islamaumaroc

المغرب العربي مع المشرق العربي في ساحة المعركة، وحدة الأمة العربية بدأت في الحرب الرابعة مع إسرائيل

  دعوة الحق

العددان 156 و157

بدا العالم، منذ 6 أكتوبر 1973، يكتشف أبعاد الظاهرة الاجتماعية – السياسية الجديدة، التي برزت بوضوح خلال الحرب الرابعة بين العرب و الصهيونية العالمية، و في مؤتمر القمة العربي السابع المنعقد بالجزائر (26 نونبر 1971) و التي تمثلت في وحدة العالم العربي ، و اشتراك دوله و شعوبه، من الخليج الى المحيط، او من الكويت الى شنقيط، في حرب إسرائيل و حلفائها، وهذه المشاركة الفعلية التلقائية بالمال و الرجال و السلاح من جانب من جانب دول عربية تمتد رقعتها من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي على مسافة تزيد على ستة آلاف كيلومتر، من اجل تحرير أراضي عربية محتلة، و الاعتراف للشعب الفلسطيني بحقه في وطنه و في تقرير مصيره، هذه المشاركة التضامنية الاخوية الوحدوية، بالشكل الواضح و القؤي الذي برزت به هذه المرة ، تعتبر اول حدث من نوعه في تاريخ الامة العربية ، لم يسجل له نظير لا في تاريخ الحروب الصليبية التي امتدت خلال قرنين (1096 – 1291 م) ، و لا عند اجتياح الماغول و التتار الوثنيين للاقطار الاسلامية بالشرق الاقصى و الاوسط، و سقوط بغداد عاصمة الخلافة الاسلامية تحت اقدامهم سنة 1258 م. كما لم يسجل له نظير حتى عند ما كانت الدولة العربية الاسلامية في الاندلس تتساقط قطعة بعد قطعة في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، و كان شعراء الاندلس يرسلون في شعرهم (وسيلة الاعلام السريعة و المؤثرة في ذلك العصر) الى المغرب العربي، و العالم العربي اجمع، انات الاستغاثة و الاستنجاد، و يصفون ما كان يقوم به الصليبيون الاسبان من تقتيل و تعذيب للمسلمين.
و عندما جاء عصر الاستعمار الغربي ظلت الدول و الشعوب العربية الاسلامية تواجه اعداءها ايضا منفردة، و تحرر نفسها واحدة تلو اخرى بفضل مقاومتها ووسائلها الخاصة، و طاقاتها المنبعثة من عقيدتها الدينية، و ايمانها القوي بالله.
ان وحدة الامة العربية التي تجلت في الحرب الرابعة لها مع اسرائيل، كما تجلت  في الموقف التاريخي للدول العربية المنتجة للبترول، و التي تغيرت معها كل المفاهيم و المقاييس الخاطئة التي تبنتها و عاشت عليها النخبة المثقفة ، و بغض القادات السياسية منذ ربع قرن، هذه الوحدة التلقائية التي لم تكن بحاجة لا الى معاهدات ، و لطالما فشلت مثل هذه المعاهدات ، و لا الى وجود مصالح اقتصادية، هي ابرز ظاهرة لاصالة خلق الاخوة الاسلامية في المجتمع العربي المعاصر، قبل ان تكون ظاهرة سياسية اجتماعية ، تؤكد نمو و تطور المشاعر بالوحدة السياسية و العسكرية و القومية و الاقتصادية لدى شعوب الامة العربية.
لقد فاجأت هذه الظاهرة العالم المتقدم غربا و شرقا، و خاصة الولايات المتحدة و أوربا، و هزت كيان الصهيونية العالمية ، و أيقظت افريقيا من غفوتها بل انها قضت على اوهام نخبة من المثقفين المستلبين العرب، انعزلت فكريا و ثقافيا عن شعوبها، و حاولت تقسيم العالم العربي الى رجعي و تقدمي، يميني و يساري ، اشتراكي و راسمالي ، ملكي و جمهوري ، و لتدعيم هذا التقسيم تبنت فكرة الصراع الطبقي، و عاشت في هذا الصراع منذ ربع قرن، دون ان تجني منه الامة العربية الا المزيد من تمزيق وحدتها الفكرية و العقيدية و السياسية، و إضعافها اقتصاديا و عسكريا، و عرقلة أي خطوة في سبيل تعاونها و تقدمها.
