islamaumaroc

ميلاد دولة

  دعوة الحق

العددان 156 و157

قبل سبعة قرون، و سبع سنوات، كانت قافلة من اكبر ما عرفته مسالك الجنوب تغذ السير باتجاه الغرب.
و كانت قيافة الرجال، و ما تحمله اغلب الدواب من صناديق و اخباء، و ما يحيط بالقافلة من فتيان و خدم، تدل على هوية المسافرين؛ فهم من وجوه سجلماسة و اصفى صفوة شيوخها، من اولاد البشير و اولاد المنزاري، و ابن عاقلة و المعتصم.
و التوى الركب، ذلك الصباح، مع الوديان الجافة حيث التوت، و دار حول الكثبان التي تحفل بها الهضاب و القيعان.. و اخيرا أناخ حيث ادركته الهاجرة و الح عليه القيظ.
و سعى الوجهاء بين يدي ضيفهم الكبير، المولى الحسن بن قاسم، يلتمسون ما عودهم من دعوات و نصح، كلما حطت قافلتهم الرحال، و حنوا عليه كما عودوه ايضا .. و لكن الشريف لم يفض مما وهبه الله من جميل القول و رطب الثناء الا يجهد لم يقو على الاستمرار فيه.
كان عميق النظرات دون ان يدقق في شيء بعينيه مستسلما لافكاره دون ان يفكر في شيء بعينيه.
يحدث هؤلاء، المحتفلين به، و جماع مشاعره مشدودة الى المكان الذي انطلق منه الركب:
دشرة اولاد ابراهيم  من ينبع النخيل بارض الحجاز.
و الى المكان الذي يقصده الركب سجلماسة بارض المغرب.
ففي تلك الدشرة الهادئة التي القت بزمام امرتها لوالده السيد قاسم تداعى للشريف الضيف ما زوده به ذلك الاب الغيور من وافر النصح، و ما اكد عليه من وجوب الاخذ بيد هؤلاء الافاضل، الذين ابو الا ان يصحبوه معهم الى بلادهم تبركا به، و طمعا في علمه الغزير و باعه و تجاربه.
و في هذه الواحة الوارفة من ارض تافلالت تراكضت امامه الصور التي كانت تنطبع في مخيلته كلما كان يحدثه شيخ الركب ابراهيم السجلماسي عن احوال المدينة و ما يجاوز المدينة، و عن حاضر الجناح الغربي من بلاد المسلمين، و عما يتجاذب ذلك الجناح في داخله و من وراء حدوده المتناهية.
و ادرك الرفقاء بان للشريف شانا انتزعه منهم زوال يومهم ذلك.
فبعد ان ادوا صلاة الظهر ورفعوا اياديهم بالدعاء انصرفوا لمضاربهم املين ان يلقوا امامهم في احسن احواله، بعد ان يصيب من اغفاء القيلولة و ينال بعضا من الراحة.

