islamaumaroc

مشاركة المغرب في الجهاد المصري للحملة الفرنسية

  دعوة الحق

العددان 156 و157

ان تعلق المغاربة بالبلاد الشقيقة العربية و العاطفة الاسلامية التي تربطهم باخوانهم المسلمين في كل ارض ولو نات عنهم لمما سجل التاريخ مظاهره المتعددة و نوه في شانه بمواقفهم البطولية في كثير من الحوادث خصوصا ايام الحروب الصليبية حيث كان الحجاز المغاربة ينضمون لصفوف المجاهدين و يقاتلون العدو المعتدي بشجاعة و تفان، و قد استشهد كثير منهم في هذه المعارك مما نجد اخباره في كل كتب تاريخ هذه الحقب. و قد كان الاغنياء منهم يحبسون الدور و العمارات على مشاريع الجهاد كالمستشفيات و الرباطات و نحوها
و ان ما بادر اليه صاحب الجلالة الحسن الثاني ايده الله من بعث فرقة من ابطال القوات المسلحة الملكية  بالهام من المولى تعالى الى الجبهة السورية و الى مرتفعات الجولان بالضبط قبل ان تنشب الحرب الانقاذية ليسير في هذه الخطة و ليستجيب لهذه العاطفة الكامنة في نفوس الشعب المغربي، كما ان استجابة هذا الشعب لندائه في التبرع بالمال و الدم لصالح اخوانهم المقاتلين لرد العدوان الصهيوني و ارجاع الكرامة للشعب العربي ليعبر هو ايضا عن تعلق اهل المغرب ببلاد المشرق العربي الاسلامي.
و لقد برهن الجنود المغاربة في الواجهة السورية اولا ثم في الواجهة المصرية على بسالة نادرة مما اشاد به القريب و البعيد و تناقلته كل وسائل الاعلام في كل اقطار الارض على قلتهم بالنسبة للاعداء. فكان لهم بهذه المشارك نصيب في النصر الذي احرزه العرب في تلك المعارك.
و اريد بهذه المناسبة ان اتعرض لحملة بونابرت على مصر سنة 1798 م و اثرها في نفوس المغاربة.
لما بلغ خبر نزول الجيوش الفرنسية بارض الكنانة تاثر لذلك المغاربة ايما تاثر و قصد كثير من المجاهدين الديار المصرية للمشارك في قتال اصحاب تلك الحرب الصليبية الاخيرة او تلك الحرب الاستعمارية الاولى ان شئت. و ان كانت كتب التاريخ لا تعطينا تفاصيل كثيرة عن هذه المشارك فان شعراء الملحون المعبرين في كل زمان بصدق عن عواطف الشعب المغربي و المسجلين بامانة لكل الاحداث التاريخية و الاجتماعية التي تقع تحت ابصارهم تحدثوا عن حملة بونابرت في قصائدهم.
الا انه مع الاسف لم يصل الينا منها الا قصيدة واحدة كاملة و بضعة ابيات من اخرى، و لذلك ان الشعر الملحون لا يبقى منه في ذاكرة الاشياخ و بالتالي في كنانيشهم الا ما يلحن و يغنى به و من البديهي ان قصيدة في الجهاد لا تنظم و لا تحفظ و لا تكتب الا للتعبير عن تلك العاطفة التي ذكرتها في اول هذه الكلمة.
و مهما يكن من امر فان شاعرا من اهل فاس و من اكابر رجالات الملحون نظم قصيدة الماصرية كما نظم غيره من معاصريه ماصريات اخرى كما يسمونها عندما بلغهم خبر الحملة الفرنسية على مصر.
و شعراء الملحون يسمون القصائد التي ينظمونها في حروب الجهاد و في حروب التحرير باسم البلد الذي تقع فيه، و هكذا نجد قصائد تسمى التطوانيات في الحرب التي وقعت بين المغرب و اسبانيا بتطوان سنة 1860 و يسمون القصائد المنظومة في حرب تحرير الجزائر بالجزائريات و القصائد المنظومة في مساندة الفلسطينيين ضد الصهيونية الغاشمة بالفلسطينيات و هكذا.
و القصيدة التي تعنينا الان و التي تجدها منشورة في اخر هذا البحث هي للشاعر الكبير محمد بن علي الشريف ولد ارزين. و نسختها فريدة و قفت عليها في الثلاثينات عند حفاظ تلقيت عنهم اخبارا كثيرة تتعلق برجال الملحون و كلامهم وهو السي امحمد الوقايدي رحمه الله و كان كفيفا و يحفظ المئين من القصائد و كتب من حفظه كل ما اختص به من بين عشرات الحفاظ و الخزانة ممن رويت و كتبت عنهم كل غريب من فن الملحون.
