islamaumaroc

الضمان الاجتماعي-3

  عبد الكريم التواتى

3 العدد

... قبل أن نواصل في بحثنا ارتياد معالم الأطر العامة لخطوط الضمان الاجتماعي الكبرى في الإسلام، تلك الخطوط التي قلنا إنها تتجسم - في الدين الإسلامي - في نظام الزكاة بمعناها الواسع، وقبل أن نحاول مقارنة هذه الخطوط بأقصى ما حققته الأنظمة الحديثة في هذه الميادين من مشاريع وقوانين، نرى لزاما علينا أن نلقي نظرة عامة عميقة على الدور الحقيقي الذي يجب أن يلعبه المال في نظر الأوصياء على المجتمع المتكامل الذي ينشده الإسلام، ما دام المال هو وحده أس جميع الاتجاهات الاقتصادية لسكان عالمنا الأرضي، وأم كل المشاكل الاجتماعية منذ بدء خليقتهم إلى الآن، وذلك لنعرف إلى أي مدى يمكن أن يؤثر في تكييف هذا المجتمع وتوجيهه الوجهة النافعة الصالحة التي ظلت أبدا - في نظر الإسلام - هي العمل على رفع مستوى البشرية ماديا وروحيا، وإنما يدعونا إلى دراسة هذه النقطة منذ البداية الاعتقاد الجازم بأن جميع المشاكل التي تعترض الأنظمة الاقتصادية أو اعترضتها أو سوف تعترضها هي ناشئة أولا وقبل كل شيء عن:
أولا: الجهل بالدور الحقيقي الذي يجب أن يعطى للمال استثمارا أو اقتناء في جميع معاملاتنا أفرادا وجماعات.

وثانيا: عدم تحديد القيمة المجردة التي يجب أن تستقر في أذهان الناس عن نفس المال ودوره ذاك.

وثالثا وأخيرا: عدم معرفة الاتجاهات الأصلية التي تجب مراعاتها عند دراسة المال كقضية إنسانية ذات قيمة روحية ومدى تأثيرها في تطوير وتكييف المجتمع الإنساني المثالي وعلاقة أفراده بعضهم بالبعض.

وما لم تدرس علاقة المال بالأفراد والمجتمعات انفرادا واجتماعا دراسة متقنة عميقة، وما لم يعد النظر في أنظمة الاقتصاد المالي العالمي على أسس الفكرة الإسلامية المبنية على اعتبار العالم وسكانه وحدة واحدة لا قيمة فيها للفرد إلا باعتباره خلية من مجموع، ولا عبرة فيها بالجماعة إلا من حيث أنها ضمان قوي لمصالح الأفراد العليا في دائرة المحافظة على حقوق وحرية ومصالح الجميع، وما لم تستلهم في هذه الدراسات التوجيهات الإلاهية التي وضعت منذ البداية لمصلحة وخير البشرية فقط، وما لم يتشبع القائمون على مصائر الاقتصاد في كل أمة بأن أية محاولة لوضع اقتصاديات أمة ما على فكرة القوميات الضيقة إنما هي مؤدية حتما إلى جعل الميزان الاقتصادي فيها متأرجحا مضطربا إذا هو لم يسر في غير صالحها تماما، وما لم يتشبعوا أيضا بأن قوى الخير في عموم العالم إنما تنبع من معين واحد هو الإيمان العميق بمبدع الوجود، وتتخذ طريقا واحدا هو الكفاح المتواصل المجيد من أجل التقريب بين جميع عناصر هذه القوى، لتصل في النهاية إلى غاية واحدة هي الانتصار على قوى الشر انتصارا رائعا باهرا يطمئن البشرية على مصيرها.. ما لم يتحقق كل ذلك فإن جميع النظم الاقتصادية التي يمكن أن تخترع، وجميع ما قد يتفرع عنها من مشاريع ضخمة أو تافهة، ستظل ناقصة التأثير إن لم تكن عديمته ولو على الأقل فيما يخص الفوائد التي كان من المقدر أن تعود بالنفع على العالم الذي نؤكد في يقين أن الإسلام لا يسمح البتة أن ينظر إلى وحداته وأممه وشعوبه إلا كخلايا متعددة متنوعة صورة وشكلا فحسب، أما مدلولا ومضمونا فهو خلية واحدة متماسكة متداخلة لا تنفصم عراها ولا تتعارض مصالحها ولا تتضارب اتجاهاتها مهما حاول الانتفاعيون والانتهازيون أن يجعلوا منه عديدا من الأمم وشتيتا من الدول، مؤكدين - تدفعهم أنانيتهم الخاطئة الكاذبة - اختلاف مصالحها وتباين أغراضها بناء على ما اخترعه خيالهم المجنح من أوهام حاولوا أن يضفوا عليها بريقا من العلم الزائف، أملا في جذب ضعفاء الإيمان وقاصري الفكر إلى محيطهم الضيق الذي يتنافى وأفق العلم الحقيقي الواسع العريض... وبعد، فما هو دور المال في اقتصاديات المجتمع الإسلامي؟