و كانت المسافة الى سجلماسة قد ضاقت كثيرا بعد يوم او يومين، و فجأة اقبلت على القافلة اولى طلائع المستقبلين بطبولها و مزاميرها و اختلط الفرسان بالراجلين و الجمالة بحاملي اكاليل السعف.
و داهمت الشريف عواطف التلثر و الحب و الامل، و اصبح همه بعد ذلك ان يخفف من ذلك الاندفاع نحو راحلته و تيابه تواضعا و اشفاقا. لان كل كبير و صغير بالمدينة انكب على اطرافه يقبل و يتبرك، التماسا للدعاء.
و يتحين الولي الحسن فرصة بين ذهاب وفد و مجيء وفد اخر، فيسر الى صديقه الشيخ ابراهيم برغبة طالما الحت عليه اثناء السفر ...
و يبتسم الشيخ ابتسامة شابها الفخر و التواضع معا، ثم يختفي لبعض الوقت و يعود بعرجون من التمر و انية من لبن النوق.
و تمر السنون تباعا بعد هذا اليوم الحافل. و تحمل لهذه الناحية القاصية ما شاء الله ان يفيض عليها من الرزق، و يفيء على بنيها من الخيرات.
و لا يغمض الولي الحسن الداخل عينيه، الا و قد ارتوى الناس و ارتوت الارض و اصبحت المدينة قبلة لتجارة الصحراء كلها، و انتجت من ذوي الفضل و العلم و المال، و في الزرع و الضرع ما اصبح حديث الاجيال.
و يهنأ الصقع السجلماسي في رعاية ذرية المولى الحسنن و تتقاطر الوفود من كل حدب و صوب منتفعة او طالبة، او شاكرة، او ضارعة الى ذلك الابن او هذا الحفيد، ان يصحبها الى بلادها طمعا في ان يمن الله على وطنها بمثل ما من به على سجلماسة.
ثم لا يلبث امر هذه الاسرة ان يجتاز البحار، و اهل الاندلس فيما هم فيه من تضييق، القشتاليين و مداهماتهم، فيقدم وفد من اهل تلك البلاد على المولى علي و يندبه للقيام فيهم بفريضة الجهاد.
و لا يتردد الشباب في تلبية نداء الواجب، فيجمع ما يقيم منه الاود، و يستجيب لمن رغب من اصحابه في الذهاب، و يمم شطر المدينة "صفرو" حيث يستقر بعض الوقت، صارفا بياض يومه في تعليم الناس امور دينهم، و متصدقا و محبساا على المساجد و دور العلم، و سواد ليله في التهجد و الدعاء
و من صفرو يتجه المولى علي الى فاس التي كانت تعج بمدارس العلم، و اهل الصلاح و ينهض هناك يندب ذوي العزائم الصادقة و الغيرة، فتتجمع حوله تلة من المجاهدين و اكداس من اموال الصدقات المرصودة للجهاد و تتحول دراه (بجزاء ابن عامر) الى ما يشبه المعسكر فيحزم امره، و بعد العدة لاجتياز المضيق ...
و في الرقعة التي بقيت للمسلمين ببلاد الاندلس كان المولى علي هو اول قادم من الغرب ليقوم بعمل حربي على مستوى القيادة منذ عهد بعيد، فقد انضوت جيوش الاندلس و خيرة فرسانها تحت لوائه المنصور، وهو الامر الذي لا يحدث الا في النادر، و قدر لهذا الشباب الصحراوي ان يحقق الكثير في ايقاف المد القشتالي بالاندلس.
و عندما اطلت شهور الشتاء و تحول اديم الارض الى البياض، جمع المولى رجاله و اعد نفسه للاياب ، و لكن امراء الاندلس ووزراءها و قادات جيوشها اجتمعوا في الجزيرة الخضراء و قرأوا امام الضيف المجاهد صيغة بيعة تؤمره عليهم في امور الدنيا و شؤون الجهاد.
و ما كان من السهل ان يقتنع الجماعة بصدوف الشريف، و عزوفه و لكنهم نزلوا بعد جدل طال الى الليل عند الحاحه، فودعوه اجمل وداع و خفروا سفينته الى ان وصلت القصر الصغير.
و رجع الامير الى سجلماسة فاستقبله سكان الصقع عن بكرة ابيهم وهم غير مصدقين رجوعه اليهم، و لم يجد المولى علي ما يقابل به هذا الصنيع سوى مضيه بكل عزم و تفان في مواصلة رسالة ابيه واجداده المنعمين.
و انصرم شتاء ذلك العام، و استفاق اهل الاندلس لعمق الفراغ الذي خلفه فيهم غياب الشريف و عادت الفرقة الى سالف استحكامها مع عودة تضييق الاسبان و غلوائهم.
و كتب قادة تلك البلاد رسائل عديدة لشريف سجلماسة و بعثوا وفودهم الواحد تلو الاخر و تشفعوا بعلماء فاس و قضاة الحواضر.
و كان المولى علي يهيئ نفسه لتأدية فريضة الحج و زيارة بني اعمامه امراء ينبع النخل بارض الحجاز، فتجاذبته النوازع و اشكل عليه القرار، و انتهى الى الاستجابة للنداء المنبعث مما وراء البحر و بذلك كتب هذا المولى وهو لا يملك سوى سلاح الايمان و الغيرة، و لا يطمع من الدنيا الا في نيل الرحيل عنها بحسنى الشهادة مأثرة اخرى من ماثر اسرته.
و مع اقتراب نصف القرن الحادي عشر الهجري اصبحت مدينة سجلماسة من اكبر الحواضر المغربية تجارة و علما و رفاهية، و بالنظر لحالات التمزق التي كانت تسود البلاد كلها باتت تلك الحاضرة قبلة لذوي النيات الحسنة و لذوي النيات السيئة على السواء.
ففيما بين الجديدة و طنجة كان المجاهد ابو عبد الله العياشي باسطوله القوي، و مقاتليه الاعداء الاشداء، يرنو الى حكام "ايلغ" و الى الاسرة الشريفة العلوية بسلجماسة، و يجتهد في ان يخلق من التلاحم فيما بينهما و بينه المغرب  الواحد، و ان يكون الجميع يدا قوية في طرد الاجانب من الثغور العربية.
و في فاس و ما يجاورها نحو الشرق و الجنوب كان "الدلائيون" وهم اصحاب رئاسة علمية قد تحولوا من طلبة علم الى طلاب سلطان .. و مع ازدياد يقينهم بان اصحاب سجلماسة الذين يتطلع اليهم المغاربة و الاندلسيون احق منهم في الرئاستين الدينية و الدنيوية، اصبح كل همهم ان يقضوا على الازدهار العمراني و الفلاحي الذي مضت فيه عاصمة الصحراء و ان يضعوا حدا لحياة المجاهد الذي كان مصمما على مبايعة الشرفاء و التحالف مع حكام القطر السوسي.
و فجأة اندلعت الشرارة من حصن صغير معزول في الصحراء هو حصن "تابوعصامت" و تبين للمولى الشريف ان اصحاب زاوية الدلاء هم المحركون و الممونون .. و لكنه جنح كعادته الى النصيحة و اخذ الفرسان المهاجمين باللين محاولا حقن دماء المسلمين، و تجنيب الجيران بما ليس في مصالحهم من الخراب و الفوضى؛ و لم يكن ابنه المولى محمد على رايه في ذلك و مع استمرار نحريض زاوية الدلاء نزل المولى الشريف عند رأي ابنه و فجأة و بواسطة مائتين من المقاتلين، احاط سيدي محمد بحصن تابوعصامت، ثم دخله ليلا بمساعدة سكانه.
و في جو بائس، و مع تصور الدلائيين بان امور مثل هذه لا تضمن لهم الوصول الى اغراضهم البعيدة اقنعوا حكام سوس بان دولة جديدة ستطل من سجلماسة و ستقوم على انقاض حكمهم و ان لابد من التصرف حتى لا يفلت الزمام من الجميع.
و لشد ما كانت خيبة المولى الشريف عظيمة، وهو يخبر بتلك الايحاءات و لشد ما كانت رغبة وطيدة في ان يبتعد بسجلماسة عن مصير محموم .. و كعادته في تناول الامور بالروية و حسن النصيحة و رغم معارضة اولاده و تلاميذه ركب دابته و قصد ايليغ.
و لكن ابا حسون حاكم سوس صم اذنيه عن سماع أي شيء و انكر على الشريف ان يكون بعيدا عن التفكير في السلطة و الحكم فاعتقله و اجتهد بعد ذلك في تضييق الخناق على تجارة سجلماسة.
و اتت المبادرة من اهالي الصحراء الذين وفدوا بجموعهم على المولى محمد الشريف و خاطبوه في شأن الامارة فرفض، و الحوا عليه و قدموا بين يديه فتاوي العلماء و اصحاب الراي و اظهر اكثرهم التصميم على ان يتحركوا حتى بدون رضاه.
و اخيرا نزل الامير عند راي الجماعة فانعقدت له البيعة العامة كامير للمسلمين و كان ذلك في الخمسين بعد الالف للهجرة العام الاربعين و الستمائة و الالف للميلاد.
لقد كان اجتماع سجلماسة في تلك الايام اعلانا للتحدي.
اعلانا من الارض التي حاق بها الدمار و حفتها الفرقة.
و اعلانا من ضمير الامة الذي لحقته الحيرة و الضياع.
و اعلانا من عمق التاريخ الطويل لهذه البلاد.
كانت تلك نقطة للا رجوع.
و عادت للمغرب وحدته التي عصفت بها الاهواء و الضعف و التقهقر.
و اصبحت العدالة سلطة من القانون لا سلطة من الرجال.

