islamaumaroc

الحسن الثاني القائد العسكري

  دعوة الحق

العددان 156 و157

ربي الشبل الملكي "سميت سيدي" تربية ملكية سامية و ثقف تثقيفا حديثا عاليا و نشئ تنشئة عسكرية رفيعة في جو يتسم بسمو المدارك، و نضج الرجولة، و علو الهمة، لا ينفك يسمع في ثناياه اصوات اجداده الامجاد يصولون و يجولون، يأمرون و ينهون، يرسعون و يخططون، يقودون الجحافل و ينتصرون. فارتسم على صفحة ذهنه الثاقب صورة من كل ذلك، فنشأ سموه قوي الادراك، واسع الاحاطة، شامل الثقافتين: ثقافة الفكر و ثقافة الجسم.
و لما كان يعلم سموه منذ حداثة سنه انه يهيأ لوراثة عرش راع للشعب، و مرشد للامة، و قائد لجيوشها، ابدى رغبته في الالتحاق باحدى قطع الاسطول الفرنسي ليتروض فوقها على الصبر و الاناة، و الشدة و المعاناة، و يتمرن على مختلف الفنون الحربية، و يركب المخاطر و الاهوال، حتى ينمي عبقريته الفتية، و عقليته العلمية، و رجولته العملية . فالتحق سموه بالسفينة المدرسية (جان دارك) و اثناء التدريب عاش سمو الامير – يقول مؤرخ المملكة الاستاذ عبد الوهاب بنمنصور – عيشة الجندي البسيطة الخالية من الراحة و الترف، و تحمل متاعبها و مشاقها بمنتهى الصبر و الجلد، و خضع لقواعد الضبط و الامتثال، و شارك في عمليات الضرب و الابحار و النزول و الغارات التدريبية .. و شاهد من المغامرات، و جرى قربه من الحوادث، ما لا يشاهده عادة الا من تمرس بالجندية و عاش بين الجنود في المعسكرات".
و قد استطاع سمو الامير الطالب البحري ان ينتزع من الضباط و الطلبة المتدربين "الاعجاب لسعة ثقافته و سحر بيانه، و سرعة فهمه للشؤون البحرية، و حذقه في امد قصير للاشياء التي لا تحدق الا في شهور طويلة من الدراسة النظرية، و الممارسة الفعلية، حتى كتب في حقه احد ضباط السفينة هذه العبارات : ما ان توضح له اداة معينة في الة او عملا محدودا حتى يدرك في الحال اهمية تلك الاداة او ذاك العمل و يظل متذكرا اياه.
و اشهد انني لم اصادف في حياتي انسانا يملك قوة ادراك و فحص مثل التي يمتلكها الامير مولاي الحسن، و من المؤسف انه انقطع عن الدراسة البحرية ولو واظب عليها لصار بحارا ممتازا."
و لما عاد سمو الامير من تدريبه العسكري الى ارض الوطن توالت الاحداث و جاءت المحنة فكان سمو الامير رفيق والده المقدس في جهاده و انيسه في غربته ووحدته يساعده بكل حنكة و مهارة في معالجة القضية المغربية.
و عندما انفرجت الكربة و اذهب الله الحزن عن المغرب و حررت البلاد من قيود الحجر و الوصاية كان من بين البرامج التي نص عليها بيان ثني مارس 1956 انشاء جيش مغربي تحت قيادة مغربية اصيلة.
فاسس محمد الخامس قدس الله روحه النواة الاولى للقوات المسلحة الملكية و اسند لولي عهده العسكري المحنك رئاسة اركان الحرب العامة لطول ما خبر من مشاكل الشعب و لكثرة ما عالج من الامور و لوعرف ما عرف من الوسائل و بكفاية ما تزود به للقيادة و التسيير و التدبير.
فاستدعى سموه على الاثر الضباط المغاربة و خاطبهم قائلا : "ابتداء من اليوم قد اصبحتم تحت قيادتي و سيكون قائدكم الاعلى عادلا و رحيما لكنه لا يقبل أي اخلال بواجبات الامتثال و الانقياد و الادب، فانتم امل جلالة السلطان و امل الشعب و امل الامة المغربية و يقضي عليكم الواجب ان تكونوا اهلا لهذه الامال".
و بعد عشرين يوما من اعلان الاستقلال قدم سموه وحدات القوات المسلحة الملكية الى جلالة الملك بصفته القائد الاعلى. و بعد ان اقسم الجيش امام القائد الهمام بالاخلاص لله و الوطن و الملك سلم صاحب الجلالة و المهابة علم القوات المسلحة الملكية لسمو ولي عهده و رئيس اركان الحرب. فكان هذا اليوم التاريخي غرة في تاريخ كفاح الشعب و العرش من اجل الحرية و الكرامة حيث انهما اقتطفا فيه ثمار جهادهما المبارك. فقال اول رئيس اركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية بالمناسبة " ان انشاء هذه النواة من الجيش تقيم لك – ايها الشعب المغربي – و لغيرك البرهان على ان التاريخ لا يخون اولئك الذين ظلوا اوفياء لمثلهم الوطنية السامية، ووجوده ايضا يعينك على المحافظة على امتك و امن عائلتك و رفاهية احفادك .. و ان التأثر الذي يخالج نفوسنا حينما تمر امام اعيننا الراية المغربية و بنود الوحدات العسكرية ليبرهنان لنا جميعا على ان المغرب لم يفقد قط خلال تاريخه المجيد قيمته كامة عظيمة".
