islamaumaroc

والآن إلى أرض الشام

  دعوة الحق

العددان 156 و157

وصل (كبور) الى باب الثكنة العسكرية ، على الساعة الثامنة صباحا الا خمس دقائق، و ذلك حسب ساعته المضبوطة، التي جاء بها من المانيا منذ ثمانية و عشرين عاما. و بمجرد ما وقف، فتحت البوابة الكبرى على مصراعيها، و اعلن مكبر الصوت:
- المتطوعون من قدماء المحاربين ياخذون الطريق على اليمين.
- المتطوعون الجدد ياخذون الطريق على الشمال.
و سلك (كبور) الطريق على اليمين، و سلكها معه طائفة من الرجال، جميعهم في سن الكهولة، و مع ذلك فهم يسيرون بخطى ثابتة، لها وقع شديد على الارض، و تميزهم اكتاف عريضة و صدور ضخمة، و اذرع عاتية، و ان كانوا مختلفين من حيث الطول و القصر.
(كبور) كان من بينهم ربعة القد، ليس بالطويل و لا بالقصير، و هذا الاعتدال انعكس على طبعه، و على حركاته و سكناته، و على اقواله و تصرفاته ايضا ... فاختاره – من اجل ذلك – رؤساء الادارة التي كان يعمل بها، منذ عودته من الحرب العالمية الثانية، اختاروه اذنا خاصا، كان الذاهب يوصي الجديد به. و هكذا استمر وحده مسؤولا عن تنظيف مكتب الرئيس و ترتيبه، و تنظيم دخول الزوار ... و مكلفا عند الاقتضاء، بقضاء بعض الاغراض، التي لا يكلف بها عادة الا الرجال الثقاة.
و اليوم، و قد نادى المنادي للجهاد، ها هو يعود الى ساحة القتال، في ظروف غير الظروف التي دخل بها في الحرب، منذ نحو الثلاثين سنة. دخل الحرب يومئذ، وهو ابن ثمانية عشر عاما، و رغم انه اشترك في عدة معارك، فقد خرج سالما، لم يصب باي اذى، حتى و لا يخدش صغير ! لقد كان ماهرا في الهجوم و الاحتماء و الترصد و التربص و الاختفاء، كما كانت ضرباته كلها دقيقة و محكمة، و استطاع ان يفلت من عمليات التطويق التي تعرض لها، و انجد المتعسرين في الساعات الصعبة، اما الذين رمقتهم عينه من الاعداء فلم يفلت منهم احدا ... و مع ذلك كله، و مع ذلك كله لم يخرج من الحرب الا بوسام بسيط، و بدرجة ملازم ثان. انه يعتقد انه لو كان فرنسي الجنسية لنال عدة اوسمة فاخرة، و لاحتل درجة ضابط كبير . لكن الفرنسيين يبخسون كل العبقريات و الامجاد حقها ما عدا اذا كانت فرنسية
و مضت الجماعة تقطع الممر الطويل، المظللة باشجار (الكينا) العالية، الى ان وصلوا الى ساحة فسيحة، امام عمارة جميلة الهندسة، مجيرة الجدران، مصبوغة الابواب و النوافذ، كما يجب ان يكون التجيير و الصباغة و في اعلى هذه العمارة، و عند الوسط بالضبط، كان العلم الاحمر القاني ذي النجمة الخضراء يرفرف خفاقان وسط سماء زرقاء صافية، تسطع فيها شمس ذهبية، دافئة الاشعة، تفيض على المواطنين صحة و خيرا.

عند مدخل هذه العمارة الرئيسي، و في اسفل الدرج وضعت طاولة مغطاة بغطاء اخضر، و من حولها كان يقف جنديان للحراسة، و امامها يقف اربعة جنود لتنظيم عملية التسجيل، و ما هي الا هنيهة حتى برز ضابط شاب وسيم، حسن القوام، وافر الصحة، تلمع على كتفه شارات ذهبية تدل على رتبته العسكرية، كما ان قبعته كانت مزخرفة بجدائل مذهبة، و يميز سرواله الرمادي الفاخر شريط غامق اللون على الجانبين.
