islamaumaroc

ملامح المغرب الحديث من خلال خطب جلالة الحسن الثاني استمرار البعث الإسلامي في الميادين الاقتصادية والاجتماعية ودعم قضايا العروبة والإسلام.

  دعوة الحق

العددان 156 و157

الخطوط العريضة للسياسة المغربية تتضح جلية من خلال مجوعة خطب جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله ، و على امتداد سنة كاملة، منذ خطاب العرش في مارس 1972 الى خطاب العرش الذي ننتظره هذه الايام جدت امور ذات اهمية و حدثت تطورات كان لها اعمق التأثير، لا بالنسبة للمغرب فحسب، بل بالنسبة لجميع اقطار العالم العربي و الاسلامي. و لقد حرصت مجلة (دعوة الحق) وهي تعد لعددها الممتاز – الذي تصدره كل سنة بمناسبة عيد العرش المجيد – ان تقوم بجولة فاحصة و مدققة عبر الخطب و الكلمات السامية التي القاها جلالة الملك المعظم خلال هذه الفترة، استقطابا لاهم الاحداث و رصدا لها.

و لعله من الاهم ان نذكر بالمناسبة بالحديث الهام و البالغ التأثير الذي خص به جلالة الملك المعظم ايده الله مجلة "دعوة الحق" فصدرت به عددها الممتاز الخاص بعيد العرش للسنة الماضية و ذلك في اطار العرش المغربي في ظلال البعث الاسلامي.
لقد قال جلالته حفظه الله:
"ان اهم ما يجب ان ينتبه اليه المسلم هو ما تعمد اليه الايديولوجيات الهدامة في معالجة الاخلاق كشيء مجرد، و معالجة الانسان منفصلا عن الاخلاق، فهذا (الانشطار) هو ما يجب ان نتصدى له بكل قوانا، لان الديانة هي العمود الفقري لكيان الانسان، و الامر اكثر وضوحا بالنسبة للمجتمع. فلا مجتمع بدون قانون خلقي و شريعة روحانية".
و هذه الفكرة الاساسية يزيدها جلالته توضيحا في فقرة اخرى من الحديث القيم المشار اليه مركزا على دور المغرب في هذا المجال، فيقول حفظه الله و ايده:
"ان المغرب الذي كان طيلة تاريخ طويل، الساهر  اليقظ على تراث الاسلام و معطياته الحضارية، سيخوض معركة التنمية الخلقية موقنا بان ذلك يشكل ضمانا لا بديل له للانتصار في معركة التنمية و التقدم".

