islamaumaroc

ما للملوك والرؤساء في التكوين والتثقيف من أثر

  دعوة الحق

العددان 156 و157

من المسلم نفسيا ان كل فرد من افراد الانسان وجد او يوجد الا و له في قرارة نفسه نوازع فطرية مستعدة بطبيعتها، و مهيأة بكنهها للحركة و الكشف عما من شانه ان يدرك و يعلم في هذا الوجود الواسع الارجاء  و الذي قد تعجز خطى الباحثين عن بلوغ مداه، و الوصول الى ادنى غاياته، لذا كان من اللازم و بالتاكيد وجود طائفة من مثقفي الامة لخدمة المعرفة، و تسخير مواهبها للعمل على تكوين الصاعدين من النشئ و فتق تلك النوازع الفطرية المجبول عليها كل فرد، و ابرزها بالتالي لتريح نسيم الحياة، و تعمل بدورها طبعا على نشر الوية الثقافة الحق بين الناشئين الذين كم هي الامة في ترقب امثالهم رغبة في سد الحاجات الملحة في غير ما قطاع من القطاعات الضرورية الكون ثقافيا و اجتماعيا، و اقتصاديا و سياسيا، ينابيع حيوية لا غنى عن السعي و السعي حثيثا لبلوغ اهدافها و توزيع الاتجاهات و المواهب الى مراميها الحيوية رتقا لثغرات الاطر الفقيرة في المجموع، نعم قد لا نذهب بعيدا اذا ما اصبحنا نرى من يوم لاخر ما يتجدد من فينة لفينة و في عالم الثقافة على اختلاف موضوعاتها و قضاياها في عصر الحسن المؤيد في سائر المحاولات و المجالات حتى غدا لكل وزارة من الوزارات معهد يكون العاملين في مصالحها قصد انجاز المشاريع المتزاحمة عن بينة و خبرة يتوفر عليها الدارسون. و لا غرو تتجلى هذه الظاهرة بما يعقده نصره الله من جلسات عمل مع اعضاء حكومته حيث تطرح المشاكل على بساط الدرس و التمحيص فيدلي كل وزير بما يهم قطاعه من مشاريع، و هناك يأخذ النقاش يجري في جدية و منطقية يسفران في النهاية عن فكرة نيرة بلورتها الاراء، و صقلت جوانبها الخبرة و الممارسة بما ينعكس عليها من اضواء الحسن الكشافة لما يختبئ في اعماقها من اهداف ودرر حجبها الغموض، و غطى كرائمها الاضطراب و الفتور.
و انطلاقا من هذه الفكرة الواعية و الموفقة ننتقل و الهدف، نفس الهدف – كالتفات معنوي – مذكرين انفسنا و الذكرى توقظ و تحيي ان المغرب عرف منذ فجر الاسلام و اشعاع العقيدة الصادقة على ربوعه وهو مثال التشبث بمبادئ الدين و تعاليم القران و هدي السنة ، لا تفتأ تمضي فترة من الفترات (طوال اربعة عشر قرنا) الا و ازدادت العناية بدراستها ، و البحث في تعمق عما توحي به نصوصها من أي يقضي منها علماء العصر الحديث (عصر الذرة و الصواريخ و محطات الفضاء) ما يتضاءل امامه سائر ما يطلعون به على البشرية من مخترعات و مبتكرات لا ريب يتفتح لها دستور الاسلام ، و تسعها نصوصه الثرية دونما انغلاق و ضيق، و لا عجب ما كان المغرب في الطليعة بخاصة في الدولة العلوية الشريفة بما كان لملوكها من رعاية و اهتمام بتنشيط الحركة الفكرية، و دعم الجولات العلمية على العموم و حتى داخل قصورهم و مساجدهم الخاصة، لاسيما في الاشهر الثلاثة (رجب الفرد، و شعبان، و رمضان) حيث تنهض الهمم اكثر و تطمح النفوس الى المعرفة و قد صاحبها الطهر و الطمأنينة محلقة في اجواء اللذة الكبرى لذة العلوم و المعارف رغبة في الكرع من ينابيعها