جلس الضابط و حوله مساعداه ، اللذان هما اقل منه رتبة، يعلو محياهم جميعا وقار و جلال حادثهما قليلا، و ختم الحديث بابتسامة طيبة، ثم بدا العمل .. و هنا خطر لـ (كبور) موقف التجنيد الذي وقفه منذ ثلاثين سنة:
لقد اختطفوه - يومئذ – من المرعى، اذ لم يكن سوى احد الرعاة، في سهول (زمور) الخصبة، و ساقوه الى مكتب التجنيد بمدينة سلا، بعد ما مر بمكتب المراقب الفرنسي بقرية (تيفلت)، و حشر هو و قرناؤه باحدى الشاحنات، تتبعهم حافلة مهلهلة عامرة بالرجال و النساء، هم من اقرباء هولاء المجندين، تبعوهم ليشبعو النظر منهم قبل الرحيل المفجع الى اراضي المعارك الطاحنة باروبا ... و لما نزلوا ملأوا الساحة، و للفور طوقوا بشرذمة من رجال الدرك الفرنسي العتاة، الذين وقفوا في شموخ و غطرسة، حائلين بينهم و بين الوالدين و الاقارب.
و سمع لهؤلاء البدويين همسات، هي نفجعاتهم على فراق زهرات القرى الزمورية و مداشرها، كانوا امامهم كخرفان على ابواب المجزرة الرهيبة. و لما تم التسجيل، و استبدل الشباب لباسهم المهلهل باللباس العسكري، و خرجوا به على ذويهم، علا الصراع و العويل، و سمعت اصداؤه من مسافات بعيدة ... و تطلع الحضريون – وهم مارون – الى هذا المشهد الاليم بحسرة، و لم يكن في وسعهم الا ان يقولوا (لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم)، بينما اليهود هناك، فوق سطوح دورهم (بالملاح) يضحكون، يضحكون ، و يشغلون اسنانهم بقرض بذور (الدلاح) و مضغ لبها. انهم يكتفون من الحرب بارباح السوق السوداء.
كل هذا الجو الرهيب كان يحيط بالشبان المجندين، الذين ما الفوا الا انطلاق السهول و اتساعها و صمت الانحاء و سكونها، و الا الفة الاصدقاء و سمرهم و اغنيهم و تحررهم من جميع القيود، و اليوم ها هي حركاتهم تقيد، ووقفاتهم تضبط، و يكثر عليهم من الامر و النهي، و يقدم لهم طعام بارد تمجه النفس ... اين هذا من قصعات الكسكس الساخن ؟ و من كؤوس الشاي الحامية ؟ و ما بال هؤلاء لا يتحدثون الا بالفرنسية فاذا لم يستطيعوا الاجابة نهروهم ... الا لعنة الله عليهم ! ليرجعونا الى مراعينا و شياهنا و معزنا، و الى خيامنا و الى ظلال اشجارنا ... ما لنا و لهم ؟
كان (كبور) يقوم بهذه المقارنة، و يجتر هذه الذكريات، وهو واقف في الصف ينتظر دوره و امامه ووراء مجموعة المتطوعين، و لاشك ان جميع ما خالج نفسه في هذه اللحظة قد خالج انفسهم كذلك ... و اخرجه من هيمان افكاره ضابط الصف الذي وقف بجانبه، و طلب منه برقة ان يطلعه على اوراق التجنيد السابقة، و جاء الثاني و اخذ الرقم و ذهب مسرعا ليستخرج الورقة الشخصية و يعدها، و بذلك تسهل الاجراءات.
