islamaumaroc

الثقافة العربية المعاصرة في شمال المملكة المغربية -1-

  دعوة الحق

العددان 156 و157

قبل ان ادخل في صلب الموضوع، لابد من توضيح بعض المفاهيم :

اولا – مفهوم الثقافة العربية:
ان مؤتمر اليونيسكو المنعقد ما بين 29 ماي و 3 يونيو 1960 لنظر، في الثقافة العربية المعاصرة، و الذي حضره بعض خبراء العرب اصدر تقريرا:
وصف الثقافة العربية المعاصرة بالشمول، لكن على المستوى الذاتي الداخلي، لا على المستوى الخارجي العالمي، كافية الى اللغات الاجنبية، و لكون مجهودات الفكر العربي متجهة الى ابناء جلدته و الى جماعات محدودة، اكثر مما هو متجه الى الجماعات الخارجية .. هذا من جهة العطاء .. و اما من جهة الاخذ، فان الثقافة العربية دائمة الاستمداد، و الاقتباس، من عصارة الثقافات الاخرى المعاصرة برمتها، سواء منها الشرقية و الغربية اما عن طريق البعثات او المترجمات، او بشتى الاتصالات و العلاقات..
و على العموم  - يقول التقرير – فان الثقافة العربية المعاصرة اجتازت ثلاث مراحل:
الاولى  - من عام 1870 الى قيام الحرب العالمية الاولى .. و هي فترة تتسم ببزوغ بوادر النهضة، و تأجج الافكار .. و الانطلاق نحو بعث اللغة العربية و الاقبال على المترجمات .. و تجديد في الفكر و تكوين نهضة قومية، و اصلاح اجتماعي..
الثانية – من عام 1914 الى انتهاء الحرب العالمية الثانية (أي ما بين الحربين) .. هذه الفترة تميزت بتطور في اللغة العربية و ادابها، و ظهور نخبة مثقفة ثقافة عصرية.
الثالثة من عام 1945 الى اليوم .. هذه الفترة برزت فيها الشخصية العربية الاسلامية، مستقلة في كثير من المجالات لها ذاتيتها المتميزة، و كيانها الخاص بين الدول .. وهي تطمح الى ما هو ابعد و اسعد ..
هذا من ناحية الثقافة العربية المعاصرة بصفة عامة، و اما الثقافة المغربية المعاصرة فينبغي ان نعالج تطورها في اطار الثقافات القومية، الخاص بكل امة .. اذ ان لكل امة ثقافتها الخاصة .. فاذا كان العلم عالميا و المعرفة عامة، فان لكل امة ثقافتها الخاصة، التي تقوم على اسس و مقومات مستمدة من ذاتها، و تاريخها و لغتها، و ماثراتها و ماثرها الاصيلة .. و انه لا سبيل الى ان تتداخل ثقافة في ثقافة اخرى متباينة، و ان كان في الامكان ان تستمد احداهما من الاخرى، القدر المشترك، او ما تقتضيه ظروف المعايشة، و التفاهم ، و التعارف .. دون ان تفقد احداهما ميزتها الخاصة، و قيمتها الذاتية مما يجعلنا مضطرين الى التنبيه الى خطأ النظرية التي تقول بانسانية الثقافة بمعنى ان ثقافة الامم ينبغي ان تختلط و تمتزج و يذوب بعضها في بعض، الى ان تصير ثقافة انسانية واحدة ، فهذه النظرية انما تستهدف القضاء على بعض الثقافات المناهضة لثقافة معنة – او بالاحرى ان تكون الغلبة و السيطرة لثقافة قوية، ثوفرت لها اسباب الظهور و الانتشار، على ثقافة محلية ضعيفة لم تستكمل بعد اسباب نهضتها، و قدرتها على التماسك.. كما هو الشأن في ثقافتنا ازاء الثقافات الغربية الجبارة، التي حلت بساحات بلادنا، و ارادت اكتساحنا و القضاء على ثقافتنا بحجة العالمية و الانسانية..
هذا و لا ننكر ان في الثقافات على اختلافها و تقاربها قدرا مشتركا ، ينبغي ان ينعت بانه انساني كدواعي الخير و الحق و العدل.. هذه التي لا تخلو منها ثقافة اية امة ذات حضارة و طبع سليم..