و عم الرخاء و القوة عندما اطلت وجوه هي من طبيعة هذا الشعب الحر و طينته: المولى اسماعيل الذي حرر ثغور المغرب و بنى العواصم و القلاع و اعمر البوادي و خاطب ملوك الارض ثم اصبح اسمه مقترنا بالعظمة و الخلود.
سيدي محمد بن عبد الله باعث النهضة العمرانية و الفكرية و صاحب القوة البحرية و الصوت الذي ظل يجلجل طويلا  في جميع اصقاع المعمور.
المولى الحسن الاول مجدد المغرب و الصخرة التي تحطمت عليها اطماع اوربا وهي في اوجه قوتها و عظمتها.
محمد الخامس الملك الذي اعلن ان شعب الهزيمة لم يوجد قط في هذه البلاد، و الملك الذي كان مظهرا من مظاهر الرفض، و نبضة من نبضات التاريخ.
و الان و بعد سبعة قرون و سبع سنوات لا زالت الفكرة هي الفكرة و الهدف هو الهدف و الاسرة في مكانها الطليعي الخالد.
الاختيارات هي التي يفرضها عطاء الماضي و الحاح الحاضر و اشراقة المستقبل.
و العقيدة اهم سلاح و في مستوى كل المعارك ما دامت تنبعث من اعماق المسؤولية.
و اخيرا الاعلان باستمرار عن الهوية المغربية و هي تضع قدراتنا و تدفعها للامام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here