و اصبحت القوات المسلحة الملكية الشغل الشاغل لرئيس اركان حربها العامة فكون في امد قصير اطرها البرية و الجوية و البحرية، و انشأ مدارس تكوين ضباطها و مراكز تدريب جنودها على مختلف الاسلحة و العتاد و اوفد البعثات العسكرية الى المدارس الحربية الاوربية و الامريكية لتتم تكوينها و تنمي معلوماتها العسكرية في مختلف الفنون الحربية، و زود وحداتها بمختلف الاسلحة العصرية الخفيفة منها و الثقيلة.
وقد وقف الجيش الملكي بقيادة سمو ولي العهد و رئيس اركان حربه مرابطا بتخوم البلاد و حدودها يحرسها – بعد حداثة استقلالها – بيقظة و انتباه و يحميها من عبث العابثين، و فعلا فقد اخمد بكل اباء و عزة جميع التحرشات و صد بكل شهامة و قوة الاعتداءات المتكررة على وحدة تراب مملكته وحدودها المشروعة و احبط جميع المناورات الداخلية التي قام بها المتمردون بجنوب البلاد و شمالها وقضى على الاستفزازات و التحديات التي قام بها اعداء الامة و الوطن.
و في كل هذه العمليات الحربية التي قامت بها القوات المسلحة الملكية للرد على ضربات خصومها بضربات اشد كان النصر حليفها لما كانت تتمتع به من تبصر و حنكة و دراية و لما امتازت به قياداتها المتجسمة في شخص "سمو ولي العهد" – العسكري الملهم و القائد المظفر – من حزم و رشد وحكمة و اقتدار.
و اعظم صورة لهذه العمليات دخول الجيش المغربي لاقليم طرفاية بالقيادة الحكيمة "لسمو ولي العهد". ذلك انه لما وضع الاسبان العراقيل امام القوات المغربية الزاحفة الى اقليم طرفاية قرر رئيس اركان الحرب العامة و القائد البطل المغوار ان يتوجه ليلا من اكادير على راس طابور عسكري لتحرير طرفاية مارا من كلميم ووادي درعة و طنطان وسط كتبان من الرمال. و لما وصل القائد الهمام الى طرفاية بعد ايام قليلة وجد ان الاسبانيين قد اخلوها بعد ما خربوها تخريبا.
و بعد ان خمدت نار الاحداث و اطمأن المغرب على وحدته و سيادته اخذت القوات المسلحة الملكية – بقيادة قائدها و باعث مجدها – مكانتها بجانب الجيوش العصرية فتتكاثر معداتها و يتحسن تدريبها و تنمو طاقتها الدفاعية. فوشح محمد الخامس قدس الله روحه صدر ولي عهده و رئيس اركان حرب جيشه العتيد بكلمة ذهبية رائعة قال فيها جلالته " لقد برهن الامير برهانا قاطعا على انه اهل لما وضعنا فيه من ثقة و اختيار، و بفضل حنكته يتقدم جيشنا في جميع ميادين حياته و نشاطه، و بفضله ايضا يبقى هذا الجيش على اتصال دائم بقيادته. و لقد كان النجاح دائما حليف ولي العهد في الماموريات التي كلفناه بها سواء في الميدان العسكري او في الميدان الديبلوماسي خارج المغرب، و اننا لفخورون به و نابى الا ان ننوه به امام ضباطه و انه لجدير بحمل ثقتنا و ثقة هؤلاء الضباط".
و عندما اختار الله مؤسس القوات المسلحة الملكية المقدس لجواره ورث"سمو ولي العهد " التاج المتألق طيلة الاجيال و الاحقاب و المجد المحفوف بالسؤدد و الجلال و تبوأ عرشا من اعرق العروش ليرعى كل امر من امور الدولة و يسهر على كل شأن من شؤون الامة و ليأمر متشبثا بعقيدته السليمة فيطيع شعب و ليقول متخلقا بنفسيته الكريمة فيسمع عصر و ليعمل  حسب خطته الحكيمة فيسجل تاريخ. فاقام ملكه على الديمقراطية و عرشه على الدستور و حكمه على العدل و المساواة و جعل من قواته المسلحة الملكية صورة حية لجيش طارق بن زياد في بأسه و نجدته و جيش يعقوب المنصور الموحدي في ايمانه و شدته و جيش المولى اسماعيل العلوي في بسالته و جرأته ، و رعاها حق الرعاية لتكون عمود دفاع البلاد تحمي دمارها و تذوذ عن حياضها و تحمي حضارتها و تصون مقدساتها و اداة في نفس الوقت للازدهار الاقتصادي و الاجتماعي و العمراني.
و اخيرا و ليس اخيرا لقد اضافت قواتنا المسلحة الملكية في عهد جلالة الملك الحسن الثاني قائدها الاعلى و رئيس اركان الحرب العامة صحيفة جديدة الى تاريخها الدولي اللامع حيث وقفت بجانب احفاد الامويين و ابناء ارض الكنانة تساعدهم على استرداد الحق السليب و استرجاع البقاع المقدسة.
و بذلك يشهد التاريخ ان القوات المسلحة الملكية خلقها الحسن الثاني ورباها و سار معها خطوة بخطوة، و قد كاد بها الكائدون، الا انها بقيت ثابتة راسخة و استمرت في وقائها لبلادها و لدينها و لملكها . و ها هي اليوم تجني و يجني معها المغرب عرشا و شعبا ثمار ذلك الوفاء و ثمار تلك الاستقامة و ثمار ذلك الاخلاص لقسمها "الذي تأسس و قام و شب و ترعرع على قاعدة صلبة استغرق بناؤها ازيد من الف سنة".
بارك الله في قواتنا المسلحة الملكية و ثبت ملك قائدها الاعلى بالسلام و نضر عهده بالرقي و الوئام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here