و في هذا المضمار ينبغي انيضا ان لا نخلط بين الثقافة و الحضارة، اذ لكل منهما مقوماتها و اسسها.. فاذا كانت الثقافة قومية، و ذاتية ، فان الحضارة تابى الا ان تكون او على الاقل ان تكون عملا لا يعرف الحدود، و ارثا مشتركا بين سائر الاجيال.. و من هنا كانت الحضارة تتسم غالبا بطابع الشمول، في حين تجد الثقافة تتميز بطابع الذاتية و القومية.
و انطلاقا من هذا المفهوم، نصل الى ان الثقافة المغربية – اذا كان لها شبه، فهو الثقافات العربية الاخرى – انها ترتكز على مقومات الامة العربية عموما، من عقيدة اسلامية، و اخلاق قرانية، و لغة عربية، و اداب و علوم، و تاريخ، و تراث، و امجاد مشتركة.. ثم على مقوماتناالقومية الخاصة، من جغرافية، و بيئة، و مجتمع، و أشياء اخرى حسية، و معنوية، يدق التعبير عنها، و تابى التحديد و الحصر .. ذلك لانها اشبه بالطقس و المناخ او بالعبير و الرحيق الذي ترعاه النحل من الازهار و الاشجار وهو متعدد الانواع.
و جمال القول في الثقافة المغربية، انها مرتكزة على التراث الاسلامي العربي، و قائمة على ارضيتنا و اصولنا العريقة، و في نفس الوقت تصطبغ بالعصر و بالبيئة التي نعيش فيها ..
و لا ازعم ان ثقافتنا بالامس، هي ثقافة اليوم و الغد.. بحيث تظل بلادنا على لون واحد من الثقافة تتوارثه الاجيال دون تغيير او تبديل – فهذا هو الجمود بعينه، و القضاء على كياننا.. و لكن الثقافة المغربية الحقة هي التي تتكيف مع الزمان و مع مقتضيات الاحوال..
و هذا الموضوع – موضوع الثقافة المغربية – قد وفاه حقه الاستاذ انور الجندي في كتابه:"الفكر و الثقافة المعاصرة في شمال افريقيا" وهو يوصي بان تظل الثقافة المغربية العربية مفتوحة امام الثقافات الاجنبية تأخذ منها و تعطي، و لكن يجب ان تظل قادرة على رفض ما لا يتفق مع كيانها، و مزاج اهلها.. حفاظا على الشخصية العربية الاسلامية، و صونا للذات المغربية و طابعها الخاص.
ذلك اننا اذا امعنا النظر و استعرضنا انواعا من الثقافات، في القديم و الحديث، فاننا نجد ان بعض الثقافات، يغلب عليها الجانب المادي، و البعض يغلب عليه الجانب الروحي، و البعض يتعادل فيه الجانبان .. و لا شك ان معظم ثقافات هذا العصر، تغلب فيها الماديات على الروحانيات اذ كادت المعتقدات الدينية و القيم لاخلاقية، تنعدم منها او تتضاءل، حتى لا تكاد تذكر .. و هذا موضع الخطر بالنسبة الينا، لاننا  - و يا للاسف – تقع بلادنا في مفترق الطرق، حيث تتصارع الثقافات المادية، و تتلاطم امواجها في كل وقت و حين..
زيادة على اننا مازلنا في صراع عنيف – لا مع الثقافات المادية و التيارات الوافدة، بل مع انفسنا و ضد بعضنا، فاننا لم نحدد الى الان مفهوم الثقافة المغربية، التي ينبغي ان ناخذ بها انفسنا، و نرى عليها اجيالنا، فمازلنا نتساءل هل ناخذ ذات اليمين، او ذات اليسار، هل نسير مع الماديات الغربية، و نكتفي بقشور مغرياتها و زخارفها، ام نرجع الى التمسك بمعتقداتنا الدينية و اخلاقنا الاصيلة و قيمنا الروحية و سلوكنا القويم، مع التخلق و التعلم بمقتضيات العصر.. ما زلنا في حيرة من امرنا، وما زال أولياؤنا يذهبون في ذلك طرائق قددا..
و مقياس ذلك ، انك لو طرحت سؤالا و قلت: من هو المثقف عندنا، او ما هي المقومات الثقافية الت نكون و نربى عليها اجيالنا..