و فعلا تم كل شيء بسهولة و يسر و امدوه بزكيبة عامرة، ووجهوه نحو الحمام الساخن فاستحم كما ينبغي، و ارتدى – على بركة الله – اللباس العسكري المغربي، ووجد انه احتفظ له بشارته العسكرية السابقة؛ و من فور خرج الى الفضاء الواسع فالفى اخوانه قد سبقوه الى الساحة، فانطلقوا مرحين، يحسون في انفسهم خفة و حسن استعداد ... و انبرى احدهم و كان ميالا للتنكيت:
- اتذكرون يا عساكر؟ كيف كان لباسكم ايام الفرنسيين؟ عمامة من الجدائل الصوفية السوداء و البيضاء المفتولة، تحيط بالراس الحليق و لا تغطيه، ملاعين كانوا يلزموننا بالمحافظة على الخصلة او العرف باعتبارها عادة مغربية، و فوق اللباس العسكري، الذي هو من ابسط نوع جلباب مخطط بالاسود و البني، فوقه حزام من الجلد، و يحرصون – تبا لهم – على ان يكون هذا الجلباب قصيرا، لا يتجاوز الركبة الا قليلا، اما الساق فيغطيه النسيج البدوي الذي يسمونه، يسمونه ماذا؟ 
قال احد الجنود:
- نحن كما نسميه (الطرابيق)
و تابع المتحدث حديثه:
اما الارجل فعليها جوارب حقا، و لكن الحذاء ممنوع، الصنادل الخشنة فقط، الصنادل الخشنة و كفى ... لعنة الله عليها من صنادل، كانه لا تريد ان تتمزق، و تعرفون ان صاحب (مخزن الملابس) ، لا يناولك صندالا جديدا الا اذا جئته بالممزق، ملعون، لقد كان يذخر الصنادل البالية، كان يريدها متهرئة ليأكلها اذا جاع؟
و انفجر افراد الجماعة ضاحكين. و سنحت الفرصة ليذكروا الزملاء السابقين الذين ماتوا في معارك تونس و ايطاليا و فرنسا و المانيا، ذكروا البعض و نسوا الكثيرين، و انتقلوا الى ظروف اسرهم و ظروف سقوطهم جرحى، مع ذلك طويت صفحة الحرب مع (الروميين) كانها ما كانت ... انها لم تبق في الخاطر أي اثر طيب!
 و تهيأ الغذاء فدقت الاجراس، فاجتمع المجندون من حول موائد كبيرة، و كان الطعام ساخنا و لذيذا، فاكلوا هنيئا و شربوا مريئا، و انطلقوا الى نادي المعسكر، هذا يدخن و ذاك يلاعب زميله بالورق، و جماعة احاطت بصندوق متقد المصابيح ذات الالوان، تنظر لاحد اللاعبين وهو يسابق اليا احدى الكرات الصغيرة لئلا تدخل الى ثقب من الثقوب، و لكن فجأة تسبقه و تترك له الفرصة مع كرة اخرى، وهكذا دواليك ... و جماعة اخرى لا يهمها لا ذا و لا ذاك نزعت البذل العسكرية، و اقبلت على انابيب الماء للوضوء، ثم اتجهت الى القبلة ...
فترة ما بعد الظهر، خصصت لالقاء عرض نظري عن الحروب الحديثة، ووسائل القتال فيها، و تبع ذلك عرض لمختلف الاسلحة الخفيفة، و فككت اجزاؤها بحضورهم، و اخيرا نبهوا الى ان التداريب الرياضية العسكرية ستتجدد غدا صباحا، و كذلك التدريب على اطلاق النار، و للفور هز الكهول رؤوسهم ثقة منهم بانفسهم، سواء عند التسابق، او عند اصابة الاهداف !
اسعد لحظة، لم تكن تخطر على بال المجندين، من قدماء المحاربين على الخصوص، تلك هي حضور المرشد ...كان مرشدا محترم الشخصية، رقيق الجانب اما كلامه فكان عذبا في الاسماع ... و قام يخطب فيهم:
ايها الاخوان المجاهدون.
(المجاهدون ؟ يا له من لقب عظيم. هكذا قال كل جندي في نفسه).
انكم من اليوم، سواء متم او بقيتم على قيد الحياة، في مقام عظيم عند الله، في صفوف الانبياء و الصديقين، لا يساويكم في مقامكم احد، لقد تقدمتم للدفاع عن دينكم، و ابناء دينكم ...
اولا، الى اين انتم ذاهبون ؟
اجاب احدهم: الة معاونة اخواننا المسلمين في الشرق.
