islamaumaroc

الثقافة الصامدة

  دعوة الحق

العددان 156 و157

ان اهم ما يجب ان ينتبه اليه المسلم هو ما تعمد اليه الايديولوجيات الهدامة في معالجة الاخلاق كشيء مجرد، و معالجة الانسان منفصلا عن الاخلاق، فهذا (الانشطار) هو ما يجب ان نتصدى له بكل قوانا، لان الديانة هي العمود الفقري لكيان الانسان، و الامر اكثر وضوحا بالنسبة للمجتمع، فلا مجتمع بدون قانون خلقي و شريعة روحانية.
و اذا كان التقدم المادي قد خطا خطواته العملاقة بموجب ذلك التقسيم، أي على حساب القيم الانسانية فانه يسير، و لعله قد وصل الان الى متاهات الضياع، فاصبحت المجتمعات المتقدمة  تبحث عن نصفها الضائع، و هذا البحث يشكل احدى معضلات العصر الكبرى، و ابرز اسباب القلق فيه.
"من الحديث الاسلامي القيم الذي خص به امير المؤمنين الحسن الثاني مجلة (دعوة الحق) بمناسبة الاحتفال بعيد العرش المجيد في ظل البعث الاسلامي، العدد 8 السنة 15".
1- لو حاولنا ان نصوغ تعريفا دقيقا للثقافة بمعنى العصر (التكنولوجي) الذي نحياه، لسهل علينا ان نقول : "الثقافة هي الخبرة المركزة التي يكتسبها الفرد حتى يمكنه ان يؤدي عمله الموكل اليه من طرف مجتمعه باتقان كامل في دائرة اختصاصاته".
و لكن ما هو المصير الذي ينتظر انسانا يدخل نفسه ضمن اطار هذا التعريف الضيق؟ الن يكون اشبه بدولاب يدور ضمن (الة) ضخمة رهيبة..؟
فان وقع به عطب حمل الى حيث يصلح اليا، حتى اذا لم يعد يرجى نفعه القي به في مخزن بين المهملات.. هذا – في رأيي – هو المصير الذي ينتظر المثقف من هذا النوع في عصر الالة و مجتمعاتها.
ليس معنى هذا اننا ننكر على المثقف ان يكتسب خبرات في اطار اختصاصه، ينميها باستمرار و يعمل على تحسينها بدأب، ليرفع مستواه المادي و الاجتماعي، و ليساهم مع غيره من افراد مجتمعه في تطوير هذا المجتمع و اعلاء شأنه، ان هذا واجب المثقفين جميعا، و لكن ما نخشاه هو التمادي المريب في هذا الاتجاه الى الحد الذي ينقلب الى رغبة شاذة في التحول الى (الات بشرية) كما يبدو على الكثير منهم اليوم.
و مما يضاعف ريبتنا انهم يسعون الى فرض ارائهم على غيرهم، و لا اظن ان تطور الالة المرعب سيكون و بالا عليهم قبل غيرهم، فها نحن نشاهد ان الالة كلما تقدم بها الزمن زاد استغناؤها عن العامل الانساني اليدوي و العقلي، و لعلي لست مبالغا اذا قلت: انه يمكن ان تنشأ في المستقبل مصانع بدون عمال و لا مديرين، تقوم بادراة شؤونها و صنع منتجاتها بنفسها، بواسطة عقول الكترونية جبارية اشد دقة و اكثر تحاشيا للخطأ الطارئ من العقل الانساني.
قد يتساءل متسائل: لم كل هذا الارتياب في اراء شفافة، لا يبدو من ورائها أي ظل لخلفيات مريبة؟ اليس هذا دليل سوء منهي عنه، وهو ليس من الحزم المرغوب فيه ؟ ... ان اغلب المنادين بالثقافة (التكنونلوجية) علماء مختصون او فنيون متخصصون تشهد اهتماماتهم و اعمالهم العلمية المحضة بحسن نياتهم و بعدهم عن كا ما يمت الى الريبة بصلة..؟
الحقيقة اننا لو ابعدنا سوء الظن – وهو ما ينبغي – في الافكار و الاراء الداعية الى التثقيف (التكنولوجي)، و هي دعوة بدأت تردد اصداءها الاوساط الثقافية العربية بعد حرب رمضان الاخيرة، فاننا لا ينبغي ان ننسى ان من الواجب الاكيد علينا ان نجعل هذا النوع من الثقافة مصحوبا بوعي ثقافي اسلامي اصيل، و الا فلن تكون هذه الدعوة الا كبديل تطرحه خيبة الامل المريرة في (الثقافة الايديولوجية) التي ذقنا بسبب الزيف الكامن فيها، و الذي جاء من كونها ثقافة (وافدة مريبة حقا)، الهزائم المتتالية و النكبات الفاجعة ، و لولا الثقافة الاسلامية التي لا زالت صامدة كامنة في اعماق نفس كل فرد من ابناء هذه الامة العريقة، لأمحى اثرها من الوجود، و لاصبحت من الامم البائدة، ذكرى يقصها التاريخ للعبرة و العظة، فالحمد لله الذي جعل من حرب رمضان الاخيرة شفاء للكثير من الادمغة من ذلك الوهم الفكري الوبيل.
اننا اذن لا ننكر الدعوة السائدة الان الى الثقافة (التكنولوجية) الا اذا كانت غير مواكبة او مسبوقة بالدعوة الى العودة للثقافة الاسلامية القويمة، فان لم تكن كذلك حق لنا ان نرتاب فيها و في اصحابها، لانهم لن يخرجونا حينئذ من نكسة الا ليردونا في نكبة، و ستكون هذه الثقافة (التكنولوجية) كسابقتها – او معاصرتها – (الايديولوجية) دخيلة زائفة، ينبغي الحذر منها لكل مؤمن لا يحب ان يلدغ من جحر مرتين.
