفحة 147.
سنة و ما هو بمزحزحه من العذاب ان يعمر، و الله بصير بما يعملون" 8
لقد تعرض في هذه الاية الكريمة الى قضية الضمير في الجملة القرانية "وما هو بمزحزحه من العذاب ان يعمر".
و معلوم ان هذا التركيب العربي "و ما هو "قد اسال كثيرا من المداد و لم يتفق، لا قديما و لا حديثا ، علماء اللغة العربية في شيء منه.
الا ان هناك اتجاهين كبيرين، هما اتجاه الحجازيين الذي يجعل من "ما" ناصية للاسم، و رافعة للخبر. و بهذا التاويل يكون "هو" في محل نصب و "بمزحزحه" في محل رفع خبر "ما" . و اتجاه التميميين الذي يبطل عمل ما. فيصبح بهذا التاويل، "هو" في محل رفع مبتدأ و "بمزحزحه" في محل خبر .
و هذا التخريج هو الذي قدمه ابن عطية، ولاشك انه ايده ايضا.
و لقد تعرض له ابو حيان، غير انه لم يبدي فيه رايه بصراحة، كعادته ، فاكتفى بان قال "وجوزوا ايضا في هذا الوجه اعني ان يكون الضمير عائدا على "احدهم" ان يكون هو مبتدأ و "بمزحزحه"خبر، و "ان يعمر" فاعل بمزحزحه. فتكون ما تميمية. و هذا الوجه ، اعني ان تكون ما تميمية هو الذي ابتدأ به ابن عطية (9)".
و كان التخريج الخامس في كتاب "الجامع المحرر الوجيز .." الذي اغضب ابا حيان الغرناطي، و صوبه بشدة هو ما اورده ابن عطية وهو يفسر قوله تعالى : "الحج اشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج، فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج، و ما تفعلون من خير يعلمه الله و تزودوا فان خير الزاد التقوى ، و اتقون يا اولي الالباب" (10).
لقد قال ابن عطية رحمه الله في تخريج قراءات "و لا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج" "و لا بمعنى ليس في قراءة الرفع و خبرها محذوف على قراءة ابي عمرو، و "في الحج" خبر "لا جدال". و حذف الخبر هنا هو على مذهب ابي علي وقد خولف في ذلك. بل "في الحج" هو خبر الكل، اذ هو في موضع رفع في الوجهين  لان لا انما تعمل على بابها فيما يليها و خبرها مرفوع باق على حاله من خبر الابتداء. و ظن ابو علي انها بمنزلة ليس في نصب الخبر و ليس كذلك، بل هي و الاسم في موضوع الابتداء يطلبان الخبر، و في الحج هو الخبر".
فاعترض عليه ابو حيان اعتراضا قويا، فقال (11) "و هذا الذي جوزه و جزم به ابن عطية ضعيف، لان اعمال لا اعمال ليس قليلا جدا لم يجيء منه في لسان العرب الا ما لا بال له ، و الذي يحفظ من ذلك قوله :
تعز فلا شيء على الارض باقيا
                           و لا وزر مما قضى الله واقيا
انشده ابن مالك و لا اعرف هذا البيت الا من جهته. و قال النابغة الجعدي:
و حلت سواد القلب لا انا باغيا
                         سواها و لا في حبها متراخيا...
و هذا كله يحتمل التاويل، و على ان يحمل على ظاهره لا ينتهي من الكثرة بحيث تبني عليه القواعد، فلا ينبغي ان يحمل عليه كتاب الله الذي هو افصح الكلام و اجله و يعدل عن الوجه الكثير الفصيح. "
و لم يكتف بهذا القول، بل صار يعلق على كل جزء من كلام ابن عطية مصوبا ما يراه خطأ. فتكون عنده ست ملاحظات، اجملها فيما يلي:
الملاحظة الاولى : قال ابن عطية : ((ولا بمعنى ليس)).
فرد عليه ابو حيان بما معناه ان "لا" بمعنى ((ليس)) هو من القلة في كلامهم بحيث لا تبنى عليه القواعد.
8) الاية 96 من الصورة الثانية، البقرة.
9) البحر المحيط، الجزء الاول، صفحة 315، السطر 11.
10) الاية 197 من السورة الثانية، البقرة.
11) البحر المحيط، الجزء الثاني ، صفحة 88، السطر 15.
الملاحظة الثانية : قال ابن عطية : ((و خبرها محذوف على قراءة ابي عمرو)).
فرد عليه ابو حيان بهذا المعنى ان خبر كان و اخواتها، و منها "ليس" لا يجوز حذفه اختصارا و لا اقتصارا.
الملاحظة الثالثة : قال ابن عطية "بل في الحج هو خبر الكل اذ هو في موضع رفع على الوجهين"
فرد عليه صاحب البحر بان "لا" اذا كانت بمعنى ليس، احتاجت الى خبر منصوب. و اذا كانت مبنية مع "لا" احتاجت الى ان يرتفع الخبر، اما لكونها هي العاملة فيه الرفع، و اما لكونها مع معمولها في موضع رفع على الابتداء.
الملاحظة الرابعة : قال ابن عطية ((لان لا)) انما تعمل على بابها فيما تليها و خبرها مرفوع باق على حاله من خبر الابتداء.