اما الشاعر ابن علي رحمه الله صاحب هذه القصيدة فهو من المع شعراء الملحون و ممن حظوا بالشهرة فحفظت قصائده و نالت اعجاب الجماهير و الهواة و لا زالت تنشد الى يومنا هذا و قل من الاشياخ من لا يحفظ بعضا من روائعه. وهو من اهل فاس و اصله من تافيلالت  شانه في ذلك شان العدد الكبير من نبغاء شعراء الملحون كما نبهت اليه في دراساتي السابقة و يقال: ان الملحون ولد بتافيلالت و ربي بمراكش و اتقن بفاس. و يكفي ان تعلم ان المغراوي و المصمودي و الشيخ الجيلالي مثيرد و السي التهامي المدغري و عبد القادر ابو خريص و الحبابي و العيسوي الفلوس رحمهم الله اصلهم جميعا من هذا البلد الطيب وهم من اساطين فن الملحون.
و كانت ولادة ابن علي الشريف سنة 1145 ه (1742 م) و اصله من بلاد الغرفة بتافيلالت وهي وطن الشيخ الجيلالي مثيرد كذلك. وهو من الشرفاء الادارسة العمرانيين النازلين باولاد عبد الرحمن في بلاد الغرفة و لهم اخوان بادفال بوادي درعة كما ان منهم فرقة بفكيك بقصر الوداغير المنسوب اليه الشرفاء الودغيريون، و اخذ ينظم الشعر في سن مبكرة في كل اغراضه المطروقة عند اصحاب الملحون و له فيه ابتكارات لم يسبق اليها. و لقد عبر عن عواطفه في لهجة صادقة و بالفاظ رقيقة ووصف الطبيعة ايام الربيع و البساتين و الحدائق و ساجل شعراء وقته خصوصا تلميذه الشاعر العبقري ابن سليمان و البري شاعر سلا في وقته و عارض سيدي قدور العلمي في بعض قصائده. و نظم القصص و المحاورات في مثل قصيدته العربية و المدينية و الحراز و نظم في الحكم مما يسمى عندهم بالوصايات و نظم تصليات تطفح باحر العواطف الدينية ، و لكنه لم ينظم في المدح او لم يبلغنا منه شيء. و من المعلوم ان هذا النوع لا يقبل عليه اهل الملحون لانه في الغالب لا يصدر عن عاطفة خالصة و يقتصر نفعه على من قاله و من قيل فبه. و نظم كذلك في الهجاء الا انه لا يقذع و لا يصرخ و انما يتخذ لذلك تلميحات من طبائع الحيوانات التي يشبه بها من يهجوه كالجاموس و سمى به احدى قصائده و كالذئب و قد سمي به قصيدتين قال في حربة احداهما.
شوفوا طيري
جاب لي ذيب في عوض غزال يا للي سال
لولا جهالتي ربيته فرخ الذياب ما يتربى
قالوا الناس و انا ربيته
و له قصيدة سماها الذرة يقول فيها ان الله تبارك و تعالى خلق كل شيء من الاكوان العلوية و السفلية من ذرة فقال:
و افرد من الذرة ما شاء رب الارباب
و كان عزبا لم يتزوج فيحكي ان اشياخ فاس ايام مشيخة الحاج امحمد النجار اقاموا نزهة و تكلف كل واحد بتحضير طعام و حيث ان ابن علي كان عزبا فقد قصد قبل التوجه الى النزهة سوق الشماعين و اشترى كمية من كل نوع من انواع الفاكهة الميبسة من تمر و لوز و تين و جوز و زبيب و جعل ذلك في شملة حائكه و دخل على الاشياخ فوجدهم جالسين يتناشدون الاشعار فافرغ حائكه في وسطهم فاخذوا يتنقلون بفاكهته مدة و عند ذلك قال لهم الشيخ النجار:
"ارايتم" "المعلم" فان ما سهرت عليه عائلاتنا في تحضيره من الماكل لم نمسه و حظي ما جاء به ابن علي بشرف الاسبقية.
"فلما سمعوا شيخ الاشياخ يسمى ابن علي "المعلم" دعوا معه قائلين: "جعله الله فاكهة الاشياخ" فلماذا يقال له "المعلم" و "فاكهة الاشياخ".