2- ولو حاولنا ان نصوغ تعريفا دقيقا اخر للثقافة بمعنى عصرنا (الايديولوجي) الذي تتناطح فيه النظريات الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية المختلفة، لامكننا ان نقول: "الثقافة هي القيم النظرية التي يعم الاعتقاد بها سائر افراد طبقة ما من طبقات المجتمع، و هي تتالف من النتاج الفكري و الفني لهذه الطبقة، الخاضع للاساليب الانتاجية المادية و العلاقات الاجتماعية الخاصة التي يخضع لها ابناء هذه الطبقة ضمن اطار المجتمع الكلي".
و في هذا ما فيه من تصنيف لافراد المجتمع حسب فئات طبقية متنازعة متنافرة، تتباين مصالحها، و تتباعد غاياتها و اهدافها، و تتضارب ثقافاتها و اخلاقها، فان وقع ائتلاف، فما هو الا لقاء على درب (النضال) تفرضه الظروف، و تحتمه الملابسات و تدعمه المصالح، فان امحت الظروف التي تحتمه، و تلاشت المصالح التي تسنده، تداعى و تهالك، و تحول الى النقيض، صراع و عداوة، لنفس الاسباب و الظروف و الملابسات و المصالح.
و لنا ان نتساءل الان: ما مصير مجتمع كل مثقفيه مجرد مرايا مشوهة تعكس الاوضاع التي تعانيها طبقتهم؟ انهم اما ابواق هتاف و تصفيق و دعاية لزعماء الطبقة التي ينتمي اليها كل منهم، و اما (وصوليون) دفعتهم انتهازيتهم و تطلعاتهم الطبقية ان يتخلوا عن (النضال) في اطار وعيهم بمطالب طبقتهم، في محاولة ان يكونوا دخلاء على طبقات اخرى هم ابعد ما يكونون عن وعيها الخاص، و مناخها (النضالي) و الثقافي المميز.
و لو امعنا النظر في التعريف الوجيز الذي اوردناه عن مفهوم الثقافة عند الذين يهتمون بجانبها (التكنولوجي) المحض، لوجدنا ان هؤلاء متأثرون بالحضارة المادية التي لا ترى الحياة الحقة الا في الرخاء المادي و العيش السهل الرغيد، و سبياهم الى هذا ، السيطرة على المادة عن طريق استكشاف اسرار الطبيعة.

ولو دققنا النظر في التعريف الثاني عن مفهوم الثقافة عند من يرون فيها انعكاسا صادقا لصورة العلاقات القائمة بين قوى الانتاج المادي في المجتمع لوجدنا ان نظرتهم – زيادة على انها كالاولى متأثرة بحضارة المادة – قائمة على مغالطة مدسوسة في قالب جميل من المنطق المنسق الذي يبدو قويا سليما. فالثقافة رغم انها تبدو في غالب الاحيان هي البنية الفوقية للعلاقات المادية الطبقية، فهي ايضا ليست جامدة تكتفي بدور المتاثر، بل هي تلعب دور المتاثر ايضا في الاوضاع التي تنتجها اذ سرعان ما يسري مفعولها سريانا خفيا – او ظاهرا – في البناء الاجتماعي ليخلق وعيا جديدا يؤدي بدوره الى علاقات اجتماعية جديدة .. و هكذا دواليك.
لهذا فان الذين يكتفون برؤية الجانب السلبي المتأثر من الثقافة، و يتجاهلون الجانب المؤثر الفعال او تغشوا ابصارهم لعلة ما عن رؤيته، يبدون متاثرين هم ايضا بالحضارة المادية التي تسود عصرهم و مصرهم فيرون – عن وعي او عن غير وعي – ان تحقيق العيش الرغيد هو في تكريس الصراع الطبقي حتى يبلغ مداه، عند انتصار طبقتهم و توليها زمام الامر.
3- ان لي الان ان القي سؤالا يلح في طرح نفسه علي منذ ان شرعت في كتابة هذا الكلام: ما وضع مثقفي البلاد الاسلامية بين هؤلاء المثقفين (التكنولوجيين) و اولئك المثقفين (الايديولوجيين) ؟
الحقيقة المرة ان غالبيتهم اخلاط من هؤلاء و اولئك، منهم من يتبنى احد الاتجاهين و منهم من يتبناهما معا، يميل حيث تميل به المصلحة، و قد اصبحت الاتجاهات و التيارات الثقافية الواردة تتقاذفهم و تتجاذبهم، فكلما ظهر جديد افتتنوا به و تبنوه، كما تفتتن نساؤنا بمستحدثات الموضة و بدعها التي لا تكف دور الازياء في الغرب عن امطارنا بكل ما جد فيها من اشكال و الوان..
و هؤلاء – في رأيي – لا غرض لهم من وراء تبديل (جلودهم ) بين الحين و الاخر الا الكسب المادي السريع الذي يضفي على صاحبه وضعا اجتماعيا مريحا مرموقا فان لم تمكنهم مواهبهم من الوصول الى ما يؤملونه او ما يرون انفسهم اهلا له اطلقوا السنتهم او اقلامهم بالانتقادات المرة و الامثلة كثيرة واضحة في مجتمعاتنا الاسلامية عن هؤلاء الذين يطالبون بعقاب المخطئين و ينسون انهم خطاة، و يقذفون الناس بالحجارة و بيوتهم من زجاج ... ما مصير مجتمع يمثل هؤلاء اغلب مثقفيه..؟
و الادهى و الامر ان اكثرهم افلحوا في التسرب الى مراكز حساسة في كل بلد اسلامي .. و اكتسبوا مهارات في ركوب كل موجة طارئة، بل ان منهم من باع ضميره – عن سبق اصرار – للشيطان في سبيل ان تتاح له الفرصة لتحقيق مآربه.