و تعميقا لهذا الوعي الحركي ، نرى جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله يخصص فقرة هامة من خطاب العرش يوم ثالث مارس 1972 للحديث عن موقف شبيبتنا من الدين و الاخلاق، حيث يقول حفظه الله واعز ملكه:
"و من دواعي الاسف الشديد ، و الحسرة الاليمة ان نلاحظ ان فئة من شبابنا اخذت تنحدر في مهاوي الانزلاق متأثرة بمذاهب و تيارات تستهدف تقويض كل قائم سوي و تحطيم كل موروث نقي من عقائد و شرائع و اخلاق، و ما كان احرى بهذه الفئة المنحرفة ان توجه بصرها و تصرف نظرها الى تعاليم الدين الحنيف و الشريعة السمحة لاكتناه و اكتشاف مقاصد الاسلام و اسرار الدعوة المحمدية. و ما كان اجدرها ان تقف على سيرة النبلاء من اعلام الملة و عباقرة الفكر و جهابذة العرفان الذين نضروا وجه التاريخ و رفعوا صرح الحضارة بما اضافوه الى تراث الانسانية من ثراء فكري مجيد. ولعل ذلك الانحراف راجع الى جهل هذه الفئة الناشئة بحقائق الاسلام و الى اعراضها عن استيعاب اسرار الديانة و ذخائر الافكار و الاثار. و ان هذه الظاهرة التي تورث الاسى و تثير الغيرة و تحمل على الحفاظ لتشير الى مكامن التبعية و مواطن المسؤولية، فعلى اولياء الاطفال وارباب الاسر و على المعلمين و الاساتذة و جميع القائمين بشؤون تربية الشباب و تهذيبه و تثقيفه ان يقدروا ابعاد الخطر الذي يهدد المجتمع من جراء هذه الظاهرة و يؤدوا واجبهم على الوجه الذي يضمن التوجيه الصحيح و التوعية الصالحة".
و في مقابل التوعية الروحية و التوجيه الاخلاقي يحرص جلالة الملك الحسن الثاني اعزه الله على تدعيم اسس العدالة الاجتماعية الحقة في هذا البلد الامين و ذلك انطلاقا من قناعة جلالته بحتمية الحل الاسلامي لمشاكل المغرب باعتباره بلدا ناميا يشق طريقه في اصرار لبلوغ الاهداف الكبرى التي من اجلها كافح و جاهد العرش و الشعب في التحام كان و ما يزال مضرب الامثال في العلاقة بين القمة و القاعدة، و بهذا الخصوص يقول جلالة الملك في الخطاب القيم الذي القاه يوم عيد الشباب و الذي اعلن فيه حفظه الله عن الانطلاقة الاقتصادية الهائلة في ظل اشتراكية اسلامية مغربية معبرة عن اصالتنا:
" .. سنتجنب الظلم، و نتجنب المحسوبية، و سنخطو خطوة جديدة في اشتراكيتنا، وهو اننا نغني البلد دون ان نفقر احدا و دون ان نكون قد ساعدنا على خلق قلاع تكون بمثابة دور قوية وسط بيوت من قصدير.."
و هذا ، و ايم الحق، هو اساس ثورتنا المباركة، ثورة الملك و الشعب، و لقد صدق جلالة الملك اذ قال :
".. نحن الذين نستعمل و نعطي لكلمة الثورة مدلولها الحقيقي .. و مع الاسف فقد بحثت كثيرا في القاموس، فما وجدت الا حاجة واحدة .. توجد بعض الدول تخلط بين الثورة و الفتنة .. انا لست مع الفتنة .. الفتنة يمكن القيام بها بمسدس واحد، الثورة هي عمل يومي .. كل يوم .. كل يوم .. كل يوم كل سنة .. كل سنة .. كل جيل .. الثورة لا تنحصر في انسان، و لا في جيل و لا في كتاب، ولكن هي قبل كل شيء عقيدة .. لانها عمل مستمر للتجديد .. للتلقيح .. للانتاج".