و لقد احصيت له اثنتين و سبعين قصيدة عندي منها ستون و سرابة واحدة هي عندي كذلك.
و من هذه القصائد زيادة على ما اشرت اليه قصيدة الجافي الاول و له خمس قصائد بهذا الاسم يقول في حربتها:
طبعي ولاف
و طبع اللي نهواه جافي
و شي يلاقي طبع الجفا يا صاح بطبع الموالفة
 و منها ام هاني و حربتها:
هاني من لا شاف صورة ام هاني
                       مكمولة البها تهليل السلطان
و منها حجوبة وهي من اشهر قصائده و قد وقفت عليها في عشرة من الكنانيش و حربتها:
يا اللي زينك فاق الشمس و القمر و البرق في الحجاب
صلت بحروف عجاب
صغ لوجابي
عالجيني بالزورة يا الريم حجوبة
و منها الحراز يقول في حربته:
لعبت بحراز عارمي و ظفرت بالغزال
يسحابه يا ناس الغرام ما تظفر شي بوصالها
و منها الخليلة، و له قصيدتان مسميتان بالخليلة و حربة الاولى منهما وهي كذلك مشهورة جدا:
و افاني بك الحال
             و ما جيت اشحال لك يا الخليلة
كل يوم نراجي الوصول
             باش نفايش و نصول
و له الربيعية و حربتها :
هذا وقت الزهو و النظر
                  و النظرة في ايام الربيع تجارة  
على البها نزهى يا خنار
و له الطرشون وهو اسم فرخ الباز من لفظة اسبانية و هذه اشهر قصائده وقد نشرتها مع ترجمتها الفرنسية في مجلة هيسبريس – تامودة (1)
و حربتها:
طرشون غاب لي في الصيدة ماريت شي بحاله
 لله واش ماريته لي طرشون غاب لي
و له المرسم و يعنون بهذه اللفظة منزل المحبوب او حيه و قد سمى قصيدتين بهذا الاسم يقول في حربة ثانيتهما:
انا و المرسم .. يا حمام و ثالثنا في الزهو انت
المرسم يزهى على الشمع و انا على الغزال
و من قصائده المشهورة المزيان وقد عارض به احدى قصيدتي سيدي قدور العلمي المسميتين المزيان. و حربة قصيدة ابن علي هي قوله:
لي قال المزيان
            وصف هذا الحسن يا اللي تهواني
قلت له يا هادب الاشفار                توصافك ما يحصر
و منها عائشة من اجمل قصائده و حربتها :
مالك يا الغزال تايهة و علاش اخيتي وفاش
هذا عام و شهرين طالت الغيبة يا عايشة
وهو من اول من نظموا في الشمعة التي يشبهون باحتراقها و ذوبانها و صفرتها صفات العاشق الولهان الذي يحترق فؤاده و لا تنقطع دموعه و تذبل سحنته
و حربتها:

لله يا الشمعة سلتك رد لي سؤالي
                       واش بك في الليالي تبكي مدى لك شعيلة
و من كلامه في الحكم الوصاية الاولى و له ثلاث وصايا و حربة الاولى منها:
اراسي نوصيك يا الزايد تعبي و شقاي
                            من خلطة اهل جيلنا اعزل
قوم لا عرفوا محبتي و معنتي و هواي
                           جنبهم اراسخ العقل
و من اهم قصائده السالف و له قصيدتان بهذا الاسم تعتبر الثانية ضائعة و حربة الاولى:
سالف مكمولة البها خلاته تفكيرة
                     يوم مشات تزور
في مكتوبي درته وطاح لي خايف من مولاته
الى غير ذلك من الاوضاع الطريفة و الاختراعات العجيبة.
و قد عاصر ابن علي الشريف اربعة من السلاطين العلويين وهم مولاي عبد الله و سيدي محمد ابن عبد الله و مولاي اليزيد و مولاي سليمان و توفي رحمه الله عن ثمانين سنة شمسية سنة 1237 ه (1822 م) وهي سنة وفاة مولاي سليمان.
اما قصيدة الماصرية التي قصدنا الكلام عليها بالخصوص فانها من النوع المبيت (قياس 14) وهو يتركب من ابيات ذات اربعة اشطار مقاطعها هكذا:
12 – 12 – 6- 10. و تحتوي على خمسة اقسام في الاول ثلاثة ابيات و في الثاني و الثالث ستة و في الرابع سبعة و في الخامس اربعة فيكون مجموع ابياتها مع الحربة سبعة و عشرين بيتا.