و الهدف الوحيد الذي يسعون اليه جميعا رغم اختلاف اوضاعهم و اخلاقهم و مبادئهم هو القضاء المبرم على الثقافة الاسلامية في اخر معاقلها الحصينة، و هي (ضمير) هذه الامة المجيدة .. لا انكر ان منهم من يهاجم الثقافة الاسلامية و الاخلاق و انماط السلوك التي يعتقد – مخطئا – انها ناجمة عنها، بحسن نية و سلامة طوية، و بعض هؤلاء فاءوا الى الصواب بعد ان تبين لهم ان الثقافة الاسلامية بريئة كل البراءة مما يصدر عن بعض المسلمين من انماط سلوكية لا تليق .. و الحقيقة انها ناجمة عن عزل هذه الثقافة عن التحكم في ضمائر ابنائها، و تقليص دائرة نفوذها الى حيث تصبح محصورة في نطاق ضيق نحدود لا يسمح بالتاثير الفعال على نفوس الناس، مما يؤدي الى ضياع المسلمين الذي نراه اليوم، و لانهم فقدوا حصانتهم المنيعة اصبحوا في متاهات مهولة يتخبطون، و لن يخلصوا منها الا بالعودة الى (الاصل)  فهي سبيلهم الوحيدة للخلاص، وهي المعيار السليم الذي يكتشفون بواسطة زيف كل دعوة مريبة، و يفضحون اصحابها و الدعاة اليها الذين يزيدون في حدة الادواء الوبيلة التي تنخر كيان هذه الامة، في حين انهم يدعون ان الشفاء و الخلاص بايديهم دون غيرهم، و الحقيقة انهم اخطر اعداء هذه الامة عليها ، فينبغي الحذر منهم قبل سواهم لانهم الطلائع المشؤومة للغزو الفكري الذي يستهدف مسخ اصالة هذه الامة بتشويه الوجه الناصع لثقافتها الاسلامية تمهيدا لمحوها نهائيا.
4- يقول الله تعالى : " ان الذين يجادلون في ايات الله بغير سلطان اتاهم، ان في صدورهم الا كبر ما هم ببالغيه، فاستعد بااله انه هو السميع البصير".
يفسر الشهيد (سيد قطب) هذه الاية الكريمة: " .. انه ليجادل في ايات الله و يكابر،وهي طاهرة ناطقة معبرة للفطرة بلسان الفطرة، وهو يزعم لنفسه و للناس انه انما يناقش لانه لم يقتنع و يجادل لانه غير متيقن، و الله العليم بعباده، السميع البصير المطلع على السرائر يقرر انه الكبر، و الكبر وحده، هو الذي يحيك في الصدر، وهو الذي يدعو صاحبه الى الجدال فيما لا جدال فيه الكبر و التطاول الى ما هو اكبر من حقيقته، و محاولة احد مكان ليس له ، و لا تؤهله له حقيقته، و ليست له حجة يجادل بها، و لا برهان يصدع به. انما هو ذلك الكبر وحده.." وهم اليوم في عنفوان مكابرتهم و عنادهم، لاسيما وقد ظنوا انهم وضعوا ايديهم على الحجة الدامغة و البرهان الصادع القاطع في (العلم الحديث)، ولو ادركوا حقيقة انفسهم و حقيقة هذا الوجود، و عرف كل منهم دوره "فاتقنه و لم يحاول ان يتجاوزه، ولو اطمأن الى انه كائن مما لا يحصى عدده من كائنات مسخرة بامر خالق الوجود، وفق تقديره الذي لا يعلمه الا هو، و ان دوره مقدر بحسب حقيقته في كيان هذا الوجود .. لو ادرك هذا كله لاطمئن و استراح، و تطامن و تواضع، و عاش في سلام مع نفسه و مع الكون حوله، و في استسلام لله و اسلام" (صفحة 84 من الجزء 24 من ظلال القران)
لكن هذا (الكبر) المقيت ما نما في قلوب اصحابه و ترعرع و بدأت ثماره الخبيثة تؤتي اكلها الا في غياب (جند الله ثقافة و اخلاقا)، و ليس هنا مجال البحث عن الاسباب و العوامل التي ادت الى هذه الغيبة فهي كثيرة متشعبة، و قد اتفرغ لذلك بحول الله في وقت لاحق، و لكنني يمكن ان اقول بحول الله في وقت لاحق، و لكنني يمكن ان اقول و الله تعالى اعلم: ان غيبة المثقف المسلم، و تضييق الخناق على الثقافة الاسلامية الصحيحة في بعض البلدان (الاسلامية) ناشئ عن عدم الوعي بدور الثقافة و المثقفين ، و في البلدان التي بدأت تظهر فيها بوادر هذا الوعي نرى ان هناك شوائب من الغبش و الضباب تشوبه، فتمس الكثير من نصاعته ، وقد تقضي على جزء كبير من فعاليته في مواجهة التيارات الثقافية الدخيلة الوافدة التي تحمل السموم و تبثها في اوساط شبابنا فيفقد اصالته و تماسكه، و بذلك يضيع رصيد كبير كان يمكن ان تنتفع به هذه الامة لو احسنت استغلاله.
ان اغلب الذين يتصدون للدفاع عن المقومات الحضارية و الثقافية لهذه الامة يكتفون بموقف الدفاع السلبي، ظانين ان هذا هو واجبهم الاول، قابعين خلف حصون متهافتة من افكار منمقة يلقيها اليهم الاعاء انفسهم، فيسارعون اليها بالجذاب غريب لا اجد له ما يبرره الا السذاجة او سوء القصد المبيت.
و كمثال على هذا اورد هذا النص انقله من المقدمة التي كتبها الاستاذ (نزيه الحكيم) على هامش ترجمته لكتاب (ماركسية القرن العشرين) لروجيه غارودي:
"ان الجزائري ذا الثقافة الاسلامية يستطيع ان يصل الى الاشتراكية العلمية بدءا من منطلقات اخرى غير سبل هيجل او ريكاردو او سان سيمون، فلقد كانت له هو الاخر اشتراكيته الطوباوية ممثلة في حركة القرامطة، و كان له ميراثه العقلاني و الجدلي ممثلا في ابن رشد، و كان لديه مبشر بالمادية التاريخية في شخص ابن خلدون، وهو على هذا التراث يستطيع ان يقيم اشتراكيته العلمية".