و عندما بلغ الامر ببعض القيادات العربية الى هذا الحد من التعفن السياسي، و التنافس الحزبي و الصراع المذهبي او الطائفي او الإقليمي، لتنعكس اثاره على المجتمعات العربية، و على مؤسساتها و أنظمتها، كان لابد من ان ينظر العالم المتقدم الى العرب نظرة الازدراء و الاحتقار، و كان من الطبيعي ان تعامل إسرائيل العرب بمقتضى هذه النظرة، و ان تمعن في اذلالهم و احتلال اراضيهم، و ان تجد من اعدائهم الصليبيين و الاستعماريين حلفاء طبيعيين لها، يتشفون منهم، و يصفقون لتحديها لهم.
و فجأة جاءت الحرب الرابعة بين العرب و اسرائيل، وهي في الواقع اول حرب اتيح فيها للعرب ان يقاتلوا اسرائيل،ليكتشف العالم اجمع، و بعض القيادات السياسية العربية نفسها، عددا من الحقائق النفسية – الاجتماعية عن الامة العربية، كاد الجهل و التخلف و التعصب المذهبي ، و التامر الاجنبي، يخفيها، بل كاد ينكر وجودها انكارا، و لا شك انها ستصبح ميدانا جديدا خصبا للمفكرين و الباحثين الاجتماعيين، و المؤرخين المعاصرينن و من هذه الحقائق:
أ – العداء او النفور بين انظمة الحكم العربية الذي استمر عشرات السنين لم يكن في الواقع الا عداء سطحيا. و لا علاقة له بالشعوب العربية التي تكون امة واحدة.
ب – الصراع الطويل بين من اطلقوا على انفسهم لقب التقدميين و على اخوانهم العرب الاخرين لقب الرجعيين، لم يكن له أي ظل على الشعوب العربية، كان صراعا فقط بين نخبة ، ليس اكثر من "زوبعة في فنجان".
ج – أصالة "الاخوة" في الامة العربية ذات عمق نفسي لا تصل اليه ، و لا تؤثر فيه العداوات و المهاترات و لا حتى مذاهب و ثورات "الرفاق" انها عطاء الاسلام لمجتمع المؤمنين، وهي الاسمنت الذي يلتحم به بنيان هذا المجتمع، و يشد بعضه الى بعض، وقد عبر عنها المثل الشعبي المغربي بقوله: (عدو خاه؟! مو تراه) أي احذر ان تتر بعداوة الأخ لأخيه اذا شئت ان تختبر الأمر فحاول ان تمس الأخ بسوء لتر رد فعل اخيه.
د – الأمة العربية، شعوبها و قياداتها السياسية، بعد ربع قرن من "التجارب المرة" من بعد خمسة قرون من التخلف، دخلت اليوم "مرحلة الوعي بالذات، و الشعور بالواجبات و المسؤوليات"، انها بداية عصر نهضتها الجماعية كأمة متماسكة، يجب ان تتحد.
في لحظة حاسمة من التاريخ العربي، كان يوم عاشر رمضان 1393 (6 اكتوبر 1973) رمزا لها، ذابت كل الفروق، كل الخلافات، كل المذاهب الدخيلة بين الدول العربية ، في تلك اللحظة من التاريخ، شعر المواطن العربي، في الشرق و الغرب، بان قياداته السياسية الحاكمة تغيرت، ارتفعت فجأة الى "مستوى الاحداث".
كانت الخطوة الرائدة الاولى في هذا الاتجاه من اقصى المغرب ، "من مملكة تقليدية عريقة" تبعد خمسة الاف كيلومتر عن ميدان المعركة ، لم تعلن ثورة و لم ترفع شعارا ، كان ذلك قبل أربعة أشهر من حرب رمضان، عندما وقف الملك الحسن الثاني يستعرض في احتفال رسمي مؤثر، كتائب المتطوعين من القوات الملكية المسلحة، التي قرر إرسالها الى الجولان، المنطقة الخطيرة من جبهة القتال ضد إسرائيل، كانت جماهير الشعب تملا ساحة الاستعراض التاريخي، تغطي الأشجار و السطوح، وسط موجة عارمة من حماس الرجال و زغاريد النساء.
كانت الدهشة تغمر الدبلوماسيين و الصحفيين الاجانب، الامريكيون ساخطون في صمت، و اسرائيل تتوعد و تتحدى، و الغرب يتساءل في استغراب: كيف تساعد ((مملكة تقليدية)) (جمهورية ثورية) و بينهما الاف من الكيلومترات، و عدد كبير من الخلافات؟ !.