عقب المرشد:
دعوني اقل لكم. انكم ذاهبون الى ارض الشام بالضبط، اين توجد ارض الشام و ما هي ؟
رد جندي اخر:
الشام، هو (شامة الله في الارض) حسبما نسمع:
نشر المرشد امام الانظار خريطة كبيرة، البقع فيها بالوان مختلفة ، و ثبتها بمسامير و شرع يشرح:
نعم، هنا ارض الشام، بلاد الخصب و المياه و الخضروات و الامجاد، تحيط بها تركيا و العراق و الحجاز و مصر ... و من هنا ، البحر الابيض المتوسط، و كما استعمر الفرنسيون المغرب و الجزائر و تونس ، فكذلك استعمرت ارض الشام و قسمت، فرنسا احتلت سوريا و لبنان، و انكلترا احتلت الاردن و فلسطين، و فلسطين احدى بلدان العرب، كانت دائما مقدسة، بوجود (بيت المقدس) فيها، كما ان فيها عدة قبور للانبياء عليهم السلام ... و المصيبة ان الحكام الانكليز سهلوا لليهود الهجرة الى فلسطين هذه، و حرضوهم على ان يجعلوا منها دولة لهم، و كذلك كان، و لكن شعب فلسطين العربي لم يسكت، فقاوم منذ ذلك التاريخ و حتى الان، و بما ان الشعوب العربية المجاورة لفلسطين كانت دائما تقدم المساعدة لاهل فلسطين كما هو واجب، فان اليهود بدأوا يهاجمون هذه البلدان المجاورة، و احتلوا اطرافا منها ... فانتم الان ذاهبون لمساعدة اهل الشام من السوريين، على استرجاع ارضهم، انهم من خيرة الناس اخلاقا و مروءة.
اجاب واحد من بين الجماعة:
- باسم الله، و على بركة الله. لقد كدنا نموت في سبيل الباطل باوربا، و الان ... الى ارض الشام، لنموت في سبيل الحق!
اكد المرشد هذا الذي قيل :
- حقيقة، وقع هذا. لقد ارغمت جماعات كبيرة منكم، تقدر بالالاف التي لا حصر لها على التجنيد، و ارسلت الى القتال في سبيل … ماذا؟ و الله لا اعرف ! لقد مات الكثيرون، و اعطب الكثيرون، و سجن في المعتقلات الكثيرون، و لكن دفاعا عمن؟ عن اناس لا تربطنا بهم اية رابطة: لا دين ، و لا لغة، و لا تاريخ .. نزلت بهم المصاعب العظيمة من اجلهم، و مع ذلك لم يكونوا يحظون عندهم لا بحب و لا باحترام، حتى و لا اعتراف بالجميل … اعطيكم مثلا : لقد شاهدت افلاما حربية عن تلك الفترة، لم ينوه فيها بالجنود المغاربة و دورهم الخطير، لكن الامر اليوم يختلف … و عندما تصلون الى سوريا سترون ما يسركم!
اخبركم انه سيقام استعراض عسكري لكم قبل السفر، يودعكم فيه شعبكم المغربي العزيز و في مقدمته جلالة الملك، فاتح باب الجهاد، ستودعون اجمل توديع، و ستتبعكم حيثما حللتم قلوب المواطنين، متلهفين على اخباركم، سيفرحون لكم منتصرين، و يترحمون عليكم باخلاص مستشهدين ... و انني شخصيا ساكون معكم، في السفر و عند الوصول، و في ساحة الجهاد!
اهتز الجنود المتطوعون، و صفقوا هاتفين ... ثم سادهم صمت رهيب، وهم يتلون الفاتحة.
يا مرحبا ... يا مرحبا ... يا مرحبا ...
دهش (كبور) وهو يسمعها من كبار الضباط السوريين و من الجنود، و من عامة افراد الشعب، منذ ان وضع قدمه على ارض الشام الطيبة ... و خطرت على باله نظرات الاستعلاء التي كان ينظر بها الاوربيون اليه و الى اخوانه، مع انهم جاءوا يبذلون دماءهم من اجل تحرير بلادهم ... يا عجبا.حقا ان الكرام كرام و ان اللئام لئام ...
و استفاد كبور من رخصة فتجول حرا في شوارع دمشق الفيحاء، و اعجبه فيها عمرانها الانيق و شوارعها الفسيحة و نظافتها التامة، اما الوجوه فهي نفس الوجوه التي تركها في بلده المغرب ... اوه ! ما اكثر المدارس و ما اكثر المتعلمين فيها، هؤلاء الناس محبون للعلم شغوفون به، و هذه اللغة العربية، ان الكتابة بها في كل مكان. و هؤلاء السيدات و الفتيات السوريات انهن مثال للحشمة و الوقار، و كلما نظرت اليه احداهن الا و افرجت شفتيها عن ابتسامة رقيقة مهذبة، لا تقل حلاوة عن كلمة (مرحبا)، ان لم تكن احلى!
