islamaumaroc

وحي الذكرى .. مفاخر ومآثر

  دعوة الحق

العددان 156 و157

مدخل و توطئة:
لست من كتاب المناسبات ، و لا من شعراء المناسبات، فللمناسبات كتابها و شعراؤها الذين يحسنون القول فيها و التعبير عنها، و لكن ، عندما تستدعيك "دعوة الحق" لمشاركتها في مناسبة وطنية لامعة محبوبة الى كل وطني مخلص اصيل ، لا تملك الا ان تستجيب لدعوة الحق، و ان كانت تحملنا بهذه الدعوة الكريمة مشقة نفسية من جهة، و مسؤولية دينية من جهة اخرى.
فمن الناحية النفسية تجدنا في صراع مع الايام و احداثها، و مع الحياة و تقلباتها، و المرء اشبه بزمانه كما قال الاستاذ ابن العميد، فلا راحة في البال و لا استقرار في النفس، و راحة البال و استقرار النفس من اقوى الدعائم التي يقوم عليها الانتاج الادبي الرفيع، و بدونها قد يكون الانتاج سقيما او عقيما، و هذا ما ياباه كل كاتب يحترم نفسه، و يحترم قراءه، فيلوذ بالصمت، و الصمت حكمة، و قديما شبهوا الكلام بالفضة و السكوت بالذهب، و معلوم انه لا يوجد بين العقلاء من يفضل الفضة على الذهب، و ان كانت للفضة مكانتها ووزنها و قيمتها، فهي تاتي في المرتبة الثانية بعد الذهب الذي هو دائما في المرتبة الاولى، و قد قال تعالى: "زين للناس حب الشهوات من النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة .." فاعطت الاية الكريمة المقام الاول للذهب بين المعادن النفيسة اذ قدمت ذكره على الفضة!
و كما انك اذا اردت ان تقدم هدية ثمينة لا تفكر اول ما تفكر الا في الذهب، او ما كان في مستوى الذهب، فهناك من المواقف و المناسبات ما لا تصلح فيها الا الكلمة الذهبية او السكوت الذهبي، فالكلمة الذهبية غنم، و السكوت الذهبي سلم" و قد ورد في الحديث الشريف: "رحم الله امرا تكلم فغنم، او سكت فسلم" و في رواية اخرى "رحم الله عبدا قال فغنم ، او سكت فسلم." و لله در من قال:
((تكلم وسدد ما استطعت قائلا
                       كلامك حي و السكوت جماد ))
((فان لم تجد قولا سديدا تقوله
                      فصمتك عن غير السديد سداد)) (1)
و اما المسؤولية الدينية، فهي اجابة الدعوة، فمن حق المسلم على اخيه ان يجيب دعوته، لا للوليمة فحسب، بل و لكل امر ذي بال يعود على الامة الاسلامية بخير او فائدة. كما ورد في الحديث الشريف الذي اخرجه الامام مسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ((حق المسلم
على المسلم ست: اذا لقيته فسلم عليه، و اذا دعاك فاجبه، و اذا استنصحك فانصحه ... الى اخر الحديث الشريف)) . و في الصحيحين ايضا عن ابي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه و سلم قال:
"خمس من حق المسلم – أي خمس من الخصال من حق المسلم على اخيه المسلم – رد التحية، و اجابة الدعوة ..." الى اخر الحديث الشريف.

دعوة الحق و عيد العرش:
و كم اكون سعيدا اذا استطعت ان اتغلب على المشقات، و ان البي دعوة مجلتنا الغراء "دعوة الحق" مراة ((وزارة الاوقاف و الشؤون الاسلامية و الثقافة)) التي نشطت لاحياء مجد المغرب الثقافي و الحضاري، و ابراز معالم الاصالة المغربية العربية الاسلامية ، و دابت على احياء الذكريات الاسلامية و الوطنية الخالدة، خصوصا في عهد وزيرها الحازم النشيط احد رواد الحركة الوطنية و النهضة الثقافية بالبلاد، استاذنا الشيخ محمد المكي الناصري خادم العرش العلوي العتيد، و خادم الشعب المغربي الوفي لملوكه ورواده الابرار.
و في طليعة الذكريات الوطنية التي دابت ((دعوة الحق)) على حيائها ، الذكرى الميمونة السعيدة الحبيبة الى كل مواطن شريف مخلص لله و الوطن و الملك، ذكرى اعتلاء صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله و ايده عرش اسلافه المنعمين، من عهد المولى اسماعيل الملك العظيم، الى عهد محمد الخامس بطل الاستقلال و باعث امجاد الدولة العلوية الشريفة حرسها الله و ابقاها حصنا حصينا للامة و البلاد.
((هم العلويون الذين وجوههم
                       بدور اذا ما احلولكت شهب ازمان))
((و هم اهل بيت شيد الله ملكه
                        على هضبة العلياء ثابت اركان))(2)

