islamaumaroc

القرد والديك

  عبد القادر السميحي

21 العدد

كان الأستاذ عبد القادر السميحي قد بعث إلى المجلة بمقال تحت عنوان: " مع  حكيم القردة " وبعث مع المقال صورة لقرد يضرب على الآلة الكاتبة، طلب إلينا أن ننشرها مع المقال.
 وفي العدد الرابع من السنة الثانية نشرنا معها الصورة. وفي العدد الخامس بعده علق على المقال الأستاذ محمد العربي الخطابي في باب " العدد الماضي في الميزان" بقوله:
 وحيث أنني لا استسيغ في الأدب والسياسة أن يتحدث قرد بلسان البشر، لا سيما حين يريد الكاتب أن يجعل من القرد حكيما، فإنني لم أتذوق ما كتبه السيد السميحي على لسان هذا الحيوان ولم أطرب له. وقد جرت العادة أن ينطق الكتاب حيوانات أليفة تعيش مع الإنسان مثل الحمار والكلب والديــك .. .
 وننشر اليوم هذا المقال للأستاذ السميحي الذي بعث به إلينا، يعتب على كون المجلة لم تنشر صورة القرد مع مقاله السابق، و يرد على الأستاذ محمد العربي الخطابي.
 حينما أكدت على أن تنشر صورة القرد، الذي يضرب على الآلة الكاتبة، في مقالة " مع حكيم القردة" كنت أعني بوضوح ما لهذه الصورة المعبرة من ترابط موصول التأثير بالموضوع بوجه عام، فضلا عن الترابط التكاملي بين الطرفين، ونقيض ذلك ما حدث لأسباب، قد يكون من ضمنها وجوب طلب الإذن مقدما، تبعا لقانون حقوق النشر، الخاص بالصور والمقالات.
 وهكذا فقد المقال عنصرا حيويا معبرا، وقد كان الهدف من ذلك في الدرجة الأولى، هو الاتجاه المعروف بالسخرية عند " برنارد شو" وغيره، وهو مذهب يصور الحقيقة الإنسانية، عارية بلا دثار، حتى من ورق التوت . . لا علينا، والمهم، ما لوحظ من رأي حول المقال، وهو مجرد من الصورة مصدر الموضوع " من أن العادة جرت على أن يستنطق الكتاب حيوانات أليفة مثل الكلب، والديك".
 هل حقيقة أن الكتاب التزموا التمسك بهذا المفهوم بكل دقة، بحيث لم يتجاوزه إلى ما عداه من الكائنات الحية.
 ولماذا كل هذا التضييق على حرية التعبير في مجال الأدب؟ وهل  طبيعة الفن تقبل الالتزام بمذهب دون آخر؟ ما قطع أحد يأمر كهذا، فليس أضر بالأدب من محاولة كهذه، والمعروف أن الأدب تناول بوجه خاص سائر مخلوقات الله  من الحيوانات، من بعض أمثلة ذلك كتاب " كليلة ودمنة" و " توماس هاردي" وشوقي المعري؛ وألمهم دائما في فن الأدب، هو العمل الفني ذاته بصرف النظر عن الوسائل التي اتخذها واستغلها أي كاتب لبناء عمله الفني، سواء كانت مستمدة من الطبيعة البشرية، والمواضعات الاجتماعية، أم من غيرها من طبائع الكائنات الحية. فالذي يظل للبحث النظري، هو النص الأدبي، هو الغاية نفسها، وغلى أي مدى نجح موضوعا ما، في إحداث الأثر النفسي في الآخرين . . . وهل في الإمكان أن يقتصر على عنصر من عناصر الحياة، دون بقيتها؟ وهي التي ظلت، ولا تزال مربوطة مثله بعجلة الحياة . .
 أن الأدب ينمو ويزدهر، ويزداد حيوية، وإثراء وفنا، ما تعددت وتكاثرت صور المرئيات البصرية، مع تقدم الحضارة الإنسانية، وقد اكتسب الأدب قيمة جديدة هي ما عبر عنها " بفجر الحس المشترك" وهي التي تعد " من مظاهر العبقرية الإنسانية" على حد تعبير كل من " تاجور" و " جوتيه" وهي التي تفهمها بحساسية عميقة، ذلك الشاعر الحالم " م. جويو" في كتابه " مسائل فلسفة الفن المعاصرة" ( ترجمة الأستاذ سامي الدروبي طبع القاهرة) :
 " إنني أسير ألوف المخلوقات التي أحبها، إذا هزتها خطرة من نسيم، أحسست أن شيئا مني ينتزع، ويقتلع . . ولن يستطيع الإنسان أن ينظر إلى نفسه متسائلا عن هذا النوع الأدنى من الإنسانية، التي تحيط به".
 وهذا " فيتاغورس" : " علم، أن كل ما يولد وفيه دبيب الحياة، ينبغي أن ننظر إليه جميعا نظرتنا إلى أبناء الأسرة الواحدة".
 وشاعرنا العظيم " المعري" قد توصل إلى معرفة هذه الحقيقة، وأحدث اتجاها في الأدب العربي يتصف بالأصالة المذهبية الهادفة إلى اتجاه يعرف اليوم "بالأدب الملتزم" وجاء الكثير من أعماله الأدبية معبرا عن هذه القيمة الجديدة في المضمون، اتسع مداها إلى ما وراء محيط الإنسانية، فهو يؤمن بينه وبين سائر الحيوانات إلى أن تأمن بجواره، ويخاطبها بقوله : " فما بيني وبينكما فرق" وتشكل هذه الفلسفة العلائية نظرية جديدة في الأدب، وجاءت هذه الجدة من أن مضمونها الحي لا يقتصر على محيط الإنسانية بل يشمل سائر الكائنات الحية، لا أدنى باعتبارها مخلوقات أدنى قيمة وجودية من الإنسان، ولا باعتبارها بالتالي مخلوقات مسيرة لمنفعة البشرية ورفاهيتها، بل باعتبار صلة الأخوة بالمعنى الأعم " وما من دابة في الأرض، ولا طائر بطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم".