و لا بدع في ذلك فنحن نعيش في ظل الاسلام، و نحت رايته، و تحت حقوقه و ضماناته، كما يقول جلالة الملك المعظم في الخطاب السامي الذي وجهه حفظه الله الى القوات المسلحة الملكية و الى الضباط والجنود الذين تواجهوا الى الجبهة السورية، فقد قال جلالته بالحرف الواحد:
انكم ستذهبون الى بلد لتردوا التحية قال سبحانه و تعالى "و اذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها او ردوها"، ذلك ان النبي صلى الله عليه و سلم حيانا باحسن تحية و ازكاها، حيث حيا هذا البلد الامين بالرسالة الاسلامية، و منذ ذلك الحين، و نحن نعيش في ظل الاسلام، و تحت رايته، و تحت حقوقه و ضماناته، فعلينا اليوم ان نرد التحية النبوية الزكية و ذلك بان نسترخص كل غال في سبيل استرجاع القدس، و كرامة المسلمين."
و هذا الموقف من المغرب تجاه قضايا اشقائه العرب و المسلمين ليس وليد اللحظة التاريخية او رد فعل عشوائيا، و انما هو موقف نابع من عقيدتنا الدينية اولا و من تاريخنا المجيد ثانيا اذ :
".. ان شعور المغاربة، هو شعور موحد اتجاه القضايا العربية، فامام قضايا العرب ، و امام قضايا الاسلام لا يبقى لاي متردد و لا لاي مستعمر ان يتهم المغرب بانه فيه العنصرية، و ان المغرب منقسم الى من هو عربي و الى من هو غير عربي ، المغرب دولة لغتها العربية و دينها الاسلام وهي عضو في الجامعة العربية و تربطها بالجامعة العربية اوفاق و عهود و مواثيق. و المغرب قبل كل شيء لم تكن هذه وثبته الاولى و لم يكن هذا تحركه الاول لنصرة العرب طيلة تاريخهم المجيد"
و لقد اكد جلالة الملك المعظم هذا الموقف المؤيد خلال نؤتمر القمة العربي السادس الذي انعقد في 26 نوفمبر 1973 بالجزائر الشقيقة.
و من خلال فقرات خطاب جلالة الملك في هذا المؤتمر تتضح حقيقة التأييد المطلق و الدعم المالي و العسكري و المعنوي الذي يقوم به المغرب بقيادة جلالة الملك المعظم حفظه الله لاشقائه العرب و المسلمين، حيث قال نصره الله:
".. و اننا ليكفينا فخرا في المغرب العربي ان نقول : اننا كلما كنا نودع اسرا لنا تذهب الى الشرق، كنا دائما نودع اسرا لانها كانت ستذهب الى حج بيت الله الحرام. اما اليوم فسيقع للبعض ان يودع فردا من افراد اسرته فيسأله اين انت ذاهب، فيقول له : "انا ذاهب لاترحم على جثة قريب لي استشهد في الشرق حماية و دفاعا عن الاسلام".
ثم يقول جلالة الملك حفظه الله في ختام خطابه القيم مركزا على اسلامية المعركة ووجوب الانطلاق من كتاب الله للجهاد ضد الصهاينة و الاستعمار:
"و هكذا يمكننا ان ننطلق من كتاب الله سبحانه و تعالى حيث قال : (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله امنين محلقين رؤوسكم و مقصرين لا تخافون) ، فسوف نصلي في القدس .. و سوف نحيي علم فلسطين، و سوف نحضر استعراضات النصر في كل من دمشق و القاهرة، اما المسافة فعلينا ان نعلم انها مسافة طويلة و شاقة".
و طبيعي جدا ان تكون المسافة طويلة و شاقة .. فطريق الجهاد لم تكن ابدا مفروشة بالورود .. و تكاليف الجهاد باهظة .. ولا يطيقها الا ذوو العزم و الارادة و الايمان القوي بالله، و لذلك نجد جلالة الملك المعظم نصره الله يركز على هذه النقطة في  الكلمة السامية التي القاها في الوفد العسكري المغربي الذي زار المغرب ممثلا للتجريدة المغربية بسوريا، حيث يقول في كلمات جد مؤثرة:
".. انني حينما ارسلتكم الى سوريا علمت انه سيكون منكم الشهداء و الجرحى، و لكني علمت كذلك انه سيكون هؤلاء الشهداء في مقعد صدق مع النبيئين و الصديقين و الشهدء و الصالحين، و علمت بان مرضاكم و المعطوبين منكم ، و الجرحى يكفيهم ان يمروا امام اخوانهم سواء في وطنهم الكبير، وهم حاملون لجرحهم ليكون لهم ذلك العطب و ذلك الجرح اكبر تشريف و اكبر تكريم".
و استقبل جلالة الملك ايضا الفوج العسكري الذي يمثل التجريدة المغربية في مصر و قال فيهم كلمة ذهبية تزيدنا  اقتناعا بالدور الكبير الذي لعبه المغرب في حرب رمضان 1393. و هكذا نجد جلالة الملك المعظم يقول:
انكم كنتم في بلد تعاني و تقاسي لتحرير اراضيها، و كنتم في ان واحد تخوضون معركة دينية اسلامية حيث ان غزواتنا هذه هي لاسترجاع مقدساتنا التي هي بالقدس الشريف. و ان المغرب على فمي يشكركم جزيل الشكر و ينوه بكم احسن ما يكون التنويه، يقول لكم شكرا على ما فعلتم انني فخور بكم، معتز بكم. ارجو الله سبحانه و تعالى ان يجعل جيشنا المغربي دائما في مثل هذا الطريق و على مثل هذا السبيل المستقيم، سبيل الله الذي لا يعرف الاعوجاج بل لا يعرف الا الشرف و الفخار"..