هذا النص اقتطفه المترجم من الكتاب و علق عليه تعليقا اضافيا، اكتفي بان اورد منه ما يلي: "هذا النس المقتطف من الكتاب الذي بين يديك ليس تلخيصا لفكرته و لا هو اهم ما فيه، و لكنه في نظري يستحق هذا الابراز لاكثر من سبب.
و اول هذه الاسباب ان المؤلف – باختياره من بين شعوب العالم الثالث هذا المثال العربي، و اعلانه انه بتراثه الثقافي الخاص مؤهل للوصول الى (اشتراكية علمية ) عربية، فلا نهتم بالهرطقة و ان لم تكن "ماركسية لينينية" – يأتي بالجواب الحاسم حلا للجدل اللفظي الذي احتدم طويلا بين مثقفينا التقدميين، (و لاغراض سياسية في الواقع لا عقائدية و لا علمية) حول الاشتراكية التي تاخذ بها بعض اقطارنا، و هل تكون "اشتراكية عربية" ام "طريقا عربيا الى الاشتراكية" ص 15 من الكتاب المذكور.
لا اريد ان اناقش ما ورد في النص المترجم من مغالطات مقصودة او غير مقصودة، و لا ارى ضرورة كذلك لمناقشة تعليق المترجم، كل ما اريد التنبيه اليه هو الفرحة الطفولية العارمة التي تنم عنها ثنايا السطور التي كتبها المترجم، فكانه عثر اخيرا على لعبة طالما اشتاق اليها، و الحقيقة ان الاستاذ بهذا ان كان نزيها فهو ليس حكيما.

و من يعد النظر في المقطع الذي اقتبسته للاستاذ المترجم يجد هذه العبارة: ".. حلا للجدل اللفظي الذي احتدم طويلا بين مثقفينا التقدميين، (و لاغراض سياسية في الواقع لا عقائدية و لا علمية) حول الاشتراكية .." فكون هذا (الجدل المحتدم) ليس لاغراض علمية، فهذا لا يتمارى في اثنان، و اما عن كونه ليس لاغراض عقائدية فهم ادرى بهذا من غيرهم، و اما عن كونه مجرد مهاترات لفظية لاغراض سياسية خالية من اخلاص العقيدة و صدقها، و تجرد العلم و نزاهته ، فهو تعبير مهذب من الاستاذ يريد به التنبيه الى نوع الاخلاق التي يتصف بها مثيرو هذه الانواع من المجادلات.
لقد اقحم الاستاذ نفسه ضمنهم مبرئا لها من الاغراض (السياسية) و لننا  نقول له: ضللت السبيل و اضلك الدليل، بدل ان تبحث عن الاصالة عند من يخدعك عنها، اما كان اولى بك ان تلتمسها في مظانها الحقيقية ؟ و الطريق امامك واضحة، و الذين يدلونك كثر مخلصون  .. و لكننا – رغم كل شيء – نقدر فيك هذا الحس العميق – رغم  افتقاره لعنصر الوعي – بحاجة مثقفي هذه الامة الى العودة للاغتراف من منبعهم الاصيل.
5- ان نسمة طيبة بدأت تفوح زكية شذية حاملة الى القلوب اليائسة الامل الندي في بعث وعي اسلامي يعيد لهذه الامة دورها الذي من اجله وجدت و كانت ..
و اولى بشائر هذا الامل الحلو ما نراه من اهتمام بالعودة الى الاغتراف من المنبع الثر الاصيل: الثقافة الاسلامية.

فما هي الثقافة اذن كما ينبغي ان يفهمها المسلم؟
انها ليست افكار تجول في رؤوس المثقفين، او تنصح بها افواههم و اقلامهم، فلا خير فيها ان لم تترجم الى افعال حية تغير الواقع السيء للانسان، و تسمو به الى ما يصبو اليه من فضيلة في نفسه و جمال في ارضه، تعد له اللقمة و السكن، و تهيء له الجو الملائم للسمو بروحه الى اقصى درجات السمو التي يمكن ان يبلغها الانسان، و باختصار يمكن ان نقول: "ان الثقافة الاسلامية هي مساهمة العقل البشري – مرتكزا على قواعد و ضوابط و حدود مستمدة من كتاب رب العالمين و سنة سيد المرسلين – اسهاما فعالا في انماء الحضارة الانسانية الحقة و المحافظة عليها عبر العصور".
لو نظرنا الى الثقافة الاسلامية بهذا المنظار لوجدنا انها ذات طابع شمولي يؤهلها لان تكون الثقافة الانسانية الخالدة الصامدة فقد صمدت في وجه الزحف الهمجي التتري المغولي القادم من الشرق، و صمدت في وجه الهجوم الصليبي الحاقد القادم من الغرب، و استطاعت ان تهضم الدس الشعوبي الذي كان يهدف الى نخر كيانها من الداخل، و استطاعت ايضا ان تقاوم الثقافات الدخيلة الوثنية او الكتابية المحرفة، من يونانية و فارسية و هندية و يهودية و مسيحية .. الخ.  ان تتمثل خير ما فيها فيصبح جزءا من تراثها .. و ها هي اليوم تواجه زحفا مسموما مركزا يستهدف مسخها و محو طابعها الشمولي تمهيدا للقضاء المبرم عليها، و في مقدمة الحاملين لهذا اللواء الخبيث المستشرقون المغرضون الذين يستترون وراء البحث العلمي النزيه، و كذلك البعثات التبشيرية ، كل هؤلاء وجوه مقنعة تخفي خلف اقنعتها الناعمة حقدا مريرا و عداوة مستعرة يكنها الغرب الاستعماري بشقيه القديم و الجديد لهذه الثقافة الواردة.
و لا ننسى العدو الالد منذ اقدم العصور: اليهودية" منذ عبد الله بن سبأ في الصدر الاسلامي الى "مكسيم رودنسون" اليوم، فقد تسلل الاول الى صفوف المسلمين في احرج اوقاتهم و اصعبها فكان راس مدبري الفتنة التي قضت على نظام الشورى الاسلامي و حولته الى عصبية قبلية استبدادية، و ها هو الثاني – وقد اعفته حال المسلمين اليوم من محاولة التسلل المقنع- يحاول – بمكر – ان ينسينا ان الكفر ملة واحدة، و ان يقنعنا ان اليهودية و الصهيونية ليستا صفحتين متقابلتين لعملة واحدة ..