 فالمتشبث بالقيم الروحية، يريد من المثقف ان يكون مومنا مسلما، قولا و عملا، عارفا بما احل الله و ما حرم، مجتنبا النواهي و مؤتمرا باوامر الشريعة.
و المتشبث بالقومية الوطنية، يريد من المثقف – بجانب ما ذكر – ان يكون عربيا غيورا على لغته و دينه و ووطنه..
و المتشبث بالمادية الحديثة، يريد من المثقف ان يكون على قدر كبير او قليل من ثقافة العصر، و من التقنيات  و الصناعات، و من اللغات الاجنبية و الشؤون المالية و الاقتصادية، و مشاكل العصر و مجريات الاحوال.
و هكذا.. فالكل يطلب من المثقف الشيء الذي يعنيه.. و هنا يكمن المشكل، فالمتطلبات من المثقف كثيرة و متنوعة، ووقته لا يتسع للاحاطة بها، و لا لبلوغ مداها .. فاذا ضاق به الوقت و انصرف عن جانب، و اكتفى بجانب منها رمي بالقصور او بالزيغ و الضلال..
و نحن نعلم ان الاخذ بمقومات الثقافة له وقت محدود، عندما يكون الطبع قابلا، و الجسم لدنا مرنا –وهو ما دون العشرين او ما دون الثلاثين على اكبر تقدير – امن اراد ان يتم الرضاعة – رضاعة العلوم و الفنون – و قليل من يتسع له هذا الوقت لاستيعاب فنون الثقافة، و تكوين شخصيته حسب تلك المتطلبات..
فلم نكن نحن وحدنا الذين ضجوا من هذا المشكل، مشكل ازدحام برامج التكوين و التثقيف في مراحل التعليم المتوسط و العالي – فكثير من الامم، عدلت من برامجها التعليمية و الثقافية و قدمت الاهم فالاهم، و اكتفت بما هو ضروري و اساسي، محسنة في نفس الوقت، اساليب التعليم، و مقربة المواد من الاذهان، و الغت في معظمها ما هو نظري، و اعتمت الممارسة و التجربة، و أكثرت من وسائل التطبيق – بهذا امكن لها اختصار الوقت و تزويد الطلاب باكثر ما يمكن من انواع التثقيف، وهي قاعدة "ما لا يمكن كله لا يترك جله او بعضه" التي كان اسلافنا يعملون بها في مضمار التعليم و التثقيف.
ان الثقافة المستوعبة الشاملة، شيء صعب المنال مهما توفرت الاسباب، و اتسع الوقت و تطاول العمر، و اذا كان الامر كذلك، فلتكن الاولية للمقومات النفسية و الفكرية ثم مقومات السلوك و الاخلاق.. و بعدها المقومات المهنية و المعاشية.. لانه لا غنى لاحد عن تقويم نفسه و تحسين اخلاقه..
عليك بالنفس و استكمال فضائلها
                           فانت بالنفس، لا بالجسم انسان
و لعل هذا هو ميزة ثقافة اجيالنا القديمة، الذين استطاعوا بقليل من الثقافة القويمة الاصيلة ان يقوموا بجلائل الاعمال و يصلوا الى غايات تنقطع دونها الامال..
ان المثقفين ثقافة مهنية محضة، لم تحصن بثقافة اخلاقية واقية، جديرون بان ينقلبوا على المجتمع و يكونوا شرا عليه، و اداة من ادوات التخريب..  و هذا لا يحتاج الى برهان، و المحسوس اعظم برهان..
فهذا الحذر ، و هذا الحس – هو الذي جعل الكثير من المثقفين على اجيالنا، و على مجتمعنا، يلتمسون النجاة و يطلبون السلامة في الرجوع الى الثقافة المغربية الاصيلة، ملتزمين معها ان تكون ثقافة عربية، مطعمة بمقتضيات العصر، مجارية لثقافات الامم الحديثة فيما تحسن فيه المجاراة و تفيد المباراة..
و لا مؤاخذة، اذا اطلت في مفهوم الثقافة الغربية المعاصرة..التي هي موضوع هذا الحديث، لاني اريد ان يفهم بادي ذي بدء، المغزى لذى ارمي اليه في تنايا البحث.

ثانيا – مبدأ المعاصرة:
 و كذلك لابد من تحديد مبدأ "المعاصرة" التي اجول في مداها، و اتحدث في نطاقها.