لم يكن احد يتصور ان الملك كان على موعد مع اسرائيل يوم عاشر رمضان، شهر المعارك الحاسمة  في تاريخ الاسلام، و في ليلة عيد الفطر التالي جاء جواب الملك في الخطاب الذي وجهه الى الشعب المغربي: "لقد ذهب جنودنا الابطال الى الشرق ليدافعوا عن فكرة ، عن كرامة، عن دين و حضارة و شرف سلالة، هي من اديم واحد، و لغة واحدة، و عقيدة واحدة ..".
و تكرر جواب الملك في نهاية مؤتمر القمة العربي في الجزائر، و في هذه المرة تكلم باسمه و باسم ملوك ورؤساء الدول العربية قائلا : "سوف نصلي في القدس، و سوف نحيي هناك علم فلسطين، و سوف نحضر استعراضات النصر في دمشق و القاهرة .." ثم اضاف : "و منذ الان، سيعتز المغربي المسافر الى الشرق عندما يسأل عن سبب سفره فيجيب : انا ذاهب لاترحم على قبر قريب لي استشهد في الشرق دفاعا عن الاسلام".
بكامل الصراحة و الشجاعة ، و بكل ثقة و ايمان، عبر الملك عن مشاعر المسلم المغربي، و المسلم المشرقي، بل المسلم العالمي، عن اصالته، عن ايمانه و ثقته بالمستقبل، تجاوز كل الزيف، و كل الصدا الذي غطى هذه الاصالة ، و بفضل هذه الاصالة وحدها انتصر العرب على انفسهم ، و على كبريائهم ، و على عصبياتهم المذهبية و الاقليمية و الطائفية.
و عندما أعلن الملك عن فتح باب التطوع للجهاد للمجندين السابقين ، كانت صفوف المتطوعين في كل مدينة تبلغ عدة آلاف ، و في الدار البيضاء تجاوزت عشرين الفا ، و قدم الملك دمه للمجاهدين في جبهة القتال فتسارعت الجماهير الى تقديم دمها، و طلب جمع التبرعات و دفع زكاة الفطر لتجهيز المجاهدين ، و تأمين حياة اسرهم، فتسارع الناس للتبرع ، و قال رجل فقير لزميله في الصف الطويل الذي كان أصحابه ينتظرون دورهم لدفع الزكاة : ما قيمة هذه الدراهم التي سندفعها ؟ !، نحن مستعدون لتقديم ارواحنا لو قبلوا ..
ذلك كان موقف المغرب المسلم العربي ملكا و شعبا ، من إسرائيل و حلفائها في الشرق الأوسط، كنموذج فقط ، عشنا أحداثه، و عاصرنا ردود فعله، و عرفنا حقيقة مشاعره، منذ قيام اسرائيل ، ولا شك انه موقف كل شعب عربي في المغرب او المشرق، دون جدال، و ان المثل الذي ضربته المملكة العربية السعودية بزعامة الملك فيصل، و دولة الكويت عندما فتحا خزائنهما لتمويل الحرب المقدسة، و بعثا بجيوشهما الى ميدان المعركة ، و كانا في طليعة الدول العربية المتحدة في استعمال النفط سلاحا في المعركة، هذا المثل وحده دليل اخر على صدق الحقائق التي اشرنا اليها انفا، و التي غيرت معطيات القضية العربية تغييرا كاملا.
و مع ذلك ، فنحن – في المغرب مثلا – نندهش حقا للمفاهيم الخاطئة التي لا يزال بعض كبار الصحفيين و الكتاب العرب في الشرق يعيشون عليها حتى الان، و لعله ليس بغريب ان نجد رئيس تحرير ((الاهرام)) السابق محمد حسنين هيكل يقدم لنا تفسيره لاحداث الحرب الرابعة مع اسرائيل بتاريخ 2 نونبر 1973 قائلا : ان اكبر مفاجات الحرب هي :الانسان العربي العادي و ما استطاع ان يعطيه في الحرب .. ان بطل الحرب الحقيقي هو الانسان العربي العادي و ما كان و ما يزال كامنا في اعماقه ، الى جانب ما كان و لا يزال يحمله من سلاح ...
لقد استطاع احمد و جرجس .. عويس و مرقص ان يواجهوا موشيه و حاييم .. ارى و افراهام.