ان الثقافة الاسلامية اثبتت على مر الزمن انها الثقافة الخالدة الصامدة رغم كل التحديات التي واجهتها في عصور ازدهارها، و تواجهها اليوم في عصر تقهقرها.
فما هي اسباب هذا الصمود التي هي ايضا الدعامات و الاسس التي يمكن ان نجدد عليها بناء الهيكل العام لثقافتنا و نوسع نطاقها ؟

لا ادعي انني ساحصرها كلها، و لكنني ارجو الله تعالى ان يوفقني الى ذكر بعضها:
1) انها قائمة على الايمان بالله و برسله، و على ان السمو و العلو لن يكونا لهذه الثقافة و لا لاهلها الا اذا انطلقوا من هذا المنطلق: "وجعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا لما صبروا، و كانوا باياتنا يوقنون و الايمان بالله فطرة ثابتة في الانسان، تشهد بها الانحرافات الحادة التي تعرفها الانسانية ، و التدهور المؤسف المحزن الذي تشهده اخلاقها، و السقوط البطيء الفاجع الذي تشهده حضارتها، حين تخلت عن ايمانها القويم و نهجها السليم، و امة الاسلام تخلت عن روابط كثيرة تربطها بربها، و نسيه سبحانه الكثير من ابنائها، (فانساهم انفسهم ، اولئك هم الفاسقون)، و لولا قلة قليلة ادركتها رحمته تعالى، فعضت على ايمانها باسلامها بالنواجذ، و حافظت على ثقافته المؤمنة الصافية ببذل المهج و الارواح، لكان شأنها اليوم شأن الكثير من ثقافات الامم البائدة التي اصبحت ذكرى باهتة في ذاكرة التاريخ، و قد لاقوا في سبيل ذلك ما لقوا صابرين صامدين، رغم تكالب قوى الشر و البهتان، فاستحقوا ان نعدهم من الذين قال فيهم ربهم تعالى: " الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا، و قالوا حسبنا الله و نعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله و فضل لم يمسسهم سوء و اتبعوا رضوان الله، و الله ذو الفضل العظيم".
2) قيام المناخ الصحي لهذه الثقافة على العدل و لو مع الاعداء و المحاربين: "و لا يجرمنكم شنان قوم الا تعدلوا، اعدلوا هو اقرب للتقوى".
و العدل شامل لكل نواحي الحياة الانسانية، يقول صلى الله عليه و سلم ، فيما رواه عنه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: "ان المقسطين عند الله على منابر من نور، الذين يعدلون في حكمهم و اهليهم و ما ولوا". وهو الوسيلة الوحيدة التي يتمكن بواسطتها ولاة امور المسلمين ان يصلوا بينهم و بين الذين ولاهم الله امورهم بصلات المحبة و الثقة، قال عليه الصلاة و السلام فيما رواه عنه عوف بن مالك رضي الله عنه : "خيار ائمتكم الذين تحبونهم و يحبونكم و تصلون اليهم و يصلون عليكم ، و شرار ائمتكم الذين يبغضونهم و يبغضونكم و تلعنونهم و يلعنونكم. قال: قلنا : يا رسول الله افلا ننابذهم؟
قال: لا ما اقاموا فيكم الصلاة، لا ما اقاموا فيكم الصلاة". فاذا كان هذا هو المفهوم الصحيح للعدل كما اوحى به الله، و فسره و طبقه رسول الله، فكيف تذوى ثقافة تؤمن به و تتبناه، و ما ضاع العدل فينا الا يوم اتبعنا اهواءنا فتفرقت بنا السبل.
3) قيامها على مبدأ الجهاد في سبيل الله بالسنان و اللسان و الجنان، و لم تتقهقر الثقافة الاسلامية الا حين تخلى غالب اهلها عم هذا المبدأ، و رغم هذا فقد ظلت شعلته متوهجة لا تخبو في خبايا نفس كل مسلم غيور، و كلما حزب هذه الامة امر، او لج عدو في ظلمها، لجات اليه. و من اقرب الامثلة على ذلك الجهاد المظفر لشعب الجزائر، و مع ذلك فقد وجد اخيرا من بين (مثقفيهم) من يتنكر لمفهوم الجهاد، و يدعي ضيقه و عدم شموله، و يفضل عليه مفهوم (الثورة) وهو حقا مفهوم فضفاض ينضوي تحت لوائه كل من هب و دب، حتى الذين يريدون تشويه الوجه الناصع لجهاد الشعب الجزائري المسلم.
و اول ما يبدأ به المؤمن هو مجاهدته لنفسه و مقاومة اهوائها و نزواتها، فهذا يكتسب المناعة و القوة اللتين تؤهلانه للتاثير على غيره بدون ان تصيبه بالعدوى امراضهم النفسية و الاجتماعية.
قال تعالى : " و لتكن منكم امة يدعون الى الخير و يامرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، و اولئك هم المفلحون" . فالمثقف المسلم بمنجاة من الامراض النفسية لانه يقاومها بمجاهدة النفس، و الزامها سبيل القصد و الاعتدال فيما تحب و تكره، و المجتمع المسلم ايضا بينه و بين الامراض الاجتماعية حاجز منيع من المثقفين الاسلاميين الذين نذروا انفسهم ليصلحوا كل فساد او خلل يطرأ على مجتمعهم، و لا يتقون الا الله، و لا يخشون في الحق لومة لائم، يفضحون كل زيف، و يساهمون في درء كل خطر، و في كل ملمة يكونون هم السباقين الاولين، و هم قلة في العصور الاخيرة للثقافة الاسلامية، و هم في عصرنا هذا اقل، و حين قلت النسور استأسدت بغاث الطير، و الحمد لله على ان قلتهم لا تعني انعدامهم.