الصافية على اختلاف مشاريعها و اذواقها اذ تحضر حلقاتها نخبة من رجال الثقافة و الفكر من جهات المملكة و قواعدها و طائفة من اعلام الشرق و مثقفيه للمشارك في الدروس و المحاضرات الملقاة على مستوى عال في التفسير و الحديث و الرقائق و التاريخ، يتتبع خطواتها العاهل المؤيد وولي عهده المحبوب و علية من الاسرة الشريفة و اعضاء الحكومة و السفراء و طائفة من المثقفين و الطلبة، و احيانا و في هذه الاثناء تطرح اسئلة على بساط البحث و محكه لاستكناه ما يمكن ان يخفى من حقائق و يغمض في ثناياها من دقائق العلم و رقائقه، و في تلك اللحظات الواعية ينبري جلالة العاهل لميدان البحث و النقاش باراء تحليلية تضفي فلسفتها القانونية روحا جديدا على ما يلقى من تقريرات علمية من الايات القرانية، و الاحاديث النبوية، مما يندهش له الجمهور مستفيدا اكثر مما لو ترك الدرس يجري كذي قبل غير ناهض و لا متحرك، اضف الى ذلك ان الملك الموفق لتتبعه خطوات الدرس و نقاطه نجده احيانا يوقف استاذ الدرس اذا ما حاد عن موضوعه سابحا في استطرادات نابية عن روح المدروس، و بعيدة عن فصوله كعرض منه لمحفوظ يملا به دقات الظرف المحدود مما لا يسعه الا العود الى بنود المقروء ان لم يضطرب فيميل فجأة الى الاختصار المريح دونما اتمام الحصة المقدرة.
و لا غرابة في هذا الفتح الملكي و الاطلاع المولى (رغم عصاميته البحتة) هو دونما شك طبعي المحتد اصيل الارومة – انحدر من عرق الاسلاف الاماجد ملوك هذه الديار المغربية الذين حافظوا على كرامتها و سيادتها و الذود عن عقيدتها و دينها في استماتة نادرة منذ ما يقرب من اربعة قرون فكان ذلك الشبل (الحسن الثاني) المجدد و بوفاء تحمد مغبته الاسلاف و الاجداد، و بفخر و اعتزاز في عالم الارواح الذي له الادراك و الوعي اكثر:
(اكم من اب قد علا بابن ذرى شرف
                                كما علا برسول الله عدنان)
و نذهب بعيدا او ننسى التاريخ الامين ما كان يختم به (ايده الله) الدروس الرمضانية كمشاركة في حلقاتها كما يقول حفظه الله في تواضع – رغم اشغاله الكثيرة في غير ما قطاع من القطاعات الملمح اليها اول الكلمة.
فكان في درسه المشرب بروحي القديم و الجديد، يبدي و يعيد، م............ في تحليلاته موضوعاته و اعطائها روح القانونية الهادف اليها في ثناياه، و المتصل بالحياة المتجددة و المتطورة حسبما توحي به ظروفها اليومية علما منه ان القانون الاسلامي و تشريعه غير عاجزين عن مسايرة ما يتجدد في الحياة من فينة لاخرى، و معطيا في ذات الوقت توجيهات نيرة لا تلبث تشق طريق التلقين السهل و المنتج في ان واحد، و خلق نشاط جديد في تكييف الدرس ووضعه في اطار حي يبعث على الاقبال في توق و شوق طالما قارنه تحليل و استنباط موضوعيان لا يكادان يبعدان عن حدود النص الغني بمضامينه بين يدي من تفتحت بصائرهم، و تشبعت افكارهم بصحيح العلم و التمكن من قواعده، فهذا الحديث الصحيح الذي اخرجه الامام احمد في المسند و مسلم و الاربعة عن ابي سعيد الخدري انه عليه السلام قال: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه و ذلك اضعف الايمان.