ان كثيرا من من متتبعي الاحداث المغربية ، الواقعة في القرون الاخيرة، يذهبون الى ان المغرب لم يدخل باب "العصرالحديث"الا في منتصف القرن الماضي التاسع عشر.. و بالتحديد بعد وقعة اسلي (1844) ثم بعد وقعة تطوان (1860) أي ان المعاصرة للنهضة الحديثة العالمية، لم تبدأ في المملكة المغربية الا منذ قرن و نيف.. وهو امد متأخر جدا عن عصر النهضة الحديثة الذي ابتدأ عند معظم دول اوربا من القرن السادس عشر .. و عند بعض الدول الشرقية ... كال عثمان و مصر و لبنان منذ نحو قرنين .. أي في اواخر القرن الثامن عشر.. و لكنن اذا عرفنا ان مدافع نابليون هي التي ايقظت الشرق يوم ضرب الشواطئ المصرية و ضرب يافا و غيرها.. ادركنا ان في اذان المغاربة، كاذان المشارقة، صمما بالغا، لا يوقظه و لا يسمعه الا قصف المدفع، و رجع الرجات، وهز الرجفات، و ما يدرينا.. ماذا كان يكون حال المغاربة، لو لم تقصف مدافع الفرنسيين و مدافع الاسبان سواحل المغرب و مدنه و حدوده، اكان يظل نائما و يغط في سباته..
اقول ، و قد افاق الشرق ذعرا
                  من الحا الشبيهة بالمنام
اقول بصوته لحماة دار
                 رماها من بغاة الغرب رام
بنا عطل السماع، فاسمعونا
                 بقعقعة الحديد لدى الصدام
وهي ابيات لشاعر القطرين خليل مطران لما ضرب الاسطول الايطالي شواطئ لبنان.
على أي حال، فان المغرب ادركته اليقظة في ذلك الحين.. و كانت يقظة بطيئة متمهلة.. او يقظة متثائبة.. متمطية، لا يقظة مستوفزة، فلا اريد ان اطيل، و استعرض تلك الاحداث الاليمة، و تلك النتائج المفجعة التي ترتبت عن احتلال تطوان و عن احتلال وجدة و الحدود الشرقية..
و انما الذي اريد استرعاء الانتباه اليه، هو ان كثيرا من اجزاء المغرب و مدنه الساحلية وقعت قبل ذلك بكثير تحت ايدي المغيرين .. فلقد احتل البرتغال سبتة سنة 1415، و احتلوا طنجة سنة 1471 – أي قبل سقوط غرناطة بنحو 21 سنة، لذلك كان المهاجرون الاندلسيون لا يمرون على طنجة و سبتة المحتلتين بل كانوا يلتمسون  طريقهم عبر موانئ الريف او مرتيل – و هذا ايضا هو السبب في ان سكان طنجة لا ينتمون الى العنصر الاندلسي. كما احتلوا غيرها من مدن السواحل و كذلك الاسبان احتلوا مليلية سنة 1496 – و بعدها العرائش عام 1019 ه و غير ذلك مما نتج عن التوزيع الاستعماري القديم بمقتضى الاتفاق المبرم، بين تينك الدولتين الاستعماريتين و المصادق عليه من البابا الكسندر السادس سنة 1494 الذي كان يقضي بتقسيم المغرب شطرين ، من حجرة باديس شرقا لاسبانيا، و منها غربا للبرتغال.. و قد طال احتلال تلك الدولتين لجل السواحل المغربية، امادا طويلة، و الحضارة العالمية قائمة انذاك على مسمع و مراى من الجميع.. و الخطر محدق بالمغرب من كل جانب.. منذ ذلك الحين وهو يرى و يعي الاحداث.. و يتتبع عن كثب ما عليه الامم المجاورة، من تقدم و رقي ، و مع ذلك لم يستيقظ و لم يأخذ بأسباب النهضة و المعاصرة الا عند وقعة اسلي ووقعة تطوان..
اننا لو ربطنا الأسباب بالمسببات، ورددنا الاشياء الى اشباهها، لقلنا ان نهضة المغرب و اخذه باسباب المعاصرة كان يجب ان تبدأ باحتلال البرتغال الاول لسبتة سنة 1415 م (819 ه) لا باحتلال الاسبان لتطوان سنة 1860 م. او بالاحرى بعد وقعة وادي المخازن سنة 1578 التي انتصر فيها المغرب ايما انتصار و اندحر فيها البرتغال و احلافه ايما اندحار.. و لكن لكل اجل كتاب.