استطاع خريج الهندسة المصري المجند مثلا ان يواجه خريج التخنيون –الإسرائيلي المجند ...
استطاع (الفلاح ) المصري ان يواجه "السابرا" الإسرائيلي – و ليد حركة المستعمرات في اسرائيل – و اكثر من ذلك استطاع ان يضربه.
كان الإنسان العربي ، و هذه هي مفاجأة التاريخ التي اعنيها، على استعداد لان يعطي باكثر مما كان منتظرا منه، بل بأكثر مما كان منتظرا باي مقياس".
و هذا هو التحليل الذي يقدمه لنا هيكل بعد عشرة ايام من وقف اطلاق النار عن اكبر مفاجات الحرب الرابعة بين العرب و إسرائيل في نظره، و نحن عندما نقرأ له هذا الكلام في المغرب، نشعر بالعار و الخجل معا:
أ- الانسان العربي العادي الذي يتحدث عنه في 6 اكتوبر 73 ، اليس هو الانسان العربي العادي الذي كان موجودا في 5 يونيه 67 بعمقه التاريخي ؟! ..
هل يمكن لاحد ان يدعي ان انسان 5 يونيه 67 انهزم لانه كان مجردا  من العمق التاريخي او الاعتبار المعنوي او التاريخي، بينما  انتصر الان لان هذا العمق او هذا الاعتبار عادله ؟ .

لماذا يحاول هيكل توجيه الانظار الى الانسان العربي، على اعتباره انه تحول الى انسان اخر، و ان الفضل في هذا الانتصار يرجع الى هذا التحول؟! ، هل يريد بذلك ان يخفي مسؤولية القيادات السياسية و العسكرية في هزيمة 5 يونيه 67 حتى لا تتحول الانظار الى المقارنة بينها و بين القيادات التي حققت انتصارات 6 اكتوبر 73 ؟!.
ب- لايزال هيكل يتحدث بلهجة المنهزم الذي فاجأه الانتصار و لم يكن اهلا له، فاخذ يهرول و يصيح في الناس تعالوا انظروا المعجزة، انظروا المفاجأة الكبرى في التاريخ، ها هو ذا المصري، المهندس، و الفلاح، استطاع ان يواجه الاسرائيلي، بل اكثر من ذلك، استطاع ان يضربه !!!، يا للعار! ، لا يمكن ان يكون هناك امعان في اذلال معنوية المواطن المصري، ووضعه في اسفل درجات الضعف، اكثر مما فعل هيكل بمواطنيه ! ، لماذا يستنكر هيكل على المصري ان يواجه الاسرائيلي ؟ و ان يضربه؟ ، لماذا يريد ان يحمل مواطنيه ((عقدة الهزيمة)) كما يشعر هو بها؟ ، و باي حق يضع مواطنيه في هذه الدرجة من الهوان ؟.
الم يكن من واجب هيكل ان يذكر مواطنيه المصريين بأنهم هم الذين هزموا الصليبيين، و فتحوا بيت المقدس في معركة حطين، تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي سنة 1187 م ؟.
الم يكن من واجب هيكل ان يذكر مواطنيه المصريين بأنهم هم الذين سحقوا المغول و الصليبيين المتحالفين معهم، بعد ان اجتاحوا الشرق الأقصى، و احتلوا العراق و سورية، و خربوا بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية، في معركة عين جالوت، بقيادة السلطان بيبرس سنة 1260 م ؟.
لماذا لم يسوح له ((العمق التاريخي)) بأن للمصريين موعدا ثالثا مع التاريخ، على أرض فلسطين أيضا، لايقاف الزحف الصهيوني، و تحطيم صلفه و غروره؟.
ج- لم يستطع هيكل اذن ان يتخلص من ((عقدة الهزيمة)) في تحليله، و الدليل على ذلك اننا لا نجد مثل هذا الوضع المهين للإنسان العربي او المصري ، في أي تحليل علمي نزيه لنتائج الحرب، و لنأخذ مثلا ما جاء في دراسة للأستاذ مايكل هوارد أستاذ الدراسات العسكرية العليا بجامعة اكسفورد البريطانية، نشرت بتاريخ 21 اكتوبر 1973 :
" .. و نرى الان ان العرب لم يضيعوا السنوات الستة الماضية من الهزيمة، و كما فعل البريطانيون في عام 1942، فقد درسوا (أي العرب) اسباب هزائمهم، و طهروا قيادتهم، و اعادوا تسليح قواتهم، و دخلوا المعركة الان بثقة جديدة و تصميم لمحو العار الذي لحق بهم في الهزائم الماضية".