ووصلت (بكبور) قدماه الى سوق الحميدية العامر، فوقف عند المتاجر الزاهرة يتامل، و تقدم احد الشبان للتحدث اليه عما يرى، ان كل ما هو معروض من الثياب هو من الصناعة السورية، و نوع (البروكان) عالمي، يصدر الى جميع انحاء العالم، و هذه المصنوعات الخشبية المطعمة بالصدف هي ايضا عالمية، لا يكاد بيت انيق في الدنيا يخلو من احدى تحفها، و المصنوغات الذهبية بلغت حدا من النقش و التخريم لا يجارى، و هذه وحدها هي التي عول (كبور) على اقتناء شيء منها عند العودة، ليتحف بها (طامو) العزيزة، الزوجة الوفية، التي غادرها و الدموع الغزيرة تعمر عينيها.
انتهى الطواف بسوق الحميدية، فاذا بالشباب يشير الى نهاية الشارع و يقول: هل يمكن ان نزور المسجد الاموي، انه اعظم  مساجد الشام، و للفور اخذ كبور بيد الشاب الودود و دخل المسجد، و لم تشغله فخامة البناء و جلاله عن التوجيه للقبلة و اداء تحية المسجد و بعد طواف قصير اخذه  صديقه الشاب الى زقاق بجوار المسجد، حيث يوجد ضريح البطل (صلاح الدين الايوبي)، و هناك ترحم بخشوع.
عند الخروج قال الشاب:
هذا الرجل جاء لانقاذ الشام من هجمات النصارى، و انتم جئتم لانقاذه من هجومات اليهود كلكم مجاهدون،بارك الله فيكم.
و ختم الشاب مرافقته للجندي المغربي باستدعائه لتناول مشروب وطني باحدى المقاهي الجميلة على ضفاف النهر السعيد (بودى)، و كانت جلسة ممتعة لن ينساها الرجل مدى الحياة.

و توالت الاستدعاءات الفردية و الجماعية، فاقيمت حفلة كبرى استدعى بعض الجنود السوريين و بعض الجنود المغاربة، و كانت وليمة سخية و تبادل الجنود الحديث مع بعضهم، و كان لذة الحديث في انه يكمل بالاشارات و تكرار العبارات و تبديلها الى ان يحصل الفهم، و كلما فهم متحدث عن صاحبه ما يقول، الا وشد على يده سرورا، او زاد في اغتباطه فعانقه عناقا اخويا حارا.
و كما كان منتظرا فان جوا من الاخوة الصادقة ساد بين الجميع، ضباط يحدثون ضباطا، و جنود يكلمون جنودا، و دون تعال او عجرفة كان عدة ضباط مندمجين في حديث طويل مع جنود عاديين ...
و اقترح احد الضباط السوريين ان يختم اللقاء السعيد بمباريات الرماية. و ترشح الجندي (سامي) عن سوريا، و ترشح عن المغرب الجندي (كبور) بينما وقف كافة العسكريين متمازجين في صفين احدهما عن اليمين و الاخر عن اليسار، و كان الهدف على بعد خمسمائة متر بالتمام، و اعطى كل رام عشر رصاصات.
كان اطلاق الرصاص بالتناوب، فاصاب (كبور) عشرة اهداف بالضبط، و لم يخطئ في أي واحدة و استقبل ذلك بالتصفيق و الهتاف، و اصاب الرامي السوري تسعة اهداف فلقي نفس الحماس في الهتاف و التصفيق ... و لكن كبور في الحقيقة شعر بشيء من الزهو على تفوقه و لذلك اعلن بلهجته المغربية:
"و الله لن اضيع من رصاصي رصاصة ، كل رصاصة بمقتول من الصهيونيين او معطوب، و مقابل كل رصاصة علي ان اتيكم بالعلامة التي يعلقها الجندي في معصمه و اذا لم افعل اقطعوا يدي ..."
علق ضابط سوري على هذه الثقة العسكرية بالنفس و ربت على كتف كبور و قال:
تسلم ايديك يا سي كبور!!
و مرة اخرى هتف جميع الجنود المغاربة و السوريين و صفقوا.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here