ثالثا – مدلول الشمال
و اما اقليم الشمال، الذي نحصر في حدوده هذا البحث، فهو من عرف الجغرافيين، هو ما يقابل الجنوب.. أي ان المغرب منذ ان خلقه الله فيه شمال و جنوب كسائر البلدان – فهذا الشمال، معروف و محدود من بعض الجهات الا انه لم يحدد بكيفية طبيعية من جهة جنوبه، و ان كان البعض يريد تحديده بوادي سبو، فتدخل فيه اجزاء من اقاليم الرباط ، و مكناس، و فاس و مجموع اقليمي تطوان و طنجة و الريف. و اما التحديد الاداري المتعارف عليه بان الحمايتين الفرنسية و الاسبانية، فانه تحديد تحكمي، بعيد عن الحقيقة و الواقع.. هذا و ان الطريف في الامر، ان الرياضيين اصابوا عندما يتحدثون عن شطر الشمال، و شطر الجنوب، في القسمين الرياضيين لكرة القدم.. قائلين للقسم الوطني الاول: شطر الشمال، فيدخلون فيه الفرق الواقعة ابتداء من الرباط فما فوق.. و للقسم الوطني الثاني، شطر الجنوب، قاصدين الفرق الواقعة ابتداء من البيضاء فما دونها جنوبا..
ترى، هل نذهب مع الرياضيين.. ام نسير مع الاداريين.

و لعلنا لا نعدو الحقيقة، اذا قلنا ان شمال المغرب له وحدته و كيانه المتميز.. و ذلك يتجلى في الوحدة المتماسكة طبيعيا و اجتماعيا، بين اقاليم الرباط و فاس و طنجة و تطوان و ما اليها من المدن و البلدان.. و ربما كانت هذه الوحدة المتماسكة هي ما رعاه التقسيم الاداري الاخير حين اضاف بعض الاقاليم الى بعض.. فجعل بعض تلك الاقاليم تندمج اقتصاديا في اقليم واحد، حيث اعتبر اقليم الشمال يمتد الى ابواب الرباط.. الا انه لم يعتبر معه ما يتعلق بمكناس و فاس.
و لكن في هذا الحديث، و رغبة في الاختصار.. اراني مضطرة الى تضييق النطاق شيئا ما .. فاقتصر على ما يتعلق بالمدينتين الرئيسيتين في الشمال: طنجة و تطوان، و ما اليهما..

دور الشمال:
و معلوم ان الشمال بهذا المعنى الخاص، له دور هام في تاريخ المغرب، قديما و حديثا.. فنحن اذا نظرنا الى موقعه في الخريطة المغربية، ادركنا بالبداهة مدى خطورته و اهميته.. فهو باب المغرب ، و طريق مواصلاته البرية و البحرية منذ قديم الزمان.. فمن سواحله دخل الفاتحون، و عن طرقه اجتازوا من الشرق، وواصلوا سيرهم الى بقية التخوم و الثغور المغربية.. ثم منه خرجت الافواج عبر التاريخ الى المحيط، و الى الابيض المتوسط، و الى البوغاز.. فكل الحركات الواقعة في المغرب ذهابا و ايابا، فهي من هذا الاقليم و اليه.. و معظم المدن العريقة في القدم: طنجة ، سبتة، تمودة، و ليلي، شميس او لكسوس، تطوان القديمة، روسادير (مليلية)، و اخريات.. كلها واقعة في هذا الاقليم الشمالي – مما اضفى عليه صفة خاصة، ربطته بالخارج في بعض الاحيان، اكثر من ارتباطه بالداخل، و لاسيما طنجة التي كان يضاف اليها المغرب كله قديما عندما كانوا يقولون موريطانيا الطنجية، و يقصدون المغرب كله او معظمه، و نجد في خرائب وليلي الرومانية، بابا يعرف بباب طنجة ، كانت تسير منه العربات الرومانية على عجلات حديدية في طريق ممهدة عبر الشمال الى ميناء طنجة، و لعله اول طريق من نوعه في عموم المغرب.. و ذلك ما جعل المولى ادريس الاكبر يتخذ في اول  امره طنجة مقرا لحكمه ثم انتقل الى وليلي لما راها متصلة بطنجة وواقعة بين قبائل اوربة و غيرها من القبائل الموالية له.. و كذلك الولاة المسلمون، من عقبة الى