العرش و الشعب:
هذا العرش العلوي المجيد الذي تحتفل الامة المغربية بعيده، قام على اسس اسلامية راسخة، من اجل المحافظة على استقلال المغرب ووحدة ترابه، و من اجل المحافظة على عروبة المغرب و اسلامه، و من اجل سعادة الشعب و تقدمه و سيادته، و لذا كانت الامة تؤازر هذا العرش و تناصره و تلتف حوله في السراء و الضراء، فكانت مكانته مقدسة عند الشعب، و كانت اريكته الحقيقية في قلب الشعب، فكان العرش بالشعب و الشعب بالعرش، منذ عهد مولاي اسماعيل الذي انتقل الى جوار ربه تاركا للشعب حرية اختيار ما يوافقه من انظمة و من يوافقه من رجال، فاختار هذا الشعب الوفي نظام مولاي اسماعيل، و ابناء ثم احفاد مولاي اسماعيــــل(3)، حتى ال العرش الى المغفور له محمد الخامس، ثم الى وارث سره و مفخرة اسرته، جلالة الحسن الثاني قطب الدولة و معزها، الذي تربع على العرش عن جدارة و استحقاق، شهد بها جلالة والده رحمه الله في خطاب تنصيبه وليا للعهد يوم 9 يوليه سنة 1957 باجماع الامة على لسان علمائها و زعمائها و ممثليها، فقال: (( ... فازاء هذه الرغبات الملحة و الملتمسات القوية، قررنا تنصيب ابننا الامير مولاي الحسن فيما رشحناه له صغيرا، تنصيبا رسميا شرعيا قانونيا، فهو ولي عهدنا، ووارث عرشنا، و القائم بامر الملك و المضطلع برئاسة الدولة من بعدنا، و لم تكن شهد الله لنقدم على توليته و سناد تبعة العهد اليه و مسؤوليته، لو علمنا انه غير اهل له، و لا كفء للنهوض باعبائه ... رشحناه لولاية عهدنا منذ الصغر لما لاح لنا فيه يومئذ من مخايل الصلاح و بوادر الاستقامة، ثم التقت اليوم رغبة الامة مع رغبتنا فيه، بعد ما لمسنا جميعا فيه من حزم و انسنا من عزم، و علمنا ما له من غيرة ، و عرفنا ما له من حنكة و راينا من اقتدار، لقد رايت منه ما يثلج الصدر و يقر الناظر من غيرة على الوطن، و اخلاص للشعب، و دفاع عن الحقوق و ذياد عن الكرامة، و كفاح من اجل السيادة ...)).
هذه فقرات ذهبية من الخطاب الملكي التاريخي يوم تنصيب امير المؤمنين حفظه الله و ليا للعهد، احببنا ان نحلي بها صدر مقالنا هذا للمعاني السامية و الاحساسات الصادقة التي تضمنها ، و ايضا للتجاوب التاريخي الدائم بين العرش و الشعب الذي عبر عنه محمد الخامس في خطابه المذكور ابلغ تعبير.

افراح وولاء:
و احتفل المغرب قاطبة يومئذ بتنصيب سيد البلاد وليا للعهد، و اتخذ من يوم تنصيبه الذي يوافق ذكرى ولايته، اتخذه عيدا قوميا هو "عيد الشباب" الذي دابت الامة على الاحتفال به كل سنة كاحتفالها بيوم جلوسه على العرش في ثالث مارس وهو "عيد العرش". ففي هذين العيدين الوطنيين يهب الشعب نساء و رجالا شبابا و شيوخا للتعبير عن افراحه وولائه و اخلاصه لجلالة الحسن الثاني ملك البلاد. و يحق لهذا الشعب الواعي ان يحتفل بهاتين المناسبتين التاريخيتين الخالدتين، فقد ادرك ان جلالة الحسن الثاني من الملوك الذين قل ان يجود الدهر بمثلهم.
و حسبك ان جلالته كان زعيما وطنيا قبل ان يكون رئيسا للدولة.
و قد برهن جلالته بالقول و الفعل عن جدارته بقيادة الامة و استحقاقه لرئاسة الدولة، و تاكد ما توسم فيه جلالة والده و الشعب المغربي من خير و صلاح و حزم و عزم، و دلت الايام على انه حفظه الله يتحلى بصفات قل ان تجدها في غيره من ملوك ورؤساء العصر، ذلك فضل الله يوتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم.
((سبحان من يجمع الفضل افراده
                       و من حباه السجايا الغر و الشيما))
((و من تخيره للملك خالقه
                      اعطاه نورا و عقلا نابغا فهما))(4)

