islamaumaroc

الإعلام في عهد الحسن الثاني حاضرا ومستقبلا

  دعوة الحق

العددان 156 و157

مدخل:
تتطور الاوضاع في المغرب صعودا و علوا باطراد يلفت الانتباه. و ثمة عدة ميادين، يتضح فيها هذا التطور بصورة جلية، لا نملك امامها الا الوقوف طويلا: دارسين ، و متأملين، و مسجلين ظاهرة النمو المطرد، الذي يبلور ارادة التغيير، و سلامة الخط، و العمل الدؤوب، الذي لا يعرف الفتور بحال.
و الاعلام، احد هذه الميادين. وهو الموضوع الذي اخترت ان اكتب فيه بهذه المناسبة الوطنية السعيدة.
و سوف لن اركز في هذا الموضوع على المنجزات و المشاريع المحققة، بقدر ما ساحصر الحديث حول انعكاسات هذه الاعمال على "الرأي العام" في المغرب، و تأثير هذه الانعكاسات على الانسان المسلم بصفة خاصة، و مدى مساهمة هذا التاثير في بناء المجتمع الاسلامي، الذي هو قمة التطور و الرقي، و ذلك ربطا للحاضر بالماضي، و سيرا على نهج السلف الصالح، الذي ندين له بكل شيء.
و لست ارى قاعدة يصح الانطلاق منها غير النقط الاساسية التالية:
1- قانون الصحافة في مغرب الحسن الثاني، وهو الاطار العام الذي يضبط علاقات الاعلام بالمجتمع، و يقيس حدود هذه العلاقات، و يوضح بصورة محددة وظيفة الاعلام و الصحافة في مغرب مستقل، مسلم، و عربي، رضي شعبه بملكية دستورية، و بالمشروعية متمثلة في جلالة الملك امير المؤمنين، و حامي حمى الملة و الدين.
2- مقارنة هذا القانون بقوانين الدول العربية و الاسلامية على حد سواء. و مدى انعكاس هذا الامتياز الذي يمتاز به قانوننا للصحافة على اوضاعنا الفكرية و السياسية بوجه مخصوص.
3- الاجهزة و الوسائل ، بما في ذلك اعداد و تكوين الاطر الصحفية الواعية المدركة لرسالتها السامية، على اسس ثابتة دونما ارتجال.