موسى ابن نصير.. فقد اتخذوا من طنجة مركز اعمالهم، و منطلق تحركاتهم.. و فيها استخلف موسى بن نصير ، مولاه طارق بن زياد، الحاكم على جميع الاقاليم التابعة له.. فكان طارق وهو من اصل مغربي معروف، اول حاكم مغربي معروف، اول حاكم مغربي مسلم اتخذ طنجة عاصمة ادارية لولاية المغرب بعد الفتح الاسلامي.. و لما وجه الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز بعثة تعليمية تتكون من القراء الفقهاء، لنشر الدين الاسلامي، و بث التعليم العربي بين المغاربة الحديثي العهد بالاسلام، انزلوهم طنجة .. و منها كانوا ينطلقون  الى سائر النواحي، يعلمون القران و تعاليم الدين الحنيف- فكانت طنجة ايضا من هذه الوجهة اول منار شع منه نور الهداية الاسلامية الى جميع ارجاء الوطن المغربي.. و بطبيعة الحال فلابد من مسجد جامع بطنجة يكون مقرا لهذه البعثة التعليمية الاسلامية الاولى و ان كان التاريخ لا يسعفنا بذكر هذا المسجد الاول.. و لكننا نفترض وجوده لاقامة الشعائر الدينية ، و لاتخاذه مدرسة للتعليم و الارشاد، شأن سائر المساجد حيثما كانت. و كل ما نعلمه ، هو انه كان بالموضع الذي عليه المسجد الاعظم الان، مسجد قديم حول الى كنيسة في عهد البرتغال، ثم اعيد بناؤه مسجدا، لما استعيدت طنجة من الانجليز.
و لعل من المفيد ان نذكر بالمناسبة بعض المساجد الاولى المؤسسة هناك من قبل موسى بن نصير، و اصحابه، في الاقليم القريب من طنجة، اذذ اسعفنا التاريخ بذكرها .. منها مسجد اشراقات بغمارة، في قبيلة الاخماس، على بعد 35 كلم من شفشاون الحالية .. بناه – كما يقول ابن عسكر في كتابه "الدوحة" – طارق بن زياد، اواخر المائة الاولى للهجرة.. و يقال انه اقدم جامع في المغرب.. و قد كان مقرا للعلم و اشتهر بالقراءات العشر.. وهو الان على غير ما كان عليه في سالف العهد – و منها المسجد المعروف بالجامع البيضاء) بقبيلة بني حسان على بعد نحو 3 كلم من تطوان – على ربوة عالية هناك، قرب سوق الاربعاء، و يعرف عند العامة بمسجد الملائكة، تقديرا لشأنه.. وهو مسجد صغير ، يتبرك به الاهالي، و يقدسونه، معتقدين ان من اخذ منه شيئا لابد ان يصاب بسوء، لذلك حماه الله من التلف و الخراب.. و اذا تلاشى منه شيئ اسرعوا الى تلافيه و اصلاحه.. وهم ينسبونه خلفا عن سلف الى موسى بن نصير و يسمونه باسمه في القديم.. غير ان العمارة اصبحت اليوم بعيدة عنه، فلم تعد تقام فيه الصلوات الا قليلا.. و ربما صار مهجورا..
و كانت هناك مساجد اخرى من هذا القبيل تقادمت و اندثرت و لم يبق منها الا الاطلال.. و ما اجدر ان تحيي و ترمم، و ترفع من جديد، و يذكر فيها اسم الله – و لاسيما انها اسست من اول يوم ، من اول عهد هذه البلاد بالاسلام، كمسجد قباء الذي قال الله فيه : "لمسجد اسس على التقوى من اول يوم احق ان تقوم فيه.."
و مما يجدر ذكره ان سبتة كانت اذ ذاك ، بجانب طنجة مدينة عامرة مشهورة، الا انها في ذلك الحين ايام الفتح الاسلامي الاول، ظلت مقرا للحاكم القوطي المعروف باسم يوليان الغماري المزعوم انه  من اصل مغربي، من غمارة، حيث انه داهن القائد الفاتح موسى بن نصير، و القى اليه بفروض الطاعة و الولاء، فاقره موسى على عمله.. و في نفس الوقت كان له ارتباط اخر بالقوط، حكام الجزيرة الاندلسية، و حافظ عليه كذلك..