 والأدب في حياته الطويلة كان، ولا يزال يعبر في الدرجة الأولى عن كل ما يتصل بالإنسانية وعواطفها وتأملاتها، وأحلامها الجنسية، أما من دون ذلك من العلاقات، والروابط النسبية بين الإنسان وسائر الكائنات الحية، فإن التعبير عن ذلك كان يأخذ دورا ثانويا، باعتبار أن هذه الحيوانات أدنى قيمة وجودية من الإنسان، ولأنها منفصلة عنه في الجنس، والطبيعة والسلوك، وطريقة التعايش في الحياة، والتجاوب في الشعور الوجداني، مما جعل فيلسوف الشرق، الأديب الشاعر " ميخائيل نعيمة" يؤكد هذه الحقيقة حين حدد غاية الأدب ومن أن    "إبراز الشخصية الإنسانية بوصفها محورا للأدب، فكل أدب لا يعود إلى الإنسان، ويمس الإنسان في ضميره ليس أدبا".
 أنه هو الذي يعترف في نفس الوقت والمكان بما هو حقيق في ذاته، وخيري، وصالح ونبيل، فيقول: " والإنسان لا يزال يترقى حينما يتعرى عن ذاتيته . . " ثم يضيف قائلا : " أن الطبيعة لا تزال تؤثر في نفسي، لدرجة أنني بت أشعر عندما ألمس الصخر، كأنني ألمس كائنا حيا" يا لهذه الحساسية العميقة في فهم الطبيعة أن تحليل الأشياء تحت المجهر، وظهور الآلات العلمية الحساسة كشفت عن حركت الحياة في النبات، والجماد مما جعل الأدباء المحدثين يتفهمون حقيقة الحياة على نحو يتصف بروح العلم.
 لقد ظهر حديثا عالم أمريكي من علماء الكيمياء يقول بنظرية تثبت أن أصل الإنسان من النبات، وبذلك هدم النظرية الدروينية التي تزعم أن أصل الإنسان من سلالة القرود، أن الأدب لم يجهل هذه الحقيقة، كما لم يجهل التفسير الديني لأصل الإنسان.
 ومقالة " مع حكيم القردة" لا أظن أن هناك حرجا في أن يتحدث قرد بلسان بشر، لأنه على زعم العلم أصل الإنسان، ولأنه أسهل وأطرف من أن يتخيل الإنسان قردا ضخما في تكوينه العضوي، الذي يضارع جسم الإنسان، وهو يلقي خطابا سياسيا أمام مكبرات الصوت، في قاعة هيئة الأمم المتحدة، وهو يؤكد معاني عبارته بإشارات اليد، وضرب المائدة.
 وهو يخرج بعد ذلك من المجلس، ويده في يد السيد " همرشولد" ويقف ليتيح للصحفيين وشركات السينما والتليفزيون، فرصة التقاط الصور التقليدية، أن ذلك أفضل بكثير من أن يتخيل الإنسان ديكا يقوم بهذا الدور أن السيد "همرشولد" في هذه الحالة إما أن يضع الديك في كف يده، وإما أن يتواضع لحضرة الديك، وينبطح على الأرض ليشعره بمكانته.
 ومن جهة أخرى، فإن التجارب العلمية أثبتت قدرة القرد على تمثيل، وتقليد ما يؤمرون به، ما هو من خصائص الطبيعة الإنسانية، فظهر اليوم في عالم الفن، قرد فنان، يملك الريشة ويرسم الصور بالألوان الطبيعية الزيتية، والمائية.
 وقد شاهدت في القاهرة شريطا سينمائيا صغيرا عن قرود حديقة الحيوان في ألمانيا، إنك تشهد حفلة ملاكمة داخل حلقة المصارعة، المحاطة بالقوائم الأربعة الخشبية، والحبال، والأبطال من القرود وقد لبسوا القفاز الجلدي التقليدي والمتفرجون من القرود، وهم يصيحون، ويشدون شعور رؤوسهم.
 ويبدأ الشوط بكل دقة، حين يصغر الحكم، وفي منظر آخر تشهد هذه الجماعة تمثل فرقة " الجازباند" بحركاته الجنونية، أن القرد أصبح اليوم يقوم بدور رئيسي في الأفلام في حركة متقنة معبرة مليئة بالانفعالات البشرية من ضحك وغضب، والقيام بدور مربية الأطفال حين تغيب سيدة البيت يقوم القرد بإعطاء بزازة اللبن إلى الطفل، وينظف فضلاته ولعابه. أن الفن اليوم اتجه إلى إدخال العنصر الحيواني في الأعمال الفنية بصفة عامة، بنفس النظرية التكاملية التي آمن بها " المعري" منذ ألف عام.
 أن أحدا لم ينتقد أعمال " والت دزني" حين أضفي على صوره المتحركة، ما هو من خصائص الطبيعة البشرية من أفعال، وانفعالات . . .
 معذرة، إذا ما فهم من هذه المقارنة بأعمال عمالقة الكتاب الأدباء، أنني أتطاول إلى هذه العلياء من الذرى الذاهبة في السماء أنني قزم قابع في قاع المنحدر، أترقب ما يتساقط غافيا من رياش أجنحة هؤلاء النسور، المشرعة أجنحتهم بين الزرقة والسحاب والشموس.
       
  
    
 


         

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here