islamaumaroc

في تاريخ المغرب الدبلوماسي وفاء…بولاء

  دعوة الحق

العددان 156 و157

"كثير من الناس لا يعرف ان السبب الاساسي في تصعيد الازمة المغربية اوائل الخمسينات او بالحري في نفي سيدي محمد بن يوسف مع عائلته الى مجاهل الدنيا انما كان يرجع لامتناعه من ان يخذل فريقا من مواطنيه و ان يسلمهم للظلم و القمع .. و هذه وثيقة تاريخية تنشر لاول مرة بالمغرب تذكر بما عرفت به  تقاليد المغرب من تلاحم متين بين الملك و شعبه .."
ليس هناك من تفسير عندي للغيرة الشديدة التي عرف بها الملوك المغاربة على مواطنيهم الا ذلك التعلق الغير المحدود لهؤلاء المواطنين بملوكهم عبر التاريخ، فهناك تجاوب متين نحسه بين الجانبين في السراء و الضراء، بل هناك رباط مقدس يشد هذا الفريق الى ذلك، و قد دلت الايام على انه لا يزداد الا صلابة و متانة مهما كانت الظروف.
قد لا يدرك مثل هذه الحقائق من يعيش بعيدا عن الواقع المغربي لانه بالفعل يفقد عناصر الاقتناع بحكم انه لم يلمس هذه الظواهر عن كثب، لكن الذين مارسوا الحياة مع مواكب الزمن السابق و اللاحق لابد ان يتوفروا على كل المعطيات التي تجعل منهم مؤمنين اكثر ما يكون الايمان بان ذلك التلاحم قدر و مصير، و بانه حقيقة لا تقبل البديل..
لقد دخل العاهل المغربي ماسينيسا في حرب طاحنة ضد قرطاجنة تعبيرا عن الامتعاض الذي كان يشعر به و قد بلغه عن تقصير القرطاجنيين في معاملة سفيريه مسيبسا Micipsa  و غولوسا  Gulussa و قامت قيامة المرابطين عندما بلغهم ان المواطنين من بني جنسهم يستهدفون الاهانة و التعذيب في شبه الجزيرة فسجلوا من اجل انقاذهم اعنف المعارك حتى لا يسلموهم للهوان.
لقد فضل الخليفة يوسف بن عبد المومن ان يدخل في حرب طاحنة مع بني غانية حتى لا يخذل سفيره ابن الروبيرتير المعدود في مواطنيه، و قد كان بعث به الى ميورقة في مهمة سياسية ..
و كانت لبني مرين مواقف مشرفة من اجل حماية شرف المواطن و كرامته ..
و بذل الوطاسيون النفس و النفيس من اجل ان لا يتعرض ابو الفضل جار الله محمد خروف التونسي لمذلة الاسر، و لم يهدأ لهم بال الا عندما كان ينعم بالحرية في رحاب فاس.
و بالرغم مما كان يعيش فيه المنصور السعدي من ترف و نعيم فقد استحالت الايام عنده الى ظلام عندما سمع بان (ابن القاضي) امسى تحت هيمنة  الاجانب، و كانت العطاءات السخية التي بذلها لتحرير المواطن المغربي لا توازي عنده مثقال ذرة ما دام قد استرجع للعلماء كرامتهم.
و لم تكن حركة الملوك تلك نابعة عن شعور خاص اقتضته رتبة هذا او مركز ذاك، و لكنها كانت عن دافع وطني صرف.
و قد بلغنا عن السلطان المولى اسماعيل غضبته الكبرى عندما تناهى الى مسامعه ان فرنسيا عمد الى احد الاسرى المغاربة فجذع انفه و صلم اذنه و كانت احتجاجاته الشديدة و رسائله العنيفة الى لويس الرابع عشر. و قرانا عن اشهار الحرب من قبل السلطان سيدي محمد بن عبد الله ضد جمهورية راكوزة لانها قصرت في حق فريق من الحجاج المغاربة كانوا قد اتفقوا مع احد مراكبها على انزالهم في المغرب فحطت بهم في مالطة.
او لم تنقل لنا الاخبار عن القنصل الفرنسي دوشيني الذي لم يتردد العاهل المغربي في ان يؤنبه في البلاط على مرأى و مسمع من اعضاء السلك De chènier  و اعضاء الحكومة جوابا عادلا بالمثل على معاملة ملك فرنسا السفير المغربي
و بالرغم من الظروف الصعبة التي كان يعيش فيها المغرب في النصف الثاني من القرن الثالث عشر فقد فضل ان يدخل في حرب يائسة ضد اسبانيا حتى لا يسلم اليها عشرة مواطنين مغاربة، لقد كان معنى ذلك في نظره عذاب ضمير فضل عليه ان يسيل دماءه و ان يعرض بلاده كلها للخطر المحقق!