ايمان و عمل:
و من ابرز صفات جلالته ايمانه القوي بالله، و اعتماده الكبير على الله، و عمله المتواصل لاعلاء راية الاسلام و ارساء قواعد الدين و احياء مظاهر الحضارة الاسلامية، و تمتين عرى الاخوة و المودة مع الشعوب العربية و الاسلامية التي يعد المغرب جزء لا يتجزا منها، زيادة على جهوده الموصولة من اجل رفاهية الشعب و سعادته و ازدهاره، يتجلى ما ذكرناه في سياسته الرشيدة، و مواقفه الشريفة، و توجيهاته الحكيمة.

بعث اسلامي:
و اذكر من بين ما اذكر، ان جلالته في عيد ميلاده السعيد لسنة 1972 (عيد الشباب) تحدث عن الاسس الثقافية و الدينية و التربوية و الاجتماعية لتجديد المجتمع المغربي، و تكوين اجيال فاضلة اصيلة متمسكة بدينها و لغتها ، و دعا الى العمل على بعث اسلامي صحيح.
و شفع جلالته هذا النداء التاريخي الى البعث الاسلامي بخطاب هام يوم 11- 1 – 1973 بحضور وزرائه و شخصيات بارزة في حقل التربية و التعليم و الثقافة في جلسة عمل بالديوان الملكي لدراسة شؤون التعليم الاصيل الذي هو التعليم الاساسي الذي يزود البلاد بنخبة العلماء و رجال الثقافة و الفكر، فقال حفظه الله : (قررنا ان يكون التعليم الاصيل هو التعليم الاساسي لكل مغربي ... و لكن هذا اساسا يتطلب ان يكون التعليم الابتدائي موجها توجيها عربيا مسلما ... فنحن مصممون العزم على ان نفتح باب الانجاز في اقرب وقت ممكن ... هذه الحركة نود ان تكون حركة مباركة حيث انها مبنية على لغة الضاد و لغة القران،  و حيث ان اساسها هو اشعاع الاسلام و اعطاء الحضارة الاسلامية مكانها المرموق ... و لي اليقين اننا سنعلن كلمة الاسلام و الحضارة الاسلامية اذا نحن جعلنا تلك الحضارة و تلك التعاليم في متناول الجميع ...).
هذه التوجيهات الذهبية  العظيمة ستكون باذن الله منارة يهتدي بها كل العاملين المخلصين في محيط التربية و التعليم و الثقافة .و لا حاجة الى القول بانها من المفاخر و الماثر التي امتاز بها العهد الحسني السعيد.
ان المليك ادام الله دولته
                  قد مكن الدين و الدنيا لامته
العلم في عهده يزهو بروضته
                   و الخبر ملتمس من بطن راحته

اشتراكية اسلامية:
و في عيد الشباب لسنة 1973 اعلن جلالته عن انطلاقة المغرب نحو اشتراكية اسلامية مغربية اصيلة، و دعا الشباب الى تحمل مسؤولياته الوطنية بروح اسلامية ثورية، لان ((الثورة – يقول جلالته – لا تنحصر في انسان و لا في جيل ، و لا في كتاب، و لكن هي قبل كل شيء عقيدة ، لانها عمل مستمر للتجديد للتلقيح للانتاج)). و هكذا فتح جلالته المجال امام المجتمع المغربي لتجديد اساليب حياته و نشاطه في ميادين الاقتصاد و الاجتماع و الثقافة في ظل التعاليم الاسلامية ووفقا للاصالة المغربية، و انسجاما مع التطورات الفكرية المتزنة
((بعث الامة من مرقدها
                    و دعاها للعلا ان تدابا))
((فسمت للجد تبغي شأوه
                   و قضت من كل شيء ماربا)) (5)