لذلك كان دور سبتة في ذلك العهد الاول، دون الدور العظيم الذي انفردت به طنجة – و اما تطوان فهي وقتئذ لا تكاد تذكر، الا كبلدة مغمورة ليس بمعمورة. لان عمارتها من جديد تأخرت كثيرا..
و مجمل القول في تطوان – على سبيل التذكير – نقلا عن تاريخ تطوان لاستاذنا الحاج محمد داود، ان كثيرا من المؤرخين اشاروا الى انها قديمة العهد و حديثة العمارة. فلقد ذكر الحسن الوزان، المعروف بليون الافريقي : ان مؤسسسيها هم الافارقة الاقدمون، و انها من جملة البلاد المفتتحة من قبل المسلمين حينما فتحوا سبتة و طنجة و ما والاهما، و انها ظلت خالية في القرون الاولى، بسبب ان امراء الادارسة تولوا هدمها و اخلاءها، استجابة لرغبة اهل سبتة، الذين زعموا انها تضر بمرافقهم. و من المحتمل ان يكون سكان تطوان اذ ذاك اتخذوها مركزا للغارات على السواحل ، فكان ذلك سبب خرابها و هجرها، ردحا من الزمان. ثم اشار البكري في كتابه : "المسالك و الممالك"، الى ما يفيد انها اصبحت عامرة في عهده أي في القرن الخامس الهجري، و كذلك الشريف الادريسي ذكرها في كتابه "نزهة المشتاق" وهو من ابناء القرن السادس، بانها حصن بربري مأهول بالسكان. وقد استوطنها في ذلك العهد الشيخ سيدي عبد الله التبين، مهاجرا اليها من غرناطة – و كذلك الشيخ عبد الله الفخار، الذي انتقل من سبتة .. و كلاهما له ضريح مازال مزارة معروفة بتطوان الى الان .. ثم اعتراها ما يقتضي اعادة بنائها من جديد في العهد المريني حيث امر السلطان ابو ثابت المريني بتحصينها سنة 1308 م – 708 ه .. و استمرت في عمارتها مرة اخرى الى ان خربها القراصنة الاسبان و البرتغال اوائل المائة التاسعة من الهجرة.. أي عقب احتلال البرتغال لسبتة 1415 م) و لما اخذت افواج الاندلسيين تصل الى المغرب عقب الجلاء عن غرناطة و مالقة و غيرهما.. قصدها القائد الاندلسي ابو الحسن علي المنظري، و من معه من الغرناطيين الذين كانوا نزلوا فيما قبل بشفشاون – قيل انهم نحو اربعين عائلة و قيل اكثر – فاستوطنوها و عمروها و بنوا سنة 1493 م 898 ه ( أي بعد سقوط غرناطة بنحو عام ) على النحو الذي هي عليه الان تقريبا. ثم تكاثر اليها جموع المهاجرين الاندلسيين و غيرهم من الجزائريين و اهل فاس و الريف.. فاتسع عمرانها و عظم شأنها شيئا فشيئا . و معلوم ان عمارة الاندلسيين لتطوان ، لم تتم الا بمساعدة الشريف علي بن راشد العلمي، باني مدينة شفشاون في ذلك العهد، اذ انه هو الذي اقر الاندلسيين على استيطان تطوان، بعد استئذان امير البلاد السلطان الوطاسي محمد الشيخ .. و ذكر مؤرخ قديم ان القائد المنظري شكا الى الشريف ابن راشد تعسف السكان الجبليين، و افسادهم ما بناه الاندلسيون، فاستقدم ابن راشد اربعمائة فارس، من قبائل الريف لحماية الاندلسيين .. و بوجود اولئك و بحراستهم ساد الامن و تم المشروع .. و من اجل ذلك ظل المنظري و اولاده، في اتصال مستمر، و تعاون وثيق، مع علي بن راشد و ابنائه.. معاونين معهم في تنظيم البلاد و حكمها، و دفع غائلة الاسبان و البرتغال.. وقد توثقت العلائق بين العائلتين .. المعروفة" بالسيدة الحرة" ذات الشهرة و الذكرو تزوج المنظري الحفيد بعائشة بنت علي بن راشد الحميد.. حيث انها استطاعت