كذلك هو تاريخ المغرب و ليس لاحد من يد في صنعه لانه كذلك كان، و من هنا نجد الجواب عن بعض الازمات التي كانت تمر بالمغرب في بعض الاحيان حيث تسول النفس لبعضهم ان يناهض السلطة المركزية لباعث او اخر فاذا به أي بذلك البعض – وقد اوشك ان يتصور انه وصل الى السلطة – يعاوده الندم و يتطارح اما القائد الشرعي يبتغي رضاه و يستغفر من زلـله! هناك اذن شيء ، لا يوجد ما يؤدي مضمونه من الكلمات الا انه الرباط المقدس الذي تحدثنا عنه ..
و لنطو الان صفحة تاريخ مضى ! اننا هنا في عهد السلطان سيدي محمد بن يوسف، قبيل انفجار الازمة التي انتهت بابعاده و اسرته الى كورسيكا ..
كثير من الناس يعرف ان السبب الاساسي في تصعيد الازمة المغربية اوائل الخمسينات او بالحري في نفي سيدي محمد بن يوسف مع عائلته الى مجاهل الدنيا انما كان يرجع لامتناعه من ان يخذل فريقا من مواطنيه و ان يسلمهم للظلم و القمع، و هذه وثيقة تاريخية تنشر لاول مرة بالمغرب تذكر بما عرفت به تقاليد المغرب من تلاحم متين بين الملك و شعبه ..
كانت الازمة في طريق التوتر يوما عن يوم منذ تصريحات العاهل في مدينة طنجة ابريل سنة 1947، و بقدر ما كان يرغب جلالته في ان تكون (الاقامة العامة) في مستوى الاحداث بالمغرب، كانت هي تصر على ان تتجاهل، و قد دعا كل هذا الى  وضع القضية بكاملها على بساط البحث، و من اجل ذلك قام جلالة الملك برحلة رسمية الى فرنسا في اكتوبر 1950 حيث اجرى محادثات مع الحكومة الفرنسية اشترط الا يحضرها المقيم العام، و قدم مذكرة طالب فيها بالغاء عقد الحماية .. الا ان الحكومة الفرنسية اجابت عن المذكرة بان تغيير النظام القائم بالمغرب سابق لاوانه، و هكذا كانت تعرض عليه مشروع مراسيم ((اصلاحات)) في وقت كان صدرها يضيق بمقترحاته هو، فتتهمه بعرقلة التطور.
و قد رات اخيرا ان تمتحنه في مواطنيه فطلبت اليه ان يدين حزبهم و ان يشجب اساليبهم .. و قد هالها انها اكتشفت انه يرتبط عضويا برفاقه في النضال!
و املت عليه بالقوة ان يوقع بروتوكول 25 يبراير 1951 معتقدة ان التوقيع المفروض سيحمل الحل الحقيقي للمشكل و هنا كانت الفضيحة الكبرى ! لقد اشاع اولئك الوطنيون خارج البلاد ان فرنسا قصفت مدينة فاس بالقنابل ! و ان جامع القرويين انهار على المصلين ! فعمدت (الاقامة العامة) الى توجيه الدعوة لكبريات الصحف العالمية لتشهد مباني فاس، و قد كان من بين الصحفيين  المدعوين الدكتور محمود عزمي مندوب جريدة الاهرام الذي – عن طريق خاص – وجه اسئلة خطية رفعت سرا الى جلالته، و لما كان رحمه الله يجد في سمو ولي عهده الامير مولاي الحسن ساعده الايمن فقد تدرس معه السؤال و الجواب .. و كان الجواب كذلك كتابيا، و قد وصل بطريق مكتوم كذلك الى "الجرائدي الفذ" كما نعته المغفور له .. كانت الاسئلة ثلاثة، و كان اوسطها:
قيل ان الازمة ترجع الى تعطيل اصدار بعض الظهائر (المراسيم) فاذا كان هذا صحيحا ترى ما هي اسباب هذا التعطيل؟
الجواب "ان سبب الازمة هو غير ما اشيع من اننا رفضنا بعض التشاريع القانونية المقترح علينا قبولها، اذ الازمة في الواقع ترجع الى الرغبة التي اعرب عنها مقيم فرنسا العام في ان يصدر منا استنكار لاساليب حزب الاستقلال و الى عدم نزولنا عند هذه الرغبة. و لقد قدم المقيم العام هذا الطلب قبل سفره الى امريكا بلهجة لا تخلو من التهديد".