و حتى يسير العمل السياسي في خط متواز فان المغرب لا يدع جانبا يطغى على جوانب اخرى .
و من خلال نظرة شمولية استقطابية تعالج الامور في الداخل تماما كما تعالجها على الصعيد العربي و الاسلامي و الافريقي.
و جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله يولي عناية فائقة للجبهة الداخلية و ذلك في الوقت الذي يعير اهتمامه البالغ لقضايا العروبة و الاسلام كل ذلك وفق معيار سياسي متميز يعتمد اساسا على الاسلام كمنهج و مقياس للحكم.
و هكذا وجه جلالة الملك المعظم خطابا ساميا الى شعبه الوفي وذلك في حفل تقبل التهاني بمناسبة عيد الاضحى المبارك، قال فيه على الخصوص:
".. شعبي العزيز : املي ان تعلم اكثر من ذي قبل ان الوحدة ووحدة الصف و التئام الشمل و جمع الكلمة كانت و لا تزال السر الوحيد لانجاح كل عمل عملاق مثل العمل الذي نحن نريد ان نقوم به و ننجزه، و هذا يستوجب من الجميع شيئا من المرونة في التفكير و حسن الارادة، حتى يمكنه ان يتعدى الخطوة فيصل و يدرك الخطوة التي يريد ان يصلها. و هذا يتطلب كذلك وعيا صادقا بالواجب الوطني كما يتطلب وطنية غيورا لا تقبل اية مهاودة و لا تقبل أي تعامل مع أي كان اللهم الا اذا كان مغربيا صميما اصيلا".
و هذا الاهتمام البالغ بالوحدة الوطنية باعتبارها الاساس المكين لاي عمل لصالح الشعب و البلاد، يقابله من جهة ثانية اهتمام دقيق بالتنمية الاقتصادية و النهضة الصناعية و التجارية ببلادنا. و في الرسالة التي وجهها جلالة الملك المعظم الى شعبه بمناسبة افتتاح المعرض الدولي الخامس و العشرين الذي نظم بالدار البيضاء ، يقول جلالة الملك حفظه الله و ايده:
".. و اذا كان مستحيلا على بلد من بلاد المعمور ان يتقدم منفردا
منعزلا عن غيره بخطى ثابتة في جميع الميادين فانه لا مناص لبلد يود ان يضطلع بدوره في عالم اصبحت اجزاؤه يكمل بعضها بعضا من الانتفاع بمواده و خصائص عبقريته الى جانب انتفاعه بموارد البلاد الاخرى و ما تحققه عبقرياتها من مكتسبات .. ان التقدم البشري بنتائجه و ثماره ذخيرة مشتركة بين البشرية جمعاء مبذولة لاعضائها للانتفاع بها على السواء. و يترتب عن هذا ان المبادلات التجارية تشكل بالنسبة لبلد كبلدنا سائر في طريق النماء ركنا من اركان الازدهار الاقتصادي، و انطلاقا من هذا الاساس فانه على بلدنا ان يعمل على الحصول على ادوات التجهيز ريثما يتيسر له انتاجها بنفسه، و ذلك لاقامة صناعة وطنية كاملة يستطيع بفضلها ان يوالي السير في "طريق الاقلاع".."
و من المؤكد ان الصناعة لا تقوم على فراغ، بل لابد من ازدهار اقتصادي قائم هو الاخر على نهضة فلاحية مثمرة. و في هذا الاطار امر جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله سمو الامير ولي العهد سيدي محمد برئاسة عملية توزيع الاراضي على صغار الفلاحين على سكان دائرة تاونات و الميلاح بنواحي فاس. و بلغت مساحتها 4.550 هكتارا استفاد منها حوالي 400 فلاح. و بالمناسبة القى سمو الامير ولي العهد سيدي محمد خطابا جامعا حدد فيه الغاية من هذه العملية و قال بالخصوص :
".. و اذا كان وجودي بينكم اليوم دليلا جديدا على ما يوليه ملكنا المفدى للفلاحين من رعاية موصولة و حدب دائم، فانه دليل من جهة على ما ينيطه من اهتمام بما تغله ارضنا المخصابة و بالصناعة المرتبطة بالزراعة اوثق ارتباط و بما يذره الانتاج و التحويل من ارباح و موارد. ذلك ان الاصلاح الزراعي بمفهوم و مدلول جلالته الكريمة يهدف في ان واحد الى توسيع نطاق الثروة بتكثير عدد المستفيدين من الفلاحة و الى مضاعفة الانتاج و اغزاره اغزارا لا يقتصر على تأمين الكفاية للاستهلاك المحلي و انما يتطلع الى تصدير الفاضل عن الكفاية و الاسهام بالحظ الوافر في اثراء مذخراتنا من العملة الصعبة".
و بعد :
تلك باختصار شديد اهم ملامح المغرب الحديث خلال سنة على وجه التقريب استقطبناها من بعض خطب و تصريحات جلالة الملك الحسن الثاني ايده الله و نصره، و اردنا بها تقريب الصورة الحقيقية لاتجاهات السياسة و الاقتصاد في مغرب الحسن الثاني.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here