... أولا: يقرر أن المال مال الله (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) [النور: 33] (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ 7) [الحديد: 7].

ثانيا : يقرر أن كنز المال وحبسه عن التداول في كل ما يعود نفعه على الإنسان شيء محظور وغير معترف به، ولا يمكن أن يكون له مكان تحت ظلال راية الإسلام (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) [التوبة: 34-35].

ثالثا: وهذا يتفرع عن الثاني، يقرر أن الاحتكار يصاحب الكفر ويسايره، ففي سنن أبي داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من احتكر طعاما أربعين يوما فقد برئ من الله وبرئ الله منه).

تلك هي الكليات والحدود الواسعة الضيقة المثلى التي يضعها الإسلام للمال كهدف وغاية، وذلك  هو الدور الحقيقي الذي ينحصر فيه المال في نظام الاقتصاد الإسلامي، فالمال هو لله، ومهمة صاحبه وعلاقته به هي علاقة المستخلف بمن استخلف عليه، وعلاقة المؤتمن على ما اؤتمن عليه المهمة هي الاستخلاف لا الامتلاك، والاستخلاف لنفع المجموع وخيره ولمصالح البشرية العليا، والذين لا يحسنون تجسيم هذه العلاقة ولا يقدرون على القيام بتمثيل هذا الدور تمثيلا كاملا رائعا ولا يستطيعون أداء هذه المهمة السامية العالية على أحسن الوجوه وأكمل الصفات - يجب أن يحرموا من كل تصرف قليلا كان أو كثيرا في كل مال قدر بوجه من الوجوه أن يكون - صوريا -لهم، ومن هنا رأى الإسلام وجوب فرض التحجير الفعلي الكلي على الصبي والسفيه، الأول من حيث انعدام الصلاحية العلمية والعقلية لمعرفة الوجوه الواجب صرف المال فيها، والثاني من حيث انعدام الأهلية الخلقية - والإسلام قانون وأخلاق لا ينفصلان - للقيام بدور الاستخلاف في مال الله (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً) [النساء: 5]...

فإذا تهيأ المسرح وهو العالم كله والدنيا بأسرها، وتهيأت المناظر الملائمة الصالحة وهي كل المعاني الإنسانية النبيلة والأخلاق الإسلامية الكريمة، ووجد الممثل المقتدر البارع الحكيم الخبير الذي يعرف دوره ويتقن تجسيمه -ويجب أن لا يكون صبيا غير مكتمل العقل ولا سفيها لا يقيم وزنا للأهداف التي تتوخاها المسرحية - جاء دور الإخراج الفعلي وتجسيم الدور أمام النظارة الذين يتكونون من عموم سكان العالم، ونعني بتجسيم الدور الغاية من المال، ويؤكد الإسلام أنها توظيف المال وتداوله في المصالح العامة المشتركة بين جميع النظارة والممثلين معا، الذين يتساوون في كل شيء ولا يتمايزون إلا بمدى استعداد بعضهم للأداء والتلقي وقدرته على تحمل كامل المسؤوليات المتولدة عن ذلك... ومتى كان المال مال الله لم يبق مجال للتقاتل عليه أو التفاخر به والتكالب على استغلاله، ولم تعد ثمة فرصة لصرفه في ما لا يكون ذا نفع على المجموع البشري الذي يهدف الإسلام بجميع نظمه لإسعاده وضمان حياة الاستقرار له. ومتى تقرر أن المال للتداول لم يعد هناك أي معنى لخزنه في البنوك والمصارف، وإنما يجب أن يتداول في الأسواق لتكون منفعته أعظم وأعم وتأثيره أوسع لجميع الطبقات، ثم بعد كل هذا يجب إنفاق فضوله على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل والغارمين وفي سبيل الله وعلى جميع المشروعات العائد نفعها على الأمة، ويجب أن لا يكون دولة بين الأغنياء فحسب، وإنما يجب أن يكون دولة بين جميع أفراد الإنسانية... ونقرر بهذه المناسبة أن ليس هناك في القرآن ما يمنع الدولة الإسلامية من فرض ضرائب على الأغنياء بنسبة ثرواتهم وأرباحهم ودخلهم إذا اقتضت مصلحة المسلمين ذلك ودعت الضرورة إليه كالدفاع ومساعدة المحتاجين والدعوة إلى سبيل الله، وذلك أخذا من مفهوم آية التوبة (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلواتِكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [التوبة: 103]، ومن حديث (إن في الأموال حقا سوى الزكاة).