ابتدأ في القسم الاول قصيدته بتمجيد الجهاد و انه فرض واجب على المؤمنين و ان الموت في سبيل الله خير ميتة و فيها كل خير.
 و ان المسلمين ما فازوا في كل اعصارهم الا بفضل الجهاد.
و في القسم الثاني تخلص في عرض وجيز لتاريخ مصر و لفتحها ايام سيدنا عمر بن الخطاب على يد عمرو بن العاص و ذكر ان البلاد سعدت بهذا الفتح و ان عمرو بن العاص كتب للخليفة يخبره بان اهل مصر من عادتهم ان يلقوا كل سنة في النيل بكرا ليفيض عليهم بخيراته. فاجابه سيدنا عمر ابن الخطاب برسالة يخاطب فيها النيل و يقول له ان كنت تفيض بمحض ارادتك فلا حاجة لنا بفيضانك و ان كنت تفيض بامر مولاك فاحمل و صب ماءك على كل النواحي. و امره ان يرمي هذا الكتاب في النيل. ففعل وفاضت المياه حتى غمرت كل جوانبه وروت سواحله مومنا بحكم الله و ازينت الارض و تجلت نضارتها. ثم ذكر ان عمرو بن العاص شيد المباني و بنى المساجد و ان مصر بعد ذلك ظهرت فيها علوم كثيرة.
و خص القسم الثالث بذكر فضائل مصر و انه ما رأى ما يشابهها الا ارض مكة و المدينة و القدس و الشام و انها صالت ببعث المحمل الى مكة المكرمة و قال: "مصر ام المشارق، مصر ام المغارب" جاعلا هذا القطر من ضمن بلاد المغرب كما انه من ضمن بلاد المشرق و انها غنية و فيها من الذهب ما يكفي لحاجات المدن و البوادي و تخلص لمقصوده بالذات بالاشارة الى ان النصارى عادوا لعداوتهم القديمة و لكن حياتهم "خسارة".
و ذلك ان الفرنسيس هجم عليها من البحر في سفنه و مراكبه و يعني بالفرنسيس بونابرت لانه يقول جاء من عند رئيسهم الفذ بكتاب امان و انهم في الاول صدقوا هذه الدعوى و لكن الكافر احتل البلاد و دار في كل جوانبها و اصبح جمهوره الغالب لها على امرها فاخذ في تحصين اسوارها و شيد في القلعة مركز الحكم و ابطل مساجد العبادة و بنى  على مداخل ضريح سيدنا الحسين و منع الزيارة . فبكى المسلمون على هذه الكارثة بكاء الدم و المغرور يزيد في تجبره مما جعل نفوس اهل الايمان تثور.
و في القسم الرابع تابع الكلام على اعمال الظلم و العسف التي ارتكبها الفرنسيس و انه استولى على خيراتها و انتشر الحساب أي قابضو الضرائب في البلاد يستنزفون اهلها و منع دخول المراكب التجارية بغير اذن خاص و ان اهل الغنى و اليسار ضاعت لهم اموالهم، فعند ذلك تحرك الاتراك و قد كانت مصر تابعة للخلافة العثمانية و جاؤوا لمحاربة نابليون و ظهرت راياتهم ترفرف على كتائبهم "و اتوا للسواحل و طلع جزارهم من الشام" كما قال وهو يعني احمد باشا الجزار و قد امره السلطان العثماني سليم الثالث برد حملة بونابرت كما سنراه في وثيقة بعد هذا ).
ثم زاد قائلا ان عددا كبيرا من المغاربة اقدموا على مساندة اخوانهم مضحين بحياتهم وهو قوله:
واتي اشحال من خاطر
                من اوطان المغرب للحرب و السقارة.
ثم اخذ يصف شجاعتهم و معداتهم الحربية و انهم ارغموا النصارى على الخضوع حين "صبحوا المغاربة في الغورية (2) شادين الحزام" و ان شجعانهم  قاتلوا و قتلوا في حومة الوغى و ان كل غالب اسقط على مغلوبه دياره حين تقاطرت الرماح و فلت سيوفهم من دماء النصارى و ان من نجى منهم بعمره بقي معطوبا، و من خرج سالما من هذه الحرب الضروس اخذه الانكليز(3) اسيرا يرسف في اغلاله و اكباله لا يفتدى بمال و لا باغاثة، و هذا جزاء الكفار الذين على رأي رهبانهم. "و محاتهم الاسلام كما تمحي النار الحطام" او كما محوا ملك يزدجرد و كسرى من ملوك الفرس.