و قد ظل مبدأ الجهاد حيا متوهجا رغم ما تراكم عليه من انحرافات و طرأ عليه من تشويهات اولها ما يروج له البعض من ان الجهاد معناه الاكتفاء بالدفاع السلبي ضد من يروم بالاسلام و المسلمين شرا، فكيف ان لم تنفع الحكمة و الموعظة الحسنة في دعوة غير المؤمنين الى الله ؟ و ظلوا على عنادهم يقفون حجر عثرة في سبيل دعوة الاسلام ان تصل الى الناس ؟ ماذا يبقى لنا الا ان نحاربهم ؟ "و قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة، و اعلموا ان الله مع المتقين"، ان الجهاد في سبيل الله لا يعني ان نبقى دائما في وضع المدافعين ، فما طمع فينا اعداؤنا الا حين سرى فينا هذا الاعتقاد السلبي، و يوم يعود للجهاد مفهومه الصافي في الثقافة الاسلامية، سيعود لها مجدها ورونقها و قوتها.
4) قيامها على مبدأ النظر و البحث و التجريب، و استخدام العقل في التفكير في خلق السماوات و الارض للتوصل الى المعرفة الصحيحة القويمة، و السعي في طلب العلم.
قال الله تعالى : "قل انما اعظكم بواحدة، ان تقوموا لله مثنى و فرادى ثم تتفكروا".
فالعبادة الخالصة ، لابد ان يليها عمل اخر هو التفكر، فالمؤمن حين يفتح كتاب ربه و يقرأ، يرى ان العبادة الحقة مقرونة بامر رباني وجيز حكيم هو (التفكر)، فيدعوه ايمانه ان كان يملك الوسائل المعينة من فكر ثاقب و قلب منيب و علم غزير الى اعمال فكره في ايات الله الكونية، فيزداد يقينا بعظمة البارئ العظيم، و يزداد ايمانه رسوخا بالرسالة المحمدية و قرانها المجيد الذي اتاح له هذه الفرصة ووفر لديه و سائلها ، و يحمد الله على حسن عنايته بهذه الانسانية رغم كفرها و جحودها، و من فضل الله على امة الاسلام ان جميع عصورها لم تخل من رجال استجابوا للامر الحكيم فحفظوا لثقافتها دوامها و استمرارها و توهجها ، فجزاهم الله عن المسلمين خير الجزاء، و قد استحقوا منا ان نعدهم من اولى الالباب الذين قال فيهم الله جل شأنه: " ان في خلق السماوات و الارض و اختلاف الليل و النهار لايات لاولي الالباب الذين يذكرون الله قياما و قعودا و على جنوبهم و يتفكرون في خلق السماوات و الارض، ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك، فقنا عذاب النار".
و لاشك ان مساواة الخروج في طلب العلم بالجهاد في سبيل الله اكبر دليل على المنزلة التي يتبوأها العلم في الاسلام، و لا يجادل في ذلك الا من طمس الله على قلبه، قال عليه الصلاة و السلام : "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع".
و لا خير في علم او حكمة لا تتحول الى عمل "لا حسد الا في اثنين: رجل اتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ، و رجل اتاه الله الحكمة فهو يقضي بها و يعلمها". و المثقف الذي لا يتحمل مسؤوليته كاملة نحو دينه و امته لا يستحق الانتساب الى هذه الفئة الهادية المهدية: "... فوالله لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم"، "من سئل عن علم فكتمه الجم يوم القيامة بلجام من نار" و ما دوام اتصالنا بالمنبع العذب الا بفضل خوف سلف هذه الامة الصالح من ان بلجموا بلجام النار، و حساسيتهم المفرطة بعبء المسؤولية الملقاة على عاتقهم بتعلم العلم و تعليمه، لا لغرض دنيوي رخيص بل ابتغاء رضوان الله وحده، امتثالا للنهي النبوي الكريم: " من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله عز و جل لا يتعلمه الا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" ان خشيتهم لله سبحانه تدفعهم الى التضحية بالغالي و النفيس من اعراض هذه الدنيا الفانية في سبيل ان يتلقوا الامانة ثم يؤدوها لاهلها دون تبديل او تحريف، و كيف لا يكونون كذلك و هم ورثة الانبياء اتقى عباد الله و اخشاهم له . قال سبحانه: " انما يخشى الله من عباده العلماء"
5) قيامها على مبدأ الاجتهاد، وهو مبدأ شرعي تستخلص بواسطته من كتاب الله و سنة رسوله احكام تقارن الى احداث طارئة لم يوجد لها حكم شرعي مسبق، فان وجد شبه اصدر المجتهد حكمه مستندا الى كتاب ربه سبحانه و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم، مستنيرا بعقله و علمه و حسن درايته، و قد وضع السلف الصالح لهذا المبدأ قواعد و ضوابط و حدودا ، تحول بين المجتهد و بين التخبط ، و تنقذه من الضلال و التضليل، و تمنع غير المتاهل علما و عملا من التصدي لما لا دراية له به و لا قدرة له عليه، و تحفظ للمخطئ حقه في اجر المجتهد مع نبيين وجوه الخطأ في الحكم او الاحكام الصادرة عنه، و تحمي للمصيب حقه في اجر المجتهد و في ثواب المصيب مع تعداد وجوه الصواب في الحكم او الاحكام الصادرة عنه، و تفضح المزيف المزور و تجلله بالخزي و العار.
و يمكننا ان نقول – و الله تعالى اعلم – ان قواعد هذا المبدأ يمكن ان ننتفع بها في ميادين الثقافة الاخرى غير الفقه ، في محاولة منا لتجديد شباب هذه الثقافة و توسيع نطاقها.
6) قيامها على مبدأ (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) و بهذا حلت الثقافة الاسلامية مشكلة غريزة الاثر في نفس من يتصدون لتولي شؤون المسلمين الثقافية و قيادتهم الفكرية، فلم تعرف طيلة قرون عمرها الطويل المشاكل التي تعرفها غيرها من الثقافات، من خلاعة و مجون و نفعية ووصولية، و لم تعرف ابدا فكرة (الفن للفن) او (العلم للعلم)، و لم تشهد و لن تشهد علماء يخترعون الات الفتك و الدمار في حين ان الناس من حولهم تهدهم الامراض و يعشش فيهم الجهل و ينخرهم الفقر.