ان تخلف زوجها في حكم تطوان و ما جاورها، و ان تقوم بقيادة لجيوش بنفسها، و تخوض معارك حامية ضد معاقل الاسبان و البرتغال.. و كان لها اسطول قوي يخوض البحار و يحمي الثغور.. و من اخبارها انها تزوجت ايضا بالسلطان الوطاسي احمد، لما حل بتطوان، متفقدا أحوالها . و لما غادر تطوان فوض اليها في حكمها، و تسيير شؤون الاقاليم فقامت بذلك خير ثيام، و كان لها صوت في الخارج و تحدث عنها الافرنج باعجاب، و لها مراسلات معهم و علاقات دولية مدونة في التاريخ باسم الاميرة حاكمة تطوان.. الى غير ذلك من اخبارها العجيبة مما جعل المؤرخين يسجلون هذه الظاهرة الفريدة في تاريخ تطوان بل في تاريخ المغرب كله.. حيث ان الانفراد بالحكم لم يتفق لامرأة اخرى بالمغرب.. اللهم الا ما كان من زهور الوطاسية التي تحدث عنها التاريخ بانها حكمت فاس نحو عام في ظروف حرجة مماثلة قبل ان يتمكن الوطاسيون من الحكم. و اما الاميرة خناتة زوجة المولى اسماعيل ووالدة الملك عبد الله فانها لم تنفرد بالحكم قط، اذ ان نفوذها لم يكن يصل الى البت في الامور، و مزاولة السلطة الفعلية في حرية و تفويض..فالمكتوبات الرسمية التي كانت تصدر عن خناتة لم تكن تتجاوز دور الوساطات، او ما يسمى بالتدخلات .. و كذلك ضرتها المعروفة بالاميرة ام العز.. فهي دون ذلك بكثير .. و حتى لقب الاميرة، او الملكة، او السلطانة، فنه لم يكن يخلع بصفة رسمية، على زوجات الملوك و بناتهم و انما على سبيل التحلية و الاكرام.. على انني وقفت اخيرا على رسالة رسمية محفوظة في مجموعة الوثائق الرسمية باسبانيا، وجهنها اللافاطمة زوجة السلطان سيدي محمد بن عبد الله الى الاميرة الاسبانية مدام لويزة دي اسطورياس زوجة الامير الاسباني الذي اصبح ملكا باسم كارلوس الثالث. جوابا من اميرتنا عن رسالة سابقة، واردة اليها من الاميرة الاسبانية المذكورة، تطلب فيها منها تسريح اسيرات اسبانيات فاجابتها اميرتنا بان ليس بالمغرب – وقتها – اسيرات اسبانيات، قائلة "لو كان عندنا اسيرات سرحناهن لاجل خاطرك" .. و ذاكرة انها وجهت اليها على سبيل الهدية قيسارية من اللوبان (علبة صفراء للحلي) و زوج دمالج من ذهب قائلة : "هما من الذهب الذي يأتينا من جناوة متاعنا  - و هما من الحلية التي نستعملها في ايدينا ، تفكرة من عندنا اليك".
فالرسالة بسيطة في اسلوبها و تفكيرها، مما يدل على انها صادرة من اللافاطمة نفسها مباشرة.. و لكن الذي لفت نظري بغرابة من الرسالة هو انها تحمل في طالعتها عبارة : "من السلطانة العظيمة بالمملكة المغربية لالتنا فاطمة ادام الله عزها، زوجة مولانا السلطان الاعظم سلطان مراكش و فاس و مكناسة و تافيلالت و سوس و درعة نصره الله.. " مما يدل على ان الرسالة صدرت عنها بوصفها "سلطانة عظيمة بالمملكة المغربية" وهو وصف غير مألوف.. الا ان يكون الكاتب السلطاني أي تولى توجيه الرسالة اراد ان يخلع على الكاتبة القاب الفخامة، قصد اكبارها في عين الاميرة الاسبانية المكتوب اليها.. و هذا جانب مهم من تاريخنا النسائي يحتاج الى مزيد بيان لا يتسع المقام للاسترسال فيه، وربما افرده بحديث اخر ان شاء الله..
و إلى الحلقة القادمة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here