و في القسم الخامس و الاخير تعرض بايجاز للنتائج الاقتصادية لهذا الانتصار ذاكرا ان التجارة انتعشت و فر اولائك الذين كانوا يستغلون خيرات البلاد المصرية "و البيع و الشرا يتحرك و تجود به الايام " و ان حرية التنقل و السفر رجعت الى ما كانت عليه من قبل فيمكن لمن اراد الحج و زيارة اضرحة اسباط النبي عليه السلام و قبر الرسول نفسه البعيد المزارة ان يقوم بهذه الرحلات سالما مطمئن البال.
و ختم على عادة شعراء الملحون بالصلاة على الرسول الكريم و بالسلام على اصحاب الاذواق السليمة و ذكر اسمه بحساب الجمل. (اربعين وهي الميم و ثمانية وهي الحاء و اربعين اخرى و اربعة وهي الدال أي محمد ). أي ابن علي الشريف ولد ارزين رحمه الله.
و ان اكثر المعلومات التي وردت في هذه القصيدة الفريدة تؤيدها وثيقة وردت في كتاب البحاثة العلامة السفير الدكتور عبد الهادي التازي في تاريخ المغرب الدبلوماسي الذي يحضره الان و سيكون موسوعة هامة تحتوي على وثائق ثمينة تنشر لاول مرة و قد تحمل مشاق كبيرة في البحث عنها و جمعها.
و هذه الوثيقة عبارة عن رسالة وجهها الخليفة العثماني سليم الثالث للمولى سليمان يخبره بهجوم الفرنسيين على مصر بغتة و ما اقترفه المحتلون من فظائع ضد العلماء و النساء و الصبيان و يعلمه بانه عين القائد احمد باشا الجزار لمقاومة الفرنسيين و يذكر له انه تحالف بهذا الصدد مع الانجليز و يطلب من المولى سليمان المساعدة في تسهيل نقل الذخائر عبر مضيق جبل طارق لايصالها للديار المصرية "وذلك اعانة لدين جدك عليه السلام".
و تاريخ هذه الرسالة 19 شعبان سنة 1213 وهو يوافق 26 يناير سنة 1799.
و يؤسف لعدم وجود جواب المولى سليمان عن هذا الكتاب المهم و لعدم تعرض مؤرخينا لهذا الحادث التاريخي العظيم  و مما لاشك فيه و كما يستنتج من قصيدة الشيخ ابن علي ان المغاربة شاركوا مشاركة فعالة في هذه الحرب و ان المولى سليمان لم يكتف بتسهيل نقل السلاح و الذخائر الحربية الى المشرق و لكنه ساعد على الاعانة المباشرة بحث المتطوعين على الالتحاق بميدان الشرف في مصر كما فعل خلفه ملكنا المعظم الحسن الثاني في حرب رمضان التي كللت بالنجاح و اعادت للعرب سمعتهم و ابرزت ما يعرف عن المغاربة من شهامة و بسالة.
و نرى من المفيد ان ننشر هنا نص رسالة الخليفة العثماني سليم الثالث مقدما للدكتور التازي كل تشكراتي اعانه الله على اتمام مؤلفه الذي سيكون له فضل كبير في ازاحة الستار عن قضايا تاريخية هامة.