فرد عليه ابو حيان قائلا : ذلك لا يجوز لانها اذا كانت بمعنى ليس كان خبرها في موضع نصب (12).
الملاحظة الخامسة : قال ابن عطية : ((وظن ابو علي (13) انها في منزلة ليس في نصب الخبر و ليس كذلك.)) فاجابه ابو حيان بان ظن ابي علي صحيح، و ان جاء ذلك نادرا في لغتهم.
الملاحظة السادسة :  قال ابن عطية "بل هي و الاسم في موضع الابتداء يطلبان الخبر و ((في الحج)) هو الخبر".
فرد ابو حيان هذا الكلام بما مؤداه، لقد بينا ان ذلك ليس بصحيح لنصب العرب الخبر اذا كانت بمعنى ليس. وعلى تقدير ما قاله لا يمكننا العلم بانها تعمل عمل ليس في الاسم فقط اذا كان الخبر مرفوعا (14).
و لقد احصيت لهذه الجملة خمس قراءات هي التي كانت سببا في الخلاف الناشب، لا بين ابن عطية و ابي حيان فقط، و انما ايضا بين العديد من القراء و اللغويين غيرهما.
القراءة الاولى: هي قراءة ابي جعفر الذي يقرأها برفع و تنوين الالفاظ الثلاثة (15) رفث و فسوق و جــــــــدال (16) و لقد رويت هذه القراءة عن عاصم (17) ايضا من بعض الطرق (18).
القراءة الثانية : هي قراءة ابي رجاء العطاردي الذي يقرأ"و لا رفثا و لا فسوقا و لا جدالا في الحج" بالنصب والتنوين، نصبها على انها مصادر عملت فيها افعال من لفظها، فرفثا، عمل فيها فعلها برفث، و عمل افعال من لفظها ، فرفثا ، عمل فيها فعلها برفث، و عمل
 12) نحن نعلم ان في هذا الباب مذهبان : مذهب سيبويه الذي جعلها تعمل عمل ان، و مذهب الاخفش الذي يجعلها عاملة عمل ليس. لكن ابن عطية ذهب مذهبا ثالثا، لانه جعل ((الحج)) خبرا لكل.
13) هو الحسن بن احمد بن عبد الغفار بن سليمان النحوي المشهور، احد اعيان القرن الرابع الهجري، ازهى العصور الاسلامية و احفلها بصنوف المعارف. عرض على ابن مجاهد، توفي سنة 377 هجرية خلف كتابين في القراءات القرانية هما كتاب التذكرة، و الحجة بناه على كتاب ابي بكر بن مجاهد. انظر ترجمته في طبقات القراء، الجزء الاول، صفحة 206 ، و في وفيات الاعيان، الجزء الاول صفحة 361 ، و في معجم الادباء، الجزء السابع صفحة 292.
14) البحر المحيط، الجزء الثاني، صفحة 89.
15) لم يشر ابو البركات بن الانباري الى هذه القراءة في كتابه ((البيان في غريب اعراب القران)).
16) تصدى ابو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري لتعليل هذه القراءة من الناحية النحوية في كتابه ((املاء ما من به الرحمن من وجوه الاعراب و القراءات في جميع القران، الجزء الاول صفحة 86.
17) انظر تفصيل ذلك في البحر المحيط ، الجزء الثاني ، صفحة 88 ، السطر 7.
18) طريق المفصل عن عاصم.
في فسوقا، الفعل يفسق ، و عمل في جدالا، فعلها يجادل (19).
القراءة الثالثة : هي قراءة الكوفيين، و نافع بفتح الالفاظ الثلاثة، و هي القراءة السائدة عندنا بالمغرب لانها قراءة ورش عن نافع. علل هذه القراءة ابن الانباري فقال: ((فاما من قراها كلها بالفتح، جعل النكرة مبنية مع "لا" (20)، و عللها ابن خالوية بقوله : "فالحجة لمن نصب : انه قصد التبرئة "بلا" في الثلاثة فبنى الاسم مع الحرف فزال التنوين للبناء(21)"
القراءة الرابعة : هي قراءة ابن كثير و ابي عمرو اللذين رفعا بالتنوين اللفظين الاولين و نصبا اللفظة الثالثة ((و لا جدال)).
علل هذه القراءة ابن الانباري فقال ((و من قرأ لا رفث و لا فسوق بالرفع و لا جدال بالفتح لم يبن الفكرة مع لا رفث و لا فسوق لمكان العطف، و رفعها بالابتداء، و الخبر مقدر و تقديره، في الحج و بنى (لا جدال) على الفتح لانه اراد ان يفرق بين الرفث و الفسوق، و بين الجدال (22).
القراءة الخامسة : لم يذكرها في علمي الا ابو حيان في بحره، فقال ((و قرأ ابن مسعود و الاعمش رفـــــــــوث)) (23).

19) لم يشر العكبري الى هذه القراءة مع انه اشار الى القراءة الأولى وهي في نظري اكثر شذوذا من  الثانية
20) البيان في غريب اعراب القران، الجزء الاول ، صفحة 147.
21) الحجة في القراءات السبع ، صفحة 71.
22) البيان... الجزء الاول، صفحة 147.
23) البحر المحيط ، الجزء الثاني، صفحة 88، السطر 6.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here