فالنظرية الإسلامية في دور المال ومدى تأثيره في مجتمع خاضع لنواميس الاقتصاد الإسلامي تؤكد عدم أحقية الفرد - إلا ضمن العمل من أجل المجموع- في التصرف في الأموال التي استخلف فيها، وليس معنى هذا أن الإسلام ينكر الملكية الفردية أو يناهض حقوقها أو ينكر مدى أهميتها كعامل قوي في إتاحة الفرصة لهذا الفرد كي يستخدم ملكاته التي قد تكون عظيمة في استثمار رأس المال التجاري، وإذ يؤكد الإسلام هذا يلح من جانب آخر أن لا تكون العوامل الاقتصادية مانعة الفرد أو المجموع من القيام بالواجب الأكثر قداسة، ونعني به القيم العالية للحياة نفسها، هذه القيم التي توجب أن يكون الله وواجبه مقدما على كل واجب سواه، مهما بدا هذا السوى - لقصيري النظر - خطيرا وذا بال.

والإسلام بإعطائه -من جهة- الفرد كامل حريته في استخدام قدرته الشخصية في استثمار رأس ماله التجاري مع ضمان حقوقه كفرد عامل لخير المجموع، وإشعاره في نفس الوقت بمراعاة هذين الأمرين: الأول أنه وإن يكن من الواجب عليه أن يركز كل اهتماماته وانتباهه في العمل لكسب العيش فإن الواجب يقضي أن يؤمن بأن للحياة جوانب أخرى ذات قيم سامية تتلاشى أمامها القيم المادية جملة وتفصيلا، والثاني أن يؤمن أنأقصى حريته فاقدة المفعول عندما تتعارض والمصلحة العليا لمجموع الأمة، وإعطائه من جهة أخرى للمجموع رقابة صارمة على الفرد حتى لا يتعدى حدود ونطاق حريته التي يجب أن تستمد وجودها من المجموع، وأن تنصهر في حرية هذا المجموع؛ بإعطائه ذلك يقيم الإسلام أعظم توازن اقتصادي يقي مجتمعاته من شرور ما يسمى بحرب الطبقات، ويبعد عن محيطه سيطرة الرأسمالية المنكرة في عنف حقوق الجماعة على الفرد، ويبعد في الوقت نفسه جحود وكفر الشيوعية التي تشل حرية الفرد وتجعله تافها.

والإسلام أخيرا بنظمه تلك يضع حدا لجرائم الغنى ومفاسد البطر والترف الناتجة عن غرور المال، ويوقف تيار الجرائم الناتجة عن غرور المال، ويوقف تيار الجرائم الناتجة عن الفقر، هذه الجرائم التي تعد في الحقيقة والواقع رد فعل على جرائم الغنى وانعدام التوازن الاقتصادي في المجموع. لهذا وأمثاله يوجب الإسلام العناية بالمسألة الاقتصادية على فكرة ضمان الطبقات الحاكمة جميع ما تحتاجه الطبقات المحكومة بجعل مستواها العلمي والصحي والمادي كفيلا بإبعاد اليأس والسأم عن أرواحهم وجديرا بإدخال المسرات إلى نفوسهم وقلوبهم، كل ذلك في دائرة الإيمان بضرورة العمل على مراعاة غايات الحياة السامية وأغراضها المشتركة الكبرى ويدخل ضمن هذه الضمانة :
أولا: تيسير أسباب العمل للقادرين عليه ومساعدة العاجزين.
ثانيا: ضمان الدولة حق العمال والصناع والزراع قبل أصحاب الأعمال لدرجة تضمن لأولئك حريتهم الشخصية التامة واستقلالها الكامل، وتكفل لهم بعد ذلك الحياة الكريمة المعقولة ضمن الإطار العام للدولة الإسلامية...
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here