نص قصيدة الماصرية لابن علي الشريف ولد ارزين
القسم الاول
سبحان من فرض علينا الجهاد فرض واجب     و اخبار كل موت في الجهاد و كل خير يغنام
لا في البدو ولا
اخر                                  بالجهاد تقوى الاسلام في النصارى
فازوا اهل الجهاد في مصر واهوان كل صاعب   و في غزوة خيبر فازوا ناس الجهاد الكرام
و خلق مومن و كافر                                 كلهم من ادم انشاوا بالايشارة
و في كل ارض يبعث فيها ما شا من المواهب     و في كل ارض الحكيم فيها دايم حكيم علام
  واحد سامع و باصر                                ما خفاه الظاهر و اللي هو توارى الحربة
بشار المشارق جانا حتى للمغارب                  بشر الاسلام بين مصر ولات للاسلام
 لنا ولك يا مصر                                     واجبة البشارة الا كيفها بشارة

القسم الثاني
في مدينة الخلافة ظاهر بين الاصحاب صاحب  عد ان مضات عشرين من الهجرة سنين و اعوام
  بها حفت عساكر                                  بامر ابن الخطاب امير الامراء
و فتحها على يد ابن العاص اهل المناقب         به البلاد سعدت و اصبح فيها مؤيد همام
و كان في اقدم عاصر                              كل عام يسيروا معه بلا حيارة
يرميوا فيه بكرة يحمل بها على المذاهب          رد للخليفة الاخبار منين جاه الكلام  
  و بقى اللي عدو حاير                            كتبوا لعمر وخبروه بالجهارة
قبط الكتاب عمر في يده و بحق واجب            للنيل سيفط كتاب جواب كلام فيه و سلام
 الا انت على الخاطر                              لاه قلت تحمل له رد لا تجارى
و الا انت باذن مولاك احمل على المذاهب       النيل فاض فيضة فات حدوده وشق الاوهام
  وروى سواحله ياسر                              بالاحكام امن و ظهرت النضارة
ازيانت البلاد و شيد في ترابها مضارب          و بنى من المساجد فيها و اخبارها لقدام
 لها علوم تتكاثر                                     بالاسباط ارضها وردها سيارة
الحربة

القسم الثالث
ما ريت ما يشابه مصر في ساير المغارب      الا ارض مكة و المدينة و قدس و الشام
  صالوا بمحمل الطاهر                           عنيت محمل الكعبة له الحج و الزيارة
مصر ام المشارق مصر ام المغارب            فيها من المذاهب باش يقوموا مدن و خيام
 في كتب ربنا القاهر                              جات مصر مذكورة جات مختيارة
و كذلك الكريم حجبها من لا سواه حاجب      عادوا لغرفهم القادم كبارها و القيام
  قاموا ابطال الغضافر                            حاضرين الملا و حياتهم خسارة 

جاها فرنسيس في البحر بسفن و المراكب      و قال جيت من عند الفذ امان كتاب بفهام
   تاقوا بسيرة الكافر                              و البلاد معهم فيها دار دارة
حاز البلاد و اصبح فيها جمهورهم غالب       حصن اسوارها و بنى في القلعة بساط الاحكام
 بطلوا مساجد الاجر                              بنى على باب الحسين بطل الزيارة
اخبارها من طول و من عرض في المناكب    و بكات الاسلام عليها بكي القلوب بالدوام
 و الغر له جا امر                                 و ناضت النفس في اهل الايمان و الاغارة
الحربة
القسم الرابع
اخذا ما اكتاب في مصر و يجول كل حاسب   قطع ركابها ما تدخل الا تحت الاحكام
  و اطيان جونها العامر                          ضاعت كلها لاهل الغنى و اليسارة
الاتراك ريت فيهم رايات اشحال من كتايب    و اتاوا للسواحل و طلع جزارها من الشام
 و اتى شحال من خاطر                          من اوطان المغرب للحرب و السقارة
اهل الصوارم المفروغة و اقواس و النشاشب  و رماح للفتك و البترات الا انشق الحسام
 و البالات و الخناجر                             و الزرايم لاهل التلحيق و العمارة
اعطوا الكشوط البيعة و تبرموا اللوالب        اصبحوا المغاربة في الغوربة شادين الحزام
شجعانهم و غناضر                              اوقاتلوا و قتلوا في حومة السقارة
جرحوا كشوطها و تلاقى مطلوبها و طالب    مغلوب له جا غلابة و عليه هد الرسام
 الرماح غير تتقاطر                              و السيوف حفات من رقاب النصارى
و الى بالحياة تبقى منهم صار عاطب           و الى بقا اداه النكليز يسير كيف الغلام
 في اكبالها و قناطر                              ما ينفدى بالمال و لا الاغارة
هذي رثية الكفار على راي كل راهب          و محاتهم الاسلام كما تمحي النار الحطام
 و الا محية زداجر                              او كسرى في ملوك الفرس دار دارة
الحربة
القسم الخامس
دابا تجارها تتسوق و يفر كل كاسب          و البيع و الشرا يتحرك و تجود به الايام
و الي رايد يسافر                               يدير زاده و التقوى زاد للزيارة
دبا نشاهد في مصر ثم نشاهد الكواكب       و نزور الحسن و الحسين اسباط خير الانام
 دبا نشاهد الطاهر                             يا سعادة من زار القاصي المزارة
عليه الصلاة من الله و على كل صاحب     و الال و الازواج و الانصار و اسباط سيد الامم
 لهم سلامنا عاطر                              و السلام على ناس الذوق و الاشارة
و اسمى نبينه للقاري ينبي لكل حاسب       اربعين سابقة و ثمنية من بعدها و الختام
الاربعين في الاخر                              ما وراها غير الربعة باختصارا
الحربة

نص رسالة الخليفة العثماني سليم الثالث للمولى سليمان رحمهما الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي اخرج من كنزه المطلسم لدوام نظام العالم و تسوية امور بني ادم سلاطين هم ملح الارض فتصلح بهم طبائعهم المجبولة على الطغيان العليلة بعلل الجور و العدوان و الصلاة و السلام على النبي الاريحي الذي نسخت بشرائعه الشرائع و بدليله الادلة و خسفت ببدره الاقمار و الاهلة و اله و اصحابه ما انبلج الصباح و نودي بحي على الفلاح.