تضامن اسلامي:
اذكر من بين ما اذكر ايضا مواقف جلالته الخالدة من قضية فلسطين المغتصبة، و اهتمام جلالته بهذه القضية كمسلم عربي مسؤول يجل عن الوصف و موقفه المثالي في حرب اكتوبر 1973 (رمضان 1393) من اجل سيادة فلسطين و تحرير الاراضي العربية الاسلامية من قبضة الصهيونية الاثيمة، اعطى مثالا حيا للتضامن العربي الاسلامي، و اعطى برهانا صادقا على ما يكنه من اخلاص ووفاء للقضية العربية الاسلامية العادلة.
و كان موقف جلالته هذا كمواقفه جميعا معززا بتاييد الشعب الذي هب للمشاركة في المعركة المصيرية بماله و دمائه و رجاله، مقتديا بملكه البطل الحسن الثاني ، و قد عبر جلالته عن ذلك في كلمته الذهبية بمناسبة عيد الفطر فقال: ((ان شهر رمضان الذي انزل فيه القران كان شهرا حافلا بالنسبة للامة العربية و بالنسبة لتاريخ العالم ... و كان مهما بالنسبة اليك شعبي العزيز ذلك انك حققت ماكنا ننتظره جميعا)).
و اذكر كذلك خطابه القيم في مؤتمر القمة العربي السادس بالجزائر اواخر نونبر 1973 القاه نيابة عن الملوك و الرؤساء الذين تشرفوا بانابته عنهم اعترافا بمقامه و فضله، و تقديرا لجهاده و تضحياته ، فكان مما قال جلالته: "..انني و انا اقوم بهذه النيابة لاشعر بالقلب مملوءا سرورا و العواطف سابحة في بحر مملوء حبورا ...يمكننا ان نسمي هذا المؤتمر ((مؤتمر الانبعاث )) و فعلا انه مؤتمر الانبعاث، انبعاث امة، انبعاث حضارة، انبعاث تاريخ ... فسوف نصلي في القدس، و سوف نحيي علم فلسطين ... فالحمد لله، و الله اكبر ...".
هذه فقرات ذهبية من خطاب جلالته في جلسة اختتام مؤتمر الانبعاث، عبر فيها جلالته ابلغ تعبير عن عواطف المغرب الصادقة ملكا و شعبا، و رفع بها رأس المغرب عاليا في التاريخ.
و كلمة جلالته الذهبية للمهنئين بعيد الاضحى (5-1-74) من ديبلوماسيين و سياسيين و مسؤولين، لهي خير دليل ايضا على ما يكنه ذلك القلب الكبير من عواطف المحبة و التعاطف و التازر و التضامن مع الامة العربية و الاسلامية، و قد عبر عن ذلك بقوله: (لا يمكننا باي حال من الاحوال ان نفكر في اسرتنا الصغيرة، دون ان نفكر في اسرتنا الكبيرة، الا وهي العالم العربي و الاسلامي ... و لا يمكننا ان نحتفل بعيد او يطمئن لنا بال، ما لم نكن مطمئنين على اخواننا الفلسطينيين ..)

اخلاص ووفاء:
و ما ذكرناه انما هو نقطة من بحر، و انطباعات احيتها الذكرى المباركة الميمونة، و الذكريات عادة تتيح الفرص لاستعراض الماثر و المفاخر، و حياة جلالة الملك الحسن الثاني و مواقفه كلها مفاخر و ماثر، فهي اكثر من ان تحصى، و اكبر من ان تجمع في كلمة تذكارية اراد بها كاتبها ان يزيد جوهرة لامعة في العقد الملكي الفريد، و ان يعبر بها عن عواطف المحبة و الاخلاص و الولاء و الوفاء لامير المؤمنين مولاي الحسن الثاني في عيد جلوسه السعيد على العرش المغربي العتيد. فهنيئا لجلالته بهذا اليوم الكبير الاغر، و هنيئا للشعب المغربي بهذا الملك العظيم الذي اعاد للاسلام عزته، و للوطن مجده وصولته، و للشعب اعتباره و حرمته ، و ليحفظه الله، هو وولي عهده الامير الجليل المحبوب سيدي محمد و جميع الامراء و الاميرات زهور البيت الملكي الكريم.
رحمة الله و بركاته عليكم اهل البيت


1- البيتان لابي الفتح البستي. 
2- البيتان من قصيدة لعبد العزيز القشتالي 
 3- راجع ما كتبناه عن مولاي اسماعيل في دعوة الحق عدد شهر مارس 1972 بعنوان: دفاع عن المولى اسماعيل
4- فهما: سريع الفهم. و الابيات لمالك بن المرحل بتصرف في البيت الثاني اقتضاه المقام
5- البيتان من قصيدة لحافظ ابراهيم 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here