و هنا ابدا جلالة الحسن الثاني و اعاد في تقدير الحديث و بحثه من اطرافه الواسعة سبرا و تقسيما مما ترك جمهور الحاضرين و المستمعين في الاذاعة و التلفزة معجبين مشدوهين من تنقله في تحليل النص النبوي و احاطته بصور من الابداع و الاستكناة اللذين قد يعسر على الوعاة من رجال المعرفة طرقه باسلوب جذاب رغبة الوصول الى الكنه، و طبعا انها مدرسة المواهب التي قد لا تكترث للتردد على حلقات الدروس و مناقشة الشيوخ على ان العاهل الكريم غدى مواهبه الخاصة بما تلقاه عن جمهرة من العلماء المسلمين و اجانب في المعهد الاميري الذي كونه والده المقدس طيب الله ثراه ازاء القصر العامر بالرباط و الذي كان يرعاه صباح مساء، و مرة اخرى نجده ينطلق كمشارك في الدروس مفسرا الايتين الاخيرتين من سورة الاحزاب:
"انا عرضنا الامانة على السماوات و الارض و الجبال فابين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا" 
فيهما حلق مفسرا و مبرزا خطورة الامانة، و كيف يجب ان يصورها الانسان و يصونها، و معطيا عنها امثلة حية جعلت الكل معجبا و مدركا في نفس الوقت مكانتها في التعايش و الحياة و ما يبني عليها في خلق الجو الصالح بين الفرد و الفرد، و الفرد و الجماعات، و الجماعات بعضهم بعضا بما كانت له البلسم الناجع في وضع التفاهم و الثقة حتى بين الامم و الشعوب التي اصبحت اليوم و اكثر من أي وقت مضى في حاجة ملحة للاخذ بها و الصدق فيما توحي به من وسائل و مقاصد لها مقاماتها الملحوظة و المنشودة.
ذلك ما جعل السنة الصحافية الداخلية و الخارجية تسخر اقلامها و باحرف بارزة للتحدث عن الدرس و الاشادة باطلاع العاهل و مقدرته العلمية على التكييف و التعميق في استقراء و استكناه، و لا نبعد النجعة اذا ما قدرنا المشاركة الملكية كتوجيه لاخواننا العلماء و المثقفين في تكييف الدروس و تطويرها و الغوص في ثنايا نصوصها لاستكناه ما استبطن في جوانبها من اسرار و ايات تحبب بطبيعتها الاقبال و الاستحلاء لنصوص التشريع من كتاب و سنة.
و يبعث على الاعجاب مرة اخرى ما امر به من المناقشة و خلق جو جديد يفسح المجال لبقية المثقفين و العلماء للمشاركة بما لديهم من معرفة في توجيه اسئلة للمدرسين و المحاضرين قصد بلورة القضايا العلمية و مسائلها بالقاء بعض الاضواء الكاشفة عما يمكن ان يشكل و يخفى، هذا من جهة ، و من جهة اخرى يكون هذا النقاش من بواعث تتبع مسائل الدرس و احصاء مقاماته رغبة في تصفية ما قد يحيط بها من غموض.
و تلكم فكرة اوحى بها العاهل الحسني وفقه الله اثناء درس السنة الاولى من رئاسة الدروس الملكية مهيبا بالعلماء ان يبدو ما لديهم من ملاحظات و اشكالات في الدروس المقررة لبعث روح النشاط و الحيوية. و هذا ما تحقق في السنتيــــــــــــــــن: (1392 – 1393/ 1972-1973) بامر مولوي ان يتصدى للنقاش و البحث بعض العلماء في الختام مع هيأة من الأساتيذ و المحاضرين.
و بعد فمن وراء هذه الظاهرة الكريمة يندفع المثقف خاصة الواعي الى الكرع من ينابيع المعرفة بايحاء ما ينطبع في نفسه من اشاعات وضاءة تغمر قلبه طالما شاهد ملكه يسمو في اجواء المعارف مقررا و محللا ما يطرقه من قضايا العلم، و في اطار باعث جذاب بعيد عن التحجر و التقليد النابيين عن الوعي و اليقظة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here