7) قيامها على مبدأ السند في الرواية، و هذا من اروع المبادئ التي اخترعها العقل الاسلامي المبدع، نوه به المنصفون و المغرضون من الاعداء، و ارى ان نفعه يعم سائر ميادين الثقافة، و خصوصا التاريخ و الاعلام، و لمن اراد ان يعرف الجهد المضني المبذول في هذا الميدان، فليرجع الى كتب السنة و الحديث المشهورة ففيها ما يقدم الدليل و يشفي الغليل، و لن يستطيع ممار مكابر ان يقدح في دقة قواعد هذا العلم القائم بذاته، و ساكتفي بذكر صورة عن تقسيم السلف الصالح للحديث، اقتبسها من كتاب (جند الله ثقافة و اخلاقا) مع شيء من الاختصار:
"هذا الصحيح: هو الحديث المسند الذي يتصل اسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط الى منتهاه، و لا يكون شاذا و لا معللا، و يخرج من ذلك المرسل وهو ما لم يذكر فيه الصحابي، و المنقطع وهو ما سقط من سنده واحد في موضع او مواضع، و المعضل ما سقط منه اثنان فاكثر في موضع او مواضع، و الشاذ وهو ما خالف فيه لمن هو اوثق منه، و ما كان فيه علة قادحة هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع ان الظاهر سلامته منها، و علة الحديث تعرف بجمع طرقه و النظر في اختلاف رواته و في ضبطهم و اتقانهم، فيقع في نفس العالم العارف بهذا الشأن ان الحديث معلول، و اما ما في روايه نوع جرح فهم الكذابون و الوضاعون و المشتبه بكذبهم، و من كان ضعيف الحفظ ، او غير ثقة، و من لم يرو عنه الا واحد و لم يوثق فكان بذلك مجهولا، و من لم يوجد في توثيقه معتبر او جاء فيه تضعيف ما، و من كان مستور الحال او مجهوله، و من ليس له من الحديث الا القليل، و من كان سيئ الحفظ، او يهم او يخطئ، او خرف و ان كان صادقا، و من كان ذا بدعة تجعله يستبيح الكذب".
"وقد عرف علماء الحديث (الثقة الضابط) بقولهم : هو المسلم العاقل البالغ سالما من اسباب الفسق و خوارم المروءة، و ان يكون مع ذلك متيقظا غير مغفل حافظا فاهما"
"ب- الحديث الحسن: نوعان: اولا: الحديث الذي لا يخلو رجال اسناده من مستور غير انه ليس مغفلا كثير الخطأ و لا منهما بالكذب، و يكون متن الحديث قد روي مثله، او نحوه، من وجه اخر فيخرج بذلك من كونه شاذا او منكرا".
"ثانيا: ان يكون راوية من المشهورين بالامانة و الصدق و لم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ و الاتقان و لا يعد ما ينفرد به منكرا، و لا يكون المتن شاذا و لا معللا".
"- الضعيف: وهو ما لم تجتمع فيه صفات الصحيح، و لا صفات الحسن المذكورة، فيدخل فيه المقلوب و الشاذ و المعلل و المضطرب و المنقطع و المعضل .. الخ".
" د- الموضوع: وهو المختلق المصنوع وهو الذي نسبه الكذابون المفترون الى رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو شر انواع الرواية" صفحة 144 من الكتاب المذكور تاليف (سعيد حوى).
8) قيامها على مبدأ اثبات القيم الاخلاقية حتى في المعاملات اليومية، لان مصدرها من الله سبحانه، فالمؤمن المتاثر بهذه الثقافة يعلم يقينا انه حين يتمسك بقيمها الخالدة الثابتة فانما يحرص على دوام رضا الله عنه، لا تدفعه لذلك مصلحة ضخصية خاصة و لا اعراف اجتماعية موقتة سرعان ما تدعو الضرورة الى نبذها و استبدالها باخرى، فتهتز بذلك قداستها في نفسه ، و يفقد حرصه عليها و اهتمامه بها، اذ لا جذور لها في نفسه و لا في مجتمعه، فينحرف تبعا لذلك سلوكه و يتلون بلون مصلحته الخاصة و يميل حيث مالت، و كنماذج مضيئة على القيم الخلقية الاسلامية الثابتة اورد بعض الايات الحكيمة و الاحاديث الشريفة محيلا من اراد التوسع في معرفة دلالاتها المتبعة و ايحاءاتها العميقة على (الجزء الثاني من كتاب (ظلال القران ) للشهيد سيد قطب)
"انما المؤمنون اخوة "، "مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى" ، "و اذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها او ردوها" ، "و لا تصغر خدك للناس و لا تمش في الارض مرحا، ان الله لا يحب كل مختال فخور"، "ادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك و بينه عداوة كانه ولي حميم" ، "يا ايها الذين امنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيرا منهم، و لا نساء من نساء عسى ان يكن خيرا منهن ، و لا تلمزوا انفسكم و لا تنابزوا بالالقاب، بيس الاسم الفسوق بعد الايمان، و من لم يتب فاولئك هم الظالمون"، "و لا يغتب بعضكم بعضا، ايحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه،و اتقوا الله، ان الله تواب رحيم"، "يا ايها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ، ان بعض الظن اثم، و لا تجسسوا"، "يا ايها الذين امنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا و تسلموا على اهلها" ، "كل المسلم على المسلم حرام: دمه و عرضه و ماله"، "ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين امنوا لهم عذاب اليم في الدنيا و الاخرة ، و الله يعلم و انتم لا تعلمون"..