غب اهداء ازهار نسيمات و اتحاف انوار تحيات تتوالى توالي القطر المكرر في تلك الاقطار و الاماكن التي باهلته المزرية بالبدور تتنور الامصار نخص بذلك بحر نول امواجه الهمم وروض سيادة الفخر و الكرم طود المجد الشامخ المنيف المرفوع على العلم بالنسب الشريف تاج هامة بني الحسن و الحسين الجناب العالي مغرس ثمرات المعالي زهرة الشجرة العلوية فرع الدوحة النبوية المولى الهمام و المطر ابن الغمام الامجد ابن الامجد المولى سليمان ابن المولى محمد لا زال محط الركبان من الاطراف و ربح المحامد متجر الاشراف. اما بعد الذي نخبر به اخانا في الله و صنونا في دين محمد بن عبد الله افضل صلوات الله و اكمل تحيات الله هو انه قبل هذا كنا ارسلنا لطرفك العزيز سائلا الملك العزيز نميقة انيقة تنبئ عن احوال الطائفة الفرنساوية دمرهم الله تعالى بجاه محمد خير البرية بانهم هم الطائفة الخائنون و الشرذمة الملعونون ذوو مكر و فساد و اهل بغي و عناد لا يؤمنون بوحدانية الله و لا يعترفون برسالة محمد بن عبد الله منكرون ليوم البعث و النشور و الويل و الثبور وهو يوم تذهل (فيه) كل مرضعة عما ارضعت و تضع كل ذات حمل حملها و ترى الناس سكارى و ما هم بسكارى و لكن عذاب الله شديد فلا عقاب عند هؤلاء الملاحدة و لا حساب و لا جزاء و لا عذاب و لا سؤال و لا جواب مغرورون لعنهم الله بهذه الدنيا  الدنية الفانية و غافلون عن الدار الاخرة الباقية فبيس ما اعتقدوه و لبيس ما كانوا يفعلون، و مع هذا الاعتقاد الباطل و الرأي الهازل انهم كفرة خائنون و فجرة فائنون لان الذي ارتكبوه من الغدر و الخيانة باهل الاسلام ما ارتكبه احد من عهد ادم عليه السلام حيث انه قاتلهم الله هجموا بغتة و اقتحموا غفلة من غير اطلاعنا على امورهم و لا اخبارهم ايانا من طرف جمهورهم كما هو عادة الدول و السلاطين الاول على القاهرة و ما حولها فصار لامة محمد من الغدر و الضرر و تشتت الحال و نهب الاموال ما لا يوصف بقلم و لا يحصى برقم فلوثوا تلك الاماكن المطهرة و اظلموا تلك المراقد المنورة و تحكموا في تلك الديار على علمائها الاعلام و صلحائها و اشرافها و ساداتها الكرام و ملكوا على نسائها المخدرات و صبيانها المعصومين و فتياتها المعصومات فوالله هذه حادثة عظيمة و خطب جسيم لا يرضى به الله و لا رسوله و لا نحن و لا احد من المؤمنين بل تكاد السماوات ينفطرن منه و تنشق الارض و نحن غب هذا الخطب و اثر هذا الكرب توكلنا على الله و فوضنا امرنا الى الله فنشرنا اوامرنا العليا الى تلك الاقطار و ما في السواحل من المدن و الامصار بل الى كل من في حوزة تصرفنا و داخل في دائرة ملكنا بان ياخذوا حذرهم و اسلحتهم و عتادهم و عدتهم و يجلبوا خيلهم و رجلهم و يجمع ابطالهم و بسلهم و يتحشدوا لاعلاء كلمة الله يتجمعوا لمحافظة دين محمد بن عبد الله و عينا قائدا عسكريا للتوجه الى تلك الديار مع عسكر جرار لقمع اولائك الفجار و دفع شرور اولئك الاشرار