قانون مستمد من روح شريعتنا:
يقول جلالة الملك المغفور له محمد الخامس (1) بشأن حرية الصحافة و الفكر:
"ان حرية التفكير و التعبير هي من بين الاهداف التي كافحنا من اجلها، و لذلك اتخذنا جميع
التدابير الضرورية حتى تكون حرية الصحافة محاطة بما يليق بها من احترام في ظل المغرب المستقل".
و يقول رحمه الله رحمة واسعة في موضوع اخر(2)  
"اننا واثقون من ان الحرية هي وليدة التبادل الحر المخلص للافكار، و ان القضاء على الحرية ينطوي على القلاقل و عدم الاستقرار".
و على وحي هذه التوجيهات السديدة يسير عاهلنا المفدى منذ توليه الحكم خلفا لوالده المنعم برحمة الله.و هذا الالتزام من جلالته انما هو في الوقت نفسه التزام بمبادئ ديننا الحنيف في مجال الحريات العامة. و لنقرأ ما ورد في قانون الصحافة بالمغرب:
جاء في ظهير شريف رقم 378 . 58 . 1 بشأن قانون الصحافة بالمغرب(3)   في الباب الاول، الفصل الاول:
"ان الطباعة و ترويج الكتب حران". هذه الجملة على قصرها و اقتضابها تنطوي على عدة معان سامية لا يدركها الا من يتأمل مليا اوضاع النشر و الطبع فب بلدان العالم.. و لتكن بلدانا شقيقة ، عربية و اسلامية. فحرية الطباعة هي بالتأكيد حرية الفكر، و حرية التعبير و حرية الكتابة و النشر و نقرا بعد ذلك في الباب الثاني الفصل الرابع ما يلي بالحرف الواحد :(4)
"... و يجب على مدير النشر ان يكون رشيدا و قاطنا بالمغرب و متمتعا يحقوقه المدنية و غير محكوم عليه باية عقوبة تجرده من حقوقه الوطنية".
فالشروط محددة – اذن – و ليس هناك حجر على الفكر، و ليس هناك استبداد برأي واحد، و اتجاه واحد، و تيار فكري و سياسي واحد، و انما امام الجميع فرص الظهور و الصدع بالافكار و التبشير بها في نطاق القانون و في اطاره العام. و كل من توفرت فيه الشروط القانونية امكنه ان يقول كلمته .. يقولها في جريدة او مجلة او كتاب ..و على مراى و مسمع من الجميع مع مراعاة روح القانون التي هي قطعا و بكل تاكيد روح شريعتنا الاسلامية .. فهل بعد هذا مجال للطعن في قانون الصحافة بالمغرب و اختلاق الشبهات حوله؟!.
قطعا لا ..
و القانون، انما يقيم الضوابط، حتى لا يؤدي الامر الى الفوضى و التخبط. و لذلك نجد قانون الصحافة بالمغرب صريحا في هذا الصدد، يضع النقط فوق الحروف، و يبين لكل ناشر، صحفيا كان ام مفكرا ينشر الكتب، اختصاصاته في عبارات واضحة. و من هنا اكتسب قانون الصحافة في المغرب قيمته العظمى و ميزته التي لا تضاهي بحال، و كان عونا للمفكرين، و بخاصة رجال الاعلام و الصحافة على الانتاج و التعبير و انعاش الحياة الفكرية و الثقافية و بالتالي المساهمة في تطوير الراي العام في المغرب.
و ثمة نقطة اخرى في قانون الصحافة بالمغرب تثير الانتباه بشدة و خاصة في ظروفنا الراهنة. فقد جاء في الظهير الشريف رقم 437 .59 .1 الذي يغير بموجبه الظهير الشريف رقم 378 .58 .1 الصادر في 3 جمادى الاولى 1378 موافق 15 نوفمبر 1958 بشأن قانون الصحافة ما يلي : (5)
" يجوز لوزير الداخلية ان يامر بالحجز الاداري لكل عدد من جريدة او مكتوب دوري من شانه ان يخل بالامن العام.
و اذا كان نشر جريدة او مكتوب دوري يمس باسس الاوضاع الدينية او السياسية في مملكتنا الشريفة جاز لوزير الداخلية ان يأمر بايقاف الجريدة او المكتوب الدوري ..". القسم الثالث – في الحجز و الايقاف و المنع، الفصل 77.
و هذا الفصل، الذي نقلت جزءا منه، يدخل في اطار "الضوابط" التي تقوم دون طغيان او شطط. و هذه المقتضيات ضرورية للغاية لوضع حد لاي تحامل على العقيدة الدينية او مس بالنظام السياسي الذي هو الاطار القانوني لكل مبادرة اعلامية او فكرية او سياسية او نقابية على حد سواء .
بيد ان الواقع ، هنا في مغرب الحسن الثاني ، يثبت بما لا يدع مجالا للشك ان قانون الصحافة المغربي من المرونة و سعة الافق بحيث يجعل ممارسة العمل الاعلامي حقا مشاعا بين كل المواطنين، لا يستثني منهم الا الخارجون عن القانون المستمد – كما قلت – من روح الشريعة الاسلامية.
و هذه ، و ايم الحق، احدى مميزات مغرب الحسن الثاني، وهي ظاهرة بارزة، بشكل ملفت للنظر للاعلام في عهد هذا الملك الصالح المؤمن.

المغرب القدوة:
و على هذا الاساس، يكون المغرب، هذا البلد الاسلامي العربي، قدوة سامية في مجال الاعلام و الصحافة ، من حيث توفر المناخ القانوني – ان صح التعبير – و اتاحة فرصة التعبير و القول و الكتابة.
لقد زار المغرب في صيف السنة الماضية كاتب و استاذ جامعي من الجزائر الشقيقة هو الدكتور ابو القاسم سعد الله، و كان من اهم ما استلفت نظره في مغربنا العزيز هو (6)  "حرية المبادرة من جانب الهيئات و الافراد في ميدان النشر و التاليف".
و لا يمكننا ان ناخذ هذا الكلام على محمل المجاملة الرخيصة، فالكاتب بادر منذ الاول الى القول انه يكتب يومياته بحرية مطلقة، فلا الجزائر اوفدته حتى يشعر بالدين لها، و لا المغرب استدعاه حتى يتقيد بدعوته (7). و يطول بنا المقام او ذهبنا نستقصي شهادات كبار الكتاب و الصحفيين و رجال الاعلام الذين يؤكدون على حرية المبادرة في مجال النشر و الاعلام في مغربنا الحديث.
و لا شك ان هذه الظاهرة، ظاهرة حرية الصحافة التي لا تضاهى و لا مثيل لها في البلاد العربية الا في بلد عربي واحد، انما تؤكد من جهة اخرى سلامة الاتجاه الذي يسلكه المغرب بقيادة امير المؤمنين جلالة الحسن الثاني، ذلك لان الاستبداد و خنق الحريات و الحجر على الافكار، انما يكون وليد وضع سياسي مفلس. و بالعكس من ذلك يكون فتح المجال امام الجميع، ليقول كلمته و يدلي برايه، تعبيرا مؤكدا عن نضج الفكر السياسي الذي يقود البلاد، و بالتالي يكون ترجمة امينة للنظام العام في البلاد.
و اذا كانت هذه الحقائق قد تغري بالاسترسال في الكتابة فاننا سنتغلب على نزوة الاسترسال و الاطناب لنعرج على نقطة ثالثة من الموضوع المتعلق باعداد الاطر الاعلامية و الاجهزة و الوسائل في ميدان الاعلام ، في عهد الحسن الثاني.