و لنستطيع ان نعرف قوة الوازع الخلقي و ثباته عند الفرد و المجتمع المسلمين، لابد من تعريف موجز للقيم الخلقية بالمفهوم الجاهلي عند اهل الجاهلية و من ينهج نهجهم: "الاخلاق مجموع ما تواضع عليه الناس من افكار عن الخير و الشر و الحسن القبيح في عصر من العصور" فهي بهذا ليست ثابتة، و لا قدسية المصدر، مما لا يمنحها قوة في نفوس الناس و لا سيطرة على ضمائرهم تمنعهم من الاخلال بها، و قد وكل امر معاقبة المخلين بها الى ضمائرهم، و الى المجتمع الذي قد ينبذهم و يزدريهم و هذا ما لا يحدث الا لماما، و قد يتولى عقاب المخطئ خاطئ.
و عدم ثبات القيم الخلقية و لا قدسية مصدرها يحرمانها  كذلك عنصري الوضوح و الصفاء فيكتنفها الغموض و يحيطها الابهام لان تبدل المصالح التي لا تستقر و لا يعرف موعد تغيرها يؤدي الى بلبلة اذهان الناس و تذبذبهم ، فلا يستقرون على مبدأ و لا يثبتون على خلق، فتضيع القيم الانسانية الاصيلة في زحام القيم الزائفة، فيفقد الناس ايمانهم بهما معا.
9) قيامها على مبدا ان المعرفة الانسانية ضئيلة جدا رغم الغرور الذي ينفخ اردان بعض الناس اليوم يقول الله تعالى: "و ما اوتيتم من العلم الا قليلا".
وقد جاء في تفسير(ضلال القران) في سياق حديثه عن الاية الكريمة من سورة البقرة: " الله لا اله الا هو الحي القيوم .. الاية" عندما وصل الى قوله سبحانه: "و لا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء" ما يلي: انه سبحانه هو الذي يعلم وحده كل شيء علما مطلقا شاملا كاملا. وهو سبحانه يتاذن فيكشف للعباد بقدر عن شيء من علمه، تصديقا لوعده الحق:" سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق" ..و لكنهم ينسون هذه الحقيقة و يفتنهم ما ياذن الله لهم فيه من علمه.سواء كان هذا الذي لهم فيه علم شيء من نواميس الكون و قوانينه او رؤية شيء من غيبه في لحظة عابرة و الى حد معين .. يفتنهم هذا كما يفتنهم ذاك، فينسون الاذن الاول الذي منحهم الاحاطة بهذا العلم، فلا يذكرون و لا يشكرون، بل يتبجحون و قد يكفرون، ان الله سبحانه وهب الانسان المعرفة منذ اراد اسناد الخلافة في الارض اليه، ووعده ان يريه اياته في الافاق و في الانفس ، ووعده الحق، وصدقه وعده فكشف له يوما بعد يوم وجيلا بعد جيل، في خط يكاد يكون صاعدا ابدا، عن بعض القوى و الطاقات و القوانين الكونية التي تلزم له في خلافة الارض ، ليصل بها الى اقصى الكمال المقدر له في هذه الرحلة المرسومة ، و بقدر ما اذن الله للانسان في علم هذا الجانب و كشف له عنه، بقدر ما زوى عنه اسرار اخرى لا حاجة له بها في الخلافة ..زوى عنه سر الحياة و ما يزال هذا السر خافيا، و ما يزال عصيا، و ما يزال البحث فيه خبطا في التيه بلا دليل، زوى عنه سر اللحظة القادمة، فهي غيب لا سبيل اليه، و الستر المسدل دونها كثيف لا تجدي محاولة الانسان في رفعه ..و احيانا تومض من وراء الستر ومضة لقلب مفرد باذن من الله خاص – ثم يسدل الستر و يسود السكون – و يقف الانسان عند حده لا يتعداه. وزوى عنه اسرارا كثيرة .. زوى عنه كل ما لا يتعلق بالخلافة في الارض.. و الارض هي تلك الذرة الصغيرة السابحة في الفضاء كالهباءة .. و مع ذلك يفتن الانسان بذلك الطرف من العلم الذي احاط به بعد الاذن، يفتن فيحسب نفسه في الارض الها! و يكفر فينكر ان لهذا الكون الها! و ان يكن هذا القرن العشرون قد بدا برد العلماء حقا الى التواضع و التطامن، فقد بداوا يعلمون انهم لم يؤتوا من العلم الا قليلا! و بقي الجهال المتعالمون الذين يحسبون انهم قد علموا شيئا كثيرا"
و ها هو التصور الميكانيكي للعالم من حولنا الذي كان العلماء يتوهمون انه قائم على التجانس المادي الناتج عن فعل قوى الجذب و الدفع الثابتة قد تداعى و انهار، بعد ان ثبت للعلماء ثبوتا قطعيا ان حركة المادة ليست صفة خارجية او تحولا محسوسا فقط في شكل الأجسام، بل هي تغير جوهري في كنه المادة، و على هذا فعلم الانسان لا زال قاصرا يدرج في مهده، رغم غرور المغرورين و ادعاء المختالين الفرحين .. و لمن شاء زيادة الوضوح في معرفة هذه الفكرة، فانني احيله على مقال قيم للدكتور محمد عبد الرحمان مرحبا في مجلة المعرفة السورية عدد 30 لسنة 1964 تحت عنوان : (المعرفة الانسانية لا تزال تحبو).
6- و اخيرا ، اتمنى ان اكون قد وفقت الى ذكر بعض الأسس التي تدلنا على سر خلود هذه الثقافة و صمودها و بقائها على مر العصور شعلة وهاجة تضيء للانسان دربه الطويل نحو النور و الخير و الحق و الجمال و الكمال .. نحو السعادة الدنيوية و الاخروية.
و المسلمون ما تاخروا اليوم و اصبحوا في اخر القافلة الحضارية الا لانهم تخلوا عن المعين الثر لثقافتهم الاسلامية لاهتين وراء السراب الكاذب لثقافات ملحدة كافرة تهوي بهم و باهلها الى الخراب و الدمار، و لن تعود لهم القيادة و الريادة الا اذا عادوا الى ثقافتهم الحقة، و بذلك يسعدون و يسعدون.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here