وزيرنا المكرم الحاج احمد باشا الجزار ادام الله اجلاله و يسر اماله و مددناه بادوات الحرب و النهب و الات القتل و الضرب و المهمات السائرة كاملا مكملا بانواعها و اصنافها مجملا و مفصلا فان شاء الله تعالى عن قريب تظهر غيرة الملك الجبار و غيرة رسوله المختار فلا يبقى من تلك الكفرة الفجرة اثر و لا من يرجع منهم بخبر و لكن نخبر اخانا في الله لا زال في حماية جده رسول الله اننا راينا طائفة من الانكليزيين لهم معنا محبة قديمة و مودة مستديمة و صداقة كاملة واضحة و غيرة ثابتة راسخة وهم قوم ذوو واولو باس وقوة مغروزة في قلوبهم قديما عداوة طائفة الفرانسة و مركوزة في فؤادهم بغض اولئك الابالسة يناوشوهم بالحرب و الضرب اينما وجدوهم و يبادروهم بالغارة و النهب حيثما لقوهم مترصدون لهم في الطرق لقطع ذهابهم و ايابهم و مترقبون سفائنهم دفعا لاعانة عساكرهم المنحوسة و امدادهم فبناء على هذا اتفقنا و اتخذنا مع طائفة الانكليزيين في هذه القضية بعهود و مواثيق قوية على اعلان الحرب مع الفرانسة الخونة و معاضدة بعضنا لبعض في قمع تلك الطائفة الملعونة الى ان نطهر بعون الله تعالى الديار المصرية من لوثهم نخلص امة محمد عليه السلام من شرورهم و خبثهم فبعدما صار اتفاقنا هذا معلوما لديكم نؤمل من اخوتكم الصميمة و نخوتكم الهاشمية ان تعامل طائفة الانكليزيين بمعاملة الاصدقاء فلا تمانعونهم في نقلهم الذخائر الى جبلترة الكائنة تحت تصرفهم بل مهما ساعدتموهم في نقل الذخائر، لحظنا الوافر، لان النفع العائد عليهم هو عائد علينا و ايضا هم راغبون في التجارة في نواحيكم و دياركم باخذ بعض بضائعكم لديارهم و جلب بعض بضائعهم لدياركم و لا يخفى ان في هذا نفع يعم الطرفين و ربح يشمل الفريقين فالمامول ان تساعدوهم في مطلوبهم و توافقوهم في مرغوبهم او ليس في هذه خير بل كلها محض خير و اما طائفة الفرنساويين عليهم لعنة الله و الملائكة و الناس اجمعين فالواجب على صلابتكم الدينية و غيرتكم الاسلامية ان لا تسامحوا في نقل الذخائر اليهم و الى من يعاونهم و يسلك في مسالكهم القبيحة و يرتكبوا ما ارتكبوه من الامور الفضيحة بل تقطع طرفهم و دابرهم و تنهب مهماتهم و ادواتهم و ذخائرهم و تعاملوهم بما يوجب ضعف حالهم و تشتت بالهم و يورث قوة اهل الاسلام و ضعف تلك الخونة اللئام و ذلك اعانة لدين جدك محمد عليه السلام و شريعته المطهرة القائمة الى يوم القيام لان الخيانة التي ارتكبوها و اللعنة التي سلكوها عائد ضررها على جميع الموحدين و موجب التخلف عن دفعها الوزر على كافة المسلمين على الخصوص كان من كان ذا قوة و صاحب فتوة وهمة وهذه كلها قضايا بديهية نتائجها جلية لا تخفى على طبعكم الوقاد و ذهنكم النفاذ و الحاصل املنا من طلعة ذاتك السنية و شيمك الفاروقية ان تكون معنا على قلب واحد بعضنا لبعض معاضد فتنشمر عن ساعد الجد و الاجتهاد اعانة لدين الله و لشريعة محمد خير العباد فنرفع هذه البلية عن دين خير البرية عليه افضل الصلاة و اكمل التحية.
و السلام على الدوام تحريرا في اليوم التاسع عشر من شهر شعبان المعظم سنة ثلاث عشر و مائتين و الف.(4)


1-
2- وهو حي من احياء القاهرة
3- سنرى في الوثيقة المشار اليها انفا ان الانكليز حلفاء العثمانيين شاركوا في هذا الحرب 
4 - تركنا الاخطاء النحوية و الكتابية على حالتها. انظر الصورة الشمسية لهذه الوثيقة 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here