لشد ما كانت الخيبة عند ما عاد اولئك الصحفيون ليقولوا: ان الامر كان اعظم من قصف مدينة او انهيار جامع، انه عدوان على كيان امة بكاملها، على شخص يقدسه المغاربة عن بكرة أبيهم، بل ليؤكدوا ان تراص الصفوف المغربية لا يعطي املا في فتح اية ثغرة ممكنة لتركيع هذه الامة لمشيئة الاجنبي ! لقد سقط في يد الاستعمار فعلا و قد ظهر الاستجواب بجريدة الاهرام ليوم 27-3-1951.
و بعد هذا فان كل واحد يعرف انه بعد سنتين من هذه الحادثة اخرج سيدي محمد من قصره يرافقه سمو ولي عهده الامير المولى الحسن وصنوه الامير مولاي عبد الله .. و قد صوبت نحوهم الاسلحة النارية مهددة سيد البلاد و اشباله.
و بعد فهل هناك طيلة مسيرة التاريخ اسرة مالكة زهدت في كل شيء الا في مصلحة شعبها ؟ هل هناك ملك في الدنيا زهد في المال، في الراحة، في العرش ليختار العوز و الضنك و الحصير ؟ و هل هناك شعب عبر الدنيا اطبق على مقاطعة المباهج و الملاذ، و اصر عن بكرة ابيه، على اخطر و اجرأ طرق التضحية من اجل استعادة مليكه الى عرشه ؟
لست اتحدث من موقع اعتزاز و اعجاب بمليكي و بلادي، و لكن كمواطن ..... ان يعيش على اجترار امجاد تاريخنا البعيد كما يسعده ان يلمس الشعور العارم بالحفاظ على تلك الامجاد في تاريخنا القريب، و لكن كمواطن يرتاح اتم ما تكون الراحة، من كل دعوة كريمة الى وحدة الصف و التئام الشمل، و جمع الكلمة لصالح هذه الارض الثرة المعطاة التي قدمت، عبر الاجيال امثلة عملاقة في البطولة و الوطنية و نكران الذات.
ان تاريخنا مليء بالعبر، زاخر بالعظة، و كله يؤكد حقيقة ناصعة، تلك انه في كل مرة يتصدع فيها الصف المغربي يكون وراء ذلك التصدع عدو خارجي يتربص الدائرة بوحدتنا، و يتحين الفرصة لبث الفرقة بين ظهرانينا .. لنأخذ مثلا على ذلك تاريخ ما قبل الاسلام، من عهد سيطرة الرومان على بلادنا..! و من تاريخ ما بعد الاسلام عندما توجهت الانظار لهذا المغرب المحظوظ المجدود ...امامنا سلسلة من الاحداث الجسام في تاريخنا كافية للفت النظر – ان كنا في حاجة الى ذلك، فما استطاع الاجنبي ان يتسلل الى بلادنا و مواقعنا الا عندما خذل بعضنا البعض الاخر .. و الا عندما اسلم بعضنا البعض الاخر .. و ما سجل التاريخ مرحلة من مراحل اوج عظمتنا وقمة ازدهارنا الا عندما كانت صفوفنا مستحكمة متراصة و كانت كلمتنا صادقة مستقيمة هادفة، و كانت مقاصدنا شريفة نبيلة مخلصة ..
"روى الجهشباري في كتابه "الوزراء و الكتاب" هذه الحكمة المأثورة: "القيت فاس ليس فيها عود بين شجر، فقال بعض الشجر لبعض: ما القي هذا هنا لخير، فقالت لهم شجرة قديمة: "ان لم يدخل في است هذا عود منكن فلا تخفنه"
لقد ادرك المتتبع للتطورات التي استهدف لها المغرب خلال السنوات الاخيرة، و التي كانت تتقصد ضرب وحدتنا و الاجهاز على مجدنا .. ادرك العناصر الدخيلة التي كانت وراء تلك الحركات بما فيها الايادي التي كانت يشوكها ان تسمع عن مسيرتنا الظافرة، و عن ارضنا الطيبة، و عن قادتنا الاوفياء.
و ان اكبر واجب ينتظر منا القيام به و الاخلاص اليه، و التفاني من اجله هو ان نفتح عيوننا جيدا .. و ان تكون الرؤى واضحة بالنسبة الينا .. فليس هناك و لن يكون هناك من طريق غير طريق العودة الى سلوك نفس الطريق الذي سلكناه بالامس .. يجب ان نكون حذرين يقظين ازاء كل دعوة مارقة فاسقة يجب ان نحرص اشد ما يكون الحرص على ان لا ننساق وراء كل صوت دون ان نتبين مصدر ذلك الصوت و بواعثه و اهدافه .. و بنفس تلك الروح التي حفزت بجلالة المغفور له محمد الخامس للوقوف بجانب المواطنين المغاربة و مناصرتهم الى اخر رمق بل للتضحية بعرشه دون خذلانهم و التفريط فيهم .. و بنفس الروح التي دفعت بالشعب المغربي قاطبة الى التعلق الغير المشروط بالعاهل المغربي .. بنفس تلك الروح العالية السامية يجب ان نظل متشبثين ملتزمين، متخذين من الامثلة السابقة و اللاحقة دروسا ناجعة لا يصرفنا عن الحق غرض و لا هوى .. ان ذلك الوفاء الكريم لا يوجد له من ثمن غير هذا الولاء العظيم..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here