د- يتحدث هيكل في تحليله هذا عن شيء لا يزال كامنا في اعماق الانسان العربي، و يعبر عنه مرة بالاعتبار التاريخي، و مرة بالعمق التاريخي، و لكنه لا يفصح عن ماهية هذا الشيء العميق، قد يكون في نظره شيئا اخر غير الايمان او الاسلام، و في هذه الحالة لم يكن هناك داع لعدم التصريح به، و قد يكون هو الايمان او الاسلام، و في هذه الحالة فان عدم التصريح به يدل على ان بعض النخبة المثقفة السياسية في العالم العربي يوجد في حالة عزلة فكرية تامة عن شعوبها و لذلك كانت غير مؤهلة اطلاقا، لا للتحدث باسم هذه الشعوب، و لا لزعامتها او قيادتها.
ه- على خلاف ما ذكره هيكل من ان الانسان العربي هو مفاجأة التاريخ في هذه الحرب، فان جميع تحليلات القادة العرب و غير العرب، أبرزت باهتمام بالغ أهمية وحدة الامة العربية التي فرضت نفسها فرضا منذ بداية هذه الحرب، و قد صرح السيد عمر السقاف وزير الخارجية السعودي لدى وصوله يوم 18 اكتوبر الى مدريد قادما من نيويورك قائلا : ((لقد اعطينا البرهان للعالم بان العالم العربي هو العالم الذي عرفه التاريخ)) بل هذه كولدا مايير رئيسة دولة العصابات اليهودية نفسها لم تستطع ان تخفي اكبر مفاجآت الحرب بالنسبة الى إسرائيل في ندوة صحفية بتاريخ  20 اكتوبر 1973 عندما قالت : (إننا نحارب العرب كما لم نكن نعرفهم من قبل .. اننا نحارب مصر و سوريا و المغرب و الجزائر و تونس و العراق و الأردن و الكويت)، و بعد هذه الندوة بقليل اعلنت المملكة العربية السعودية عن مشارك قواتها في الحرب.
و بعد، فقد تركت هذه الحرب، و هي الأولى من نوعها اذ ساهمت فيها كل الشعوب العربية تقريبا، اثرا بعيد المدى ، نفسيا و معنويا ، اجتماعيا و اقتصاديا ، دينيا و اخلاقيا، ارتفع بمعنويات العالم العربي، و دفع به خطوة كبيرة الى الامام، ولو لم يكن من حسناتها الا تأجيج مشاعر الوحدة و التضامن و التعاون و الاخاء بين شعوب الامة العربية و الاسلامية، و قياداتها السياسية، و حكوماتها، و فرض احترام هذا الموقف الجماعي، على الغرب و الشرق، و تفتح الامكانيات لقيام نهضة ثورية حقيقية ، اقتصادية و اجتماعية، ذات طابع عربي إسلامي مستقل، لكان ذلك اكبر كسب من هذه الحرب. و لعل هذا هو السر في ان الإسلام جعل الجهاد فرضا كفائيا، و فرض ((التجنيد الاجباري)) على جميع المسلمين في واقع الامر، بصريح الاحاديث الصحيحة الواردة في هذا الباب، و منها حديث مسلم عن ابي هريرة مرفوعا ((من لم يغز و لم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق))، و الغزو يتطلب الاعداد و التدريب، قال تعالى:"ولو اراوا الخروج لاعدوا له عدة". ولو درسنا اثر الجهاد في تاريخ الإسلام من الوجهة الاجتماعية فقط لتبين لنا انه اشبه شيء بعملية تطهير و تصفية ، دائمة و متجددة، لنفسية المجتمع الإسلامي الدينية و الاجتماعية، مما يتراكم عليها من أنانية، و تواكل ، و نفاق، و تكالب على المادة، و نسيان للقيم، و انحلال للروابط، فلنجدد ثقتنا و إيماننا بمستقبل هذه الأمة العربية الإسلامية، و ليكن إحياء فرض الجهاد في الإسلام احد عناصر ثورتنا الإسلامية المعاصرة، من أجل تحقيق وحدتنا و عزتنا، كشرط حضاري لتحقيق مطامح أمتنا الكبرى في التقدم و الازدهار.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here