الوسائل الجادة للاهداف الجادة :
ثمة وسائل اعلامية مختلفة للاعلام في المغرب و ثمة جهود هامة تبذل في اخلاص لتطوير الاعلام تقنيا(8). و لا يطلب مني القارئ الدخول في سرد المنجزات التي قامت بها وزارة الانباء المغربية في هذا الصدد. فبطبيعة الحال لا اكتب تحقيقا صحفيا.
غير انني اقدر بالغ التقدير الجهود المبذولة في هذا المجال. و بدافع هذا التقدير اطرح هنا بحسن نية و برغبة اكيدة في تطوير الاعلام، جملة اقتراحات قد تكون مفيدة:

1- مراعاة الجانب العقائدي في الاطر المسيرة لاجهزة الاعلام. و تكوين هذه الاطر التكوين المتين مع التعبئة الروحية و الثقافة الاسلامية المعاصرة لتكون حصانة ووقاية.

2- تطوير الصحافة الناطقة و المكتوبة و المتلفزة على نحو يفي بالغرض المطلوب. و لست ارى سبيلا الى هذا التطوير غير اتخاذ الخطوات التالية:
أ – انشاء معهد عال للصحافة. و جلب الاساتذة و الخبراء من البلاد العربية بالدرجة الاولى التي فاقتنا علما و تقنية في مجال الاعلام.
ب- احداث تغيير ملموس على المعهد الوطني لتكوين الصحفيين الموجود في الرباط على اساس ان يكون مرحلة تمهيدية للالتحاق بالمعهد العالي للصحافة المقترح .
ج – الاهتمام بالطباعة الفنية الحديثة. و بلادنا تعاني افتقارا في هذا الميدان و يلمس هذا بوضوح الممارسون للصحافة سواء منها اليومية و الاسبوعية او الشهرية و الدورية.
د- اسناد المناصب القيادية التوجيهية في الاعلام و الصحافة لذوي العقيدة الموثوق منها، و ذوي الاختصاص، بحيث يكون الصحفي هو وحده الممارس لمهنة الصحافة.
و بعد: هذا هو واقع الاعلام في مغرب الحسن الثاني، باختصار و تركيز شديدين، اردت بعرضه ان الفت النظر- مجرد لفت نظر – الى المميزات الخاصة بالاعلام و الصحافة في عهد جلالة الحسن الثاني نصره الله، كما المحت باختصار ايضا الى افاق المستقبل.


1) كتيب "عشر سنوات من الاستقلال" ، منجزات وزارة الانباء في عهد الاستقلال" من منشورات وزارة الانباء. الصفحة 8.
2) نفس المصدر
3) انظر الجريدة الرسمية عدد 2404 مكرر – 16 جمادى الاولى 1378 (27 نوفمبر 1958)  ص: 2856
4)  نفس المصدر
5)  انظر الجريدة الرسمية عدد 2497 مكرر – 10 ربيع الاول 1380 (2 شتنبر 1960 ص : 2642).
6) "رحلتي الى المغرب". مجلة "الثقافة" الجزائرية العدد 18 ذو القعدة  - ذو الحجة 1393. ص 123.
7)  نفس المصدر السابق . ص .98.
8)  يراجع في هذا الخصوص كتيب "عشر سنوات من الاستقلال: منجزات وزارة الانباء في عهد الاستقلال" ، منشورات وزارة الانباء. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here